وهيَ فرضُ كِفايَةٍ. وشُروطُها كالجُمُعَةِ، ما عدَا الخُطبتَينِ.
(بابُ صلاةِ العيدَين)
أي: صفتُها، وأحكامُها، وما يتعلَّقُ بها.
سُمِّيَ اليومُ المعروفُ عيدًا؛ لأنَّه يعودُ ويتكرَّرُ لأوقاتِه. وقيلَ: لأنَّه يعودُ بالفرحِ والسرورِ. وقيل: تفاؤلًا بعودِه، كما سُمِّيتِ القافلةُ قافلةً في ابتداءِ خروجِها؛ تفاؤلًا بقفولِها سالمةً، أي: رجوعِها.
والأصلُ في مشروعيتِها: الإجماعُ، وما تواترَ مَنْ أنَّ النبيَّ - ﷺ - وخلفاءَهُ صلَّوها. وقدْ قيلَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]: أنَّ المرادَ: صلاةُ العيدِ. واختُلِفَ عن أحمدَ في حكمِها، فعنه: أنَّها فرضُ عينٍ. وعنه: سنةٌ. (و) الصحيحُ: (هي) أي: صلاةُ العيدين (فرضُ كفايةٍ) لأنَّه ﵇ واظبَ عليها حتى ماتَ. ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ صلاةِ عيدٍ صلَّاها رسولُ اللهِ - ﷺ -. عيدُ الفطرِ، في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ.
(وشروطُها) أي: صلاةِ العيدين (كالجمعةِ) لأنَّها صلاةٌ لها خطبةٌ راتبةٌ، أشبهتْ الجمعةَ. فيُشْترطُ: الوقتُ، والاستيطانُ، وعددُ الجمعةِ، لا إذنُ إمامٍ (ما عَدا الخُطبتين).
يَبدأُ بالصَّلاةِ قبلَ الخطبةِ. قال ابنُ عمرَ: كان النبيُّ - ﷺ -، وأبو بكرٍ، وعثمانُ، يصلُّون العيدين قبلَ الخطبةِ. متفقٌ عليه (^١). فلو خطبَ قبلَ الصَّلاةِ، لمْ يُعتدَّ بها،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨).
[ ١ / ٤٧٧ ]
وتُسنُّ بالصحراء. ويُكرَهُ النفلُ قبلَها، وبعدَها قبلَ مفارقَةِ المُصلَّى.
ووقتُها: كصلاةِ الضُّحَى
كما لو خطبَ في الجمعةِ بعدَها. وقدْ رُوي عن بني أميةَ تقديمُ الخطبةِ. قال الموفَّقُ: ولم يصحَّ عن عُثمانَ (^١).
(وتُسنُّ) صلاةُ العيدين (بالصحراءِ) لحديثِ أبي سعيدٍ: كان النبيُّ - ﷺ - يخرجُ في الفطرِ والأضحى إلى المصلَّى. متفق عليه (^٢). وكذا الخلفاءُ بعدَه. ولأنَّه أوقعُ هيبةً، وأظهرُ شعارًا، ولا يَشقُّ لعدمِ تكرُّره، بخلافِ الجُمعةِ. إلا بمكةَ المشرَّفةِ، فتصلَّى بالمسجدِ الحرامِ؛ لفضيلةِ البُقعةِ، ومشاهدةِ الكعبةِ، ولمْ يزلِ الأئمةُ يُصلّونها به.
وظاهر كلامِ "المنتهى"، و"الإقناع"، و"غاية المنتهى": أنَّ مسجدَ المدينةِ، والأقصى، كغيرِهما، فلا يُسنُّ فيهما، بل في الصحراءِ.
قال في "المنتهى" (^٣): وأنْ تكونَ الصحراءُ قريبةً عُرْفًا، فلا تصحُّ ببعيدةٍ.
(ويُكره النفلُ قبلَها، وبعدَها قبلَ مفارقةِ المصلَّي) أي: قبلَ صلاةِ عيدٍ، وبعدَها بموضعِها قبلَ مفارقتِه، نصًّا؛ لخبرِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: خرجَ النبي - ﷺ - (^٤) يومَ الفطرِ، فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلَهما ولا بعدَهما. متفقٌ عليه (^٥).
(ووقتُهاكـ) وقتِ (صلاةِ الضُّحَى) من ارتفاعِ الشمسِ قِيْدَ رُمحٍ إلى قُبيلِ الزوالِ.
_________________
(١) انظر "المغني" (٣/ ٢٧٦)، "كشاف القناع" (٣/ ٤٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩).
(٣) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٣٧).
(٤) سقطت: "النبي - ﷺ - " من الأصل.
(٥) أخرجه البخاري (٩٨٩)، ومسلم (٨٨٤).
[ ١ / ٤٧٨ ]
فإن لم يُعلَم بالعيدِ إلا بعدَ الزَّوالِ، صَلَّوا من الغدِ قَضَاءً.
وسُنَّ: تبكيرُ المأمومِ، وتأخُّرُ الإمَامِ إلى وقتِ الصَّلاةِ. وإذا مَضَى في طَريقٍ رجَعَ في أُخرَى،
(فإنْ لمْ يُعلمْ بالعيدِ إلا بعدَ الزوالِ، صلَّوا من الغدِ قضاءً) أي: سواءٌ كان التأخيرُ لعذرٍ أو لغيرِ عذرٍ، لما روى أبو عميرِ بنِ أنسٍ، قال: حدثني عمومةٌ لي من الأنصارِ من أصحابِ النبيِّ - ﷺ - قالوا: غُمَّ علينا هلالُ شوَّالٍ، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركبٌ من آخرِ النهارِ، فشهدوا عندَ رسولِ اللهِ - ﷺ - أنَّهم رأوْا الهلالَ بالأمسِ، فأمَرَ الناسَ أنْ يُفطروا من يومِهم، وأنْ يخرجوا لعيدِهم من الغدِ. رواه الخمسةُ (^١)، إلَّا الترمذيَّ. وصحَّحَه إسحاقُ بنُ راهويه، والخطابيُّ. ولأنَّ العيدَ يُشرعُ له الاجتماعُ العامُّ. وله وظائفُ دينيةٌ ودنيويةٌ، وآخرُ النهارِ مَظِنَّةُ الضيقِ عن ذلك غالبًا. وأما من فاتَتْه مع الإمامِ، فيصلِّيها متى شاءَ؛ لأنَّها نافلةٌ لا اجتماعَ فيها.
(وسُنَّ تبكيرُ (^٢) المأمومِ) ليدْنوَ من الإمامِ، وينتظرَ الصَّلاةَ، فيكثُرَ أجرُه (وتأخُّر الامامِ إلى) دخولِ (وقتِ الصَّلاةِ) لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: كان يخرجُ يومَ الفطرِ والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأُ به الصَّلاةَ. رواه مسلمٌ (^٣). ولأنَّ الإمامَ يُنتظَرُ ولا يَنتَظِرُ.
ويُسنُّ التوسعةُ على الأهلِ؛ لأنَّه يومُ سرورٍ. وتُسنُّ الصدقةُ في يومي العيدين.
(و) يُسنّ (إذا مضى في طريقٍ رجعَ في) طريق (أخرى) لحديثِ جابرٍ:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٤/ ١٩١) (٢٠٥٨٤)، وأبو داود (١١٥٩)، والنسائي (١٥٥٧)، وابن ماجه (١٦٥٣)، وصححه الألباني.
(٢) في الأصل: "تكبير".
(٣) أخرجه مسلم (٨٨٩).
[ ١ / ٤٧٩ ]
وكذا الجُمُعَةُ.
وصلاةُ العيدِ ركعتانِ، يكبِّرُ في الأُولَى - بعدَ تكبيَرةِ الإحرَامِ وقَبلَ التعوُّذِ - سِتًا، وفي الثانيةِ - قَبلَ القراءَةِ - خَمْسًا،
كان النبيُّ - ﷺ - إذا خرجَ إلى العيدِ خالفَ (^١) الطريقَ. رواه البخاريُّ (^٢)، ورواه مسلمٌ (^٣) عن أبي هريرةَ.
وعلَّتُه: شهادةُ الطريقَيْن، أو تسويتُه بينهما في التبرُّكِ بمرورِه، أو سرورُهما بمرورِه، أو الصدقةُ على فقرائِهما، ونحوُه. فلذا قال: (وكذا الجمعةُ) ولا يمتنعُ في غيرِها.
(وصلاةُ العيدِ ركعتان) لقولِ عمرَ: صلاةُ الفطرِ والأضحى ركعتان ركعتان، تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانِ نبيِّكم؛ وقدْ خابَ مَنْ افترى. رواه أحمدُ (^٤).
(يُكبِّرُ في) الركعةِ (الأُولى بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ) والاستفتاحِ (وقبلَ التعوذِ، ستًّا) زوائدَ. (و) يُكبِّرُ (في) الركعةِ (الثانيةِ قبلَ القراءةِ، خمسًا) زوائدَ، نصًّا، لحديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النبيُّ - ﷺ - كبَّرَ في عيدٍ ثنتي عشرةَ تكبيرةً، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الأخيرةِ. إسنادُه حسنٌ. رواه أحمدُ، وابنُ ماجه (^٥). وصحَّحه ابنُ المدينيِّ. قال عبدُ اللهِ: قال أبي: أنا أذهبُ إلى هذا.
_________________
(١) بعدها في الأصل: "إلى".
(٢) أخرجه البخاري (٩٨٦).
(٣) لم أجده عند مسلم.
(٤) أخرجه أحمد (١/ ٣٦٧) (٢٥٧).
(٥) أخرجه أحمدُ (١١/ ٢٨٣) (٦٦٨٨)، وابنُ ماجه (١٢٧٨) قال الألباني: حسن صحيح.
[ ١ / ٤٨٠ ]
يرفعُ يديهِ معَ كلِّ تكبيرَةٍ، ويقولُ بينَهُمَا: اللَّه أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّهِ كثيرًا، وسُبحانَ اللَّهِ بُكرةً وأصيلًا، وصلَّى اللَّهُ على محمَّدٍ النبيِّ وآلهِ وسلَّمَ تسليمًا. ثمَّ يستَعيذُ، ثمَّ يقرأُ جهرًا الفاتحةَ، ثم بسَبِّح في الأُولَى، والغاشيةِ في الثَّانية.
فإذا سلَّم خطَبَ خُطبتَينِ، وأحكَامُهُمَا كخُطْبَتَي الجُمُعَةِ، لكنْ يُسنُّ أن
(يرفعْ) مصلَّ (يديه مع كلِّ تكبيرةٍ) نصًّا؛ لحديثِ وائلِ بنِ حجرٍ، أنَّه ﵇ كان يرفعُ يدَيْه مع التكبيرةِ (^١). قال أحمدُ: فأرى أن يدخلَ فيه هذا كلُّه
(ويقولُ بينهما) أي: بين التكبيرِ: (اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلًا، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ وآلِه، وسلَّم تسليمًا) لقولِ عقبةَ بنِ عامرٍ: سألتُ ابنَ مسعودٍ عمَّا يقولُه بعدَ تكبيراتِ العيدِ؟ قال: نحمدُ اللهَ، ونثني عليه، ونصلِّي على النبيِّ - ﷺ -. رواه أحمدُ (^٢)، وحربٌ، واحتجَّ به أحمدُ.
(ثمَّ يستعيذُ، ثمَّ يقرأُجهرًا) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: كان يجهرُ بالقراءةِ في العيدين والاستسقاءِ. رواه الدارقطنيُّ (^٣). (الفاتحةَ، ثمَّ بسبِّح في) الركعةِ (الأُولى، و) يقرأُ (الغاشيةَ) بعدَ الفاتحةِ (في) الركعةِ (الثانيةِ) لحديثِ سَمُرَة، مرفوعًا: كان يقرأُ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. رواه أحمدُ (^٤)، (فإذا سلَّمَ) الإمامُ في الصَّلاةِ (خطبَ خطبتين، وأحكامُها) أي: الخطبتين (كخطبتَيْ الجمعةِ) فيما تقدَّمَ مفصَّلًا (لكنْ يُسنُّ أنْ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣١/ ١٤١) (١٨٨٤٨)، وأبو داود (٧٢٥)، وصححه الألباني.
(٢) لم أجده عند أحمد. وأخرجه الطبراني (٩٥١٥)، وصححه الألباني في "الإرواء" (٦٤٢).
(٣) أخرجه الدارقطني (٢/ ٦٧)، وضعفه الألباني في "الإرواء" (٦٤٣).
(٤) أخرجه أحمد (٣٣/ ٣٣١) (٢٠١٦١)، وصححه الألباني في "الإرواء" (٦٤٤).
[ ١ / ٤٨١ ]
يستفتحَ الأُولَى بتسعِ تكبيرَاتٍ، والثانيةَ بسبعٍ.
وإن صلَّى العيدَ كالنافِلَةِ، صحَّ؛ لأنَّ التكبيرَاتِ الزوائِدَ، والذِّكرَ بينَهُما، والخُطبتَينِ، سُنَّةٌ.
وسُنُّ لمن فاتته قضاؤها، ولو بعدَ الزَّوالِ.
يستفتحَ) الخطبةَ (الأُولى بتسعِ تكبيراتٍ) نسقًا، (و) يستفتحُ (الثانيةَ بسبعِ) تكبيراتٍ، نسقًا؛ لما روى سعيدٌ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ قال: يكبِّرُ الإمامُ يومَ العيدِ قبلَ أنْ يخطبَ تصعَ تكبيراتٍ، وفي الثانيةِ سبعَ تكبيراتٍ (^١).
(وإنْ صلَّى العيدَ كالنافلةِ، صحَّ؛ لأنَّ التكبيراتِ الزوائدَ، والذكرَ بينهما، والخُطبتين، سنَّةٌ. وسُنَّ لمَنْ فاتَتْه قضاؤُها) في يومِها (ولو بعدَ الزوالِ) على صفتِها؛ لفعلِ أنسٍ (^٢). ولأنَّه قضاءُ صلاةٍ، فكان على صفتِها كسائرِ الصلواتِ.
* * *
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٩٠).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤).
[ ١ / ٤٨٢ ]