وهيَ سُنَهٌ
(بابُ صلاةِ الكسوفِ)
وهو: ذهابُ ضوءِ أحدِ النَّيِّرَيْن، أي: الشَّمسِ والقمرِ.
والكسوفُ والخسوفُ بمعنًى واحدٍ. وقيل: الكسوفُ للشمسِ، والخسوفُ للقمرِ. وهو المعتبرُ.
والحكمةُ في كسوفِ الشمسِ والقمرِ: التبكيتُ والتقريعُ لمَنْ يعبدُهما؛ لأنَّهما لو كانا إلهين لدَفَعا عن أنفسِهما هذا النقصَ.
وإنما سنَّتِ الصَّلاةُ له؛ لأنَّ السَّاعةَ تقومُ والشمسُ والقمرُ كاسفان، فأُمر بالصَّلاةِ؛ خوفًا من أنْ يكونَ الكسوفُ لذلك.
وقال علماءُ الهيئةِ: كسوفُ الشمسِ لا حقيقةَ له، فإنِّها لا تتغيرُ في نفسِها، وإنَّما القمرُ يحولُ بيننا وبينها، ونورُها باقٍ. وأمَّا القمرُ فإنَّ ضوءَهُ من ضوءِ الشمسِ، وخسوفُه بحيلولةِ ظلِّ الأرضِ بين الشمسِ وبينه. انتهى.
(وهي) صلاةُ الكسوفِ والخسوفِ (سنة) مؤكَّدَة، لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ: انكسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - يومَ ماتَ إبراهيمُ. فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم (^١). فقال النبيُّ - ﷺ -: "إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ، لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ، ولا لحياتِه، فإذا رأيتموهما، فادْعُوا اللهَ، وصلُّوا حتى
_________________
(١) سقطت: "فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم" من الأصل.
[ ١ / ٤٨٧ ]
مِنْ غَيرِ خُطبَةٍ.
ووقتُها: من ابتداءِ الكُسُوفِ إلى ذَهَابِه، ولا تُقضَى إن فاتَت.
وهي ركعتَانِ، يَقرأ في الأولى جهرًا الفاتحةَ، وسورةً طويلةً، ثمَّ يركعُ طَويلًا، ثمَّ يرفعُ فيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ولا يسجدُ، بل يقرأَ الفاتحةَ،
ينجليَ". متفقٌ عليه (^١).
(ووقتُها) أي: وقتُ صلاةِ الكسوفِ (من ابتداءِ الكسوفِ) أو الخسوفِ (إلى ذهابِه) أي: إلى التجلِّي، وهو تمامُ ضوءِ النَّيِّرَيْن؛ لقولِه ﵇: "فإذا رأيتُمْ شيئًا من ذلك، فصلُّوا حتى ينجليَ ما بكمْ". رواه مسلمٌ (^٢).
(ولا تُقضى) صلاةُ الكسوفِ والخسوفِ (إذا فاتتْ) بالتَّجلِّي؛ لما تقدَّمَ. ولمْ يُنقلْ الأمرُ بها بعدَ التَّجلِّي، ولا قضاؤُها؛ ولأنَّها غيرُ راتبةٍ، ولا تابعةٍ لفرضٍ، فلمْ تُقض.
(وهي) صلاةُ الكسوفِ والخسوفِ (ركعتانِ، يَقرأُ في) الركعةِ (الأُولى جهرًا: الفاتحةَ، وسورةً طويلةً) من غيرِ تعيينٍ. وفي "الإقناع": البقرةَ، أو قدرَها (ثمَّ يركعُ طويلًا) أي: ويسبِّحُ فيه. قال الشارحُ (^٣) قال جماعةٌ: نحو مائةِ آيةٍ، (ثمَّ يرفعُ) رأسَهُ (فيُسمِّعُ) أي: قائلًا: سَمِعَ اللهُ لمَنْ حمِدَه، إنْ كان إمامًا أو منفردًا، ويأتي به في رفعِه (ويُحمِّدُ) أي: يقولُ إذا اعتدلَ: ربَّنا ولك الحمدُ، مِلءَ السماءِ … إلخ. سواءٌ كان إمامًا أو منفردًا أو مأمومًا، لكنَّ الإمامَ والمنفردَ يأتي به بعدَ قيامِه، والمأمومَ في رفعِه (ولا يسجدُ، بلْ يقرأُ الفاتحةَ) أيضًا …
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٤٣)، ومسلم (٩١٥).
(٢) أخرجه مسلم (٩٠٤) من حديث جابر.
(٣) انظر "الشرح الكبير" (٥/ ٣٩٠).
[ ١ / ٤٨٨ ]
وسورةً طويلةً، ثم يركَعُ، ثم يَرفَعُ، ثمَّ يسجُدُ سجدَتَين طَويلَتَين، ثمَّ يصلِّي الثانيةَ كالأُولى، ثمَّ يتشهَّدُ ويُسلِّمُ.
وإنْ أتَى في كلِّ ركعَةٍ بثلاثِ ركُوعاتٍ، أو أربعٍ، أو خَمسٍ، فلا بأسَ.
(وسورةً طويلةً) وهو دون الطولِ الأوَّلِ في القيامِ والقراءةِ (ثمَّ يركعُ) أيضًا، فيطيلُ ركوعَه دون الركوعِ الأوَّلِ (ثمَّ يرفعُ) ويُسمِّعُ ويُحمِّدُ ولا يُطيلُه (ثمَّ يسجدُ سجدَتَين طويلَتَين) ولا يُطوِّلُ الجلوسَ بينهما (ثمَّ يصلِّي) الركعةَ (الثانيةَكـ) الركعةِ (الأُولى) بركوعين طويلَيْن، وسجدَتَين طويلتين، لكنْ تكونُ دون الركعةِ الأُولى في كلِّ ما يفعلُ (ثمَّ يتشَّهدُ ويسلِّمُ) لحديثِ جابرٍ: كسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - في يومٍ شديدِ الحرِّ، فصلَّى بأصحابِه، فأطالَ القيامَ حتى جعلوا يَخِرُّون، ثمَّ ركعَ فأطالَ، ثمَّ رفعَ فأطال، ثمَّ ركعَ فأطالَ، ثمَّ رفعَ فأطال (^١)، ثمَّ سجدَ سجدَتَين، ثمَّ قامَ فصنعَ نحوَ ذلك. فكانتْ أربعَ ركعاتٍ، وأربعَ سجداتٍ. رواه أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ (^٢).
(وإنْ أتى في كلِّ ركعةٍ بثلاثِ ركوعاتٍ، أو أربع) ركوعاتٍ (أو خمسِ) ركوعات (فلا بأسَ) لحديثِ مسلمٍ (^٣) عن جابرٍ مرفوعًا: صلَّى ستَّ ركعاتٍ بأربعِ سجداتٍ. وعن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: صلَّى في كسوفٍ، قرأَ ثمَّ ركعَ، ثمَّ قرأَ ثمَّ ركعَ، ثمَّ قرأَ ثمَّ ركعَ، قرأَ ثمَّ ركعَ (^٤)، والأخرى مثلُها. رواه مسلمٌ، وغيرُه (^٥). وروى
_________________
(١) سقطت: "ثمَّ ركعَ فأطالَ، ثمَّ رفعَ فأطال" من الأصل.
(٢) أخرجه أحمدُ (٢٣/ ٣١٩) (١٥٠٩٨)، ومسلمٌ (٩٠٤)، وأبو داودَ (١١٨١).
(٣) أخرجه مسلم (٩٠٤).
(٤) سقطت: "قرأَ ثمَّ ركعَ" من الأصل.
(٥) أخرجه مسلم (٩٠٩)، وأحمد (٥/ ٢٩٠) (٣٢٣٦).
[ ١ / ٤٨٩ ]
وما بعدَ الأوَّل سُنَّةٌ لا تُدركُ به الرَّكعَةُ.
أبو داودَ وغيرُه (^١) عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ: انكسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وإنَّه صلَّى بهم، فقرأَ سورةً من الطوالِ، ثمَّ ركعَ خمسَ ركعاتٍ، وسجدَ سجدَتَين، ثمَّ قامَ إلى الثانيةِ فقرأَ سورةً من الطوالِ، وركعَ خمسَ ركعاتٍ، وسجدَ سجدَتَين، ثمَّ جلسَ كما هو، مستقبلَ القبلةِ، يدعو حتى انجلى كسوفُها.
ولا يزيدُ على خمسِ ركوعاتٍ في كلِّ ركعةٍ، ولا على سجدَتَين فيها؛ لأنَّه لمْ يردْ به نصٌّ، والقياسُ لا يقتضيه.
قال في "الفروع" (^٢): والركوعُ متَّحدٌ. قال ابنُ قندسْ (^٣): معنى اتحادِ الركوعِ: أنَّ ركعةَ الصَّلاةِ، ليس فيها إلا ركوعٌ، فشُرِعتِ الزيادةُ فيه، بخلافِ السُّجودِ؛ فإنَّه غيرُ متَّحدٍ، بلْ متعددٌ؛ لأنَّ في كلِّ ركعةٍ سجدَتَين، فلمْ تُشْرَعِ الزيادةُ فيه.
ولا يصلَّى لآيةٍ غيرِ الكسوفِ والخسوفِ، كظلمةٍ نهارًا، وضياءٍ ليلًا، وريحٍ شديدةٍ، وصواعقَ؛ لعدمِ نقلِ ذلك عن النبيِّ - ﷺ -، إلا لزلزلةٍ دائمةٍ، نصَّ عليه.
وقال ابنُ أبي موسى: يصلَّى لجميعِ الآياتِ. وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ. نقلَهُ الزركشيُّ (^٤)؛ لفعلِ ابنِ عباسٍ (^٥).
(وما بعدَ) الركوعِ (الأوَّلِ) في كلِّ ركعةٍ (سنَّةٌ) كتكبيراتِ العيدِ (لا تدركُ به الركلعةُ) للمسبوقِ. ولا تبطلُ الصَّلاةُ بتركِه؛ لأنَّه رُوِيَ من غيرِ وجهٍ عنه، عليه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١١٨٤)، وأحمد (٣٥/ ١٤٨) (٢١٢٢٥)، وضعفه الألباني.
(٢) "الفروع" (٣/ ٢٢١).
(٣) "حاشية الفروع" (٣/ ٢٢١).
(٤) "شرح الزركشي" (٢/ ٢٦١).
(٥) حيث صلى للزلزلة. أخرجه البيهقي (٣/ ٣٤٣).
[ ١ / ٤٩٠ ]
ويَصحُّ أن يُصلِّيها كالنَّافلَةِ.
السَّلامُ: أنَّه صلَّى صلاةَ الكسوفِ بركوعٍ واحدٍ (^١) (و) لهذا (يصحُّ) فعلُها (كالنافلةِ) أي: بركوعٍ واحدٍ لكلِّ ركعةٍ.
* * *
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٣/ ٣٤٦) (٢٠١٧٨)، وأبو داود (١١٨٦)، والنسائي (١٤٨٤) من حديث سمرة بن جندب. وضعفه الألباني.
[ ١ / ٤٩١ ]