وهو سَبَعةٌ:
أحدُهما: انتِقالُ المنيِّ.
(بابُ ما يوجبُ الغُسلَ)
بالضم: الاغتسالُ. والماءُ يُغْتسلُ به. وبالفتحِ: مصدرُ غَسَلَ. وبالكسرِ: ما يُغْسلُ به الرأسُ من خِطميِّ وغيرِه.
وهو في اللغةِ: عبارةٌ عن سيلانِ الماءِ على الشيءِ مطلقًا.
وشرعًا: استعمالُ ماءٍ طهورٍ مباحٍ في جميعِ بدنِه على وجهٍ مخصوصٍ يأتي بيانُه.
والأصلُ في مشروعيتِه: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المَائدة: ٦]. وسُمِّيَ جنبًا، لنهيه أن يقربَ مواضعَ الصَّلاةِ، أو لمجانبتِه الناسَ حتى يتطهر، أو لأنَّ الماءَ جانبَ محلَّه. ويطلقُ على الواحدِ فما فوقَه جُنُبٌ. وقد يقالُ: جُنُبانِ، وجُنبون.
(وهو) أي: الذي يوجبُ الغسلَ باعتبارِ أنواعِه (سبعة) أيها (^١) وُجِدَ كان سببًا لوجوبهِ:
(أحدُها) أي: الأولُ: (انتقالُ المنيِّ) فيجبُ الغسلُ بمجردِ إحساسِ الرَّجلِ بانتقالِ منيِّهِ عن صُلْبِه، والمرأةِ بانتقالِهِ عن ترائِبها؛ لأنَّ الجنابةَ تباعدُ الماءِ عن
_________________
(١) في الأصل: "أيهما".
[ ١ / ١٤٩ ]
فلو أحسَّ بانتقالِه فحَبسَه، فلم يخرُج، وجبَ الغُسْلُ. فلو اغتسَل له، ثمَّ خرجَ بلا لذَّةٍ، لم يُعِدِ الغُسْلَ.
الثاني: خُروجُه من مَخرجِه ولو دمًا.
مواضعِه، وقد وُجِدَ ذلك. ولأنَّ الغُسلَ يُراعى فيه الشهوةُ، وقد وُجدتْ بانتقالِهِ.
والمنيُّ: بتشديد الياء. وحُكي عن ابنِ الأعرابيِّ: تخفيفُه. وسُمىَ بذلك؛ لأنَّه يَمني. أي: يَصُبُّ. والمنيُّ: ماءٌ غليظٌ، يخرجُ عند اشتدادِ الشهوةِ. ومنيُّ المراُةِ أصفرُ رقيقٌ.
(فلو أحسَّ بانتقالِه فحبسَه، فلم يخرجْ، وجبَ الغُسلُ) لأنَّ الجنابةَ أصلُها البُعدُ، لقولِه تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النِّساء: ٣٦] أي: البعيدُ. ومع الانتقالِ قد باعدَ الماء (^١) محلَّه، فصدقَ عليه اسمُ الجنبِ. وأنكرَ أحمدُ أن يكونَ الماءُ يرجعُ (^٢).
(فلو اغتسلَ له، ثُمَّ خرجَ بلا لذَّةٍ، لم يُعدِ الغُسلَ) لأنَّ الوجوبَ تعلَّقَ بالانتقالِ، أو الإحساسِ، وقدْ اغتسلَ له، فلم يجبْ عليه غُسلٌ ثان (^٣)، كبقيَّةِ منيٍّ خرجتْ بعدَ الغسلِ، وليس عليه إلا الوضوءُ، بالَ أو لم يَبُلْ. وقولُه: "بلا لذةٍ" فإنْ خرجَ بلذةٍ، وجبَ إعادته.
(الثاني) أي: من موجباتِ الغسلِ: (خروجُه من مخرجِه) المعتادِ (ولو) كان (دمًا) وهو أن يكونَ لونُه أحمرَ. والمخرجُ: ذكَرُ الرَّجلِ، وفرجُ المرأةِ، وقُبُلي الخُنثى المشكَّلِ.
_________________
(١) سقطت: "الماء" من الأصل.
(٢) انظر "كشاف القناع" (١/ ٣٢٨).
(٣) في الأصل: "كان".
[ ١ / ١٥٠ ]
ويشرَط أن يكونَ بلذَّةٍ،
واحترزَ بخروجِه من مخرجِه: عما لو ضربَ على صلبِه، أو نحوِه، فخرجَ المنيُّ منه، أو استدخلتْ المرأةُ في فرجِها منيَّ الرَّجلِ بقُطنةٍ، فلا غسلَ بذلك. وكذا لو وطئَ دونَ الفرجِ فدبَّ ماؤُه لفرجِها، أو دبَّ منيُّ امرأةٍ بفرجِ أخرَى؛ لتساحقهما، ثمَّ خرجَ، فلا غسلَ عليها بدونِ إنزالِها.
قال الشيخُ منصورٌ في "حاشيته" (^١) من عدِّ المصنِّفِ الخروجَ بعد الانتقالِ موجبًا: فيه نظرٌ واضحٌ؛ إذ الغسلُ وجبَ بالانتقالِ، لا بالخروجِ، على المذهبِ. وهذه الطريقةُ في عدِّ الموجباتِ، انفردَ بها المصنِّفُ عن الأصحابِ، فإنَّهم عدُّوها ستةً، أو سبعةً بالولادةِ، على أحدِ القولينِ: خروجُ المنيِّ. وفي أثناءِ الكلامِ عليه بينوا أن الموجبَ هو الانتقالُ، حتى لو انتقلَ، ولم يخرجْ، وجبَ الغسلُ. وقد تقدمتِ الإشارةُ إليه.
وظاهرُ كلامِهم: طهارتُه (^٢)، حيثُ أطلقوا أنَّ المنيَّ طاهرٌ، وهذا منيٌّ؛ لوجوبِ (^٣) الغُسل بِخروجِه (^٤).
"فائدةٌ": المنيُّ يُخلقُ منه الحيوانُ، لخروجِه من جميعِ البدنِ، وينقصُ به جزءٌ منه، ولهذا يُضعفُ بكثرتِه، فجُبِرَ بالغُسلِ (^٥).
(ويشترطُ أن يكونَ بلذةٍ) أي: يعتبرُ وجودُها. فإنْ خرجَ بغيرِ لذةٍ، كمرضٍ أو
_________________
(١) "إرشاد أولي النهى" (١/ ٨٨).
(٢) أي: إذا خرج المنيُّ دمًا.
(٣) في الأصل: "معنى بوجوب".
(٤) انظر "إرشاد أولي النهى" (١/ ٨٨).
(٥) انظر "المبدع" (١/ ١٧٨).
[ ١ / ١٥١ ]
ما لم يكنْ نائمًا، ونحوَه.
بردٍ أو كسرِ ظهرٍ، لم يجبِ الغسلُ (ما لمْ يكنْ نائمًا، ونحوَه) كمغمًى عليه، وسكرانَ، ومجنونٍ، فإنه لا تُعتبرُ اللَّذةُ في هذه الحالةِ، فيجبُ الغسلُ. ويلزمُ من وجودِ اللذةِ أن يكونَ دَفْقًا، فلهذا استغنينا عن ذكرِ الدَّفقِ باللَّذةِ.
فلو خرجَ المنيُّ من غير (^١) مخرجِه، أو من يقظانَ لغيرِ لذةٍ، لم يجبِ الغسلُ، وهو نجسٌ، كما في "الرعاية".
وإن انتبه بالغٌ، أو مَنْ يمكنُ بلوغُه كابنِ عشرٍ، وبنتِ تسعٍ، من نومٍ ونحوِه، ووجدَ بللًا ببدنِه أو ثويه، وجَهِلَ كونَه منيًّا، بلا سببٍ تقدَّمَ نومَه من بردٍ، أو نظرٍ، أو فكرٍ، أو ملاعبةٍ، أو انتشارٍ، وجبَ الغسلُ، كتيقنّه منيًّا، وغسلُ ما أصابَه من بدنٍ وثوبٍ، احتياطًا. قال في "المبدع": ولا يجبُ (^٢).
وإنْ تقدَّمَ نومَه سببٌ من بردٍ، أو نظرٍ، أو فكرٍ، أو ملاعبةٍ، أو انتشارٍ، لم يجبِ الغسلُ؛ لعدمِ تيقنِ الحدثِ، والأصلُ: بقاءُ الطهارةِ.
قال الشيخُ منصورٌ في "شرحِه" (^٣): قلتُ: والظاهرُ: وجوبُ غسلِ ما أصابَه من ثوبٍ أو بدنٍ، لرجحانِ كونِه مذيًا، بقيامِ سببِه إقامةَ الظنِّ مقامَ اليقينِ، كما لو وجدَ في نومِه حلمًا، فإنَّا نوجبُ الغسلَ؛ لرجحانِ كونِه منيًا (^٤)؛ لقيامِ سببِه. وقال الشريفُ أبو جعفرٍ: لا يجسبُ غسلُ الثوبِ ولا البدنِ جميعًا؛ لترددِ الأمر فيهما. نقلَه عنه ابنُ رجبٍ في ترجمتِه في "الطبقاتِ"، وقال: هذه المسألةُ تشْبِهُ مسألةَ الرَّجلينِ
_________________
(١) سقطت: " غير" من الأصل.
(٢) انظر: "كشاف القناع" (١/ ٣٢٥).
(٣) "كشاف القناع" (١/ ٣٢٥).
(٤) سقطت: "منيا" من الأصل.
[ ١ / ١٥٢ ]
الثالثُ: تَغييبُ الحشَفَةِ
إذا وجدا على فراشِهما منيًّا، ولم يعلما مَنْ خرجَ منه. ثم قالَ: لكنْ ليسَ له أن يصلِّيَ بحالِه في الثوبِ؛ لأنَّا نتيقنُ بذلك حصولَ المفسدِ لصلاتِه؛ وهو إمَّا الجنابةُ، وإمَّا النجاسةُ.
أو تيقَّنَه: أي: البللَ، مذيًا. لم يجبْ غسلٌ، بل يغسلُ ما أصابَهُ وجوبًا.
ولا يجبُ الغسلُ بحلمٍ بلا بللٍ، فإن انتبَه مَنْ احتلمَ، ثمَّ خرجَ المنيُّ، وجبَ الغسلُ من حينِ الاحتلامِ.
وإنْ وجدَ منيًّا في ثوبٍ لا ينام فيه غيرُه: قال أبو المعالي والأزْجيُّ: لا بظاهرِه؛ لجوازِه من غيرِه. قال في "الإنصاف": وهو الصحيحُ، وهو مرادُ الأصحابِ فيما يظهرُ. فعليه الغسلُ، لوجودِ موجبِه. وإعادةُ المتيقنِ من الصَّلاةِ، وهو -أي (^١): المنيُّ- فيه، أي: في الثوبِ.
وإن كان ينامُ هو وغيرُه في الثوبِ، ووجدَ به المنيَّ، وكانا من أهلِ الاحتلامِ، فلا غسلَ عليهما؛ لأنَّ كلًّا منهما متيقنٌ الطَّهارةَ، شاكٌّ في الحدثِ.
فائدةٌ: قال في "الهدي" نقلًا عن ابنِ ماسويه: مَنْ احتلمَ فلمْ يغتسلْ حتى وطئَ أهلَه، فولدتْ مجنونًا، أو مختلًّا، فلا يلومَنَّ إلا نفسَه (^٢).
(الثالثُ) من موجباتِ الغسلِ: (تغييبُ الحشفةِ) الأصليةِ، فلا غسلَ بتغييبِ حشفةٍ، زائدةٍ، أو من خنثى مشكل، لاحتمالِ الزيادةِ. أي: إدخالُها فيه، لقولِه ﵇: "إذا جلسَ بينَ شُعَبِها الأربعِ، ثمَّ جهَدَها، فقد وجبَ الغسلُ" (^٣).
_________________
(١) سقطت: "أي" من الأصل.
(٢) انظر: "كشاف القناع" (١/ ٣٢٥ - ٣٢٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٥٣ ]
كلِّها، أو قَدرِها -بلا حائلٍ- في فَرجٍ، ولو دُبُرًا لميتٍ، أو بهيمةٍ أو طَيرٍ.
واحترزَ بالتغييبِ: عما لو مسَّ الذكرُ الفرجَ من غيرِ إيلاجٍ، أو وطِئَ دونَ الفَرجِ، أو تساحقَ امرأتان أو مجنونان من غيرِ إنزالٍ، فإنَّه لا غسلَ عليهم. وعما لو غيَّبَ بعضَ الحشفةِ. أو قُطعَ الذكرُ، وكان الباقي دون الحشفةِ، فعنه: لا غسلَ عليه أيضًا بدون إنزالٍ. والمرادُ: تغييبُ الحشفةِ المتصلةِ، فلا غسلَ بتغييبِ المقطوعةِ في الفرجِ.
واحترزَ بتغيبِها في الفرجِ: عمَّا لو غيبَها في ثقبٍ فوقَ المعدةِ، أو تحتها، سواءٌ كان الفرجُ مسدودًا أو مفتوحًا، فلا غسلَ عليه، ما لم ينزلْ. انتهى.
(كلِّها أو قدرِها) أي: الحشفةِ من مَقطوعِها. (بلا حائلٍ) لانتفاءِ التقاءِ الختانين مع الحائلِ؛ لأنَّه هو الملاقي للختانِ (في فرجٍ) أصليٍّ. متعلًّقٌ بـ"تغييب"، فلا غسلَ بتغييبِ حشفةٍ أصليةٍ في قُبُلٍ زائدٍ، أو قبلِ خنثى مشكلٍ؛ لاحتمالِ زيادتِه، (ولو) كان الفرجُ الأصليُّ (دبرًا)؛ لأنَّه فرجٌ أصليٌّ، أو كان الفرجُ الأصليُّ (لميِّتٍ) لعمومِ الخبرِ، (أو) كان لـ (بهيمةٍ) حتى سمكةٍ. قاله في "التعليق"؛ لأنَّه فرجٌ أصليٌّ أشبَه الآدميةَ. وطيرٍ حيٍّ أو ميتٍ، وأشارَ إليه (^١) المصنِّفُ بقولِهِ: (أو طيرٍ) لعمومِ ما سبقَ. ولو لمْ يجدْ حرارةً، خلافًا لأبي حنيفةَ.
ولو كان ذو الحشفةِ الأصليةِ مجنونًا، أو نائمًا، أو مغمًى عليه؛ بأن (^٢) أدخلتْها في فرجِها، فيجبُ الغسلُ على النائمِ والمجنونِ والمغمى عليه، كهي. أي: كما يجبُ على المجامَعَةِ؛ لأنَّ موجبَ الطهارةِ لا يشترطُ فيه القصدُ، كسَبقِ الحدَثِ.
_________________
(١) سقطت "إليه" من الأصل.
(٢) في الأصل: "إن".
[ ١ / ١٥٤ ]
لكن لا يجبُ الغُسلُ إلَّا على ابنِ عَشرٍ وبنتِ تِسعٍ.
وإن استدخلتْها، أي: الحشفةَ من ميتٍ، أو من بهيمةٍ، وجبَ عليها الغسلُ دون الميتِ، فلا يُعادُ غسلُه.
ولا فرقَ فيما تقدمَ بينَ العالمِ والجاهلِ (لكن لا يجبُ الغسل (^١) إلا على ابنِ عشرٍ وبنت تسعٍ) قال الإمامُ: يجبُ على الصغيرِ إذا وطئَ، والصغيرةِ إذا وُطِئَتْ.
فيلزمُه غُسلٌ ووضوءٌ إذا أرادَ ما يتوقفُ على غسلٍ فقط، كقراءةِ القرآنِ، أو على وضوءٍ، كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مصحفٍ.
وليس معنى وجوبِ الغسلِ أو الوضوءِ في حقِّ الصغيرِ: التأثيم (^٢) بتركِه؛ لأنَّه غيرُ مكلَّفٍ. بل معناه: أنه شرطٌ لصحةِ الصَّلاةِ أو الطوافِ، أو لإباحةِ مسِّ المصحفِ، أو قراءةِ القرآنِ (^٣).
"فوائدٌ": الأولى: مما يتعلقُ بتغييبِ الحشفةِ من الأحكامِ أربعمائةِ حكمٍ إلا ثمانيةً: وجوبُ العدَّةِ، والحدِّ، والغسلِ، وتكميلِ المهرِ، وإحصانِ الزوجينِ، وحِلُّها لمطلِّقِها ثلاثًا، ولحوقُ النسبِ، وزوالُ العِنَّةِ، وإفسادُ الصومِ والحجِّ والعمرةِ والاعتكافِ، ووجوبُ الكفارةِ بإفسادِ الحجِّ والعمرةِ وصومِ رمضانَ، وكونُ الأَمَةِ صارتْ فراشًا للسيدِ، وتحريمُ المصاهرةِ، وتحريمُ أختِ أَمَتِه، وعمَّتِها، وخالتِها، وقطعُ تتابعِ صيامِ الكفارةِ، وتقريرُ كفارةِ الظهارِ، وكفارةُ وطءِ الحائضِ .. إلى غيرِ ذلك. ذكرَهُ ابنُ القيمِ في "تحفة المودود في أحكام المولود" (^٤). ومَنْ تتبعَ ما يأتي
_________________
(١) سقطت: "الغسل" من الأصل.
(٢) في الأصل: "النائمِ".
(٣) انظر "كشاف القناع" (١/ ٣٣٢).
(٤) انظر "تحفة المودود" ص (١٥٢).
[ ١ / ١٥٥ ]
الرابعُ: إسلامُ الكافر، ولو مرتدَّا.
يظفرُ بأكثرِها.
الثانيةُ: لو وطئَ الخنثى بذكَرِه امرأةً، وجامَعَه رجلٌ في قُبُلِه، فعلى الخنثى الغسلُ، وأما الرجلُ والمرأةُ فيلزمُ أحدَهما الغسلُ، لا بعينِه.
ولو وطئَ الخنثى امرأةً في قُبُلِها، ووطئَ رجلٌ الخنثى في قبلِه، لزمَ الخنثى الغسلُ، ولم يلزمِ الرَّجلَ ولا المرأةَ.
ولو تواطأ رجلٌ وخنثى في دُبُرَيْهِما، فعلى كلِّ الغسلُ؛ لأنَّ الرَّجلَ وطئَ الخنثى في دُبُرِه، والخنثى موطوءٌ لرجلٍ في الدُّبُرِ.
الثالثةُ: لو قالتْ امرأةٌ: بي جنيٌّ يجامعُني كالرجلِ، فعليها الغسلُ، خلافًا لأبي المعالي. وفيه نظرٌ. قال ابنُ الجوزيِّ في قولِه تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرَّحمن: ٥٦] الآية. فيه دليلٌ على أنَّ الجنيَّ يغشى المرأةَ كالإنسيِّ. زادَ في "المبدع": وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يلزمُ من الغشيانِ الإيلاجَ؛ لاحتمالِ أن يكونَ إيلاجُه عن ملابسةٍ ببدنِه خاصةً (^١).
(الرابعُ) من موجباتِ الغسلِ: (إسلامُ الكافرِ) ذكرًا أو أنثى أو خنثى؛ لحديثِ قيسِ بنِ عاصمٍ: أنَّه أسَلَمَ، فأمرَهُ النبيُّ -ﷺ- أن يغتسلَ بماءٍ وسدرٍ. رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه، والترمذيُّ (^٢) وحسنَه. (ولو) كان (مرتدًّا) لمساواتِه الأصليَّ في المعنى، وهو الإسلامُ، فوجبَ مساواتُه له في الحكمِ. وسواءٌ وجدَ في كفره ما
_________________
(١) انظر "المبدع" (١/ ١٨٣)، "كشاف القناع" (١/ ٣٣٤).
(٢) أخرجه أحمد (٣٤/ ٢١٦) (٢٠٦١١)، وأبو داود (٣٥٥)، والترمذي (٦٠٥). وصححه الألباني في "الإرواء" (١٢٨). ولم أجده عند ابن ماجه.
[ ١ / ١٥٦ ]
الخامسُ: خروجُ الحيض.
السادسُ: خروجُ دَمِ النِّفاسِ.
يوجبُ الغسلَ أو لا. وسواءٌ اغتسلَ قبلَ إسلامِه أو لا. وقال الشافعيُّ: لا يجبُ عليه الغسلُ، إلا إذا كان في كفرِه ما يوجبُه.
"فائدتان": الأولى: لو اغتسلَ في كفرِه لموجبٍ، أعادَ؛ لعدمِ صحتِه. إلا الحائضَ والنفساءَ إذا اغتسلتا لزوجٍ أو سيدٍ مسلمٍ في حالِ كفرِهما، فلا يلزمُهما إعادتُه إذا أسلمتا؛ لصحتِه منهما. وعدمُ اشتراطِ النيةِ فيه؛ للعذرِ، بخلافِ ما لو اغتسلَ الكافر لجنابةٍ، ثمَّ أسلمَ، وجبَ عليه إعادتُه؛ لعدمِ صحتِه منه (^١).
(الخامسُ) من موجباتِ الغسلِ: (خروجُ الحيضِ) لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] أي: من الحيضِ. ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢] أي: اغتسلْنَ. وجهُ الدلالةِ: أنَّ اللهَ ﷾ أوقفَ حقَّ الزوجِ من الوطءِ الواجبِ له على اغتسالِها، فدلَّ على وجوبِه عليها؛ الأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به واجبٌ. لقولِه ﵇ لفاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ: "إذا اقبلتِ الحيضةُ، فدعي الصَّلاةَ، وإذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلِّي". رواه البخاريُّ (^٢).
"فائدةٌ": لا يلزمُ الحائضَ أن تغتسلَ من الجنابةِ، حتى ينقطعَ الحيضُ، فإذا فعلتْ، صحَّ. قال في "الإقناع" (^٣): بل يُستحبُّ، ويزولُ حكمُ الجنابةِ.
(السادسُ) من موجباتِ الغسلِ: (خروج دمِ النفاس) لاُنَّه دمُ حيضٍ مجتمعٌ،
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (١/ ٣٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠) من حديث عائشة.
(٣) "الإقناع" (١/ ٦٨).
[ ١ / ١٥٧ ]
السابع: الموتُ؛ تَعبُّدًا.
وانقطاعُه شرطٌ لصحةِ الغسلِ، فلا يجبُ غسلٌ بولادةٍ عرتْ عنه. أي: الدَّمِ. ولا يحرُمُ بها وطءٌ، ولا يفسدُ صومٌ، ولا بإلقاءِ علقةٍ أو مضغةٍ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوصِ عليه.
والولدُ طاهرٌ، ومع الدَّمِ يجبُ غَسلُه.
(السابعُ) من موجباتِ الغسلِ: (الموتُ؛ تعبَّدًا) لا عن حدثٍ؛ لأنَّه لو كان عنه، لم يرتفعْ مع بقاءِ سببِه. ولا عن نجسٍ، وإلا لما طهرَ مع بقاءِ سببِه للتنجيسِ، وهو الموتُ. غيرَ شهيدِ معركةٍ، أو مقتولٍ ظلمًا، فلا يغسَّلانِ، بل يُكره، ما لمْ يكنْ عليهما غسلٌ قبل الموتِ، من حيضٍ أو نفاسٍ، أو غيرِ ذلك، فيجبُ غسلُهما.
قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (^١): ويتَّجه: زيادةُ ثامنٍ، وهو: خروجُ نجاسةٍ بعد غَسلِ ميتٍ، قبل سبعٍ ووضعٍ بكفنٍ.
_________________
(١) "غاية المنتهى" (١/ ٩٠).
[ ١ / ١٥٨ ]