يجوزُ بشروطٍ سبعة:
لُبسهُما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ،
(بابُ مسحِ الخفينِ)
أعقبه للبابِ (^١) الذي قبلَه؛ لأنَّ مسحَ الحائلِ بدلٌ عن مسحِ ما تحتَهُ.
والمسحُ عليهما من خصائصِ هذه الأمةِ، وأجمعَ أهلُ السنةِ على جوازِه، وخالفَ فيه الشيعةُ. قال الإمامُ أحمدُ: ليس في قلبي من المسحِ على الخفين شيءٌ؛ فيه أربعون حديثًا عن النبيِّ -ﷺ-. وقال الحسنُ: حدَّثَني سبعون من أصحابِ رسولِ اللهِ -ﷺ- أنَّه مسحَ على الخفين.
وما في معناهما: أي: معنى الخفين؛ كالجوربين والجرموقين (^٢)، وكذا العمامةُ والخمارُ (^٣).
وهو رخصةٌ. والمسحُ أفضلُ من الغَسلِ.
(يجوزُ) المسحُ على الخفين (بشروطٍ سبعةٍ):
أحدُها: (لبسُهما بعد كمالِ الطهارةِ بالماءِ) لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ قال: كنتُ مع النبيِّ -ﷺ- ذاتَ ليلةٍ في سيرٍ، فأَفْرغتُ عليه من الإداوةِ (^٤)، فغسلَ وجهَه،
_________________
(١) في الأصل: "بالباب".
(٢) الجُرْمُوقُ: ما يُلبسُ فوق الخفّ. "المصباح المنير" (جرم).
(٣) انظر "إرشاد أولي النهى" (١/ ٦٧).
(٤) في الأصل: "الإدوة" والإداوة، بالكسر: المطهرة. "القاموس المحيط". (أدو).
[ ١ / ١١٧ ]
وسترُهما لمحلِّ الفرضِ ولو بربطِهما،
وغسلَ ذراعيه، ومسحَ برأسِه، ثمَّ أهويتُ لأنزِعَ خفَّيه. فقال: "دعْهما؛ فإنِّي أدخلتُهما طاهرتين". فمسحَ عليهما. متفقٌ عليه (^١).
وعنه أيضًا قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، أيمسحُ أحدُنا على الخفينِ؟ قال: "نعمْ، إذا أدخلَهما وهما طاهرتانِ". رواه الحميديُّ في "مسندِه" (^٢).
فلو لبسَه على طهارةِ تيمُّمٍ، لم يصحَّ المسحُ عليه -ووجهُ المذهبِ: أنَّ التيممَ لا يرفعُ الحدثَ، فقد صدقَ عليه أنَّه غسلَه وهو محدثٌ -أو غسَلَ رجلًا، ثم أدخلَها الخفَّ، ثم الثانيةَ، ثم أدخلَها إياه، أو لبسَ الخفين محدثًا، ثم توضأَ، وغسلَ رجليه داخلَ الخفينِ، أو لبسَهما متطهرًا، فأحدثَ قبلَ أن تصلَ القدمُ إلى موضعِها، أو نوى جنبٌ رفعَ حدثيه، وغَسَلَ رجليه ثمَّ أدخلَهما في خفَّيه، ثمَّ أتمَّ طهارتَه، خلعَ، ثُمَّ لبسَ قبلَ الحدثِ، وإلا لم يمسحْ. وكذا تفصيلُ عمامةٍ ونحوِها.
(و) الثاني: (سترُهما لمحلِّ الفرضِ ولو بربطِهما) فلو ظهرَ منه شيءٌ وجبَ الغسلُ، ولم يجزِ المسحُ؛ إذ لا يُجمعُ بينَ البدلِ والمُبدَلِ في محلٍّ واحدٍ، وكما لو غسلَ إحدى الرِّجلين، فيجبُ غسلُ الأخرى.
ولو كان السترُ بمخرَّقٍ أو مفتَّقٍ، وينضَمُّ بلُبسِه، أو كان القَدَمُ يبدو بعضُه لولا شدُّه، أي: ربطُه. أو شَرَجُهُ، بالشين المعجمة والجيم. فلا يشترطُ في الساترِ كونه صحيحًا. والمشرجُ: كالزَّرْبُولِ له ساقٌ وعُرًى، يدخلُ بعضُها في بعضٍ، فيسترُ محلَّ الفرضِ، فيصحُّ المسحُ عليه؛ لأنَّه ساترٌ يمكنُ متابعةُ المشيِ فيه، أشبهَ غيرَ ذي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٦)، ومسلم (٢٧٤).
(٢) أخرجه الحميدي (٧٥٨)، ومن طريقه الدارقطني (١/ ١٩٧).
[ ١ / ١١٨ ]
وإمكانُ المشيِ بهمَا عُرفًا، وثبوتُهما بنفسِهما، وإباحتُهما، وطهارةُ عينِهِما،
الشَّرَجِ. فإن لم ينضمَّ بلبسِه ولا غيرِهِ، لم يصحَّ المسحُ عليه، كبيرًا كان الخرق (^١) أو صغيرًا، من محلِّ الخرز (^٢) أو غيرِه.
(و) الثالثُ: (إمكانُ المشي بهما عرفًا) لا كونه يمنعُ نفوذَ الماءَ، أو معتادًا، فيصحُّ على خفٍّ من جلدٍ، ولبدٍ، وخشبٍ، وحديدٍ، وزجاجٍ لا يصفُ البشرةَ، ونحوِه، حيثُ أمكنَ المشيُ فيه؛ لأنَّه يمكنُ متابعة المشيِ فيه ساترًا لمحلِّ الفرضِ، أشبهَ الجلدَ. وقد يحتاجُ إلى بعضِها في بعضِ البلادِ، ولا يضرُّ عدمُ الحاجةِ في غيرِه (^٣).
(و) الرابعُ: (ثبوتُهما بنفسِهما) فإنْ لم يثبتْ إلا بشدِّه، لم يجزِ المسحُ عليه؛ لفقدِ شرطِه.
(و) الخامسُ: (إباحتُهما) فلا يصحُّ على مغصوبٍ، ولا حريرٍ لرجلٍ، أي: مع الضرورةِ وعدمِها، فلا يصحُّ. وإن خافَ بنزعِه سقوطَ أصابعه من بردٍ؛ لأنَّ المسحَ رخصةٌ فلا تستباحُ بالمعصيةِ، كما لا يستبيحُ المسافرُ الرخصَ بسفرِ المعصيةِ. وسواءٌ كان خفًّا، أو عمامةً، أو خمارًا، أو جبيرةً. ومُذَهَّبٌ ونحوُه.
(و) السادسُ: (طهارةُ عينِهما) أي: الممسوحِ. فلا يصحُّ على نجسِ العينِ، خفًّا كان أو جبيرةً، أو غيرَهما. ولو في ضرورةٍ. ويتيمم (^٤) مَنْ لبسَ ساترًا نجسًا مع الضرورةِ بنزعِه. ويعيدُ ما صلَّى به؛ لحملِه الشماسةَ.
_________________
(١) سقطت: "الخرق" من الأصل.
(٢) في الأصل: "الخرق".
(٣) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ١٢٨).
(٤) في الأصل: "وتيمم". والمثبت من "دقائق أولي النهى" ١/ ١٢٨.
[ ١ / ١١٩ ]
وعدمُ وصفِهما البَشَرةَ.
فيمسحُ المقيمُ، والعاصِي بسَفَرِهِ، مِنْ الحدثِ بعدَ اللُّبسِ يومًا وليلةً، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بليالِيهنَّ.
فلو مسح في السفرِ ثم أقامَ،
(و) السابعُ: (عدمُ وصفِهما البشرةَ) لصفائِه، أو خفتِه.
(فيمسحُ المقيمُ) ولو كان عاصيًا بإقامتِه، كمَن أمره سيِّدُه بسفرٍ، ثُمَّ أقامَ. والمسافرُ دونَ المسافةِ (و) يمسحُ (العاصي بسفرِه من الحدثِ بعد اللُّبسِ يومًا وليلةً) كما لو سافرَ لأخذِ مَكْسٍ، أو قطعِ طريقٍ. أها العاصي في السفرِ المباحِ، كشربِ الخمرِ، مثلًا، فإنَّه يمسحُ مسحَ مسافرٍ؛ لأنَّ سفرَه ليسَ معصيةً، فجازَ له الرخص.
(و) يمسحُ (المسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بلياليهنَّ) لمَنْ بسفرِ قصرٍ لم يعصِ به. أي: بالسفرِ؛ بأنْ كانَ غيرَ محرَّمٍ ولَا مَكروه، ولو عصَى فيه؛ لقولِه ﵇: "للمسافرِ ثلاثةُ أيامٍ ولياليهنَّ، وللمقيمِ يومٌ (^١) وليلةٌ". رواه أحمدُ، ومسلمُ، والنسائيُّ، وابنُ ماجه (^٢)، من حديثِ عائشةَ.
(فلو مسحَ في السفرِ، ثمَّ أقامَ) قبلَ مضىِّ مدتِه، أتمَّ مسحَ مقيمٍ، إنْ بقَي منه، وإلا خلعَ في الحالِ. ولو مسحَ في السفرِ أكثرَ من يومٍ وليلةٍ، ثمَّ دخلَ في الصَّلاةِ، فنوَى الإقامةَ في أثنائِها، بطلَتْ (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "يومًا".
(٢) أخرجه أحمدُ (٢/ ١٤٥) (٧٤٩)، ومسلمُ (٢٧٦)، والنسائي (١٢٩)، وابنُ ماجه (٥٥٢).
(٣) انظر "مطالب أولي النهى" (١/ ١٣٤).
[ ١ / ١٢٠ ]
أو في الحضَرِ ثمَّ سافرَ، أو شكَّ في ابتداءِ المَسحِ، لم يَزِد على مسحِ المُقيم.
ويجبُ مسحُ أكثرِ أعلَى الخفِّ،
ولو تلبَّسَ بالصَّلاةِ في سفينةٍ، فدخلَ البلدَ في أثنائِها، بطلتْ. قال الشيخُ مرعي (^١): إقامةً تمنعُ القصرَ.
(أو في الحضرِ، ثمَّ سافرَ) لم يزدْ على مسحِ مقيمٍ، تغليبًا للحضرِ
(أو شكَّ في ابتداءِ المسحِ) بأن لمْ يدرِ أمسحَ مقيمًا أو مسافرًا؟ لأنَّ الأصلَ الغَسلُ، والمسحُ رُخصةٌ، فإذا شكَكنَا في شَرطِها رجعْنا إلى الأصلِ.
فإنْ كان قد صلَّى بعدَ اليومِ والليلة مع الشك، ثم (^٢) تيقَّن، فعليه إعادة ما صلى مع الشك؛ لأنَّه صلى مع طهارةٍ لم يكنْ له أنْ يصلِّيَ بها، فهو كما لو صلَّى معتقدًا أنَّه محدثٌ؛ ثم ذكرَ أنه متطهرٌ، فإنَّ وضوءَه صحيحٌ، ويلزمُه إعادةُ الصَّلاةِ (^٣).
(لم يزدْ على مسحِ مقيمٍ) لأنَّه اليقينُ، وما زادَ عليه لم يتحققْ شرطُه، والأصلُ عدمُه.
(ويجبُ مسحُ أكثرِ أعلى الخفِّ) أي: أكثرِ ظاهرِ أعلى ذلك، فلا يجزئُ مسحُ باطنِه. والمجزئُ: أن يكونَ خِططًا بالأصابعِ. وقال الشافعيُّ: يجبُ ما يُسمَّى مسحًا. وقال أبو حنيفةَ: قدرَ ثلاثِ أصابعَ. وقال مالكٌ: كل الأعلى (^٤).
وعُلمَ منَ المتنِ: أنَّه لا يجزئ مسحُ النصفِ فأقلَّ مِن الأعلى؛ لأنَّ الأصلَ أن البدلَ على حكمِ الأصلِ، لكن تركناه هنا للنصوصِ في ذلك، وأقمْنا الأكثرَ مقامَه،
_________________
(١) "غاية المنتهى" (١/ ٨٠).
(٢) سقطت: "ثم" من الأصل.
(٣) انظر "الشرح الكبير" (١/ ٤٠٤).
(٤) في الأصل: "كالأعلى".
[ ١ / ١٢١ ]
ولا يجزئُ مسحُ أسفلِه وعقِبهِ، ولا يُسَنُّ.
فإنَّه أقربُ. وقد أقيمَ الأكثرُ مقامَ الكلِّ في كثيرٍ من الأحكامِ.
وسُنَّ المسحُ بأصابعِ يدِه، من أصابعِ رجليه إلى ساقِه؛ يمسَحُ رجلَه اليمنى بيدِه اليمنى، ورجلَه اليسرى بيدِه اليسرى؛ لحديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ في صفةِ وضوءِ النبيِّ -ﷺ- قال: ثمَّ توضَّأَ، ومسحَ على الخفين، فوضعَ (^١) يدَه اليمنى على خُفِّه الأيمن، ووضعَ يدَه اليسرَى على خفِّه الأيسر، ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدةً، حتى كأني أنظرُ إلى أثر (^٢) أصابعِه على الخفين. رواه الخلَّالُ (^٣). ورُوي عن عمرَ: أنه مسحَ حتى رُؤي أثرُ أصابعِه على خفيه خطوطًا.
والمستحبُّ أن يَفرِجَ أصابعَه. قاله في "الشرح" (^٤).
(ولا يجزئُ مسحُ أسفلِه) أي: أسفلِ الخفِّ (وعَقِبِه) إن اقتصرَ عليهما. قال في "الإنصاف" (^٥): قولًا واحدًا. (ولا يُسنُّ) مسحُهما مع أعلى الخفِّ. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ؛ لقولِ عليِّ: لو كان الدينُ بالرأي، لكان أسفلُ الخفِّ أولى بالمسحِ من ظاهرِه، وقد رأيتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يمسح ظاهر خفَّيه. رواه أحمدُ، وأبو داودَ (^٦). وأما (^٧) حديثُ المغيرةِ: أنَّه ﵇ مسحَ
_________________
(١) في الأصل: "ثم وضع".
(٢) في الأصل: "طرفِ".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٠)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٩٢).
(٤) "الشرح الكبير" (١/ ٤١٩).
(٥) "الإنصاف" (١/ ٤١٧).
(٦) أخرجه أحمدُ (٢/ ١٣٩) (٧٣٧)، وأبو داودَ (١٦٢)، وصححه الألباني.
(٧) في الأصل: "من".
[ ١ / ١٢٢ ]
ومتى حصلَ ما يُوجِبُ الغُسلَ، أو ظَهَرَ بعضُ محَلِّ الفرضِ، أو انقَضَتِ المدَّةُ، بطَلَ الوضوءُ.
أعلى الخفِّ وأسفلَه (^١). فقال الترمذيُّ: إنَّه معلولٌ. وقال: سألتُ أبا زرعةَ ومحمدًا عنه؟ فقالا: ليسَ بصحيحٍ. وقال أحمدُ: إنه من وجهٍ ضعيفٍ.
(ومتى حصلَ ما يوجبُ الغسلَ، أو ظهرَ بعضُ محلِّ الفرضِ) بأن ظهرَ بعضُ قَدَمٍ، من نحوِ خفٍّ مسح عليه، استأنفَ الطهارةَ. أو ظهرَ من عمامةٍ ممسوحةٍ بعضُ رأسٍ، وفحُشَ، استأنفَ الطهارةَ؛ لأنَّ مسحَ العمامةِ قامَ مقامَ مسحِ الرأسِ، ومسحَ الخفِّ أُقيمَ مقامَ غسلِ الرِّجلين، فإذا زالَ الساترُ الذي جعلَ بدلًا، بطلَ حكمُ طهارتِه، كالمتيممِ يجدُ الماءَ. ولو انكشَطتْ ظِهارةُ (^٢) الخفِّ، وبقيتْ بطانتُه، لم يضرَّ.
أو انتقضَ بعضُ العمامةِ الممسوحةِ، ولو كَورًا، استأنف الطهارة؛ لأنَّه كنزعها لزوالِ الممسوحِ عليه.
أو انقطعَ دمُ مستحاضةٍ ونحوِها، كمن به سلسُ بولٍ أو قروحٌ سيَّالةٌ، استأنفَ الطهارةَ؛ لأنَّ طهارتَه إنَّما صحَّتْ للعذرِ، فإذا زالَ العذرُ بطلتْ على الأصلِ، كمن تيمَّمَ لمرضٍ، وعُوفي منه.
(أو انقضتْ المدةُ، بطلَ الوضوءُ)، أي: مدةُ المسحِ؛ لأنَّ طهارتَهُ مؤقتةٌ، فبطلت (^٣) بانتهاءِ وقتِها، كخروجِ وقتِ الصَّلاةِ في حقِّ المتيممِ. وعلى أنَّ الحدثَ
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٨١٩٧)، والترمذي (٩٧)، وضعفه الألباني.
(٢) الظِّهارة: بالكسر: نقيض البطانة. "القاموس المحيط": (ظهر).
(٣) سقطت: "فبطلت" من الأصل.
[ ١ / ١٢٣ ]