وهي ثمانيةٌ:
أحدُها: الخارجُ من السَّبيلين، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا أو نَجِسًا.
الثاني: خروجُ النجاسةِ من بقيَّة البدَنِ.
فإن كان بولًا أو غائِطًا، نَقَضَ مطلقًا.
(بابُ نواقضِ الوضوءِ)
النواقضُ: جمعُ ناقضةٍ، لا ناقض؛ لأنَّ فاعلًا وصفًا لا يُجمعُ على فواعلَ إلا مؤنثًا. وشذَّ: فوارسُ، جمعُ فارسٍ. وقيلَ ذلك في العاقلِ، وأما غيرُه فيُجمَعُ كلٌّ منهما على فواعلَ، كما ذكرَهُ ابنُ مالكٍ وغيرُه.
واستعمالُ النقضِ في إفسادِ الوضوءِ مجازٌ؛ لأنَّ النقضَ يُستعملُ حقيقةً في البناءِ، ومجازًا في المعاني، ومنه: نقضُ الوضوءِ، ونقضُ العلةِ، وعلاقتُه الإبطالُ.
(وهي) أي: النواقضُ (ثمانيةٌ):
(أحدُها: الخارجُ) ولو كان نادرًا كالريحِ من القبلِ، والدودِ والحصى من الدُبُرِ. (من السَّبيلين) وهو: مخرجُ البولِ والغائطِ.
فينقضُ ما خرجَ من السبيلين (قليلًا كان أو كثيرًا) من بولٍ وغائطٍ (طاهرًا أو نجسًا) أي: كالمنيِّ، وكالريحِ من الدُبُرِ، وكالولدِ العاري عن الدمِ.
(الثاني) من النواقضِ: (خروجُ النجاسةِ من بقيةِ البدنِ) أي: غيرِ السبيلين، كقيءٍ وغيرِه.
(فإن كان بولًا أو غائطًا، نقضَ مطلقًا) أي: كثيرًا كان البولُ أو الغائطُ، أو
[ ١ / ١٢٩ ]
وإن كان غيرَهُما، كالدَّمِ والقيءِ، نَقَضَ إنْ فحُش في نفسِ كلِّ أحدٍ بحَسَبِه.
الثالثُ: زوالُ العقلِ،
يسيرًا. (وإن كانَ غيرَهما) أي: غيرَ البولِ والغائطِ (كالدَّمِ، والقيءِ) والقيحِ، والصَّديدِ (نقَضَ إن فحُشَ في نفسِ كلِّ أحدٍ بحسبِه) رُوي نحوُه عن ابنِ عباسٍ. قال الخلَّالُ: الذي استقرتْ عليه الروايةُ: أنَّ الفاحِشَ: ما يَستفحشُه كلُّ إنسانٍ بحسبِه، أي: في نفسِه؛ لقولِ النبيِّ -ﷺ-: "دعْ ما يريبُكَ إلا ما لا يريبُكَ" (^١). ولأنَّ اعتبارَ حالِ الإنسانِ بما يستفحشُه غيرُه حرجٌ، فيكونُ منفيًّا.
وبالنقضِ بخروجِ النجاسةِ الفاحشةِ من غيرِ السبيلِ قال (^٢) ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ.
ولحديثِ (^٣) معدانَ بنِ أبي طلحةَ، عن أبي الدرداءِ: أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قاءَ فتوضَّأَ. قال: فلقيتُ ثوبانَ في مسجدِ دِمشق، فسألتُه؟ فقال: صدقتَ، أنا سكبتُ له وضوءَه. رواه الترمذيُّ (^٤)، وقال: هذا أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ. قيل لأحمدَ: حديثُ ثوبانَ ثبتَ عندَك؟ قال: نعمْ.
فلا ينقض وضوءُ القصَّابينَ، فإنَّ الكثيرَ عندَنا يسيرٌ عندَهم.
(الثالثُ) من النواقضِ: (زوالُ العقلِ) كحدوثِ جنونٍ أو بِرسامٍ (^٥)، كثيرًا كان
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٤٨) (١٧٢٣)، والترمذي (٢٥١٨) من حديث الحسن بن علي. وصححه الألباني.
(٢) في الأصل: "قول".
(٣) في الأصل: "لحديث".
(٤) أخرجه الترمذيُّ (٨٧)، وصححه الألباني.
(٥) البِرْسامُ: عِلَّةٌ يُهْذَى فيها. "القاموس المحيط" (برسم).
[ ١ / ١٣٠ ]
أو تغطِيتُه بإغماءٍ أو نومٍ، ما لم يكُنِ النومُ يسيرًا عُرفًا من جالسٍ
أو قليلًا، إجماعًا. (أو تغطيتُه بإغماءٍ) أو بسُكرٍ، أو شُربِ دواءٍ (أو نومٍ) هو: غشيةٌ ثقيلةٌ تقعُ على القلبِ، تمنعُ المعرفةَ بالأشياءِ. وقال البيضاويُّ (^١): هو حالٌ يعرضُ للحيوانِ من استرخاءِ أعصابِ (^٢) الدِّماغِ من رطوباتِ الأبخرةِ المتصاعدةِ، بحيثُ تقفُ الحواسُّ الظاهرةُ عن الإحساسِ رأسًا.
لحديثِ عليٍّ مرفوعًا: "العينُ وِكاءُ السَّه، فمنْ نامَ فليتوضَّأْ". رواه أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه (^٣). والسَّهُ: حَلَقَةُ الدُبُرِ.
(ما لم يكنِ النومُ يسيرًا عُرْفًا من جالسٍ) لحديثِ أنسٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ -ﷺ-، على عهدِ رسولِ اللهِ -ﷺ- ينتظرون العشاءَ الآخرةَ، حتى تخفقَ رؤوسُهم، ثمَّ يصلُّونَ ولا يتوضئون. رواه أبو داودَ (^٤). ولأنَّه يكثرُ وقوعُه من منتظرِي الصَّلاةِ، فعُفِي عنه للمشقَّةِ. وإنْ رأى رؤيا، فهو كثيرٌ. وعنه: لا. وهو أظهرُ. وإن خطَرَ ببالِه شيءٌ لا يدري: أرؤيا، أو حديثُ نفسٍ؟ فلا نقضَ. ومرجعُ اليسيرِ إلى العرفِ، كما في المتنِ.
قال في "الشرح الكبير" (^٥): قال شيخُنا: الصحيحُ: أنه (^٦) لا حدَّ له. فمتى وُجِدَ ما يدلُّ على الكثرةِ، مثلَ سقوطِ المتمكِّنِ، نقضَ، وإلا فلا.
_________________
(١) "تفسير البيضاوي" (١/ ٥٥٢).
(٢) في الأصل: "أعضاء".
(٣) أخرجه أحمدُ (٢/ ٢٢٧) (٨٨٧)، وأبو داودَ (٢٠٣)، وابنُ ماجه (٤٧٧)، وحسنه الألباني.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٠)، وصححه الألبانى.
(٥) "الشرح الكبير" (٢/ ٢٥).
(٦) سقطت: "أنه" من الأصل.
[ ١ / ١٣١ ]
وقائمٍ.
الرابعُ: مسُّه بيدِه
وقال الزركشيُّ (^١): فمن سمِعَ كلامَ غيرِهِ وفِهمَه، فليس بنائمٍ، فإنْ سمِعَه ولم يفهمْه فيسيرٌ، أو حديث نفسٍ، فلا وضوءَ عليه.
وإن شكَّ في وجودِ النومِ، أو غلَبَتِه على عقلِه، فلا نقضَ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا يزولُ عن اليقينِ بالشكِّ.
(و) اليسير عُرفًا من (قائمِ) لحديث ابنِ عباسٍ، لما باتَ عند خالتِه ميمونةَ. رواه مسلمٌ (^٢). ولأنه يشبِهُ الجالسً في التحفظِ واجتماعِ المخرجِ، وربما كان القائمُ أبعدَ عن الحدثِ.
أما المضطجعُ والراكعُ والسَّاجدُ، فينقضُ النومُ اليسيرُ إذا حصلَ منهم، وكذلك المستنِدُ والمتكئُ والمحتبي.
قال الزركشيُّ: وإذا سقطَ الساجدُ عن هيئته (^٣)، أو القائمُ عن قيامِه، ونحو ذلك، بطلتْ طهارتُه؛ لأنَّ أهلَ العُرْفِ يعدُّونَ ذلك كثيرًا.
وعُلِمَ منه: أنَّ النومَ الكثيرَ من الجالسِ والقائمِ ناقضٌ كالمضطجعِ؛ لأنَّ النقضَ بالنومِ معلَّلٌ بإفضائِه إلى الحدثِ، ومع الكثرةِ لا يحسُّ بما يخرجُ منه، بخلافِ اليسيرِ.
(الرابعُ) من النواقضِ: (مسُّه) أي: فرجِ الآدمىِّ (بيدِه) متعلِّقٌ بمس. فلا نقضَ
_________________
(١) انظر "شرح الزركشي" (١/ ٢٤٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣).
(٣) في الأصل: "جبهتِه".
[ ١ / ١٣٢ ]
-لا ظُفره- فرجَ الآدميِّ المتَّصلَ بلا حائلٍ،
إذا مسَّه بغَيرِها، لحديثِ أحمدَ، والدارقطنيِّ (^١): "من أفضَى بيدِه إلى ذكرِه" ولأنَّ غيرَ اليدِ ليسَ بآلةِ اللَّمسِ. ولو كانتْ زائدةً، ولا فرقَ بينَ بطنِ الكفِّ وظهرِها وحرْفِها؛ لأنَّه جزءٌ منها، أشبَهَ بطنَها.
والمرادُ باليدِ: إلى الكوعِ؛ لأنَّها المرادُ عندَ الإطلاقِ، كما في التيمُّمِ والسَّرِقةِ. قال ابنُ قندسٍ في "حاشية المحرر": والفقهاءُ يستعملون غالبًا المصرَّ باليدِ فقط، واللَّمسَ بجميعِ البدنِ، فيقولون غالبًا: مسَّ الذكرَ بيدِه، ولمَصرَ المرأةَ؛ لأنَّ لمسَ المرأةِ ليس مقيدًا باليدِ، بلْ يدخلون فيه اللمسَ باليدِ وبغيرِها. ولهذا يقولون: لمسَ الرجلُ المرأةَ ببشرتِه. وبعضُهم يستعملُ المسَّ باليدِ وبغَيرِها، وكذلك اللَّمسُ، إلَّا أنَّ أكثرَ استعمالِهم على الأوَّلِ. فعلى هذا: يكونُ اللمسُ أعمَّ من المسَّ؛ لأنَّ اللَّمسَ يدخلُ فيه اليدُ وغيرُها، والمسَّ مقيدٌ باليدِ. انتهى.
(لا ظفرِه) فلا ينقضُ مسُّه بالظفرِ؛ لأنَّه في حكمِ المنفصلِ (فرجَ الآدميِّ) دون سائرِ الحيواناتِ. تعمَّدَهُ، أو لا، ذكرًا أو أنثَى، صغيرًا أو كبيرًا. (المتصلَ) أي: فلا نقضَ بمسِّ الفرجِ البائنِ، كالذكَرِ المقطوعِ؛ لأنَّه لا يترتَّبُ عليه أحكامُ المتصلِ من وجوبِ الغسلِ، والحدِّ، وغيرِ ذلك. وهو صفةٌ لـ"فرجٍ".
(بلا حائلٍ) متعلِّقٌ بـ"مسِّ"؛ لقولِه ﵇: "مَنْ أفضى بيدِه إلى ذكره (^٢)، ليس دونَه سترٌ، فقد وجبَ عليه الوضوءُ". رواه أحمدُ والدارقطنيُّ. فإنْ مسَّ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٤/ ١٣١) (٨٤٠٤)، والدارقطنيِّ (١/ ١٤٧) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني. "الصحيحة" (١٢٣٥).
(٢) سقطت: "إلى ذكره" من الأصل.
[ ١ / ١٣٣ ]
أو حَلْقَةَ دُبر، لا مسُّ الخِصْيتينِ،
بحائلٍ، فلا نقضَ.
(أو حلقةَ دُبُرِهِ) منه أو من غيرِه. وعنه: لا. قال في "الفروع" (^١): وهو أظهرُ.
أما مسُّ الذكرِ؛ فلحديثِ بسرةَ بنتِ صفوانَ مرفوعًا: "مَنْ مسَّ ذكرَه فليتوضَّأْ". رواه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ. وصحَّحه الترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ. وابنُ ماجه (^٢). وصحَّحه ابنُ معينٍ. وقال البخاريُّ: أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ حديثُ بسرةَ. وعن جابرٍ مثلُه، رواه ابنُ ماجه (^٣).
وأما مسُّ غيرِ الذكرِ فلعمومِ قولِه ﵇: "مَنْ مسَّ فرجَه فليتوضَّأْ". رواه ابنُ ماجه (^٤)، والأثرمُ، وصحَّحه أحمدُ وأبو زرعةَ. ولحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: "أيما امرأةٍ مسَّتْ فرجَها فلتتوضَّأْ". رواه أحمدُ (^٥).
وإذا نقضَ بمسِّ فرجِ نفسِه مع دعاءِ الحاجةِ إليه وجوازِه، فمسُّ فرجِ غيرِه أولى. وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ بُشرةَ: "مَنْ مسَّ الذكرَ، فليتوضَّأْ" فيشملُ كلَّ ذكرٍ.
(لا مسُّ الخِصيتيْنِ) فلا نقضَ بمسِّ الخِصيتيْنِ وما حولَهما إلا بشهوةٍ.
والظاهرُ: أنَّ المرادَ باعتبارِ النقضِ حيثُ اعتبرتْ بأنْ مسَّ ذلك الذكَر من الأنثى، أو عكسُه. ولا بمسِّ شُفْرَي الفرجِ مطلقًا.
_________________
(١) في الأصل: "قال المنع" وانظر "الفروع" (١/ ٢٢٦).
(٢) أخرجه مالكٌ في "الموطأ" (١/ ٤٢)، والشافعي في "الأم" (١/ ٣٣)، "وأحمدُ (٦/ ٤٠٦)، الترمذيُّ (٨٢)، وابنُ ماجه (٤٧٩)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٨٠).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٨١) من حديث أم حبيبة. قال الألباني: صحيح لغيره.
(٥) أخرجه أحمد (١١/ ٦٤٧) (٧٠٧٦)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٢٧٢٥).
[ ١ / ١٣٤ ]
ولا مسُّ مَحلِّ الفرجِ البائِنِ.
الخامسُ: لَمسُ بشرَةِ الذَّكرِ الأنثى، أو الأنثى الذَّكَرَ، لشهوةٍ
(ولا مسُّ محلِّ الفرجِ البائنِ) لأنَّه ليس بفرجٍ. وكذا مسَّ البائنِ؛ لذهابِ حرمتِه.
(الخامسُ) من النواقضِ: (لمسُ بشرةِ الذكَرِ الأنثى، أو الأنثى (^١) الذكرَ؛ لشهوةٍ) لقولِه تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّساء: ٤٣]. إذ اللَّمسُ أعمُّ من الجماعِ؛ لأنَّ اللفظَ لا يُحملُ على بعضِ محتملاتِه إلا بدليلٍ، ولا دليلَ على إرادةٍ، فيُحملُ على عمومِه.
واشتُرطتْ الشهوةُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: القبلةُ من اللَّمسِ وفيها الوضوءُ (^٢). فتخصيصُه القُبلةَ بذلك قرينةُ الشهوةِ (^٣).
أما وضوءُ الرَّجلِ والمرأةِ فلا يَنتَقِض بمسِّهما الخُنثى المشكَّلِ لشهوةٍ. ولا وضوءُ الخنثى المشكَّلِ بمحرِّ رجلٍ أو امرأةٍ لشهوةٍ، على المذهبِ.
قال في "الإنصاف" (^٤): وعليه (^٥) جماهيرُ الأصحابِ. وعنه: لا ينقضُ مطلقًا، اختارَه الشيخ تقيُّ الدينِ في "فتاويه"، وصاحب "الفائق"، ولو باشرَ مباشرةً فاحشةٍ. وقيل: إنْ انتشرَ نقَضَ، وإلا فلا. وعنه: ينقضُ مطلقًا.
_________________
(١) في الأصل: "والأنثى".
(٢) لم أجده عن ابن عباس. وهو عند البيهقي (١/ ١٢٤) عن عمر. وعند ابن أبي شيبة (١/ ٤٩) عن ابن مسعود.
(٣) انظر "شرح الزركشي" (١/ ٢٦٥).
(٤) "الإنصاف" (٢/ ٤٢).
(٥) مراده: لمس بشرة الذكر الأنثى لشهوة.
[ ١ / ١٣٥ ]
مِنْ غيرِ حائلٍ، ولو كان الملموسُ ميِّتًا، أو عجُوزًا، أو مَحْرَمًا.
وأمَّا كونُ اللَّمس لا ينقضُ إلا إذا كان لشهوةٍ، فللجمعِ بين الآيةِ والأخبارِ؛ لأنَّه قد رُوي عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها، أنها قالتْ: فقدْتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- ليلةً من الفراشِ، فالتمسْتُه، فوقعتْ يدي على بطنِ قَدَمِه، وهو في المسجدِ، وهما منصوبتان. رواه مسلمٌ (^١). ونصبُهما دليلٌ على أنَّه يصلِّي.
ورُوي عنها أيضًا أنَّها قالتْ: كنتُ أنامُ بينَ يدي رسولِ اللهِ -ﷺ- ورجلاي في قِبلتِه، فإذا سجدَ غمزَني، فقبضتُ رِجلي. متفقٌ عليه (^٢). والظاهرُ: أنَّ غمزه رجليها كان من غير حائلٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه. ولأنَّ اللَّمسَ ليس بحدَثٍ، وإنما هو داعٍ إليه، فاعتُبرتْ الحالُ التي تدعو فيها إليه، وهي حالُ الشهوةِ.
وقيسَ عليه مسُّ المرأةِ الرجلَ، ومتى لم ينقضْ مسُّ أنثى، استحبَّ الوضوءُ، نصًّا.
(من غيرِ حائلٍ) متعلِّقٌ بـ"لمس". فإنْ كان بحائلٍ لم ينقضْ؛ لأنَّه لم يلمسِ البشرةَ، أشبَهَ لمسَ الثيابِ. والشهوةُ بمجردِها لا توجبُ الوضوءَ، كما لو وجدتْ من غيرِ لمسٍ.
(ولو كان الملموسُ ميتًا)؛ للعمومِ، وكما يجبُ الغُسلُ بوطءِ الميتِ، (أو) كان الملموسُ (عجوزًا أو مَحرَمًا) لعمومِ لفظِ الآيةِ. ولأنَّ ذلك معتبرٌ بوجودِ الشهوةِ، فإذا وجدتْ، فلا فرقَ بين كونِ الملموسِ مظنةَ الشهوةِ، أو لا.
وقال الشافعيُّ: لا نقضَ بلمسِ ذاتِ المحرمِ. وهو قولٌ عن الإمامِ، قدَّمه في "الرعاية الصغرى".
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢).
[ ١ / ١٣٦ ]
لا لمسُ مَنْ دُونَ سَبعٍ، ولا لمسُ سِنٍّ وظُفرٍ وشعرٍ، ولا اللَّمسُ بذلك.
ولا ينتقضُ وضوءُ الممسُوسِ فرجُه، أو الملموسِ بدنُه، ولو وَجَدَ شهوةً.
(لا لمسُ مَن دونَ سبعٍ) أي: لا ينقضُ مسُّ مَنْ دونَ سبعِ سنين، من ذكرٍ أو أنثى، لاُنَّه ليس محلًّا للشهوةِ.
(ولا) ينقضُ (لمسُ (^١) سنٍّ، وظُفرٍ، وشَعرٍ) أي: ولا نَقضَ بلمسِ سنٍّ وظفرٍ وشعرٍ؛ لأنَّ ذلك لا يقعُ الطلاقُ بإيقاعِه عليه، ولا الظهارُ، ولا العتقُ؛ لكونِه ينفصلُ في حالِ السَّلامةِ، أشبَهَ لمسَ الدمعِ.
قال في "الفروع" (^٢): ولا لمسُ سنٍّ وشعرٍ وظفرٍ، في الأصحِّ، خلافًا لمالكٍ. وقال بعضُهم: وكذا اللَّمسُ به. وهو متوجِّهٌ. وأشارَ إليه بقولِه: (ولا اللَّمسُ بذلك) أي: بالسنِّ والشعرِ والظفرِ.
ولا نقضَ بلمسِ رجلٍ لأمردَ؛ وهو الشابُّ الذي طرَّ شاربُه ولم تنبتْ لحيتُه. قاله في "القاموس". ولو لشهوةٍ، وكذا مسّ امرأةٍ امرأةً، ولو لشهوةٍ، لعدمِ تناولِ النصِّ له.
(ولا ينتقضُ وضوءُ الممسوسِ فرجُه، أو (^٣) الملموسِ بدنُه، ولو وجَدَ شهوةً) يعني: لا ينتقضُ وضوءُ ممسوسٍ فرجُه، وإنْ وجدتْ منه شهوةٌ، ولا وضوءُ ملموسٍ بدنُه لشهوةٍ، وإن وجدتْ منه شهوةٌ. بل يختصُّ النقضُ بالماسِّ واللامسِ؛ لعدمِ تناولِ النصِّ لهما.
_________________
(١) في الأصل: "بلمس".
(٢) "الفروع" (١/ ٢٣٢).
(٣) في الأصل: "ولا".
[ ١ / ١٣٧ ]
السادسُ: غَسلُ الميِّت أو بعضِهِ.
والغاسلُ هو مَنْ يُقلِّبُ الميِّتَ ويُباشِرُه، لا مَنْ يصُبُّ الماءَ.
السابعُ: أكلُ لحم الإبِلِ،
ولا نقضَ أيضًا بانتشارٍ بفكرٍ، أو تكرارِ نظرٍ.
(السادسُ) من نواقضِ الوضوءِ: (غسلُ الميتِ، أو بعضِه) مسلمًا كان أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى؛ لأنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عباسٍ كانا يأمرانِ غاسلَ الميتِ بالوضوءِ (^١). ولم يُعلمْ لهما مخالفٌ من الصَّحابةِ. ولأنَّ الغاسلَ لا يسلمُ غالبًا من مسِّ عورةِ الميتِ، فأقيمَ مقامَه، كالنومِ مع الحدثِ. ولو في قميصٍ.
وهو: من يُقلِّبُه ويباشرُه، ولو مرَّةً، لا مَن يصبُّ الماءَ ونحوَه. وإليه أشارَ بقولِه: (والغاسلُ: هو مَنْ يقلِّبُ الميتَ ويباشِرُه، لا مَنْ يصبُّ الماءَ) ولا ينتقضُ وضوءُ مَنْ يمَّمَه.
(السابعُ) من النواقضِ: (أكلُ لحمِ الإبلِ) علِمَه أو جهِلَه، نيئًا كان أو مطبوخًا، وسواءٌ عَلِمَ بالحديثِ الوراد فيه، أو لا؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- سُئِلَ: أنتوضأُ من لحومِ الإبلِ؟ قال: "نعمْ" قيل: أنتوضأ من لحومِ الغنمِ؟ قال: "لا". رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (^٢). قال الخطابيُّ (^٣): ذهبَ إلى هذا عامةُ
_________________
(١) أثر ابن عمر: أخرجه عبد الرزاق (٦١٠٧)، والبيهقي ١/ ٣٠٦ من طريق عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. وأما أثر ابن عباس: أخرجه عبد الرزاق (٦١٠١).
(٢) أخرجه أحمد ٣٠/ ٦٣١ (١٨٧٠٣)، وأبو داود (١٨٤)، والترمذي (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وصححه الألباني في "الإرواء" تحت حديث (١١٨).
(٣) "معالم السنن" (١/ ١٣٦).
[ ١ / ١٣٨ ]
ولو نَيئًا.
فلا نقضَ ببقيَّةِ أجزائِها، كَكَبِدٍ، وقلبٍ، وطِحَالٍ، وكَرشٍ، وشَحمٍ، وكُليةٍ، ولسانٍ، ورأسٍ، وسَنَام، وكوا عَ، ومُصرانٍ، ومَرَقِ لحمٍ. ولا يحنثُ بذلِكَ مَنْ حَلَفَ: لا يأكلُ لحمًا.
أصحابِ الحديثِ.
ودعوى النسخِ، أو أنَّ المرادَ بالوضوءِ غسلُ اليدينِ، مردودٌ.
و"إبل" بكسرتين، وتسكَّن الباءُ. قال في "القاموس": واحدٌ يقعُ على الجمعِ، وليس بجمعٍ، ولا اسمَ جمعٍ، وجمعُه: آبال.
وقيل: الوضوءُ منه معلَّلٌ بأنَّها من الشياطينِ، إذْ كلُّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ، فالكلبُ الأسودُ شيطانُ الكِلابِ. والإبلُ شياطينُ الأنعامِ، فالأكلُ منها يورِّثُ حالًا شيطانيةً، والشيطانُ يطفئُه باردُ الماءِ (^١).
(ولو نَيئًا. فلا نقضَ ببقيَّةِ أجزائِها) أي: الإبلِ (ككبدٍ، وقلبٍ، وطِحالٍ، وكرشٍ، وشحمِ، وكليةٍ، ولسانٍ، ورأسٍ، وسنامِ، وكوارعَ، ومُصرانٍ، ومرقِ لحمٍ) لأنَّ الأخَبارَ الصحيحةَ إنما وردتْ في اللَّحَمِ، والحكمُ فيه غيرُ معقولِ المعَنَى، فاقتصرَ فيه على موردِ النصِّ، فإنَّه أمرٌ تعبديٌّ، فلا يتعدَّى إلى غيرِه
(ولا يحنثُ بذلك مَنْ حلفَ: لا يأكلُ لحمًا) أي: لا يحنثُ مَنْ حلفَ: لا يأكلُ لحمًا، فأكلَ من بقيةِ أجزائِها، وهو ما تقدَّمَ، فإنَّه لا يحنثُ، فإنه لا يُسمى لحمًا عندَ الإطلاقِ.
_________________
(١) انظر "المبدع" (١/ ١٦٩).
[ ١ / ١٣٩ ]
الثامن: الردَّة.
وكلُّ ما أوجبَ الغُسلَ، أوجبَ الوضوءَ، غَيرَ الموتِ.
(الثامنُ) من نواقضِ الوضوءِ: (الرِدَّةُ) لقولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥] وقولِه ﵇: "الطُّهورُ شطرُ الإيمانِ" (^١). والردَّةُ تُبْطلُ الإيمانَ، فوجبَ أن تُبطلَ ما هو شطرُه. وقال القاضي: لا معنى لجعلِها من النواقضِ، مع وجوبِ الطهارةِ الكبرى -يعني: إذا عادَ إلى الإسلامِ- إذ وجوبُ الغسلِ ملازمٌ لوجوبِ الوضوءِ، كما ذكرَ بقولِه: (وكلُّ ما أوجبَ الغُسلَ، أوجبَ الوضوءَ، غيرَ الموتِ) كإسلامٍ، وانتقالِ منيٍّ، وحيضٍ، ونفاسٍ. وأما الميتُ فلا يجبُ وضوؤُه، بل يُسنَّ.
وعُلِمَ مما سبقَ: أنه لا نقضَ بنحوِ كذبٍ، وغيبةٍ، ورَفَثٍ، وقذفٍ، نصًّا. ولا بقهقهةٍ، ولا بأكلٍ ممَّا مسَّتْهُ النارُ. لكن يُسنُّ الوضوءُ من كلامٍ محرَّمٍ، ومن مسَّ المرأةِ؛ حيثُ قلنا: لا يوجبُ الوضوءَ.
وحديثُ الأمرِ بإعادةِ الوضوءِ والصَّلاةِ من القهقهةِ، ضعَّفه أحمدُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، والدارقطنيُّ، وهو من مراسيلِ أبي العاليةِ. قال ابنُ سيرينَ: لا تأخذوا بمراسيلِ الحسنِ وأبي العاليةِ، فإنهما لا يباليانِ عَمَّنْ أخذا.
والقهقهةُ: أن يضحكَ حتى يحصلَ من ضحكِه حرفان. ذكرَهُ ابنُ عقيلٍ.
ولا نقضَ بإزالةِ شعير ونحوِه كظفرٍ؛ لأنَّه ليس بدلًا عمَّا تحتَه، بخلافِ الخفِّ. وقدْ تقدمَ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري.
[ ١ / ١٤٠ ]
فَصْلٌ
من تيقَّن الطَّهارةَ وشَكَّ في الحدَثِ،
(فصلٌ)