أولًا: لا شكَّ أنَّ هذا الشَّرحَ هو لمؤلِّفِه الشيخ عبد الله المقدسي الحنبليِّ، يتبيَّنُ ذلك مما يلي:
١ - ذِكرُ عنوانِ الكتابِ واسمِ المؤلِّفِ على طُرَّةِ النُّسخَةِ الخطيَّة، حيث رُقِمَ: "كتابُ شرح دليل الطالب لنيل المطالب، تأليف الشيخ العلامة عبد الله المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى آمين، إنه أرحم الراحمين".
٢ - نقلُ العُلماءِ عَنه في شُروحِهم واستفادتهُم منه، ونِسبَتُهم الكتابَ إليه، كما صَنَعَ ابنُ عَوضٍ في "فتح وهاب المآرب"، وابنُ حُمَيدٍ في "حاشيته على شرح المنتهى"، وغيرهما (^١).
٣ - أنَّ بعضَ مَن ترجَم لـ" دليل الطالب" يذكُرُ هذا الشرحَ، وأنه لعبد الله المقدسيِّ، وممَّن صنَعَ ذلك الشيخُ بكر أبو زيد في "المدخل المفصل" (٢/ ٧٩٤).
ثانيًا: إذا ثبتَ ذلك، فمَن هو الشيخُ عبدُ الله المقدسي؟
قال الشيخ بكرُ أبو زيد ﵀ في "المدخل المفصل" (^٢) عندَما ذكَرَ الكتابَ ومؤلِّفَه، قال: ولم يتحرَّر لي مَن هو عبد الله المقدسي؟.
قلتُ: لقد تحرَّرَ ذلك، بحمدٍ من الله وفضلٍ، وأنَّه مَن تقدَّمَت ترجمتُه آنفًا: الشيخُ عبدُ الله بنُ الشيخ أحمدَ بنُ يحى بن يوسف بن أبي بكر بن
_________________
(١) انظر "فتح وهاب المآرب" (٢/ ١٠٧)، "حاشية ابن حميد" (١/ ٢٢٧).
(٢) "المدخل المفصل" (٢/ ٧٩٤).
[ ١ / ١٤ ]
أحمد بن أبي بكر بن يوسفَ بنُ أحمدَ الحنبلىُّ الكرميُّ المقدسيُّ.
فيكونُ الشيخُ مرعيٌّ عمًّا لوالِدِه. كما تقدَّم. ويُثبِتُ ذلك أمورٌ أهمُّهَا ما يلي:
١ - نقلُه عَن عمِّ والِده الشيخ مرعيٍّ، وتصريحُه بذلك النَّسب في آخر "كتاب الجنائز"، وفي آخر "باب إخراج الزكاة"، وفي "كتاب الصيام"، وفي السادس والسابع من محظوراتِ الإحرام، وفي "باب الوليمة من كتاب النكاح" وغيرِها. بالعِبارَةِ التالية: "قالَ عمُّ والدي العلَّامةُ الشيخُ مرعي في كتابِه "غايةِ المُنتهَى" " ونحوها.
وليسَ ثمَّتَ أحدٌ مِن تلامِذَةِ الشيخِ مرعيٍّ يَكونُ عَمًّا لهُ سِوى الشيخِ أحمدَ بنِ يحى المقدسيِّ، كما هو مَذكُورٌ في ترجمَةِ الشيخَينِ مَرعيٍّ وأحمَدَ، مما يُبيِّنُ أنَّ الكتابَ لابنِ أحمدَ بنِ يحيى المقدسِي.
إضافة إلى أن أحمدَ بنَ يحيى لهُ ولدٌ اسمُهُ عبدُ الله، وقد وُصِفَ بالمشيَخَةِ عِندَما ذُكِرَ في ترجمَةِ والِدِه في "النعت الأكمل"، و"السحب الوابلة" وغيرِهما، حيثُ إنَّه رَوَى حِكايَةً عن والِدِه الشيخِ أحمَدَ (^١).
٢ - أن الشيخَ معروفٌ بعلمِ الفَلَكَ، وقد أشارَ إلى ذلك مَن تَرجَم له، ونسَىبَ إليه بعضَ الكتبِ في هذا الفَنِّ، كما نَصَّ هو في "شرح الدليل" في "شرط استقبالِ القبلة" على مؤلَّفَينِ مِن مُؤلَّفَاتِه في عِلمِ الفَلَك، وأحدُهما: "رسالةٌ في وضعِ الأرباعِ وهو ربعُ المقنطَراتِ والمجيب" ويعني بذلِكَ:
_________________
(١) انظر "النعت الأكمل" ص (٢٤٩)، "السحب الوابلة" (٢/ ٢٧٧).
[ ١ / ١٥ ]
الرسالةَ المذكورةَ في ترجمتِه في "معجم المؤلفين" (٦/ ٣٣): "تحفة اللبيب وبغية الأريب في ربع الدائرة والمجيب".
٣ - ذُكِرَ في ترجمته أيضًا أن له رسالةً باسم: "تحفة الألباب في بيان حكم ذوات الأذناب" فرغَ مِن تأليفِها في رمضانَ سنَةَ ١٠٧٨ هـ وبالرجوع إلى أصل النسخة الخطية - وهي من محفوظات دار الكتب المصرية برقم (١٧٨) - رأيت أنه كتب على طرتها: للعلامة عبد الله بن أحمد المقدسي الحنبلي. وفي ورقة الفهرسة: عبد الله بن أحمد بن يحيى المقدسي الحنبلي.
وبهذينِ الأَمرَين يتبيَّنُ أنَّه من عُلمَاءِ الفَلَكِ إضافةً إلى عِلمِ الفِقهِ الحنبليِّ، وأنَّه المؤلِّفُ لهذا الشرح، وتِلكَ الرسائِلِ المذكورَةِ.
عِلمًا بأنه لم يُخْلِ كتابَه هذا مِن ذِكرِ بعضِ المسائِلِ الفلكيَّةِ، ولقد رأيتُهُ صَنَعَ ذلكَ في: (استقبالِ القبلة - صلاة الكسوف - آخر صلاة الاستسقاء).
ملاحظة: الظاهرُ أنَّ المصنِّفَ لم يُتمَّ شرحَه، بل توقَّف قلمُه عندَ "باب قتال البغاة" من "كتاب الحدود". وهذا يَعني أنَّه لم يترُك إلَّا جُزءًا يَسيًرا آخرَ الكِتابِ.
وقُلتُ ذلكَ لأَمرَين:
الأوَّلُ: أنَّ النُّسخَةَ الخطيَّةَ قد انتَهت عندَ ذلك القدر، ولم تُختَم بما هو مُعتادٌ عندَ خَتمِ الكُتبِ من المصنِّف أو النَّاسِخ. وعلى تَقدير أنَّ بها
[ ١ / ١٦ ]
سَقطًا في آخرِها، فالظَّاهرُ أنه لم يتجاوز ورقَاتٍ يَسيرةً.
الثاني: أنَّ ابنَ عوضٍ المرداويَّ في كتابِه "فتح وهاب المآرب" قد أكثرَ النَّقلَ عن "شرح المقدسي" هذا، وهو الذي يَعنيه بالرَّمز: "ع ب" (^١). وكانَ آخرُ نَقلٍ نقلَه عنه هوآخرَ تعليقٍ في "باب حدِّ القذف" ولم يَنقُل بعدَ ذلك عنهُ حرفًا واحدًا، مما يدلُّ على أنَّ كتابَ المقدسيِّ قد انتَهى إلى هذا القدر. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) وقد تتبعتُ كلَّ نقلٍ ختمه بهذا الرمز وقابلته بشرح الدليل فوجدته مطابقًا له حرفًا حرفًا، وقد أشرت بعد كل نقل إلى موضعه في "الفتح" بهوامش هذا الشرح. تنبيه: ذكرت في مقدمة تحقيقي لكتاب" فتح وهاب المآرب" أن هذا الرمز يستعمله ابن عوض للشيخ منصور البهوتي على وجه العموم في كتبه جميعها. وهو وهمٌ مني؛ سببه: توافقُ مصدر النقلِ بين ابن عوضٍ وعبد الله المقدسي؛ إذ كلاهُما ينقلُ عن منصور خصوصًا من كتابيه "الكشاف" و"الدقائق".
[ ١ / ١٧ ]