فَصْلٌ
ويُسنُّ سجود التِّلاوةِ
(فصلٌ)
(ويُسنُّ سجودُ التلاوةِ) وسجودُ شكرٍ، كنافلةِ الصَّلاةِ ذاتِ الرّكوعِ والسُّجودِ، فيما يُعتبرُ لها من شروطِ الصَّلاةِ" من سترِ العورةِ، واستقبالِ القبلةِ، والنيةِ، والطهارةِ من الحدثِ والنجسِ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وأمَّا كونُ سجودِ التلاوةِ سنةٌ،؛ لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وحديثِ ابنِ عمرَ: كان النبيّ -ﷺ- يقرأ علينا السورةَ فيها السَّجدةُ، فيسجدُ، ونسجد معه، حتى ما يجدُ أحدُنا موضعًا لجبهتِه (^١).
وليس بواجبٍ؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ: قرأتُ على النبيِّ -ﷺ- ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النّجم: ١] فلم يسجدْ فيها. رواه الجماعةُ (^٢). وفي لفط للدارقطنيِّ (^٣): فلم يسجدْ منَّا أحدٌ. وروى البخاريُّ (^٤): قرأ عمرُ يومَ الجمعةِ على المنبرِ سورةَ النَّحلِ، حتى إذا جاءَ في السَّجدةِ، نزلَ فسجد، فسجدَ النَّاسُ، حتى إذا كانت الجمعةُ (^٥) القابلةُ، قرأَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٣)، ومسلم (٥٧٧)، وأبو داود (١٤٠٦)، والترمذي (٥٧٦)، والنسائي (٩٦٠)، ولم أجده عند ابن ماجه.
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (١٠٧٧) عن ربيعة بن عبد اللَّه بن الهُدَيْرِ.
(٥) في الأصل: "يوم الجمعة".
[ ١ / ٣٨٠ ]
مَعَ قِصَرِ الفَصلِ، للقارئ والمستَمِعِ. وهو كالنَّافِلَة فيِمَا يُعتَبَرُ لَهَا.
يُكبِّر إذا سَجَدَ بلا تكبيرةِ إحرامٍ،
بها، حتى إذا جاءَ السَّجدةَ، قال: يا أيُّها النَّاسُ، إنما نمرُّ بالسجودِ، فمَنْ سجدَ فقدْ أصابَ، ومَنْ لم يسجدْ فلا إثمَ عليه. ولمْ يسجدْ عمرُ. ورواه مالكٌ في "الموطأ" (^١)، وقال فيه: إنَّ اللهَ لم يفرضْ علينا السُّجودَ، إلا أن نشاءَ. ولمْ يسجدْ، ومنَعَهم أن يسجُدُوا. وكان بمحضرٍ من الصَّحابةِ ولمْ يُنكرْ، فكان إجماعًا. والأوامرُ به محمولةٌ على الندْبِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة: ١٥] المرادُ به: التزامُ السُّجودِ واعتقادُه، فإنَّ فعلَه ليس شرطًا في الإيمانِ إجماعًا. ولهذا قرنَه بالتسبيحِ.
ويكرِّرُ السّجودَ بتكرارِ التلاوةِ، حتى في طوافٍ؛ كالصَّلاةِ.
(مع قِصَرِ الفصلِ) هو شرطٌ في مطلقِ سجودِ التلاوةِ، فلا يسجدُ إنْ طالَ الفصلُ بين التلاوةِ أو الاستماعِ، والسجودِ؛ لأنَّه سنَّةٌ فاتَ محلُّها، فلم يؤتَ بها بعد فواتِه. ولأنَّه لم يردْ نقلٌ بقضائِها، فلم تقضَ. ويسجدُ مع قصرِ الفصلِ
(للقارئ والمستمعِ) متعلقٌ بقولِه: "يسنُّ". أي: قاصدِ السَّماعِ. فلا يُسنُّ السُّجودُ بغيرِ قصدِ السَّماعِ.
(وهو كالنافلةِ فيما يُعتبرُ لها) أي: للنافلهِ. وتقدَّمَ الكلامُ عليه.
وهو أنْ (يكبِّرَ إذا سجدَ) لتلاوةٍ (بلا تكبيرةِ إحرامِ) وقال أبو الخطاب في "الهداية": إنْ سجدَ خارجَ الصَّلاةِ، فإنَّه يكبر (^٢) قبل تكبيرةِ السجودِ تكبيرةً
_________________
(١) أخرجه في "الموطأ" (١/ ٢٠٦).
(٢) سقطت: "يكبر" من الأصل.
[ ١ / ٣٨١ ]
وإذا رَفَعَ، ويَجلِسُ ويُسلِّمُ بلا تَشهُّد.
وإن سَجَد المأمومُ لقِراءةِ نفسِه، أو لقِرَاءةِ غيرِ إمامِه عَمدًا، بطلَت صلاتُه.
ويَلزمُ المأمومَ متابعةُ إمامِه في صلاة الجَهرِ،
للإحرامِ (^١)؛ قياسًا. فعلى هذا: يلزمُه ثلاثُ تكبيراتٍ (^٢).
(و) يكبِّرُ (إذا رفعَ) كسجودِ صلبِ الصَّلاةِ والسهوِ (ويجلسُ) خارجَ الصَّلاة بعد رفعِه؛ ليُسلِّمَ جالسًا (ويسلِّمُ) وجوبًا، تسليمةً واحدةً. فيبطلُ بتركِه عمدًا وسهوًا؛ لعمومِ حديث: "تحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليمُ" (^٣). (بلا تشهدٍ) لأنَّه لم يُنقلْ فيه
(وإنْ سجدَ المأمومُ لقراءةِ نفسِه) أو سجدَ (لقراءةِ غيرِ إمامِه) لأنَّه يلزمُه متابعةُ إمامِه، فإنْ فعلَ ذلك (عمدًا، بطلتْ صلاُته) ولا الإمامُ لقراءةِ غيرِه.
(ويلزمُ المامومَ متابعةُ إمامِه في صلاةٍ الجهرِ) لحديثِ: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به" (^٤) وأما صلاةُ السرِّ، فإنَّ المأمومَ فيها ليس بتالٍ ولا مستمعٍ، بخلافِ الجهريةِ. وإنْ كان ثَمَّ مانعٌ، كبُعْدٍ وطرَشٍ؛ لأنَّه محلُّ الإنصاتِ في الجملةِ.
"تنبيهٌ": صرَّحَ الشافعيةُ بأنَّه لا يسجدُ لتلاوةِ السكرانِ، والنائمِ، وما عُلِّمَ من الطيورِ، ومن يَقرأ بغيرِ العربيةِ. قال بعضُهم: ولمْ أرَهُ صريحًا في كلامِ أصحابِنا،
_________________
(١) في الأصل: "وتكبيرة الإحرام".
(٢) انظر "معونة أولي النهى" (٢/ ٢٩٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٢، ٣٢٢) (١٠٠٦، ١٠٧٢)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥) من حديث علي. وصححه الألباني في "الإرواء" (٣٠١).
(٤) أخرجه البخاري (٣٧٨)، ومسلم (٤١١) من حديث أنس.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فلو ترك متابعتَه عمدًا، بطلَت.
ويعتبرُ كون القارئِ يصلُحُ إمامًا للمستَمِع، فلا يسجُدُ إنْ لم يسجُد،
لكنه داخلٌ في مفهومِ اعتبارِ صلاحيةِ إمامِه التالي بالمستمعِ
(فلو تركَ) المأمومُ (متابعتَه) أي: متابعةَ الإمامِ (عمدًا، بطلتْ) صلاتُه.
(ويعتبرُ كونُ القارئِ يصلحُ إمامًا للمستمعِ) فلا يسجدُ رجلٌ مستمعٌ وامرأةٌ وخنثى لتلاوةِ امرأةٍ، أو تلاوةِ خنثى؛ لعدمِ صحةِ ائتمامِه بهما. ويسجدُ مستمعٌ من رجلٍ وامرأةٍ وخنثى، لتلاوةِ رجلٍ أميٍّ، ولتلاوةِ زَمِنٍ؛ لأنَّ قراءةَ الفاتحةِ والقيامَ، ليسا ركنًا في السجودِ. ويسجدُ لتلاوةِ صبيِّ؛ لصحةِ إمامتِه في النَّفلِ.
"تنبيهٌ": قال في "الإنصاف" (^١): قال في "مجمع البحرين": لمْ أرَ مَنْ تعرضَ لرفعِه قبلَ القارئِ، فيحتملُ المنع" كالصَّلاةِ، ويحتملُ الجواز؛ لأنَّه سجدةٌ واحدةٌ، فلا يُفْضي إلى كبيرِ مخالفةٍ. وقالوا: لا يسجدُ قبلَه، لعمومِ الأدلةِ، ولأنَّه لا يدري: هلْ يسجدُ أمَ لا؟ بخلافِ رفعِه قبله (^٢). قلتُ: الثاني هو الصَّوابُ.
"فائدةٌ": الرَّاكبُ يومئُ بالسجودِ، قولًا واحدًا. وأمَّا الماشي، فالصحيحُ من المذهبِ أنَّه يسجدُ بالأرضِ. وقيل: يومئُ أيضًا. وأطلقَهما في "الحاوي" (^٣).
(فلا يسجدُ) مستمعٌ (إنْ لم يسجدْ) تالٍ؛ لحديثِ عطاءٍ: أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- أتى إلى نفرٍ من أصحابِه، فقرأ رجلٌ منهم سجدةً، ثمَّ نظرَ إلى رسولِ اللهِ -ﷺ-، فقالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: "إنَّك كنتَ إمامَنا، ولو سجدَّتَ لسجدنا". رواه الشافعيُّ في
_________________
(١) "الإنصاف" (٤/ ٢١٤).
(٢) سقطت: "قبله" من الأصل.
(٣) انظر "الإنصاف" (٤/ ٢٣٤).
[ ١ / ٣٨٣ ]
ولا قُدَّامَه، ولا عن يسارِه مع خُلُوِّ يمينه، ولا يسجُدُ رجُلٌ لتلاوةِ امرأةٍ وخنثى، ويسجُدُ لتلاوةِ أمِّيِّ، وزَمِنٍ، ومُمَيِّزٍ.
ويُسنُّ سجودُ الشّكرِ عندَ تجدُّدِ النِّعمِ، واندِفَاعِ النِّقَم.
"مسنده" وغيرُه (^١).
وهو من المفرداتِ. قال في "نظم المفردات":
مستمعٌ سجودُه لا يشرعُ … إنْ يكنِ التالي به يمتنعُ
(ولا) يسجدُ مستمعٌ (قدَّامَه) أي: التالي. (ولا) يسجدُ مستمعٌ (عن يسارِه) أي التالي (^٢) (مع خلوِّ يمينِه) أي: التالي عن ساجدٍ معه، لعدمِ صحَّةِ الائتمامِ به إذنْ. فإنْ سجدَ عن يمينِه معه، جازَ. وكذا عن يسارِه مع مَنْ عن يمينِه.
(ولا يسجدُ) رجل مستمعٌ (لتلاوةِ امرأةٍ، و) تلاوةِ (خنثى) لعدمِ صحةِ ائتمامِه بهما.
(ويسجد) مستمعٌ من رجلٍ وامرأةٍ وخنثى (لتلاوةِ) رجلٍ (أُميٍّ) ولتلاوة (زَمِنٍ) لأنَّ قراءةَ الفاتحةِ والقيامَ، ليسا ركنًا في السجودِ (و) تلاوةِ (مميِّزٍ) لصحةِ إمامتِه في النفلِ
(ويُسنُّ سجودُ الشكرِ عند تجددِ النِّعمِ) مطلقًا. احترزَ بالتجدُّدِ: عن الاستمرارِ، كاستمرارِ العافيةِ والإسلامِ، فلا يُسنُّ السُّجودُ لذلك
(و) عندَ (اندفاعِ النِّقمِ) مطلقًا، أي: عامَّةً أو خاصةً به، كتجدُّدِ ولدٍ، ونُصرةٍ
_________________
(١) أخرجه الشافعي في "مسنده" ص (١٥٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٧٩). وضعفه الألباني في "الإرواء" (٤٧٣).
(٢) في الأصل: "الثاني".
[ ١ / ٣٨٤ ]
وإن سَجَدَ له -عالمًا ذاكرًا- في صلاةٍ، بطلت.
وصفتُه وأحكامُه كسجودِ التِّلاوة.
على عدوٍّ؛ لحديثِ أبي بكرةَ: أنَّ النبىَّ -ﷺ- كان إذا أتاه أمرٌ يُسَرُّ به، خرَّ ساجدًا. رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والترمذيُّ، والحاكمُ (^١) وصحَّحه.
فإنْ قيل: هل يُشترطُ قصرُ الفصلِ بين تجددِ النعمِ واندفاعِ النقمِ؟ قلتُ: ظاهرُ كلامِ المتنِ: يُشترطُ قصرُ الفصلِ
ولا يسجدُ له في الصَّلاةِ. قال في "الإنصاف" (^٢): هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كثيرٌ منهم. واستحبَّه ابنُ الزاغونيِّ فيها، واختارَهُ بعضُ الأصحابِ، وهو احتمالٌ في "انتصار أبي الخطاب"، كسجودِ التلاوةِ. وفرَّقَ القاضي وغيرُه بينهما بأنَّ سببَ سجودِ التلاوةِ عارضٌ من أفعالِ الصَّلاةِ.
فعلى المذهبِ: لو سجدَ جاهلًا، أو ناسيًا، لم تبطلِ الصَّلاةُ، وإنْ كانَ عامدًا، بطلتْ على الصحيحِ من المذهبِ، ولهذا قال المصنِّفُ: (وإنْ سجدَ له) أي: الشكرِ. (عالمًا) عامدًا (ذاكرًا (^٣)، بطلتْ) صلاتُه؛ لأنَّ سببَه لا يتعلَّقُ بالصَّلاةِ، بخلافِ سجودِ التلاوةِ
(وصفتُه) أي: سجودِ الشكرِ (وأحكامُه، كسجودِ التلاوةِ) فيكبرُ إذا سجدَ، وإذا رفعَ، ويقولُ فيه: سبحانَ ربِّي الأعلى. ويجلسُ إذا رفعَ، ويسلِّمُ.
_________________
(١) أخرجه أبو داودَ (٢٧٧٦)، وابن ماجه (١٣٩٤)، والترمذيُّ (١٥٧٨)، والحاكمُ في "المستدرك" (١/ ٤١١)، وصححه الألباني.
(٢) "الإنصاف" (٤/ ٢٣٥).
(٣) سقطت: "ذاكرا" من الأصل.
[ ١ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُستحبُّ سجودُ الشكرِ أيضًا عند رؤيةِ مبتلًى في بدنِه، أو دينه.
تنبيهٌ: السَّجداتُ أربعَ عشْرة سجدةً: في آخِرِ الأعرافِ. وفي الرعدِ عند: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعرَاف: ٢٠٥]. وفي النحلِ عند: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النّحل:٥٠] ". وفي الإسراءِ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسرَاء: ١٠٩]، وفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريَم: ٥٨]. وفي الحجِّ ثنتانِ؛ الأولى عند: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحَجّ: ١٨]، والثانية: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعرَاف: ٦٩]. وفي الفرقانِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التّوبَة: ١٢٩]. وفي الم السَّجدة: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعرَاف: ٢٠٦]، وفي فصلت: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فُصّلَت: ٣٨] وفي آخرِ النجمِ. وفي الانشقاقِ: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]. وآخرِ ﴿اقْرَأْ﴾ [الإسرَاء: ١٤]. انتهى.
* * *
[ ١ / ٣٨٦ ]