فَصْلٌ
وتكفينُهُ فرضُ كِفاية. والواجبُ سترُ جميعِه - سِوَى رأسِ المُحرِمِ، ووجهِ المُحرِمَةِ - بثَوبٍ لا يصفُ البَشَرةَ، ويجِبُ أن يكونَ مِنْ مَلبوسِ مِثلِهِ، ما لم يُوصِ بدُونهِ.
والسُّنَّةُ تكفينُ الرَّجلِ في ثلاثِ لَفائِفَ بيضٍ، مِنْ قُطْنٍ،
(فصلٌ)
(وتكفينُه فرضُ كفايةٍ) على مَنْ علِمَ به؛ لقولِه ﵇ في خبرِ ابنِ عباسٍ: "وكفِّنُوه في ثوبيه" (^١)
(والواجبُ سترُ جميعِه) أي: جميعِ بدنِ الميتِ.
تنبيهٌ: لو وصَّى أنْ لا يُكفَّنَ، لمْ يُعملْ بوصيتِه. وكذا لووصَّى بما لا يسترُ جميعَه (سوى رأسِ المُحرِمِ، ووجه المُحرِمةِ، بثوبٍ) واحدٍ (لا يصفُ البشرة) لأنَّ ما يصفُها غير ساترٍ؛ فوجودُه كعدمِه
(ويجبُ أنْ يكونَ من ملبوسِ مثلِه) أي: الميتِ في الجُمَعِ والأعيادِ؛ لأنَّه لا إجحافَ فيه على الميتِ، ولا على ورثتِه. ومحلُّه: ما لمْ يكنْ ملبوسُ مثلِه مما يحرمُ التكفينُ فيه، كالمذهَّبِ والحريرِ، أو يُكره كالصوفِ، فإنَّه لا يتعينُ. ويكفنُ في غيرِه مما يقاربُه قيمةً (ما لم يوصِ) ميتٌ (بدونِه) أي: ملبوسِ مثلِه؛ لأنَّ الحقَّ له، وقدْ تركَه.
(والسُّنَّةُ: تكفينُ الرَّجلِ في ثلاثِ لفائفَ بيضٍ، من قُطنٍ) لحديثِ عائشةَ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦).
[ ١ / ٥١٤ ]
تُبسَطُ على بعضِهَا، ويُوضَعُ عليهَا مُستَلقِيًا، ثمَّ يَردُّ طَرَفَ العُليَا مِنَ الجانِبِ الأيسَرِ على شِقِّه الأيمَن، ثمَّ طرَفَها الأيمنَ على الأيسَرِ، ثم الثانيةَ، ثم الثالِثةَ كذلِكَ.
والأُنثى في خَمسَةِ أثوابٍ بيضٍ من قُطْنٍ: إزارٍ، وخِمَارٍ، وقَميصٍ، ولِفافَتين.
والصبيُّ في ثَوبٍ، ويُباحُ
قالت: كُفِّنَ النبيُّ - ﷺ - في ثلاثةِ أثوابٍ بيض سَحُوليَّةٍ، جُددٍ يمانيةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، أُدرِجَ فيها إدراجًا. متفقٌ عليه (^١). زادَ مسلمٌ في روايةٍ: وأما الحُلَّةُ، فاشتَبَه على الناسِ فيها أنَّها اشترِيتْ ليكفَّنَ فيها، فتُرِكتِ الحُلَّةُ، وكفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّةٍ (تُبسطُ على بعضِها) واحدةً فوقَ أخرى (ويُوضعُ) الميتُ (عليها) أي: اللفائفِ مبسوطةً (مُسْتلقيًا) لأنَّه أمكنُ لإدراجِه فيها. ويجبُ سترُه حالَ حملِه بثوبٍ. ويُوضعُ متوجِّهًا ندْبًا. (ثمَّ يردُّ طرَفَ) اللَّفافةِ (العليا من الجانبِ الأيسرِ) للميِّتِ (على شِقِّهِ الأيمن، ثمَّ) يردُّ (طرَفَها) أي: اللَّفافةِ العليا (الأيمنَ على) شقِّ الميِّتِ (الأيسرِ) كعادةِ الحيِّ (ثمَّ) يردُّ اللَّفافةَ (الثانيةَ) كذلك (ثمَّ) يردُّ (الثالثة كذلك) فيدرجُه فيها إدراجًا.
(و) سُنَّ تكفينُ (الأنثى) والخنثى (في خمسةِ أثوابِ بيضٍ من قُطنٍ) تكفَّن فيها، وهو (إزار، وخِمار، وقميص، ولفافتين). قال ابنُ المنذرِ: أكثرُ مَنْ يُحفظُ عنه من أهلِ العلمِ، يرى (^٢) أنْ تُكفَّنَ المرأةُ في خمسةِ أثوابٍ.
(و) سُنَّ تكفينُ (الصبيِّ في ثوبٍ) واحدٍ؛ لأنَّه دون الرَّجلِ. (ويُباحُ) أنْ يُكفَّنَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١).
(٢) في الأصل: "يروي".
[ ١ / ٥١٥ ]
في ثلاثَةٍ. والصغيرةُ في قَميصٍ ولِفافَتين.
ويُكرَهُ التكفينُ بشَعْرٍ، وصُوفٍ، ومُزَعفَرٍ، ومُعَصفَرٍ، ومنقُوشٍ.
ويحرُمُ بجلدٍ، وحَريرٍ، ومُذَهَّبٍ.
صبيٌّ (في ثلاثةِ) أثوابٍ ما لمْ يرثه غيرُ مكلَّفٍ
(و) سُنَّ تكفينُ (الصغيرةِ في قميصٍ ولفافتين) بلا خمارٍ.
ولا بأسَ باستعدادِ الكفنِ لحِلِّ، أو عبادةٍ فيه. قيلَ لأحمدَ: يصلِّي أو يحرمُ فيه، ثمَّ يغسلُه ويضعُه لكفنِه؟ فرآه حسنًا.
ويحرُمُ دفنُ حليٍّ وثيابٍ مع ميتٍ غيرِ كفنِه، وتكسيرُ أوانٍ ونحوِه؛ لأنَّه إضاعةُ مالٍ. ويُجمعُ في ثوبٍ واحدٍ لم يوجد غيرُه ما أمكنَ من موتى؛ لخبرِ أنسٍ في قتلى أحدٍ (^١).
(ويُكرَهُ التكفينُ بشعرٍ، وصوفٍ، و) يُكرَهُ بـ (مزعفرٍ، ومعصفرٍ، ومنقوشٍ) ولو لامرأةٍ؛ لأنَّه لا يليقُ بالحالِ
(ويحرمُ) التكفينُ (بجلدِ) لأمرِه - ﷺ - ينزعِ الجلودِ عن الشهداءِ (^٢). (و) يحرُمُ التكفينُ في (حريرٍ ومُذَهَّبٍ) ومفضَّضٍ إلَّا لضرورة؛ بأن عُدِمَ ثوبٌ يسترُ جميعَه غيرُه، فيتعيَّن؛ لأنَّ الضرورةَ تندفعُ به، ويحرُمُ عند عدمِ الضرورةِ في شيءٍ من ذلك، ذكرًا كان الميت أو أنثى؛ لأنَّه إنَّما أُبيحُ لها حالَ الحياةِ؛ لأنَّها محلُّ زينةٍ وشهوةٍ، وقد زالَ ذلك بموتِها.
ومتى لمْ يوجدْ ما يستُرُ الميِّتَ جميعَه، سُتِرَ عورتُه، كالحيِّ. ثمَّ إنْ فضلَ شيءٌ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١٣٨)، وحسنه الألباني.
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٣٦) من حديث ابن عباس. وضعفه الألباني.
[ ١ / ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من عورتِه، سُتِرَ به رأسُه، لشرفِهِ، وجُعِلَ على باقيه حشيشٌ، أو ورقٌ، لحديثِ البخاريِّ (^١): أنَّ مصعبًا قُتِلَ يومَ أحدٍ، فلمْ يُوجدْ له شيءٌ يُكفَّنُ فيه إلا نمِرَةً، فكانت إذا وُضِعَتْ على رأسِه، بدتْ رجلاه، وإذا وُضِعَتْ على (^٢) رجلَيْه، خرجَ رأسُه، فأمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن يُغطَّى رأسُه، ويُجعَلَ على رجلَيْه الإذخِرُ.
وسُنَّ تغطيةُ نعشٍ، وكُرِه أنْ يُغطَّى بغيرِ أبيضَ، كأحمرَ وأسودَ. ويحرُمُ بمُذَهَّبٍ ومفضَّضٍ وحريرٍ.
وكُرِهَ تخريقُ الكفنِ؛ لأنَّه إفسادٌ وتقبيحٌ للكفنِ، مع الأمرِ بتحسينِه. قال أبو الوفاءِ: ولو خِيفَ نبشُه. وجوَّزه أبو المعالي مع خوفِ نبشِه.
فائدةٌ: الحنوطُ والطيبُ مستحبٌّ، ولا بأس بالمسكِ فيه، نصَّ عليه. وقيل: يجبُ الحنوطُ والطيبُ. ويُكرَهُ الورسُ والزعفرانُ في الحنوط (^٣). قالَهُ في "الإنصاف" (^٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٩١٣) من حديث خباب.
(٢) سقطت: "رأسِه، بدتْ رجلاه، وإذا وُضِعَتْ على" من الأصل.
(٣) في الأصل: "والحنوط".
(٤) "الإنصاف" (٦/ ١٢٤).
[ ١ / ٥١٧ ]
فَصْلٌ
والصَّلاة عليهِ فرضُ كِفاية. وتسقُطُ بمكلَّفٍ، ولو أُنثى.
(فصلٌ)