فَصْلٌ
ويُشترطُ لإخراجِها: نيَّةٌ مِن مُكلَّفٍ، وله تقديمُها بيَسيرٍ، والأفضلُ قرنُها بالدَّفع.
فينوي الزَّكاةَ أو الصَّدقةَ الواجِبَةَ، ولا يُجزِئُ أنْ ينوي صدقةً مُطلقةً ولو تصدَّق بجميعِ مالِه.
(فصلٌ)
(ويُشترَطُ لإخراجِها) أي: الزكاةِ (نيَّةٌ) لحديثِ: "إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ" (^١). ولأنَّها عبادةٌ يتكرَّرُ وجوبُها، فافتقَرَت إلى تعيينِ النيَّةِ، كالصلاةِ. ولأنَّ صرفَ المالِ إلى الفقيرِ به جهاتٌ مِن زكاةٍ، وكفَّارَةٍ، ونذرٍ، وصدقَةِ تطوُّعٍ، فاعتُبِرَت نيَّةُ التَّمييزِ.
ويُشترَطُ أن يكونَ إخراجُها (مِن مُكلَّفٍ) لأنَّه تصرُّفٌ ماليٌّ أشبَهَ سائرَ التَّصرُّفاتِ الماليَّةِ
(وله تقديمُها) أي: النيَّةِ على الإخراجِ (بـ) زمنٍ (يسيرٍ) كصلاةٍ. ولو عزَلَ الزكاةَ، لم تكفِ النيَّةُ. (والأفضَلُ قرنُها) أي: النيَّةِ (بالدَّفعِ) كصلاةٍ
(فينوِي) المُخرِجُ (الزَّكاةَ أو الصدقَةَ الواجبَةَ) أو صدقةَ المالِ، أو صدقَةَ الفِطرِ (ولا يُجزِئُ أن ينويَ (^٢) صدقَةً مُطلقَةً، ولو تصدَّقَ بجميعِ مالِه) كنيَّةِ صلاةٍ مُطلقَةٍ، فإنَّها لا تُجزئُ عنِ الفرضِ
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في الأصل: "إن نوى".
[ ٢ / ٥٥ ]
ولا تَجِبُ نيَّةُ الفرضِيَّةِ، ولا تَعييِنُ المالِ المُزكَّى عنهُ.
وإن وكَّلَ في إخراجِها مُسلِمًا، أَجزَأَت نيَّةُ الموَكِّلِ معَ قُربِ الإخراجِ، وإلَّا نَوَى الوَكيلُ أيضًا.
(ولا تجِبُ نيَّةُ الفرضيَّةِ) اكتفاءً بنيَّةِ الزكاةِ؛ لأنَّها لا تكونُ إلَّا فرضًا.
(ولا) يجِبُ (تعيينُ المالِ (^١) المُزكَّى عنه) ولو اختلَفَ المالُ، كشاةٍ عن خمسٍ مِن إبلٍ، وأُخرَى عن أربعينَ مِن غنمٍ، ودينارٍ عن أربعينَ تالفَةً، وآخرَ عن أربعينَ قائمةً. وصاعٍ عن فِطرَةٍ، وآخرَ عن زرعٍ أو ثمرٍ.
(وإن وكَّلَ) ربُّ المالِ (في إخراجِها) أي: الزكاةِ (مُسلِمًا) ثِقةً مُكلَّفًا، ذَ كَرًا أو أُنثَى. قالَه في "شرحِه" (^٢) (أجزأَت نيَّةُ المُوكِّلِ) فقَط، عن نيَّةِ الوكيلِ (مع قُربِ) زمَنِ (الإِخراجِ) مِن زمنِ توكيلٍ؛ لأنَّ الفرضَ مُتعلِّقٌ بالمُوكِّلِ. وتأخُّرُ الأداءِ عنِ النيَّةِ بزمَنٍ يسيرٍ جائزٌ. (وإلَّا) يقرب زمنُ إخراجٍ مِن زمنِ توكيلٍ (نوَى الوكيلُ أيضًّا) كما ينوي المُوكِّلُ؛ لئلَّا يخلُوَ الدَّفعُ إلى (^٣) المُستحِقِّ عن نيَّةٍ مقارنةٍ أو مقارِبةٍ. فينوي مُوكِّلٌ عندَ التوكيلِ، ووكيلٌ عندَ الدَّفعِ لنحوِ الفُقراءِ، أو قريبًا منه. ولو نوَى وكيلٌ فقط، لم يُجزئْ؛ لتعلُّقِ الفرضِ بالمُوكِّلِ ووقوعِ الإجزاءِ عنه.
وفي توكيلِ مُميِّزٍ في إخراجِها خلافٌ، ذكَرَه العلَّامةُ الشيخُ منصورُ في "حاشيتِه"، وجزَمَ في "الإقناعِ" بالصِّحةِ (^٤). وخالَفَه العلَّامةُ عمُّ والدي الشيخُ
_________________
(١) في الأصل: "مال".
(٢) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٢٩٩).
(٣) سقطت: "إلى" من الأصل.
(٤) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٢٩٩).
[ ٢ / ٥٦ ]
والأفضَلُ جَعْلُ زكاةِ كُلِّ مالٍ في فُقراءِ بلَدِه، ويحرُمُ نقلُها إلى مسافَةِ قَصرٍ، وتُجزِئُ.
مرعي في "غايةِ المُنتهى" (^١)، وعلَّلَ ذلك بأنه ليسَ أهلًا لأداءِ العبادةِ الواجبةِ، ولأنَّه لا يُخرِجُ زكاةَ نفسِه، فغيرُه أَوْلَى. انتهى.
(والأفضَلُ جعلُ زكاةِ كلِّ مالٍ في فقراءِ بلَدِه) ويجوزُ نقلُها إلى دونَ مسافةِ قصرٍ مِن بلدِ المالِ، نصَّ عليه؛ لأنَّه في حكمِ بلدٍ واحدٍ؛ بدليلِ الأحكامِ، ورُخَصِ السَّفرِ (^٢).
(ويحرُمُ نقلُها إلى مسافةِ قصرٍ) أي: إلى بلدٍ تقصُرُ الصَّلاةُ فيه، مع وجودِ مُستحقٍّ؛ لحديثِ مُعاذٍ: "أعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افتَرَضَ عليهم صدقةً تُؤخَذُ مِن أغنيائِهم، فتُرَدُّ على فقرائِهم" (^٣). فظاهرُه: عودُ الضميرِ إلى أهلِ اليمنِ. ولإنكارِ عُمَرَ على معاذٍ لمَّا بعَثَ إليه بثلُثِ الصدقَةِ، ثمَّ بشطرِها، ثم بها. وأجابَه معاذٌ بأنَّه لم يبعَثْ إليه شيئًا وهو يجدُ أحدًا يأخذُهُ منه. رواهُ أبو عُبيدٍ (^٤). ومحلُّه: إن لم يُفضِ إلى تشقيصٍ، كما ذكَرَه في "شرحِهِ" (^٥).
(وتُجزئُ) زكاةُ نقَلَها فوقَ المسافةِ، وأخرجَها في غيرِ بلَدِ المالِ، مع حُرمَةِ النقلِ؛ لأنَّه دفَعَ الحقَّ إلى مُستحقِّهِ، فبرئَ، كالدَّينِ.
_________________
(١) "غايةِ المُنتهى" (١/ ٣٢٩).
(٢) انظر "الروض المربع مع الحاشية" (٣/ ٣٠٠).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس.
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٩١٣).
(٥) انظر "دقائق أولي النهى" (٢/ ٣٠٠).
[ ٢ / ٥٧ ]
ويَصِحُّ تَعجِيلُ الزَّكاةِ لِحَولَين فَقَط، إذا كَمُلَ النِّصابُ، لا مِنهُ للحولَينِ، فإن تلِفَ النِّصابُ أو نَقَصَ، وقعَ نفلًا.
(ويصحُّ تعجيلُ الزكاةِ لحولَيْنِ) لحديثِ أبي (^١) عُبيدٍ في "الأموالِ" (^٢) عن عليٍّ: أنَّ النبيَّ -ﷺ- تعجَّلَ مِنَ العباسِ صدقةَ سَنتينِ (فقط) أي: لا أكثرَ مِن حولينِ؛ اقتصارًا على ما ورَدَ، مع مخالفَتِه القياسَ.
(إذا كمُلَ النِّصابُ) لأنَّه سببُها، فلا يجوزُ تقديمُها عليه، كالكفَّارةِ على الحلفِ. قال في "المغني": بغيرِ خلافٍ نعلَمُه (لا منه للحولَيْنِ) أي: فلا يصحُّ أن يُعجِّلَ مِنَ النِّصابِ للحولينِ؛ لنقصِ النِّصابِ، (فإنْ تلِفَ النِّصابُ) أي: المُعجَّلُ (^٣)، (أو نقَصَ، وقَعَ نفلًا) نصًّا.
وقيلَ: يملِكُ الرجوعَ فيما أخرَجَه. قال القاضي في "الخلافِ": وأومأَ إليه في روايةِ مهنَّا (^٤).
* * *
_________________
(١) في الأصل: "ابن"
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٨٨٦)، وحسنه الألباني في "الإرواء" (٨٥٧).
(٣) في الأصل: "المعجل فإنه".
(٤) انظر "الإنصاف" (٧/ ١٩٧).
[ ٢ / ٥٨ ]