فَصْلٌ
وصاحبُ الجَبيرةِ إنْ وضعَها على طهارةٍ، ولم تتجاوزْ محلَّ الحاجةِ، غَسَلَ الصَّحيحَ ومسحَ عليها بالماءِ، وأجزأ، إلَّا وجبَ، مع الغَسلِ، أنْ يتيمَّم لها.
ولا مَسْحَ
لا يتبعَّضُ في النقضِ، فإذا خلعَ، عادَ الحدثُ -أي: النقفق- إلى العضوِ الذي مسحَ الحائلَ عنه، فيسري إلى بقيةِ الأعضاءِ، فيستأنفُ الوضوءَ، وإن قرُبَ الزمنُ. قال أبو المعالي وغيرُه: إنَّ هذا هو (^١) الصحيحُ من المذهبِ عندَ المحققين.
(فصلٌ)
(وصاحبُ الجبيرةِ) وهي: ما يُشدُّ على كَسرٍ أو جُرحٍ، أو نحوِهما، من خشبٍ وخرقٍ ونحوِهما (^٢).
(إنْ وضعَها على طهارةٍ، ولم تتجاوزْ محلَّ الحاجةِ) أي: لم تتجاوزْ محلَّ الحاجةِ، وهو موضعُ الكسرِ، أو الجرحِ، وما أحاطَ به، مما لا يمكنُ الشدُّ إلا به (غسلَ الصحيحَ) بالماءِ (ومسحَ عليها) أي: على الجبيرةِ (بالماءِ، وأجزأَ) ذلك (وإلَّا) بأنْ تجاوزتْ محلَّ الحاجةِ، ووضعتْ على غيرِ طهارةٍ (وجبَ مع الغسلِ، أن يتيمَّمَ لها (^٣). ولا مسحَ) أي: فلا يصحُّ المسحُ إنْ لم ينزعْها؛ لأنَّه يكونُ تاركًا
_________________
(١) سقطت: "هو" من الأصل.
(٢) انظر "إرشاد أولي النهى" (١/ ٦٨).
(٣) سقطت: "لها" من الأصل.
[ ١ / ١٢٤ ]
ما لَم تُوضَع على طهارةٍ وتتجاوزِ المَحلَّ، فَيَغسِلُ، ويمسحُ، ويتيمم.
غسلَ ما يمكنُه غسلُه من غيرِ ضررٍ.
ومحلُّ الحاجةِ: هو محلُّ الكسرِ، أو الجرحِ، وما لابدَّ من وضعِها عليه؛ لأنَّها لا توضعُ إلا على طرفي صحيحٍ.
وفي "شرح الهداية": وقد يتجاوزُ بها إلى جُرحٍ، أو ورَمِ، أو شيءٍ يُرتجى به البرءُ أو سرعتُه، وقد يُضطرُّ إلى الجبرِ بعظمٍ يكفيه أصغرُ منه، لكنْ لم يجدْ سواه (^١).
وعُلِمَ من هذا: إن تجاوزَ شدُّها محلَّ الحاجةِ، نزعَها، فإنْ خافَ الضررَ، تيمَّمَ لزائدٍ على محلِّ الحاجةِ. فيغسلُ الصحيحَ، ويمسحُ من الجبيرةِ على ما حاذى محلَّ الحاجةِ، ويتيمَّمُ لزائدٍ. وإنْ مسحَها كلَّها مع التيمُّمِ، فلا بأسَ. ولهذا أشارَ إليه بقولِه: (ما لمْ توضعْ على طهارةٍ، وتتجاوزِ المحلَّ)، أي: محلَّ الحاجةِ، (فيَغسِلُ) الصحيحَ، (ويمسحُ) على الجبيرةِ، (ويتيمَّمُ) للزائدِ الذي جاوزَ محلَّ الحاجةِ.
ويحرمُ الجبرُ بجبيرةٍ نجسةٍ، كجلدِ الميتةِ، والخرقةِ النجسةِ، وبمغصوبٍ. والمسحُ على ذلك باطلٌ. قاله في "الإقناع" (^٢).
"فائدةٌ": إذا كانت الجبيرةُ في محلِّ أعضاءِ التيممِ؛ بأنْ كانتْ في الوجهِ واليدين، فإنَّه يكفيه المسحُ عليها بدلَ التيمُّمِ، فيمسحُ على الجبيرةِ التي على الوجهِ واليدينِ. فلو عمَّتْ بعضَ أعضاء التيمُّمِ، كيدٍ واحدةٍ، أو الوجهِ، فهلْ يمسحُ عليه، ويتيممُ في الباقي، أر يتيممُ للجميعِ؟ الظاهرُ: أنَّهم لم يخصوا، إلا إذا عمتْ محلَّ التيمُّمِ كلَّه، فيبقى ما عداه داخلٌ في طلبِ التيممِ. ذكرَهُ الشيخُ يوسفُ الفتوحي في هامشِ متنِ "المنتهى".
_________________
(١) انظر " الإنصاف" (١/ ٤٢٦).
(٢) "الإقناع" (١/ ٥٦).
[ ١ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"تنبيهٌ": عُلِمَ مما تقدَّمَ: أنَّ الجبيرةَ تفارقُ الخفَّ في أشياء:
منها: أنَّه يجبُ مسحُ جميعِها، بخلافِ الخفِّ
ومنها: عدمُ توقيتِ الجبيرةِ بمدةٍ، بخلافِه.
ومنها: أنه لا يمسحُ عليها في الطهارةِ الكبرى، بخلافِه.
ومنها: أنَّ المسحَ عليها مخصوصٌ بحالِ الضرورة، بخلافِه.
ومنها: أنَّ المسحَ عليها عزيمةٌ، بخلافِه.
ومنها: أنه يجوزُ المسحُ فيها على الخرقةِ، بخلافِه.
ومنها: أنه لا يشترط فيها سترُ محلِّ الفرضِ، بخلافِه.
"فائدةٌ": ودواءٌ على البدنِ، ولو قارًّا في شَقِّ، وتضرَّرَ بقلعِه، كجبيرةٍ في المسحِ عليه، إنْ وضعَه على طهارةٍ، ومنعه إنْ لم يكنْ على طهارةٍ؛ لأنَّه في معناها. وكذا لو تألَّمَتْ إصبعُه فألقمَها مرارةً. وإذا كان بإصبعِه جرحٌ أو فصادٌ، وخافَ اندفاقَ الدمِ بإصابةِ الماء، جازَ المسحُ عليه، نصًّا. ذكرَه في "الإنصاف" (^١) ملخصًا.
"تتمةٌ": وزوالُ جبيرةٍ، ولو لم يبرأْ ما تحتها، كزوالِ خفٍّ، وكذا برؤُها؛ لأنَّ مسحَها بدلٌ عن غسلِ ما تحتَها. إلَّا أنها إذا مُسحَت في الطهارةِ الكبرى وزالَت، أجزأ غَسلُ ما تحتها (^٢)؛ لعدمِ وجوبِ الموالاةِ في الطهارةِ الكبرى.
والمرأةُ كالرجلِ في جوازِ المسحِ على الحوائلِ إلا العمامةَ. ولا مدخلَ لحائلٍ في طهارةٍ كبرى إلا الجبيرةُ.
_________________
(١) "الإنصاف" (١/ ٤٢٧).
(٢) سقطت: "إلا أنها إذا مسحت في الطهارة الكبرى وزالت اجزأ غسل ما تحتها" من الأصل. والمثبت من "معونة أولي النهى" (١/ ٣٠٤).
[ ١ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"فرعٌ": يُشرطُ في عمامةٍ ثلاثةُ شروطٍ:
أحدُها: كونُها محنَّكةً، أي: مُدارًا منها تحتَ الحنكِ. كَورٌ -بفتح الكاف- أو كَورَان، سواءٌ كان لها ذؤابةٌ، أو لَا؛ لأنَّ هذه عمامةُ العربِ، وهي أكثرُ سترًا، ويشقُّ نزعُها. قال القاضي: سواءٌ كانتْ كبيرة أو صغيرةً، أو كونُها ذاتَ ذؤابةٍ -بضم المعجمة، وبعدها همزة مفتوحة- هي: طرفُ العمامةِ المرخيُّ؛ مجازًا. وأصلُها الناصيةُ، أو منبتُها من الرأسِ، وهو (^١) شعرٌ في أعلى ناصيةِ الفرسِ.
فإن لم تكنْ محنَّكةً، ولا ذاتَ ذؤابةٍ، لم يجزْ المسحُ عليها؛ لعدمِ المشقةِ في نزعِها، ولأنها تشبِهُ عمائمَ أهلِ الذمةِ، وقد نهي عن التشبهِ بهم. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: المحكيُّ عن أحمدَ: الكراهةُ. والأقربُ: أنها كراهةٌ لا ترتقي إلى التحريمِ، ومثلُ هذا لا يمنعُ الترخصَ، كسفرِ النزهةِ.
والثاني: كونُها على ذكرٍ. فلا تمسحُ امرأةٌ ولا خنثى على عمامةٍ، ولو لحاجةِ بردٍ.
والثالث: سترُ العمامةِ من الرأسِ غيرِ ما العادَةُ كشفُه، كمقدَّمِ الرأسِ والأذنين، وجوانبِ الرأسِ، فيعفى عنه، بخلافِ خرقِ الخفِّ؛ لأنَّ هذا جرت العادةُ به، ويشقُّ التحرزُ منه. ولا يجبُ مسحُه، أي: ما جرتْ العادةُ بكشفِه معها، أي العمامةِ؛ لأنها نابَتْ عن الرأسِ، فانتقلَ الفرضُ إليها، وتعلَّقَ الحكمُ بها، لكنه مستحبُّ. قال في "الشرح": نصَّ عليه.
ويجبُ مسحُ أكثرِها، أي العمامةِ؛ لأنها أحدُ الممسوحين على وجهِ البدلِ، فأجزأَ مسحُ بعضِه كالخفِّ.
_________________
(١) سقطت: "هو" من الأصل.
[ ١ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنْ كان تحتَ العمامةِ قَلَنسوةٌ يظهرُ بعضُها، فالظاهرُ: جوازُ المسحِ عليهما، لأنَّهما صارا كالعمامةِ الواحدةِ. قالَهُ في "المغني" (^١).
"تنبيهٌ": لو زالَ حنكُ العمامةِ، ففي بطلانِ المسحِ وجهانِ.
قال في "الغاية" (^٢): ومتى ظهرَ بعضُ رأسٍ وفحُشَ، أو انتقضَ بعضُ عمامةٍ، ولو كَورًا واحدًا، ولو في نحوِ صلاةٍ، بطلتْ، واستأنفَ الطهارةَ.
"فوائدٌ": الأولى: الأفضلُ في الذؤابةِ أنْ تكونَ قدرَ شبرٍ، فلو كانتْ أكثرَ، فلا بأسَ. رُوي أن ذؤابةَ ابنِ الزبير كانتْ تبلغُ سرَّتَه، أو وسطَه. وأما محلُّها: فالسنةُ أن تكونَ خلفَه، وأما ما يفعلُه بعضُ الناسِ من إخراجِ طرفِ العمامةِ عند انتهاءِ لفِّها قدرَ الإصبعِ، فليسَ بذؤابةٍ، فلا يُخرِجُ به العمامةَ عن الصمَّا، ولو جعلَ في عمامتِه خرقةً، فأرخاها ذؤابةً، فقال ابرتُ عبد الهادي: ظاهرُ كلامِهم: لا فرقَ.
الفائدةُ الثانيةُ: السُّنةُ في العمامةِ أن تكونَ بيضاءَ، ويجوزُ أن تكونَ خضراءَ، أو سوداءَ. وأما العمامةُ الزرقاءُ والحمراءُ والصفراءُ، فيُكره لبسُها؛ لأنَّ ذلك زيُّ اليهودِ والنصارى والسَّامرةِ، ولبسُ الطائفةِ الأحمديةِ العمامةُ الحمراءُ؛ لأنَّه إنما هو طارئٌ، يمنعُ كونُه زيَّ مَن ذُكِرَ.
الثالثة: لبسُ العمامةِ في حقِّ الرجلِ أفضلُ من كشفِ رأسِه، ومِن لبسِ الطاقيةِ من غيرِ عمامة. ولبسُ الطاقيةِ أفضلُ من كشفِ الرأسِ. انتهى. قاله الشيخُ يوسفُ في "حاشيته على المنتهى".
_________________
(١) "المغني" (١/ ٣٨١).
(٢) "غاية المنتهى" (١/ ٨١).
[ ١ / ١٢٨ ]