فَصْلٌ
وصلاةُ اللَّيلِ أفضلُ من صَلاةِ النَّهار، والنِّصفُ الأخيرُ أفضلُ مِنَ الأوُّلِ، والتهجُّدُ ما كان بعدَ النومِ.
ويُسنُّ قيامُ اللَّيلِ
(فصلٌ)
(وصلاةُ الليلِ) أي: النفلِ المطلقِ فيه (أفضلُ) من النفلِ المطلقِ بالنهارِ؛ لحديثِ مسلمٍ (^١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "أفضلُ الصَّلاةِ بعدَ الفريضةِ، صلاةُ الليلِ". ولأنَّه محلُّ الغفلةِ. وعملُ السرِ أفضلُ من عملِ العلانيةِ. "وفيه ساعةٌ لا يوافِقُها رجلٌ مسلمٌ يسألُ اللهَ خيرًا من أمرِ الدنيا والآخرةِ، إلا أعطاه إياه" (^٢) - (من صلاةٍ النَّهارِ، والنصفُ (^٣) الأخيرُ أفضلُ من) النصفِ (الأوَّلِ) لحديث مسلمٍ (^٤): "ينزلُ ربُّنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا، إذا مضى شطْرُ الليلِ، أو ثُلُثاه … إلخ". قال ابنُ حبانَ في "صحيحه": يحتملُ أن يكونَ النزولُ في بعضِ الليالي هكذا، وفي بعضها هكذا.
(والتهجدُ ما كان بعد النومِ) ليلًا.
(ويُسنُّ قيامُ الليلِ) لحديثِ: "عليكم بقيامِ الليلِ، فإنَّه دأْبُ الصَّالحين قبلَكُم،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٦٣).
(٢) أخرجه مسلم (٧٥٧) من حديث جابر.
(٣) في الأصل "ونصفه".
(٤) أخرجه مسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وافتتاحُه بركعتين خَفيفَتينِ، ونيَّتُه عندَ النَّومِ.
وهو قربةٌ لكم إلى ربِّكم، ومَكفَرَةٌ للسيئاتِ، ومنهاةٌ عن الإثمِ". رواه الحاكمُ (^١) وصحَّحه، وقال: على شرطِ البخاريِّ.
"تنبيهٌ": قال في "الإقناع" (^٢): وتُكره مداومتُه. ظاهرُه: مداومةُ بعضِه. قال الحجاوي في "حاشيةِ التنقيح" (^٣): وقدْ فهِمَ بعضُ المصنِّفين في زمنِنا من كلامِ المنقِّحِ أنَّه يقومُ غبًّا. وعبارةُ "الفروع" تُوهِمُ ذلك! وليس بواردٍ عن أحدٍ. انتهى.
يعني: المكروهُ مداومةُ قيامِ الليلِ، لا مداومةُ قيامِ بعضِه، كما فهِمَ صاحبُ "المنتهى"؛ لأنَّه لمْ يقلْ به أحدٌ. انتهى.
(و) يُسنُّ (افتتاحُه) أي: قيامِ الليلِ (بركعتين خفيفَتَين) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا قامَ أحدُكم من الليلِ، فليفتتحْ صلاتَه بركعتين خفيفتين" رواه أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ (^٤).
(و) تُسنُّ (نيتُه عند النَّومِ) أي: إرادةِ النومِ، لحديثِ أبي الدرداءِ مرفوعًا: "مَنْ نامَ ونيتُه أنْ يقومَ، كُتِبَ له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه". حديثٌ حسنٌ، رواه أبو داودَ والنسائيُّ (^٥).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٥١) من حديث أبي أمامة الباهلي. وحسنه الألباني في "الإرواء" (٤٥٢).
(٢) "الإقناع" (١/ ٢٣٣).
(٣) "حاشية التنقيح" (١/ ١٠٣).
(٤) أخرجه أحمدُ (١٣/ ١٧٢) (٧٧٤٨)، ومسلمٌ (٧٦٨)، وأبو داودَ (٥٠٨).
(٥) أخرجه أبو داودَ (١٣١٦) من حديث عائشة. وأخرجه النسائيُّ (١٧٨٧) من حديث أبي الدرداء. وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ويصِحُّ التطوُّعُ بركْعةٍ.
وأجرُ القاعدِ -غيرِ المعذُورِ- نصفُ أجرِ القائمِ. وكثرةُ الرُّكوعِ والسُّجودِ أفضلُ من طُولِ القِيَامِ.
(ويصحُّ التطوعُ بركعةٍ) ونحوِها، كثلاثٍ وخمسٍ؛ قياسًا على الوترِ. وفي "الإقناع": مع الكراهةِ.
(وأجرُ القاعدِ، غيرِ المعذورِ) فأجرُه قاعدًا كأجرِه قائمًا؛ للعذرِ. وأما غيرُ المعذورِ، فعلى (نصفِ أجرِ) صلاةٍ (القائمِ) لحديثِ: "مَنْ صلَّى قائمًا، فهو أفضلُ، ومَنْ صلَّى قاعدًا، فله نصفُ أجرِ (^١) القائمِ". متفقٌ عليه (^٢).
(وكثرةُ الركوعِ والسُّجودِ، أفضلُ من طولِ القيامِ) في غيرِ ما وردَ عنه ﵇ تطويلُه، كصلاةِ كسوفٍ؛ لحديثِ: "أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه، وهو ساجدٌ" (^٣).
وأمرَ ﵇ بالاستكثارِ من السُّجودِ في حديثِ ثوبانَ، قال: سمعتُ النبىَّ -ﷺ- يقولُ: "عليك (^٤) بكثرةِ السُّجودِ، فإنَّك لا (^٥) تسجدُ للهِ سجدةً، إلا رفعَكَ اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً". وعن ربيعةَ بنِ كعبٍ السلميِّ أنَّه قال للنبيِّ -ﷺ-: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنَّةِ. قال: "أعنِّي على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ". رواهما
_________________
(١) في الأصل: "أجر نصف".
(٢) أخرجه البخاري (١١١٥) من حديث عمران بن حصين. ولم أجده في مسلم.
(٣) أخرجه مسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة.
(٤) في الأصل "عليكم".
(٥) في الأصل: "إن".
[ ١ / ٣٧٦ ]
وتُسَنُّ صلاةُ الضُّحَى غِبًّا، وأقلُّهَا ركعَتَان. وأكثرُها ثَمَانٍ
أحمدُ ومسلمٌ وأبو داودَ (^١). وعن عبادةَ بنِ الصامت أنَّه سمِعَ النبىَّ -ﷺ- يقولُ: "ما من عبدٍ يسجدُ للهِ سجدةً، إلا كتبَ اللهُ له بها حسنةً، ورفعَ له بها درجةً، فاستكْثِروا من السجودِ". رواه ابنُ ماجه (^٢).
ولأنَّ السُّجودَ في نفسِه أفضلُ وآكدُ، بدليلِ أنَّه يجبُ في الفرضِ والنفلِ، ولا يُباحُ بحالٍ إلَّا للهِ تعالى. والقيامُ يسقطُ في النفلِ، ويُباحُ في غيرِ الصَّلاةِ للوالدين، والعالمِ، وسيِّدِ القومِ. والاستكثارُ ممَّا هو آكدُ وأفضلُ، أَوْلى
(وتُسنُّ صلاةُ الضُّحَى) لما روى أبو هريرةَ قال: أوصاني خليلي رسولُ اللهِ -ﷺ- بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وركعتي الضحى، وأنْ أوترَ قبلَ أنْ أنامَ. رواه أحمدُ ومسلمٌ (^٣). (غِبًّا) بأنْ يصلِّيَها في بعضِ الأيامِ دونَ بعضٍ؛ لأنَّ النبيَّ -ﷺ- لم يكنْ يداومُ عليها. ولما روى أبو سعيدٍ الخدريُّ: كان النبىُّ -ﷺ- يصلِّي الضُّحى حتى نقولَ: لا يدَعُها، ويدَعُها حتى نقولَ: لا يُصلِّيها. رواه أحمدُ والترمذيُّ (^٤). وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ولأنَّ في المداومةِ عليها تشبيهًا بالفرائضِ، والسنَّةِ المؤكَّدةِ، وهي دونهما.
(وأقلُّها ركعتانِ) لأنَّه لم يُنقلْ أنَّه ﵇ صلَّاها دونَهما. (وأكثرُها ثمانٍ) لحديث أمِّ هانئٍ: أنَّ النبىَّ -ﷺ- عامَ الفتحِ صلَّى ثمانِ ركعاتٍ سُبْحةَ الضحى.
_________________
(١) الأول: أخرجه أحمدُ (٣٧/ ٥٩) (٢٢٣٧٧)، ومسلمٌ (٤٨٨)، ولم أجده عند أبي داودَ. والثاني: أخرجه أحمدُ (٢٧/ ١١٨) (١٦٥٧٩)، ومسلمٌ (٤٨٩)، وأبو داودَ (١٣٢٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٢٤)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه أحمدُ (١٢/ ٤١) (٧١٣٨)، ومسلمٌ (٧٢١).
(٤) أخرجه أحمد (١٧/ ٢٤٦) (١١١٥٥)، والترمذيُّ (٤٧٧)، وضعفه الألباني.
[ ١ / ٣٧٧ ]
ووقتُها: مِن خروجِ وَقَتِ النهىِ إلى قُبَيل الزوالِ، وأفضلُة إذا اشتَدَّ الحرُّ.
وتُسَنُّ تحيَّة المَسجِدِ، وسُنَّة الوضوءِ،
رواه الجماعةُ (^١).
(ووقتُها) أي: صلاةِ الضحى: (مِن خُروجِ وقتِ النهي) أي: ارتفاعِ الشمس قِيدَ رمحٍ، لحديثِ: "قال اللهُ: ابنَ آدمَ، اركعْ أربعَ ركعاتٍ من أوَّل النَّهارِ، أكفِكَ آخرَهُ. رواه الخمسةُ (^٢)، إلا ابنَ ماجه. ويَستمرُ (إلى قُبيلِ الزوالِ) أي: إلى دخولِ وقتِ النهي بقيامِ الشمسِ. (وأفضلُه) أي: وقتِ صلاةٍ الضحى (إذا اشتدَّ الحرُّ) لحديثِ: "صلاةُ الأوابين حين ترمَضُ الفِصال" رواه مسلم (^٣). الفصالُ: أي: فصالُ الإبلِ: حين يحمى عليها الحرُّ، فتبركُ في الرملِ.
(وتُسن تحيةُ المسجدِ) لمَنْ دخلَه بشرطِه، وهو: أنْ يكونَ في غيرِ وقتِ نهيٍّ. (و) تُسنُّ (سنةُ الوضوءِ) لحديثِ أبي هريرةَ: أنَّ النبىّ -ﷺ- قال لبلالٍ عند صلاةٍ الفجرِ: "حدِّثْني بأرجَى عملٍ عَمِلْتَه في الإسلامِ، فإنِّي سمعتُ دَفَّ (^٤) نعليكَ بين يديَّ في الجنَّةِ. فقال: ما عمِلْتُ عملًا أرْجى عندي: أنِّي لم أتطهَّرْ طُهُورًا في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، إلَّا صليتُ بذلك الطُّهورِ ما كتبَ اللهُ ليَ أنْ أصلِّيَ. متفقٌ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٣٣٦)، وأبو داود (١٢٩٢)، والترمذي (٤٧٤)، والنسائي (٢٢٥)، وابن ماجه (١٣٢٣).
(٢) أخرجه أحمد (٣٧/ ١٣٧) (٢٢٤٦٩)، وأبو داود (١٢٩١)، والنسائي في "الكبرى" (٤٦٨) من حديث نُعَيم بن هَمَّارٍ. وأخرجه الترمذي (٤٧٥) من حديث أبي الدرداء وأبي ذر. وصححه الألباني.
(٣) أخرجه مسلم (٧٤٨) من حديث زيد بن أرقم.
(٤) في الأصل: "رق".
[ ١ / ٣٧٨ ]
وإحياءُ ما بينَ العِشاءينِ، وهو مِن قيامِ اللَّيل.
عليه (^١)، ولفظُه للبخاريِّ.
(وإحياءُ ما بينَ العشاءين، وهو من قيامِ الليلِ)
وتُسنُّ أيضًا: صلاةُ الاستخارةِ، ولو في خيرٍ، كحجٍّ، وجهادٍ. ويبادرُ به بعدَها. وهي ركعتانِ، يقولُ بعدَهما: اللهمَّ إنِّي أستخيرُكَ بعلمِكَ، وأستقدرُكَ بقدرتِك، وأسألُك من فضلِك العظيمِ، فإنَّكَ تقدرُ ولا أقدرُ، وتعلمُ ولا أعلمُ، وأنتَ علّاَمُ الغيوبِ، اللهمَّ إنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ -ويسمِّيه بعينِه- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري، أو في عاجلِ أمري وآجلِه، فاقدُرْه لي، ويسِّرْه لي، ثمَّ باركْ لي فيه. وإنْ كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري، أو في عاجلِ أمري وآجلِه، فاصرِفْه عني واصرْفني عنه، واقدرْ ليَ الخيرَ حيثُ كانَ، ثمَّ رضِّني به. ويقولُ فيه: مع العافيةِ. ولا يكونُ وقتَ الاستخارةِ عازمًا على الأمرِ، أو عدمِه، فإنَّه خيانةٌ في التوكُّلِ. ثمَّ يستشيرُ. فإذا ظهرتْ المصلحةُ في شيءٍ، فعلَهُ.
وتُسنُّ صلاةُ الحاجةِ إلى اللهِ تعالى، أو إلى آدمي. وهما ركعتان يُثْني على اللهِ بعدَهما، ويصلِّي على النبيِّ (^٢) -ﷺ-، ثمَّ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ الحليمُ الكريمُ، لا إلهَ إلا اللهُ العلي العظيمُ، سبحانَ اللهِ ربِّ العرشِ العظيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أسألُكَ موجباتِ رحمتِكَ، وعزائمَ مغفرتِكَ، والغنيمةَ من كلِّ برٍّ، والسَّلامةَ من كلِّ إثمٍ، لا تدَعْ لي ذنبًا إلا غفرتَه، ولا همًّا إلا فرَّجْتَه، ولا حاجةً هي لكَ رضًا إلا قضيتَها، يا أرحمَ الراحمين.
وتُسنُّ صلاةُ التوبةِ، ركعتين، ثمَّ يستغفرُ اللهَ تعالى.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨).
(٢) في الأصل: "اللَّه".
[ ١ / ٣٧٩ ]