فَصْلٌ
وغَسْلُ المَيِّتِ فَرضُ كِفَايَةٍ.
وشُرِطَ في المَاءِ: الطَّهُوريَّةُ والإباحَةُ.
وفي الغاسِلِ: الإسلامُ، والعَقلُ والتَّميِيزُ.
(فصلٌ)
(وغَسْلُ الميتِ) مرَّةً واحدةً، أو يُيَمَّمُ لعذرٍ (فرضُ كفايةٍ) إجماعًا. على كلِّ مَنْ عرفَ به وأمكنَهُ؛ لقولِه ﵇ في الذي وَقَصَتْهُ راحِلَتُه: "اغسلُوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنوه في ثوبيه". متفقٌ عليه (^١) من حديثِ ابنِ عباسٍ. وهو حقٌّ للهِ، فلو أوصى بإسقاطِه، لمْ يسقطْ، وإن لمْ يعلمْ به إلا واحدٌ، تعيَّن عليه.
(وشُرِطَ في الماءِ) لصحةِ غسلِه: (الطهوريَّةُ والإباحةُ) كباقي الأغسالِ
(و) شُرِطَ (في الغاسلِ) ثلاثةُ شروطٍ:
(الاسلامُ) لاعتبارِ نيَّتِه. ولا تصحُّ من كافرٍ.
(و) الثاني: (العقلُ) لأنَّ غيرَ العاقلِ ليس أهلًا للنيةِ.
(و) الثالثُ: (التمييزُ) فلا يصحُّ ممَّنْ دون التمييزِ، ولا يُشترطُ بلوغُه؛ لصحةِ غُسلِه لنفسِه.
قال في "الفروع" (^٢): فدلَّ أنَّه لا يكفي من الملائكةِ، وهو ظاهرُ كلامِ الأكثرِ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦).
(٢) "الفروع" (٣/ ٢٧٦).
[ ١ / ٥٠٦ ]
والأفضلُ: ثِقةٌ عَارفٌ بأحكَامِ الغَسْلِ. والأَولى به وصيُّهُ العَدلُ.
وإذا شَرَعَ في غَسلِهِ، سَتَر عورَتَه وُجُوبًا،
وفي "الانتصار": يكفي إنْ عَلِمَ. وكذا في "تعليق" القاضي، واحتجَّ بغَسْلِهم لحنظلَةَ (^١)، وبغَسْلِهم لآدمَ ﵇ (^٢)، وبأنَّ سعدًا لما ماتَ، أسرعَ النبيُّ - ﷺ - في المشي إليه، فقيلَ له؟ فقال: "خشيتُ أن تسبِقَنا الملائكةُ إلى غَسلِه، كما سبقتْنا إلى حنظلةَ" (^٣). قال في "الفروع": ويتوجه في مسلمي الجنِّ كذلك وأَوْلى؛ لتكليفِهم.
(والأفضلُ) أنْ يُختارَ لغَسلِه (ثقةٌ عارفٌ بأحكامِ الغَسْلِ) احتياطًا له. (والأَوْلى به) أي: بغَسْل الميتِ (وصيُّه العدلُ) لأنَّ أبا بكرٍ أوْصى أن تغسلَهُ امرأتُه أسماءُ (^٤). وأنسٌ أوصى أنْ يغسلَه محمدُ بنُ سيرينَ (^٥). ولأنَّه حقٌّ للميتِ، فقُدِّمَ فيه وصيُّه على غيرِه.
(وإذا شرَعَ في غَسْلِه سترَ عورتَه) أي: الميتِ (وجوبًا) لحديثِ عليٍّ: "لا تُبْرِزْ فخِذَكَ، ولا تنظرْ إلى فخذِ حيٍّ ولا ميِّتٍ". رواه أبو داودَ (^٦). وهذا فيمَنْ له سبعُ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١٥/ ٤٩٥) من حديث ابن الزبير. وصححه الألباني في "الإرواء" (٧١٣).
(٢) أخرجه الطالسي (٥٥١) من حديث أبي بن كعب مرفوعًا. وضعفه الألباني في "الضعيفة" (٢٨٧٢).
(٣) أخرجه ابن سعد (٣/ ٤٢٨) من حديث محمود بن لبيد. وصححه الألباني في "الصحيحة" (١١٥٨).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٤٠٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٥).
(٥) أخرجه ابن سعد (٧/ ١٩).
(٦) أخرجه أبو داودَ (٣١٤٢) قال الألباني: ضعيف جدًا.
[ ١ / ٥٠٧ ]
ثُمَّ يَلُفُّ علَى يدِهِ خِرقَةً فينُجِّيْهِ بِها. ويَجِبُ غَسلُ ما بِه منْ نَجَاسَةٍ. ويحرُمُ مسُّ عورةِ مَن بَلَغَ سبعَ سِنين. وسُنَّ أن لا يمسَّ سائرَ بدَنِه إلا بِخِرْقَةٍ.
وللرَّجُل أن يُغسِّلَ زوجَتَه، وأمتَه، وبنتَ دُونِ سَبْعٍ. وللمرأةِ غَسْلُ
سنين فأكثرَ، كما تقدَّمَ توضيحُه. وعورةُ ابنِ سبعٍ إلى عشرٍ، الفرجانِ. ومَنْ فوقَه وبنتُ سبعٍ فأكثرَ، ما بين سرةٍ وركبةٍ، كما تقدَّمَ.
(ثمَّ يَلُفُّ) الغاسلُ (على يدِهِ خرقةً فيُنَجِّيه) أي: الميتَ (بها) أي: الخِرقةِ، كما يُسنُّ بُداءةُ حيِّ بالحجرِ ونحوِه، قبلَ الاستنجاءِ بالماءِ (ويجبُ غَسْلُ ما به من نجاسةٍ) أي: الميتِ؛ لأنَّ المقصودَ بغسلِه تطهيرُه حسبَ الإمكانِ. وظاهرُه: ولو بالمخرجِ، فلا يجزئُ فيها الاستجمارُ. وفي "مجمع البحرين": إنْ لمْ يَعْدُ الخارجُ موضعَ العادةِ، فقياسُ المذهبِ: يجزئُ فيه الاستجمارُ
(ويحرُمُ) على الغاسلِ (مسُّ عورةِ مَنْ بلغَ سبعَ سِنين) لأنَّ اللَّمسَ أعظمُ من النظرِ. قال في "الإقناع": ولا النظرُ إليها (^١). والمرادُ: ما بين سرَّتِه وركبتِه
(وسُنَّ أن لا يمسَّ) الغاسلُ (سائرَ بدنِه) أي: جميعَ بدنِه، أو باقي بدنِه؛ على الخلافِ الذي فيها.
فحينئذٍ يعدُّ الغاسلُ ثلاثَ خِرَقٍ؛ خِرْقتين للسَّبيلين، والثالثةَ لبقيةِ بدنِه. أو خِرْقتين؛ إحداهما للسَّبيلين، والأخرى لبقيةِ بدنِه. ولهذا قالَ: (إلا بخِرْقة) قال في "شرحه" (^٢) التقي الفتوحي: لفعلِ عليٍّ مع النبيِّ - ﷺ -.
(وللرَّجلِ أنْ يُغسِّلَ زوجتَه، وأمتَه، وبنتَ دونِ سبعِ) سنينَ (وللمرأةِ غَسْلُ
_________________
(١) "الإقناع" (٣٣٦).
(٢) "معونة أولي النهى" (٣/ ٣٢).
[ ١ / ٥٠٨ ]
زوجِها، وسيِّدِهَا، وابنِ دُونِ سَبعٍ.
وحُكمُ غَسْلِ الميِّت فيما يَجبُ ويُسنّ، كغُسلِ الجنابَةِ، لكنْ لا يُدخِلُ الماءَ في فَمِهِ وأنفِه، بل يأخذُ خِرقةً مبلُولةً فيمسحُ بها أسنَانَه ومَنْخِرَيهِ.
ويُكره الاقتصارُ في غَسلِه على مرَّةٍ إن لم يَخرُجْ منه شيءٌ، فإن خرجَ وجَبَ إعادةُ الغَسلِ إلى سَبعٍ، فإن خَرَجَ بعدَها حُشِيَ بقُطْنٍ،
زوجِها، وسيِّدِها، وابنِ دونِ سبعِ) سنين؛ لأنَّه لا حكمَ لعورتِه. قال ابنُ المنذرِ: أجمعَ كلُّ مَنْ يُحفظُ عنه، أنَّ المرأةَ تُغسِّلُ الصبيَّ الصغيرَ من غيرِ سترةٍ، وتمسُّ عورتَه، وتنظرُ إليها. فإنَّ ابنَه ﵇، غسَّلَه النساءُ.
(وحكمُ غَسْلِ الميتِ فيما يجبُ ويُسنَّ، كغُسْلِ الجنابةِ) وهو أنْ ينويَ الغاسلُ غَسْلَه؛ لأنَّه طهارةٌ تعبُّديةٌ، أشبَه غُسلَ الجنابةِ. ويسمِّي وجوبًا، وتسقطُ سهوًا، كغُسلِ الحيِّ (لكنْ لا يُدخِلُ الماءَ) الغاسلُ (في فمِه، و) لا في (أنفِه) أي: الميتِ؛ خشيةَ تحريكِ النجاسةِ بدخولِ الماءِ في جوفِه (بل) يُسنُّ أنْ يأخذَ بعد غسلِ كفيِّ الميتِ ثلاثًا (يأخذُ خِرْقةً مبلُولةً) بماءٍ بين شَفَتَيه، (فيمسحُ بها أسنانَه، و) يُدخلُهما (مَنْخِريهِ) فينظِّفُهما، فيقومُ مقامَ المضمضةِ والاستنشاقِ؛ لحديثِ: "إذا أمرتُكم بأمير فأتوا منه ما استطعتُمْ".
(ويُكره الاقتصارُ في غَسْلِه على مرَّةٍ) واحدةٍ؛ لأنَّه لا يحصلُ بها كمالُ النظافةِ، بخلافِ الحيِّ (إنْ لمْ يخرجْ منه شيءٌ) أي: من الميتِ بعد المرَّةِ، فإنْ خرجَ، حرُمَ الاقتصارُ عليها، بل ما دام يخرجُ إلى السبعِ. ولهذا قال: (فإنْ خرجَ، وجبَ إعادةُ الغَسْلِ إلى سبعِ) مراتٍ (فإن خرجَ بعدَها) أي: بعد السبعِ (حُشِيَ) مخرجُه (بقطنٍ) يمنعُ الخارجَ. وقال جمعٌ: يُلجمُ المحلُّ بقُطنٍ، فإنْ لمْ يمتنعْ
[ ١ / ٥٠٩ ]
فإن لم يَستَمسِك فبِطِينٍ حُرٍّ، ثم يَغسِلُ المَحَل، ويُوضَّأُ وجوبًا، ولا غَسْلَ.
وإن خرَجَ بعدَ تكفينِه، لم يُعَدِ الوُضوءُ ولا الغَسْلُ.
وشهيدُ المعرَكةِ،
حشاه، (فإنْ لمْ يَستَمسِكْ) خارجٌ مع حشوٍ بقُطنٍ (فـ) ــإنَّه يُحشى (بطينٍ حُرٍّ) أي: خالصٍ؛ لأنَّ فيه قوةً تمنعُ الخارجَ (ثمَّ يَغسلُ المَحَلَّ) المتنجسَ بالخارجِ وجوبًا. (ويُوضَّأ) ميتٌ (وجوبًا) كجنبٍ أحدثَ بعد غُسلِه؛ لتكونَ طهارةً كاملةً (ولا غَسْلَ) ثانيًا.
(وإنْ خرجَ) منه شيءٌ قليلٌ أو كثيرٌ (بعدَ تكفينِه، لم يُعَدِ الوضوءُ ولا الغَسْلُ) لما في ذلك من المشقَّةِ بالاحتياجِ إلى إخراجِه من الكفنِ، وإعادةِ غَسلِه، وتطهيرِ أكفانِه، وتجفيفِها، أو إبدالِها، ثمَّ لا يُؤمَنُ أن يخرجَ شيءٌ بعد ذلك.
(وشهيدُ المعركةِ) وهو مَنْ ماتَ بسببِ قتالِ الكفارِ وقتَ قيامِ القتالِ، فلا يُغسَّلُ، لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والحيُّ لا يُغسَّلُ. وقال ﵇ في قتلى أحدٍ: "لا تُغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ، أو كلَّ دمٍ، يفوحُ مسكًا يومَ القيامةِ" ولمْ يصلِّ عليهم. رواه أحمدُ (^١). وهذه العلَّةُ توجدُ في غيرِهم، فلا يقالُ: إنَّه خاصٌّ بهم.
وسُمِّيَ شهيدًا؛ لأنَّه حيٌّ، أو لأنَّ اللهَ وملائكتَه يشهدون له بالجنةِ، أو لقيامِه بشهادةِ الحقِّ حتى قُتِلَ، ونحوُه مما قيلَ فيه.
والشهيدُ على ثلاثةِ أقسامٍ: شهيدٌ في الدنيا، وهو المقتولُ في المعركةِ مُرَائيًا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢/ ٩٧) (١٤١٨٩) من حديث جابر. قال الألباني بعد سياق سند أحمد: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. "الإرواء" تحت الحديث (٧٠٧).
[ ١ / ٥١٠ ]
والمقتولُ ظلمًا،
ونحوه. وشهيدٌ في الآخرةِ فقط، وهو من أثبتَ له الشارعُ الشهادةَ، ولمْ تجر عليه أحكامُها في الدنيا، كالغريقِ ونحوِه - واحترزَ بشهيدِ المعركةِ (^١) عن غيرِه، فإنَّه يُغسَّلُ - كالمطعونِ، والمبطونِ، والغريقِ، والحريقِ، وصاحبِ الهدمِ، وذاتِ الجنبِ والسلِّ، وصاحبِ اللَّقوةِ (^٢)، والصابرِ في الطَّاعونِ، والمتردِّي من رؤوسِ الجبالِ، ومَنْ ماتَ في سبيلِ اللهِ، ومَنْ طلبَ الشهادةَ بنيةٍ صادقةٍ، وموتِ المرابطِ، وأُمناءِ اللهِ في الأرضِ، والنفساءِ، واللَّديغِ، ومَنْ قُتِلَ دون مالِه أو أهلِه أو دينِه، والعاشقِ إذا عفَّ وكتمَ، وموتِ الغريبِ (^٣).
ولابنِ ماجه (^٤) من روايةِ إبراهيمَ بنِ أبي يحيى، وهو ضعيفٌ، عن موسى بنِ أبي وردانَ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ ماتَ مريضًا، ماتَ شهيدًا". ذكَرَه في "الفروع" (^٥).
(والمقتولُ ظلمًا) كمَنْ قتلَه نحوُ لصٍّ، أو أُريدَ منه الكفرُ، فقتلَ دونه، أو أُريدَ على نفسِه أو مالِه أو حرمتِه، فقاتلَ دون ذلك فقتِلَ؛ لحديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ مرفوعًا: "مَنْ قُتِلَ دون دشِه فهو شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دون دمِه فهو شهيدٌ، ومَنْ قتِلَ دون مالِه فهو شهيدٌ، ومَنْ قتِلَ دون أهلِه فهو شهيدٌ". رواه أبو داودَ، والترمذيُّ (^٦) وصحَّحه.
_________________
(١) وهو الثالث من الأقسام.
(٢) اللَّقوة: مرض يَعْرِض للوَجْه فيُمِيلُه إلى أحد جانِبَيْه. "النهاية" (٤/ ٢٦٨).
(٣) انظر "كشاف القناع" (٤/ ٩٠).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٦١٥) قال الألباني: ضعيف جدًا.
(٥) "الفروع" (٣/ ٣٠٣).
(٦) أخرجه أبو داود (٤٧٧٤)، والترمذي (١٤٢١)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٥١١ ]
لا يُغسَّلُ، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه. ويجبُ بقاءُ دمِهِ عليِه، ودفنه في ثيابِه.
وإن حُمِلَ فأكلَ، أو شَرِبَ، أو نامَ، أو تكلَّم، أو عَطَسَ، أو طالَ بقاؤُه عُرفًا، أو قُتِلَ وعليه ما يُوجِبُ الغُسلَ من نَحوِ جنابَةٍ،
ولأنَّهم مقتولون بغيرِ حقٍّ، أشبهوا قتلى الكفارِ، فلا يُغسَّلون، بخلافِ نحوِ المطعونِ، والمبطونِ، والغريقِ، ونحوِهم.
(لا يُغسَّلُ، ولا يكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه) ولو كانا أنثيَيْنِ، أو غيرَ مكلَّفَينِ. فيُكرَهُ تغسيلُ شهيدِ معركةٍ، ومقتولٍ ظلمًا. وقيل: يحرمُ. وجزمَ به في "الإقناع". ولا يُوضَّئانِ حيثُ (^١) لا يُغسَّلانِ، ولو وجبَ عليهما الوضوءُ قبلُ.
(ويجبُ بقاءُ دمِه) أي: الشهيدِ (عليه، ودفنُه في ثيابِه) لأمرِه ﵇ بدفنِ شهداءِ أحدٍ بدمائِهم (^٢).
ولا يُزادُ ولا يُنقَصُ في ثيابِه، قال في "الإقناع": ظاهرُه: ولو كانت حريرًا. قال في "المبدع": ولعلَّه غيرُ مراد (^٣).
وإذا كان عليه نجاسةٌ، فإنَّها تُغْسلُ، فإنْ لمْ تَزُلِ النجاسةُ إلا بالدَّمِ، غُسِلَ الدمُ والنجاسةُ؛ لأنَّ دفعَ المفسدةِ، وهو غَسْلُ النجاسةِ، أَوْلى من جلبِ المصلحةِ، وهو إبقاءُ أثرِ العبادةِ.
(وإنْ حُمِلَ) مَنْ جَرَجَه العدوُّ ونحوُه (فأكَلَ، أو شرِبَ، أو نامَ، أو تكلَّم، أو عطَسَ، أو طالَ بقاؤُه عُرْفًا) غُسِّلَ، وصُلِّي عليه وجوبًا (أو قُتِلَ وعليه ما يوجبُ الغُسلَ من نحوِ جنابةٍ) وحيضٍ ونفاسٍ، أو إسلام؛ لأنَّ الغُسْلَ وجبَ لغيرِ الموتِ،
_________________
(١) في الأصل: "حينئذٍ".
(٢) تقدم قريبًا من حديث جابر.
(٣) انظر "كشاف القناع" (٤/ ٨٧).
[ ١ / ٥١٢ ]
فهو كَغَيرِه.
وسِقْطٌ لأربعةِ أشهُرٍ، كالمولُودِ حيًّا.
ولا يُغسِّل مُسلمٌ كافرًا، ولو ذِميًّا، ولا يُكفنه، ولا يصلِّي عليه، ولا يتَّبعُ جَنَازتَه، بل يُوارَى لعدَمِ من يواريه.
فلمْ يسقطْ به، كغَسْلِ النجاسةِ (فهو كغيرِه) يُغسَّلُ، ويُصلَّى عليه (وسِقْطُ لأربعةِ أشهرٍ) فأكثرَ (كالمولودِ حيًّا) يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه. نصًّا؛ لحديثِ المغيرةِ مرفوعًا: "والسِّقْطُ يصلَّى عليه" رواه أبو داودَ والترمذيُّ (^١). وفي رواية الترمذيِّ: "والطِّفلُ يُصلَّى عليه". وقال: حسنٌ صحيحٌ. وذكرَهُ أحمدُ (^٢)، واحتجَّ به. وتُستحبُّ تسميتُه، فإنْ جُهِلَ أذكرٌ أم أُنثى، سُمِّيَ بصالحٍ لهما، كهبةِ اللهِ، وطلحةَ. قالَهُ في "الإقناع" (^٣).
(ولا يُغسِّلُ مسلم كافرًا) للنهي عن موالاةِ الكافرِ، ولأنَّ فيه تعظيمًا وتطهيرًا له، فلم يجزْ، كالصَّلاةِ عليه (ولو ذميًّا) أي: ولو كان ذميًّا. (ولا يُكفِّنُه، ولا يُصلِّي عليه، ولا يتبعُ جنازتَه) لقولِه تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]. (بل يُوارَى لعدمِ مَنْ يواريه) من الكفارِ، كما فُعِلَ بكفارِ بدرٍ؛ وارَوهم (^٤) بالقليب. ولا فرقَ بين الحربيِّ والذميِّ والمستأمنِ والمرتدِّ في ذلك؛ لأنَّ تركَها مثلةٌ به، وقدْ نُهيَ عنها. وكذا كلُّ صاحبِ بدعةٍ مكفِّرةٍ، فإنَّه يُوارى ولا يُغسَّلُ، ولا يكفَّنُ، ولا يصلَّى عليه، ولا تُتَّبعُ جنازتُه.
_________________
(١) أخرجه أبو داودَ (٣١٨٢)، والترمذيُّ (١٠٣١)، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد (٣٠/ ١١٠) (١٨١٧٤).
(٣) "الإقناع" (١/ ٣٤٣).
(٤) في الأصل: "واراوهم". والمثبت من "دقائق أولي النهى" ٢/ ٨٥.
[ ١ / ٥١٣ ]