وهيَ: من طُلُوعِ الفَجرِ إلى ارتفاعِ الشَّمس قِيدَ رُمحٍ، ومِنْ صلاةٍ العَصرِ إلى غُروب الشَّمس، وعندَ قيامِهَا حتَّى تزولَ.
(فصلٌ في أوقاتِ النهي) عن الصَّلاةِ
(وهي) خمسةٌ:
أحدُها: (من طلوعِ الفجرِ)، إلى طلوعِ الشمسِ.
والثاني: من طلوعِ الشمسِ (إلى ارتفاعِ الشمسِ قِيدَ) أي: قدرَ (رمحٍ) في رأي العينِ.
(و) الثالثُ من أوقاتِ النهي: (من صلاةٍ العصرِ) تامَّةً (إلى) الأخذِ في (غروبِ الشمسِ) فمَنْ لم يُصلِّ العصرَ، أُبيحَ له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى غيرُه. وكذا لو أحرمَ بها، ثمَّ قطعَها، أو قلبَها نفْلًا. ومَنْ صلَّاها فليسَ له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى وحدَه؛ لحديثِ أبي سعيدٍ وغيرِه: "لا صلاةَ بعد صلاةٍ العصرِ، حتى تغرُبَ الشمسُ" (^١).
والرابعُ من أوقاتِ النهي: عند غروبها حتى يتمَّ الغروبُ.
(و) الخامسُ من أوقاتِ النهي: (عندَ قيامِها) أي: الشمسِ (حتى تزولَ) الشمس عن خطِّ الاستواءِ؛ لحديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ: "ثلاثُ ساعاتٍ كان النبىُّ -ﷺ- ينهانا أنْ نصلِّيَ فيهنَّ، أو أنْ نقبرَ فيهنَّ موتانا: حينَ تطلُعُ الشمسُ بازغةً، حتى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ، حتى تميلَ الشمسُ، وحين تَضيَّفُ للغروبِ حتى
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٦٤)، ومسلم (٨٢٧)، واللفظ له.
[ ١ / ٣٨٧ ]
فتحرم صلاة التطوُّع في هذِه الأوقاتِ، ولا تنعقدُ، ولو جَاهِلًا للوقتِ والتَّحريم، سِوَى سُنَّةِ الفَجرِ قبلَهَا، وركعتي الطَّواف، وسُنَّةِ الظُّهرِ إذا جَمَعَ،
تغربَ". رواه مسلمٌ (^١).
(فتحرمُ صلاةُ التطوعِ في هذه الأوقاتِ) الخمسةِ (ولا تنعقدُ) صلاةُ التطوعِ (ولو) كانَ المصلِّي (جاهلًا للوقتِ والتحريمِ) لأنَّ النهيَ في العباداتِ يقتضي الفسادَ. وظاهرُه: أنَّه لا يبطلُ تطوعٌ ابتدأه قبلَه بدخولِه، لكنْ يأثَمُ بإتمامِه
(سوى سُنَّةِ الفجرِ قبلَها) أي: صلاةٍ الفجرِ، فلا يجوزُ بعدَها حتى ترتفعَ الضمسُ قيْدَ رُمحٍ. واختارَ صاحبُ "المغني" والشارح: جوازَ قضاءِ سنةِ الفجرِ بعدَ صلاةٍ الفجرِ.
(و) سوى (ركعتي الطوافِ) في الأوقاتِ الخمسةِ؛ لحديثِ جُبير بنِ مطعمِ مرفوعًا: "يا بني عبدِ منافٍ، لا تمنعوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ، وصلَّى فيه، في أيّ ساعةٍ شاءَ من ليل، أو نهارٍ". رواه الأثرمُ، والترمذيُّ (^٢) وصحَّحه. ولأنَّهما تبعٌ له، وهو جائزٌ كلَّ وقتٍ
(و) سِوى (سُنةِ الظهرِ إذا جمَعَ) جمعَ تأخيرٍ؛ لحديثِ أمِّ سلمةً قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ -ﷺ- ذاتَ يومٍ بعدَ العصرِ، فصلَّى ركعتين، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، صليتَ صلاةً لم أكُن أراكَ تصلِّيها؟ فقال: "إنِّي كنتُ أصلِّي ركعتين بعدَ الظهرِ، وإنَّه قدِمَ وفدُ بني تميمٍ، فشغلوني عنهما، فهما هاتانِ الركعتانِ". متفقٌ عليه (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٣١).
(٢) أخرجه الترمذي (٨٦٨)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤).
[ ١ / ٣٨٨ ]
وإعادةِ جَمَاعةٍ أُقيمت وهو بالمسجد.
ويجوزُ فيها قضاءُ الفرائِض، وفِعلُ المنذورَةِ، ولو نذَرَها فيهَا.
قال شارح "المقنع" (^١): والصحيحُ أنَّ السننَ الراتبةَ تُقضى بعد العصرِ
(و) سِوى (إعادةِ جماعةٍ أُقيمتْ وهو بالمسجدِ) لحديثِ أبي ذرٍ مرفوعًا: "صلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أُقيمتْ وأنتَ في المسجدِ فصلِّ، ولا تقلْ: إنِّي صليتُ، فلا أصلِّي" رواه أحمدُ ومسلمٌ (^٢). والمرادُ بإعادتِها: أنْ يعيدَ الصَّلاةَ مع الجماعةِ، سواءٌ كان صلَّاها وحدَه، أو في جماعةٍ. واحترزَ بقولِهِ: "أقيمتْ وهو بالمسجدِ" عمَّا إذا دخلَ وهمْ يصلُّون، فإنَّها لا تجوزُ في وقتِ النهي؛ لأنَّا إنَّما جوَّزْناها لمَنْ في المسجدِ؛ لخوفِ التُّهمةِ في حقِّه وحقِّ الإمامِ، وذلك مفقودٌ فيمَنْ كان خارجَه. انتهى.
(ويجوزُ فيها) أي: في أوقاتِ النهي (قضاءُ الفرائضِ) الفائتةِ، وفاقًا لمالكٍ والشافعيِّ؛ لعمومِ حديثِ: "مَنْ نامَ عن صلاةٍ، أو نسيَها، فلْيصلِّها إذا ذكَرَها". متفقٌ عليه (^٣).
(و) يجوزُ (فعلُ المنذورَةِ) بأن نذَرَ أن يصلِّي، وأطلق (ولو) كان (نذرَها) أي: الصَّلاةَ (فيها) مقيِّدًا بوقتٍ من أوقات النهي، بأنْ يقولَ: للَّه عليَّ أنْ أصلِّيَ ركعتين عند طلوعِ الشمسِ، أو عندَ قيامِها، أو عندَ غروبها، ونحوِ ذلك؛ لأنَّها صلاةٌ واجبةٌ، فأشبهتِ الفرائضَ
_________________
(١) "الشرح الكبير" (٤/ ٢٦١).
(٢) أخرجه أحمدُ (٣٥/ ٣٧٩) (٢١٤٧٨)، ومسلمٌ (٦٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس.
[ ١ / ٣٨٩ ]
والاعتبار في التَّحريمِ بعدَ العصرِ بفرَاغ صلاةٍ نفسِهِ، لا بشروعِه فيها، فلو أحرَم بها ثمَّ قلبَها نفلًا، لم يُمنَع من التطوُّع.
وتُباحُ قراءةُ القرآن في الطَّريق، ومَعَ حَدَثٍ أصغَرَ، ونجاسَةِ ثوبٍ، وبَدَنٍ، وفَمٍ.
(والاعتبارُ في التحريمِ بعد العصرِ بفراغِ صلاةٍ نفسِه) فمَنْ لم يصلِّ العصر، أُبيحَ له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى غيرُه، ومَنْ صلَّاها فليس له التنفُّلُ، وإنْ صلَّى وحدَه؛ لحديث أبي سعيدٍ وغيرِه: "لا صلاةَ بعد صلاةٍ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ". فالاعتبارُ بفراغِها (لا بشروعِه فيها) أي: في صلاةٍ العصرِ (فلو أحرمَ بها، ثمَّ قلبَها نفلًا، لم يُمنعْ من التطوُّعِ) لكونِه لَمْ يصلِّ العصرَ، فلا يدخلُ وقتُ النهي حتى يصلِّيَها، فمَنْ لَم يصلِّ العصرَ حتى اصفرَّتِ الشمس، فاصفرارُها هو أوَّلُ وقتِ النهي في حقِّه
(وتُباحُ قراءةُ القرآنِ في الطريقِ) لما رُوي عن إبراهيمَ التيميِّ قال: كنتُ أقرأُ على أبي موسى، وهو يمشي في الطريقِ. وتُباحَ أيضًا قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وراكبًا، وماشيًا. وهلْ تباحُ قراءتُه في الطريقِ سرًّا أو جهرًا؟ ظاهرُه: ولو جهرًا.
وكرِهَها ابنُ عقيلٍ بأسواقٍ يُنادى فيها ببيعٍ. وحرُمَ رفعُ صوتٍ بها معَ اشتغالِهم بتجارةِ وعدمِ استماعِهم له، لما فيه من الامتهانِ. وكُرِه رفعُ صوتٍ بقراءةٍ تغلِّطُ (^١) المصلِّينَ. قال المصنِّفُ في "الغاية" (^٢): ويتجه: التحريمُ للإيذاءِ.
(و) تباحُ (مع حدثٍ أصغرَ، و) معَ (نجاسةِ ثوبٍ، و) نجاسةِ (بدَنٍ، و) نجاسةِ (فمٍ) لأنَّه لا دليلَ على المنعِ
_________________
(١) في الأصل: "تلفظ".
(٢) "غاية المنتهى" (١/ ٢٠٧).
[ ١ / ٣٩٠ ]
وحفظُ القرآنِ فرضُ كفايةٍ. ويتعيَّنُ حِفظُ ما يجِبُ في الصَّلاة.
(وحفظُ القرآنِ فرضُ كفايةٍ) إجماعًا (ويتعيَّنُ حفظُ ما يجبُ في الصَّلاة) وهو الفاتحةُ فقط، على المذهبِ، ثمَّ يتعلمُ من العلمِ ما يحتاجُ إليه في أمورِ دينه، وجوبًا.
قال في "الفروع" (^١): يتوجَّه: أنْ يقدِّمَ بعد القراءةِ الواجبةِ العلمَ. كما يقدِّمُ الكبيرُ نفلَ العلمِ على نفلِ القراءةِ.
* * *
_________________
(١) "الفروع" (٢/ ٣٨٠).
[ ١ / ٣٩١ ]