وهي ستةَ عشرَ:
آكدُها: لصلاةِ جمُعةٍ في يومِها لِذَكَرٍ حَضَرَها،
(فصلٌ في الأغسالِ المستحبةِ)
(وهي) أي: الأغسالُ المستحبةُ (ستةَ عشرَ):
(آكدُها): الغسلُ (لصلاةِ جمعةٍ) لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: "غسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ" (^١). وقولُه ﵇: "مَنْ جاءَ منكم الجمعةَ فليغتسلْ" (^٢). متفقٌ عليهما. وقولُه: واجبٌ. أي: متأكدُ الاستحبابِ. ويدلُّ لعدمِ وجوبِه: ما روى الحسنُ، عن سمرةَ بنِ جندبٍ أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "من توضَّأَ يومَ الجمعةِ فبها ونعمتْ، ومن اغتسلَ فالغسلُ أفضلُ". رواه أحمدُ وأبو داودُ والترمذيُّ (^٣).
(في يومِها) أي: الجمعةِ. فلا يجزئُ الاغتسالُ قبلَ طلوعِ فجرِه. والغسلُ للصَّلاةِ، لا لليومِ.
(لذَكَرٍ حضرَها) أي: الجمعةَ؛ لقولِه ﵇: "من جاءَ منكم الجمعةَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٨٤٦).
(٢) أخرجه البخاري (٨٧٧)، ومسلم (٨٤٤) من حديث ابن عمر.
(٣) أخرجه أحمدُ (٣٣/ ٣٤٦) (٢٠١٧٧)، وأبو داودُ (٣٥٤)، والترمذيُّ (٤٩٧)، وصححه الألباني.
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
[ ١ / ١٦٨ ]
ثمَّ لِغَسلِ ميِّتٍ، ثمَّ لعيدٍ في يومِه، ولِكُسُوفٍ، واستِسقاءٍ،
فليغتسلْ" (^١). ولو لم تجبْ عليه الجمعةُ، كالعبدِ والمسافرِ، إن صلَّى.
والاغتسالُ عندَ المضيِّ إليها أفضلُ؛ لأنَّه أبلغُ في المقصودِ. وعن جماعٍ أفضلُ (ثمَّ) يليه الغصلُ (لغَسلِ ميِّتِ) كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، حرٍّ أو عبد، مسلم أو كافر. وظاهرُه: ولو في ثوبٍ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ غسَّلَ ميِّتًا، فليغتسلْ، ومَنْ حملَهُ فليتوضَّأَ". رواه أحمدُ وأبو داودَ، والترمذيُّ (^٢) وحسنَه.
(ثُمَّ) يليه الغسلُ (لعيدٍ في يومِه) لحاضرِها، أي: الصَّلاةِ، لحديثِ ابنِ عباسٍ والفاكهِ بنِ سعدٍ: أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- كان يغتسلُ يومَ الفطرِ والأضحَى. رواه ابنُ ماجه (^٣). ولو صلَّى منفردًا، بعدَ صلاةِ الإمامِ؛ لأنَّ الغسلَ للصَّلاةِ، كالجمعةِ. فلا يشرع (^٤) لمنْ لم يصلِّ، ولا قبلَ طلوعِ الفجرِ.
(و) الرابعُ: (لكسوفٍ) أي: لصلاتِه
(و) الخامسُ: (استسقاء) لأنَّهما صلاتان تجتمعُ لهما الناسُ، فاستُحِبَّ الغسلُ لهما، كصلاةِ الجمعةِ والعيدينِ. قال في "الإنصاف" (^٥): هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كثيرٌ منهم. وقيل: لا يُستحبُّ الغسلُ لهما. ذكرَهُ في "التبصرة".
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٥/ ٥٣٤) (٩٨٦٢)، وأبو داود (٣١٦١)، والترمذي (٩٩٣). وصححه الألباني في "الإرواء" (١٤٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٣١٥) من حديث ابن عباس. وأخرجه (١٣١٦) من حديث الفاكه. قال الألباني: موضوع.
(٣) في الأصل: "يشترط".
(٤) "الإنصاف" (٢/ ١١٩).
[ ١ / ١٦٩ ]
وجُنُونٍ، وإغماءٍ، ولاسْتِحَاضَةٍ لكلِّ صلاة، ولإحرامٍ، ولدخولِ مكةَ
(و) السادسُ: (جنونٌ) أي: من الأغسالِ المستحبَّةِ.
(و) السابعُ: (إغماءٌ) لا إنزالٌ باحتلامٍ أو غيرِه، فيهما، أي: الجنونِ والإغماءِ؛ لأنَّه ﵇، اغتسلَ للإغماءِ. متفقٌ عليه (^١). ولأنَّه لا يأمنُ أن يكونَ احتلمَ ولم يشعرْ. والجنونُ في معناه، بل أبلغُ. فإنْ أنزلَ، وجبَ الغسلُ.
فلو وجدَ المجنونُ بللًا، ولم يذكرِ احتلامًا، فصرَّحَ الزركشيُّ بأنَّه يُستحبُّ الغسلُ. وعللَّه بأنَّه يحتملُ أن يكونَ لغيرِ شهوةٍ، أو عن المرضِ المزيلِ للعقلِ.
فإن قيل: إذا وُجدَ الإنزالُ واغتسلَ له، هل يجزئُه عن المستحبِّ أم لا؟ لم أرَ فيه نصًّا، فلينظرْ.
(و) الثامنُ: (لاستحاصْةٍ لكلِّ صلاةٍ) فيُسنُّ أن تغتسلَ لكلِّ صلاةٍ؛ لأمرِه ﵊ به لأمِّ حبيبةَ لما استُحيضَتْ، فكانتْ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ. متفقٌ عليه (^٢).
(و) التاسعُ: الغسلُ (لإحرامٍ) بحجِّ أو عمرةٍ، لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّه رأى النبيَّ -ﷺ- تجرَّدَ لإهلالِه، واغتسلَ. رواه الترمذيُّ (^٣) وحسَّنَه.
وحتى حائضٍ ونُفساءَ، فيسنُّ لهما الغسلُ للإحرامِ. كما صرَّحَ به في "المنتهى" (^٤).
(و) العاشرُ: (لدخولِ مكةَ) قال في "المستوعب": حتى لحائضٍ. قال الشيخُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤) من حديث عائشة.
(٣) أخرجه الترمذي (٨٣٠)، وصححه الألباني.
(٤) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ١٦٦).
[ ١ / ١٧٠ ]
وحرمِها، ووقوفٍ بعرفَةَ، وطوافِ زِيارةٍ، وطَوافِ وداعٍ، ومَبيتٍ بمزدلِفةَ، ورميِ جِمَارٍ.
منصورٌ في "شرحه" (^١): قلتُ: ونفساءَ، قياسًا على الإحرامِ. وظا هرُه: ولو بالحرمِ، كمَنْ بمنًى إذا أرادَ مكةَ، سُنَّ له الغسلُ لدخولِها.
(و) الحادي عشرَ: (حرمِها) أي: مكةَ. نصَّ عليه في روايةِ صالحٍ.
(و) الثاني عشرَ: (وقوف بعرفةَ) رواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ (^٢). ورواه الشافعيُّ عن عليِّ (^٣). ورواه ابنُ ماجه (^٤) مرفوعًا.
(و) الثالثَ عشرَ: لـ (طوافِ زيارةٍ (^٥» وهو طوافُ الإفاضةِ.
(و) الرابعَ عشرَ: لـ (طوافِ وداعٍ)؛ لأنَّها أنساكٌ يجتمعُ لها الناسُ ويزدحمون فيعرقون، فيؤذي بعضُهم بعضًا، فاستحبَّ كالجمعةِ. وظاهرُه: أنَّه لا يُسنُّ لطوافِ القدومِ.
(و) الخامسَ عشرَ: لـ (مبيتٍ بمزدلفةَ).
(و) السادسَ عشرَ: لـ (رميِ جمارٍ) ولأنَّ هذه كلَّها أنساكٌ يجتمعُ لها الناسُ، فاستُحبَّ لها الغسلُ، كالإحرامِ، ودخولِ مكةَ.
ووقتُ الغسلِ لصلاةِ الاستسقاءِ: عندَ إرادةِ الخروجِ إليها. والكسوفِ والخسوفِ: عند وقوعِهما. وفي الحجِّ: عند إرادةِ النسك الذي يُسنُّ له قريبًا منه.
_________________
(١) "دقائق أولي النهى" (١/ ١٦٦).
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ" (٣/ ٤٦٥).
(٣) أخرجه الشافعي في "المسند" (٣٢١).
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٣١٦) من حديث الفاكه بن سعد. قال الألباني: موضوع.
(٥) في الأصل: "في زيارة".
[ ١ / ١٧١ ]
ويُتيمَّمُ للكُلِّ لحاجَةٍ، ولِمَا يُسنُّ له الوُضُوءُ، إنْ تعذَّرَ.
وعُلِمَ مما سبَقَ: أنَّه لا يُستحبُّ الغسلُ لغيرِ المذكوراتِ، كالحجامةِ، ودخولِ طيبةَ، وكلِّ مجتمَعٍ.
فإن قيلَ: هل يجزئُه غسلٌ واحدٌ لرميِ الجمراتِ كلِّها، أم بلْ (^١) لكلِّ يومٍ غسلٌ عند رميِهِ؟ فتأملْ.
قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (^٢): ويتجه: زيادةُ: مَنْ ولدتْ بلا دمٍ، مراعاةً لخلافِ من أوجبَهُ.
(ويُتيَمَّمُ) استحبابًا (للكلِّ). أي: كلِّ ما يستحبُّ له الغسلُ (لحاجةٍ) تبيحُ التيمَّمَ؛ لتعذرِ الماءِ لعدمٍ، أو مرضٍ، ونحوِه.
(و) يتيمَّمُ أيضًا استحبابًا (لما يسنُّ له الوضوءُ) من قراءةٍ، وأذانٍ، وشكٍّ، وغضبٍ، ونحوِها مما تقدَّمَ (إن تعذَّرَ)، أي: الوضوءُ لحاجةٍ.
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) "غاية المنتهى" (١/ ٩٣).
[ ١ / ١٧٢ ]