الأَولى بها: الأجودُ قراءةً، الأفَقهُ -ويقدَّمُ قارئٌ لا يعلمُ فِقهَ صلاتِه على فقيهٍ أميٍّ- ثمَّ الأسنُّ، ثمَّ الأشرفُ،
(فصلٌ في الإمامةِ)
(الأَوْلى بها) أي: بالإمامةِ: (الأجودُ قراءةً، الأفقهُ) لجمعِه بين المزيَّتَين في القراءةِ والفقهِ.
(ويُقدَّمُ قارئٌ لا يعلمُ فقهَ صلاِته على فقيهٍ أميٍّ) لا يحسنُ الفاتحةَ؛ لأنَّها ركنٌ في الصَّلاةِ، بخلافِ معرفةِ أحكامِها
(ثمَّ) إن استويا في القراءةِ والفقهِ يُقدَّمُ (الأسنُّ) لقولِه ﵇ لمالكِ بنِ الحويرثِ: "إذا حضرتِ الصَّلاةُ، فليؤذِّنْ لكئم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم (^١) ". متفقٌ عليه (^٢). ولأنَّه أقربُ إلى الخشوعِ وإجابةِ الدعاءِ.
(ثمَّ) إنِ استووْا فيما تقدَّمَ، فيقدَّمُ (الأشرفُ) وهو مَنْ كان قرشيًا؛ إلحاقًا للإمامةِ الصغرى بالكبرى؛ لقولِه ﵇: "الأئمةُ من قريشٍ" (^٣). وقولِهِ: "قدِّموا قريشًا، ولا تَقَدَّمُوها" (^٤). والشرفُ يكونُ بعلوِّ النسبِ
_________________
(١) سقطت: "أكبرُكم" من الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤) من حديث مالك بن الحويرث.
(٣) أخرجه أحمد (١٩/ ٣١٨) (١٢٣٠٧)، والنسائي في "الكبرى" (٥٩٤٢) من حديث أنس. وصححه الألباني في "الإرواء" (٥٢٠).
(٤) أخرجه البزار (٤٦٥) من حديث علي، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٦٤) من حديث أنس، وأخرجه الشافعي في "مسنده" (٦٩١) عن ابن شهاب مرسلًا. وصححه الألباني =
[ ١ / ٤٠٥ ]
ثمَّ الأتقَى والأورعُ، ثم يُقرَعُ.
وصاحبُ البيتِ، وإمامُ المسجدِ، ولو عبدًا، أحقُّ
(ثم) مع الاستواء فيما تقدَّمَ، الأَوْلى بالإمامةِ: (الأتقى والأورعُ) لقولِهِ ﷾: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحُجرَات: ١٣] ولأنَّ مقصودَ الصَّلاةِ: الخضوعُ، ورجاءُ إجابةِ الدعاءِ. والأتقى والأورَعُ أقربُ إلى ذلك، لا سيَّمَا والدُّعاءُ للمأمومينَ من بابِ الشفاعةِ المستدعيَةِ كرامةَ الشافعِ عند المشفوعِ عنده. قال القشيريُّ في "رسالته": الورعُ: اجتنابُ الشبهاتِ. زادَ القاضي عياضٌ في "المشارق": خوفًا من اللهِ تعالى.
(ثمَّ) إن استووْا في كلِّ ما تقدَّمَ وتشاحُّوا (يُقرعُ) فمَنْ خرجتْ له القُرْعةُ كان هو أحقَّ بالإمامةِ؛ لأنَّ سعدًا أقرعَ بين النَّاسِ في الأذانِ يومَ القادسيةِ (^١). فالإمامةُ أَوْلى، ولأنَّهم تساووا في الاستحقاقِ وتعذَّرَ الجمعُ، فأُقرِعَ بينهم، كسائرِ الحقوقِ
(وصاحبُ البيتِ) الصَّالحُ للإمامةِ، ولو عبدًا، أحقُّ بالإمامةِ ممَّنْ حضرَه في بيتِه؛ لقولِه ﵇: "لا يُؤَمَّنَّ الرجلُ في بيته" (^٢). ولأبي داودَ (^٣) عن مالكِ بنِ الحُويرثِ مرفوعًا: "مَنْ زارَ قومًا فلا يؤمَّهمْ وليؤمَّهمْ رجلٌ منهم".
(وإمامُ المسجدِ) الراتبُ، الصالحُ للإمامةِ (ولو) كان (عبدًا، أحقُّ) بالإمامةِ فيه، ولو حضرَ أفقَهُ، أو أقرأُ، كصاحِبِ البيتِ. ولأنَّ ابنَ عمرَ أتى أرضًا له، وعندَها
_________________
(١) = في "الإرواء" (٥١٩).
(٢) ذكره البخاري تعليقًا قبل (٦١٥).
(٣) أخرجه مسلم (٦٧٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٩٦)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٤٠٦ ]
والحرُّ أولى مِن العبدِ.
والحاضرُ، والبصيِرُ، والمتوضِّئُ، أَولى من ضِدِّهِم.
وتكرهُ إمامةُ غيرِ الأَولى بلا إذنِه.
مسجدٌ يصلِّي فيه مولًى له، فصلَّى ابنُ عمرَ معهم، فسألُوه أنْ يؤمَّهم، فأبى، وقال: صاحبُ المسجدِ أحقُّ. رواه البيهقيُّ (^١) بسندٍ جيدٍ. ولأنَّ التقدُّمَ عليه يُسيءُ الظنَّ به، ويُنفِّرُ عنه. قال في "الفروع": ويتجه: يُستحبُّ تقديمُهما لأفضلَ منهما (^٢)
(والحرُّ أَوْلى) بالإمامةِ (من العبدِ) ومن المبعَّض؛ لأنَّه أكملُ في أحكامِه وأشرفُ، ويصلُح إمامًا في الجمعةِ والعيدِ.
(والحاضرُ) أي: مقيمٌ، أَوْلى من مسافرٍ سفرَ قصرٍ؛ لأنَّه ربما قصرَ، ففاتَ المأمومين بعضُ الصَّلاةِ جماعةً. ولا تُكرهُ إمامةُ مسافرٍ بمقيمين إنْ قَصَرَ، فإنْ أتمَّ، كُرِهتْ.
(والبصيرُ) أَوْلى من أعمى؛ لأنَّه أقدرُ على توقِّي النجاسةِ، واستقبالِ القبلةِ (والمتوضِّيُ، أولى من ضدِّهم) المتقدِّمِ بيانُه. يعني: المتوضِّئُ أَوْلى من متيمِّمٍ؛ لأنَّ الوضوءَ يرفعُ الحدثَ، بخلافِ التيممِ، فإنَّه مبيحٌ، لا رافعٌ.
ومُعيرٌ أَوْلى من مُستعيرٍ. ومُستأجرٌ أَوْلى من مُؤجِّرٍ؛ لأنَّه المالكُ للمنفعةِ.
(وتُكره إمامةُ غيرِ الأَوْلى بلا إذنِه) أي: إذنِ الأَوْلى. وإمامةُ المفضولِ بدون إذنِ الفاضلِ مكروهةٌ، على الصحيحِ من المذهبِ. نصَّ عليه.
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٣/ ١٢٦).
(٢) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٥٨).
[ ١ / ٤٠٧ ]
ولا تصِحُّ إمامةُ الفاسِقِ،
(ولا تصحُّ إمامةُ الفاسقِ) مطلقًا. أي: في الفرضِ وفي النفلِ. وسواءٌ كان فسقُه بالاعتقادِ، أو الأفعالِ المُحرَّمةِ، لقولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السَّجدَة: ١٨]. وحديثِ ابنِ ماجه (^١) عن جابرٍ مرفوعًا: "لا تؤمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ولا أعرابيُّ مهاجرًا، ولا فاجرٌ مؤمنًا، إلا أنْ يقهرَه بسلطانٍ يخافُ سوطَه وسيفَه". وسواءٌ أعلنَ فسقَه، أو أخفاه. وتصحُّ خلف نائِبه العدلِ. ولا يؤمُّ فاسقٌ فاسقًا؛ لأنَّه يمكنه رفعُ ما عليه من النقصِ. ويعيدُ مَنْ صلَّى خلفَ فاسقٍ مطلقًا. ومَنْ صلَّى بأجرةٍ، لم يُصلَّ خلفَه. قالَه ابنُ تميمٍ. وإنْ أُعطيَ بلا شرط، فلا بأسَ، نصًّا (^٢).
عَلِمَ فِسقَه ابتداءً، أو لا. فيعيدُ المأمومُ إذا علِمَ فسقَ إمامِه. واختارَ الشيخان: أنَّ البطلانَ مختصٌّ بظاهرِ الفسقِ، دون خَفِّيه. قال في "الوجيز": لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ المشهورِ فسقُه، لكنْ ظاهرُ كلامِه، وهو المذهبُ: مُطلقًا. قالَهُ في "المبدع" (^٣).
لكنْ تصحُّ الصَّلاةُ لخفَ مَنْ لا يعرفُه. ويُستحبُّ خلفَ مَنْ يعرفُه. لكنْ يعيدُ إذا صلَّى خلفَ مَنْ لا يعرفُه، ثمَّ علِمَ فسقَه.
فائدةٌ: إذا أقيمتِ الصَّلاةُ وهو في المسجدِ، والإمامُ ممَّنْ لا يصلُحُ، فإنْ شاءَ صلَّى خلفَه وأعادَ، وإنْ شاءَ صلَّى وحدَه في جماعةٍ، أو منفردًا، موافِقًا له في
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، وضعفه الألباني.
(٢) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٦٠).
(٣) "المبدع" (٢/ ٦٥).
[ ١ / ٤٠٨ ]
إلَّا في جُمُعةٍ وعيدٍ تعذَّرا خلفَ غيرِه.
وتَصِحُّ إمامةُ الأعمى الأصَمِّ، والأقلَفِ، وكثيرِ لَحنٍ لم يُحِلِ المَعنى،
الأفعالِ، ولا إعادةَ. قالَهُ في "الإقناع" (^١)
(إلا في جمعةٍ، وعيدٍ تعذَّرا (^٢) خلفَ غيرِه) أي: الفاسِقِ؛ لأنَّهما يختَصَّانِ بإمامٍ واحدٍ، فالمنعُ منهما خلفَه يؤدِّي إلى تفويتِهما دون سائرِ الصَّلواتِ. نعمْ؛ لو أُقيمتا في موضعين في أحدِهما عدلٌ، فعَلَهُما وراءَه. ونقلَ ابنُ الحكمِ: أنَّه كان يصلِّي الجمعةَ، ثمَّ يصلِّي الظهرَ أربعًا. وكذا إنْ خافَ أذىً بتركِ الصَّلاةِ خلفَ الفاسقِ، صلَّى خلفَه، وأعادَ، نصًّا. قالَهُ في "الإقناع" (^٣).
(وتصحُّ إمامةُ الأعمى الأصمِّ) لأنَّ فَقدَه تلك الحاسَّتَين لا يُخِلُّ بشيءٍ من أركانِ الصَّلاةِ، ولا شروطِها. فصحَّتْ مع ذلك الإمامةُ، كما لو كان أعمى فاقدَ الشمِّ.
(و) تصحُّ خلفَ (الأقلفِ) لأنَّه ذكرٌ مسلمٌ، عدلٌ قارئٌ، فصحَّتْ إمامتُه كالمختونِ. ثمَّ إنْ كان مفتوقًا، فلا بدَّ من غَسلِ النجاسةِ التي تحتَ القُلفةِ، وإلَّا فهي معفوٌّ عنها لا تؤثرُ في بطلانِ الصَّلاةِ.
وتصحُّ الصَّلاةُ خلفَ أقطعِ اليدَين، أو أقطعِ الرجين، أو إحداهما، أو الأنفِ، مع الكراهةِ في الجميعِ، كما سيأتي.
(و) تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ (كثيرِ لحنٍ لمْ يُحِلِ المعنى) كجرِّ دالٍ "الحمدُ"
_________________
(١) "الإقناع" (١/ ٢٦٠).
(٢) في الأصل: "تعذر".
(٣) انظر "كشاف القناع" (٣/ ١٩٦).
[ ١ / ٤٠٩ ]
والتَّمتامِ الذي يكرِّرُ التَّاءَ، مع الكَراهَةِ.
ولا تصِحُّ إمامةُ العاجزِ عن شَرطٍ، أو رُكنٍ إلَّا بمِثلِه، إلا الإمامَ الراتبَ بمسجدٍ المرجوَّ زوالُ عِلَّتهِ، فيصلِّى جالسًا،
وضمِّ ها "للهِ" ونحوِه. سواءٌ كان المؤتَمُّ مثلَه، أو لا؛ لأنَّ مدلولَ اللفظِ باقٍ، لكنْ مع الكراهةِ. فإنْ لمْ يكنْ كثيرَ اللَّحنِ، لم يُكره، كمَنْ سُبقَ لسانُه بيسيرٍ؛ إذْ قلَّ مَنْ يخلو من ذلك. ويحرمُ تعمُّدُه.
قال ابنُ مُنجَّا في "شرحه": فإنْ تعمَّدَ ذلك، لم تصحَّ صلاتُه؛ لأنَّه مُستَهزئٌ ومتعمِّدٌ (^١).
(و) تصحُّ خلف (التَّمتامِ الذي يكرِّر التاءَ) والفأفاء، بالمدِّ: الذي يكرِّرُ الفاء. وخلف مَنْ لا يفصحُ ببعضِ الحروفِ، كالقافِ والضادِ، (مع الكراهةِ) في الكلِّ؛ للاختلافِ في صحَّةِ إمامتِهم. قال جماعةٌ: ومن تُضْحِكُ صورتُه أو رؤيتُه.
(ولا تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن شرطٍ) كاستقبالٍ، واجتنابِ نجاسةٍ، وعادمِ الطَّهورين (أو رُكنٍ) كالركوعِ، والسجودِ، أو الرفعِ منه، وكذا القيامُ. لا تصحُّ إمامتُه في الفرضِ (إلا بمثلِه) لأنَّه عاجزٌ عن ركنِ الصَّلاةِ، فلمْ يصحَّ اقتداءُ القادرِ عليه به، كالعاجزِ عن القراءةِ، إلَّا بمثلِه في العجزِ عن ذلك الركنِ، أو الشرطِ (إلا الإمامَ الراتبَ بمسجدٍ) إذا عجَزَ عن القيامِ لعلَّةٍ (المرجوَّ زوالُ علَّتِه) وعُلِمَ منه: أنَّه إنْ لَمْ يُرجَ زوالُ علتِه، لمْ تصحَّ خلفَه. وأَلْحقَ في "الرعاية": الإمامَ الأعظمَ بالإمامِ الراتبِ. والأصلُ فيه: فعلُه ﵇. وكان يُرجى زوالُ علَّتِه
(فيصلِّي جالسًا) أي: الإمامُ الذي يُرجَى زوالُ علَّتِه التي منعتْه القيامَ
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٤/ ٤٠١).
[ ١ / ٤١٠ ]
ويجلِسونَ خلفَه، وتصِحُّ قيامًا.
(ويجلسون) أي: المأمومون، ولو مع قدرتِهم على القيامِ (خلفَه) لحديثِ عائشةَ: صلَّى النبيَّ -ﷺ- في بيتِه وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا، وصلَّى وراءَه قومٌ قيامًا، فأشارَ إليهم: أن اجلسوا. فلما انصرفَ قال: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به" إلى أن قال: "وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا أجمعون". متفقٌ عليه (^١). (وتصحُّ قيامًا) لأنَّ القيامَ هو الأصلُ، ولم يأمرْ ﵇ مَنْ صلَّى خلفَه قائمًا بالإعادةِ (^٢).
وقال القاضي عياض: صحةُ صلاتهمِ خلفَه جُلوسًا، استحسانٌ. والقياسُ: لا تَصحُّ؛ لأنَّه -ﷺ- صلَّى في مرضِ موتِه قاعدًا، وصلَّى أبو بكرٍ والنَّاسُ خلفَه قيامًا. متفقٌ عليه (^٣) من حديثِ عائشةَ. وأجابَ أحمدُ عنه: بأنَّه لا حجَّةَ فيه؛ لأنَّ أبا بكرٍ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائمًا، فوجبَ أنْ يُتمُّوها كذلك. والجمعُ أَوْلى من النسخِ. ثمَّ يحتملُ أنَّ أبا بكرٍ كان هو الإمامُ. قال ابنُ المنذرِ: وقدْ رُويَ عن عائشةَ أنَّ النبيَّ -ﷺ- صلَّى في مرضِه خلفَ أي بكرٍ في ثوبٍ متوشِّحًا به (^٤). ورواه أنسٌ أيضًا (^٥)، وصحَّحه الترمذيُّ، قال: ولا يُعرفُ أنَّ النبيَّ -ﷺ- صلَّى خلفَ أبي بكرٍ إلَّا في هذا الحديثِ. قال مالكٌ: العملُ عليه عندَنا.
وإنْ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائمًا، ثمَّ اعتلَّ في أثنائِها فجلسَ، أتمُّوا خلفَه قيامًا؛ لقصةِ أبي بكرٍ؛ ولأنَّ القيامَ هو الأصلُ. قال في "الإقناع": ولم يجزِ الجلوسُ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢).
(٢) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨).
(٤) أخرجه الترمذي (٣٦٢)، وصححه الألباني.
(٥) أخرجه الترمذي (٣٦٣)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٤١١ ]
وإن تركَ الإمامُ ركنًا، أو شرطًا مختلَفًا فيه مقلِّدًا، صحَّتْ، ومن صلَّى خلفَه معتقِدًا بطلانَ صلاتِه، أعادَ. ولا إنكارَ في مسائِل الاجتهادِ.
نصَّ عليه (^١).
(وإنْ تركَ الامامُ ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه مقلِّدًا) الإمامَ (صحَّتْ) صلاتُه، كالحنبليِّ إذا لم يقرأ الفاتحةَ في صلاتِه، ويقرأ غيرَها، مقلدًا لأبي حنيفةَ في عدمِ ركنيتها (^٢)، فإنَّه لا إعادةَ عليه، ولا على المأمومِ. وعُلِمَ منه: وجوبُ الإعادةِ عليهما بتركِ الركنِ أو الشرطِ المُجمَعِ عليه، من بابِ أَوْلى.
(ومَنْ صلَّى خلفَه معتقدًا بطلانَ صلاِته، أعادَ) صلافَ، (ولا إنكارَ في مسائلِ الاجتهادِ) أي: ليس لأحدٍ أن ينكرَ على مجتهدٍ أو مقلِّدِه، فيما يسوغُ فيه الاجتهادُ، ولو قلنا: المصيبُ واحدٌ؛ لعدمِ القطعِ بعينِه.
قال ابنُ عقيلٍ: رأيتُ النَّاسَ لا يعصمُهم من الظلمِ إلَّا العجزُ. ولا أقولُ: العوامُّ، بل العلماءُ؛ كانتْ أيدي الحنابلةِ مبسوطةً في أيَّامِ ابنِ يوسفَ، فكانوا يستطيلون بالبغيِّ على أصحابِ الشافعيِّ في الفروع، حتى ما يُمَكِّنُوهُم من الجهرِ بالبسملةِ والقنوتِ، وهي مسألةٌ اجتهاديةٌ، فلما جاءَتْ أيامُ النَّظَّامِ، ومات (^٣) ابنُ يوسفَ، وزالتْ شوكةُ الحنابلةِ، استطالَ عليهم أصحابُ الشافعيِّ استطالةَ السلاطين الظلمةِ، فاستعدَوْا بالسجنِ، وآذوا العوامَّ بالسِّعاياتِ، والفقهاءَ بالنَّبز (^٤) بالتجسيمِ.
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٢٠٢).
(٢) في الأصل: "كيفيَّتِها".
(٣) في الأصل: "ووفاةُ".
(٤) سقطت: "بالنَّبز" من الأصل.
[ ١ / ٤١٢ ]
ولا تصِحُّ إمامةُ المرأةِ بالرِّجالِ، ولا إمامة المميِّزِ بالبالغِ في الفرضِ، وتصِحُّ إمامته في النَّفلِ،
قال: فتدبَّرتُ أمرَ الفريقين، فإذا بهم لمْ تعمَلْ فيهم آدابُ العلمِ. وهلْ هذه إلَّا أفعالُ الأجنادِ؛ يصولون في دولتِهم، ويلزمون المساجدَ في بَطالتِهم. انتهى (^١).
(ولا تصحُّ إمامةُ المرأةِ بالرِّجالِ) لما روى ابنُ ماجه (^٢)، عن جابرٍ مرفوعًا: "لا تؤمنَّ المرأةُ رجلًا". ولأنَّها لا تؤذِّنُ للرِّجالِ، فلم يجزْ أنْ تؤمَّهم، كالمجنونِ. ولا إمامتُها أيضًا لخُنثى فأكثرَ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ذكرًا.
ولا تصحُّ إمامةُ الخنثى بالرجالِ، لاحتمالِ أن يكونَ امرأةً. ولا خنثى لخَناثَى؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الإمامُ امرأةً، والمأمومون ذكورًا. ولا فرقَ بين الفرضِ والنَّفلِ. ولو صلَّى رجل خلفَهما، ولمْ يعلمْ، ثمَّ علمَ، لزمتْه الإعادةُ.
وعُلِمَ منه: صحةُ إمامةِ رجلٍ لرجلٍ، وخنثى، وامرأةٍ. وإمامةِ خنثى وامرأةٍ لامرأةٍ.
(ولا) تصحُّ (إمامةُ المميِّزِ بالبالغِ في الفرضِ) لقولِ ابنِ مسعودٍ: لا يؤمُّ الغلامُ حتى تجبَ عليه الحدودُ. وقولِ ابنِ عباسٍ: لا يؤمُّ الغلامُ حتى يحتلمَ (^٣). رواهما الأثرمُ. ولمْ يُنقلْ عن غيرِهما من الصَّحابةِ ما يخالفُه. ولأنَّ الإمامةَ حالُ كمالٍ، والصبيُّ ليس من أهلِها. والإمامُ ضامنٌ، والصبيُّ ليس من أهلِ الضمانِ.
(وتصحُّ إمامتُه) أي: الصبيِّ (في النفلِ) كتراويحَ، ووترٍ، وصلاةِ كسوفٍ
_________________
(١) انظر "الفروع" (٣/ ٢٣).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه البيهقي (٢/ ٢٢٥).
[ ١ / ٤١٣ ]
وفي الفرضِ بمثِله.
ولا تصِحُّ إمامةُ مُحدِثٍ، ولا نجِعرٍ يعلمُ ذلِكَ، فإن جَهِلَ هو والمأمومُ حتَّى انقضَت، صحَّت صلاةُ المأمُومِ وحدَه.
واستسقاءٍ؛ لأنَّه متنفل يؤمُّ متنفلًا.
(و) تصحُّ إمامةُ المميِّزِ (في الفرضِ) كظهرٍ وعصرٍ (بمثلِه) أي: المميِّزِ؛ لأنَّها نفلٌ في حقِّ كلٍّ منهما.
(ولا تصحُّ إمامةُ محدثٍ) أكبرَ أو أصغرَ (ولا) إمامةُ (نجِسِ) أي: مَنْ ببدنِه أو ثوبِه أو بقعتِه، نجاسةٌ غيرُ معفوٍّ عنها (يعلمُ ذلك) أي: حدثَه، أَو نجَسَه؛ لأنَّه أخلَّ بشرطِ الصَّلاةِ مع القدرةِ، أشبَهَ المتلاعبَ.
(فإنْ جِهَلَ هو) أي: الإمامُ حدثَه ونجَسَه، (و) جهلَ (المأمومُ) بذلك (حتى انقضتِ الصَّلاةُ، صحَّتْ صلاةُ المأمومِ وحدَه) أي: دونَ إمامِه؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ: "إذا صلَّى الجنبُ بالقومِ، أعادَ صلاتَه، وتمَّتْ للقومِ صلاتُهم" (^١). رواه محمدُ بنُ الحسينِ الحرَّانيُّ. ورُوي عن عمرَ أنَّه صلَّى بالنَّاسِ الصبحَ، ثمَّ خرجَ إلى الجُرفِ، فاهراقَ الماءَ، فوجدَ في ثوبه احتلامًا، فأعادَ الصَّلاةَ، ولمْ يُعِدِ النَّاسُ (^٢). ورُوي مثلُه عن عثمانَ (^٣)، وابنِ عمرَ (^٤). وعن علي أيضًا (^٥). ولأنَّه ممَّا يخفى، ولا سبيل إلى معرفتِه، فكان عذرًا في الاقتداءِ به.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٦٤) بنحوه. قال الألباني: ضعيف جدًا. "ضعيف الجامع".
(٢) أخرجه مالك (١/ ٤٩).
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٦٤).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٤٨).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٥٠).
[ ١ / ٤١٤ ]
ولا تَصِحُّ إمامةُ الأميِّ -وهو من لا يُحسِن الفاتحةَ- إلَّا بمثلِه.
ويصِحُّ النفلُ خلَف الفرضِ، ولا عَكسَ.
وعُلِمَ منه: أنَّه إنْ عَلِمَ الإمامُ، أو بعضُ المأمومين قبلَ الصَّلاةِ، أو فيها، أعادَ الكلُّ. قال الشيخُ منصورٌ في "شرحه" على الأصلِ (^١): وظاهرُه: ولو نسيَ بعدَ علمِه به.
(ولا تصحُّ إمامه الأميِّ) نسبةً إلى الأمِّ، كأنَّه على الحالةِ التي ولدتْه أمُّه عليها. وقيل: إلى أمَّةِ العربِ. وأصلُه لغةً: مَنْ لا يَكتبُ (وهو) عرفًا: (مَنْ لا يُحسِنُ) أي: يحفظُ (الفاتحةَ) فلا تصحُّ (إلا بمثلِه) فلا يصحُّ اقتداءُ عاجزٍ عن نصفِ الفاتحَةِ الأوَّلِ بعاجِزٍ عن نصفِها الأخيرِ، ولا عكسُه، فإنْ لمْ يحسنْها، لكنْ أحسنَ بقدرِها من القرآنِ، لم يجزْ أنْ يأتمَّ بمَنْ لا يحسنُ شيئًا منه. ولا اقتداءُ قادرٍ على الأقوالِ الواجبةِ بعاجزٍ عنها، فتصحُّ بمثلِه.
(ويصحُّ النفلُ خلفَ الفرضِ) لأنَّ في نيَّةِ الإمامِ ما في نيَّةِ المأمومِ، وهي نيَّةُ التقرُّبِ، وزيادةٌ وهي نية الوجوبِ، فلا وجهَ للمنعِ (ولا عكسَ) فلا يصحُّ ائتمامُ مفترضٍ بمتنفلٍ؛ لقولِه ﵇: "فلا تختلفوا عليه". متفقٌ عليه (^٢). وكونُ صلاةِ المأمومِ غيرَ صلاةِ الإمامِ، اختلافٌ عليه؛ لأنَّ صلاةَ المأمومِ لا تتأدَّى بنيَّةِ صلاةِ الإمامِ. لكنْ تصحُّ العيدُ خلفَ مَنْ يقول: إنَّها سنةٌ. وإنْ اعتقدَ المأمومُ أنَّها فرضُ كفايةٍ، لعدمِ الاختلافِ عليه، فيما يظهرُ
_________________
(١) "دقائق أولي النهى" (١/ ٥٦٨).
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٤١٤) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٤١٥ ]
وتصِحُّ المقضِّيةُ خَلْفَ الحاضِرةِ، وعكسُه حيثُ تساوتا في الاِسمِ.
(وتصحُّ المقضيِّةُ خلفَ الحاضرةِ) لأنَّ الصَّلاةَ واحدةٌ، وإنَّما اختلفَ الوقتُ (وعكسُه) أي: فتصحُّ الحاضرةُ خلفَ المقضيِّةِ، (حيث تساوَتَا في الاسمِ) كظهرٍ خلفَ ظهرٍ، وعصرٍ خلفَ عصيرٍ، حيث تساوتا في الاسمِ، فتصحُّ. فلا يصحُّ صلاةُ ظهرٍ خلفَ صلاةِ عصرٍ.
فائدةٌ غريبةٌ: قال أبو البقاءِ: تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ الجنيِّ. واقتصرَ عليه في "الفائق". وقال في "النوادر": تنعقدُ الجماعةُ والجمعةُ بالملائكةِ وبمسلمي الجنِّ. وهو موجودٌ زمنَ النبوةِ. قال في "الفروعِ": كذا قالا. والمرادُ: في الجمعةِ: من لزمتْهُ؛ لأنَّ المذهبَ: لا تنعقدُ الجمعةُ بآدمي لا تلزمُه، كمسافرٍ وصبيٍّ، فهنا أَوْلى. انتهى.
وقال ابنُ حامدٍ: الجنُّ كالإنسِ في العباداتِ والتكليفِ. قال: ومذهبُ العلماءِ: إخراجُ الملائكةِ عن التكليفِ، والوعدِ والوعيدِ.
قال في "الفروع": وقدْ عُرِفَ مما سبقَ من كلامِ ابنِ حامدٍ وأبي البقاءِ، أنَّه يعتبرُ لصحةِ صلاتِه ما يعتبرُ لصحَّةِ صلاةِ الآدميِّ (^١).
ويدخلُ كافرُهم النَّارَ إجماعًا، ومؤمنُهم الجنَّة، ولا يصيرُ ترابًا، خلافًا لأبي حنيفةَ واللَّيثِ. وهثم كغيرِهم على قدرِ ثوابِهم، لا أنَّهم حولَها، خلافًا لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ويأكلون ويشربون، خلافًا لمجاهدٍ. قال المصنِّفُ في "غاية المنتهى": ويتجه: ويَرْون اللهَ تعالى هم والملائكةُ. قيل لابنِ عباسٍ: كلُّ مَنْ دخلَ الجنَّة يرى اللهَ؟ قال: نعمْ.
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٤/ ٤٠٨).
[ ١ / ٤١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخُ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ: ونراهم فيها، ولا يرونَنا. ولمْ يُبعثْ لهم نبيٌّ قبلَ نبينا. قالَهُ في "المبدع". وليس منهم رسولٌ. قال المصنِّفُ: ويتجه: ولا نبيٌّ. ويقبلُ قولُهم: أنَّ ما بيدِهم مِلكُهم مع إسلامِهم، وكافرُهم كحربيٍّ. وظاهرُه: يجري التوارثُ بينهم. ويحرُمُ عليهم ظلمُ آدميٍّ، وظلمُ بعضِهم بعضًا. وتحلُّ ذبيحتُهم، وبولُهم وقيئُهم طاهران. قال المصنِّفُ في "غاية المنتهى": ويتجه: لا روثُهُم. وتجوزُ مناكحتُهم. وفي الجنَّةِ يتزوَّجون بحورٍ من جنسِهم (^١).
تنبيهٌ: شروطُ الإمامةِ ثمانيةٌ: إسلامٌ، وعقلٌ، وعدالةٌ، ونطقٌ، وتمييزٌ، وكذا بلوغٌ إنْ أمَّ بالغًا في فرضٍ، وذكوريَّةٌ إنْ أمَّ ذَكَرًا، وقدرة على شرط وركنٍ وواجبٍ، إنْ أمَّ بقادرٍ. وقدْ مرَّتْ مفصَّلةً.
_________________
(١) انظر "غاية المنتهى" (١/ ٢١٧).
[ ١ / ٤١٧ ]
فَصْلٌ
يصِحُّ وقوفُ الإمامِ وَسَطَ المأمُومينَ، والسَّنةُ وقوفُه متقدِّمًا عليهم.
ويقفُ الرَّجلُ [الواحدُ عن يمينهِ
(فصلٌ)