(وحملُه (^١» إلى محلِّ دفنِها (ودفنُه، فرضُ كفايةٍ) إجماعًا. وفروضُ الكفاياتِ: إذا قامَ بها رجلٌ سقَطَ عن الباقين (^٢)، ثمَّ إذا فعَلَ الكلُّ ذلك، كان كلُّه فَرضًا. ذكرَه ابنُ عقيلٍ محلَّ وِفاقٍ. لقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١]، قالَ ابنُ عباسٍ: أكرَمَه بدفنِه. وقالَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾. أي: جامعةً للأحياءِ في ظهرِها بالمساكن، وللأمواتِ في بطنها بالقبورِ. والكفتُ: الجمعُ، وهو إكرامٌ للميِّتِ؛ لأنَّه لو تُرِكَ لأنتَنَ، وتأذَّى الناسُ بريحِه. وقد أرشَدَ اللهُ تعالى قابيلَ إلى دفنِ أخيه هابيلَ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١].
(لكن يسقُطُ الحملُ، والدَّفنُ، والتكفينُ بـ) فعلِ (الكافرِ)؛ لأنَّ فاعلَها لا يختصُّ بكونِه مِن أهلِ القربةِ.
(ويُكرَه أخذُ الأجرةِ على ذلك) لأنَّه يذهَبُ بالأجرِ (و) كذا يُكرَه أخذُ الأجرةِ (على الغَسلِ) والتكفينِ.
_________________
(١) في الأصل: "وحملها".
(٢) سقَطَت: "عن الباقين" من الأصل.
[ ١ / ٥٢٧ ]
وسنَّ كونُ الماشِي أمامَ الجَنَازةِ، والراكِبِ خلفَها. والقربُ منها أفضلُ.
ويكره القيامُ لها،
(وسُنَّ كونُ الماشي أمامَ الجنازةِ) لحديثِ ابنِ عمرَ: رأيْتُ النبيَّ - ﷺ - وأبا بكرٍ، وعمرَ، يمشون أمامَ الجنازةِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (^١). وعن أنسٍ نحوَه. رواهُ ابنُ ماجَه (^٢). ولأنَّهم شفعاؤُه.
(و) سُنَّ كونُ (الرَّاكبِ خلفَها) ولو راكبٍ سفينةً؛ لحديثِ المُغيرةِ بنِ شعبةَ مرفوعًا: "الرَّاكبُ خلفَ الجنازةِ". رواهُ الترمذيُّ (^٣)، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(والقُرْبُ منها أفضلُ) لأنَّها كالإمامِ.
وكُرِهَ لمتَّبعِ الجنازةِ ركوب لغيرِ حاجةٍ، كمرَضٍ، ومشقَّةِ طريقٍ، ولغيرِ عَوْدٍ؛ لحديثِ ثوبانَ قالَ: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ - ﷺ - في جنازةٍ، فرأى ناسًا رُكبانًا، فقالَ: "ألا تستحيون؟ إنَّ ملائكةَ اللهِ على أقدامِهم، وأنتم على ظهورِ الدَّوابِّ". رواه الترمذيُّ (^٤). وأمَّا العَوْدُ راكبًا لم يُكرَهْ، لحديثِ جابرِ بنِ سمُرَةَ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - تبعَ جنازةَ ابنِ الدَّحداحِ ماشيًا، ورجَعَ على فرسٍ (^٥). قالَ الترمذيُّ: صحيحٌ.
(ويُكرَهُ القيامُ لها) أي: الجنازةِ، إن جاءَت وهو جالسٌ، أو مرَّت به وهو جالسٌ؛ لحديثِ علي قال: رأينا رسولَ اللهِ - ﷺ -. قامَ فقُمْنا تبعًا له، وقعَدَ فقعَدْنا تبعًا
_________________
(١) أخرجه أحمدُ (١٠/ ٢٢٩) (٦٠٤٢)، وأبو داودَ (٣١٨١)، والترمذيُّ (١٠٠٧)، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٤٨٣).
(٣) أخرجه الترمذي (١٠٣١)، وصححه الألباني.
(٤) أخرجه الترمذي (١٠١٢)، وضعفه الألباني.
(٥) أخرجه مسلم (٩٦٥)، والترمذي (١٠١٤).
[ ١ / ٥٢٨ ]
ورفعُ الصَّوتِ معَها، ولو بالذِّكرِ، والقرآنِ.
له، يعني: في الجنازةِ. رواهُ مسلمٌ، وغيرُه (^١). وعن ابنِ سيرينَ قال: مُرَّ بجنازةٍ علَى الحسنِ بنِ عليٍّ وابنِ عباسٍ، فقامَ الحسنُ، ولم يقُمِ ابنُ عباسٍ، فقال الحسنُ لابنِ عباسٍ: أمَا قامَ لها رسولُ اللهِ - ﷺ -؟ قال ابنُ عباسٍ: قامَ ثمَّ قعَدَ. رواهُ النسائيُّ (^٢).
وعنه: يُستحبُّ القيامُ لها، ولو كانت كافرةً. نصرَه ابن أبي موسَى، واختارَه القاضي، وابنُ عقيلٍ، والشيخُ تقيُّ الدِّينِ، وصاحبُ "الفائقِ" (^٣)
(و) يُكرَهُ (رفعُ الصَّوتِ معَها) أي: الجنازةِ (ولو بالذِّكرِ والقرآنِ) لأنَّه بدعةٌ. ويُسنُّ القراءةُ والذِّكرُ سرًّا، وإلَّا الصَّمتُ.
ويُسنُّ لمتَّبعِ الجنازةِ أن يكونَ متخشِّعًا، متفكِّرًا في مآلِه، متعظًا بالموتِ، وبما يصيرُ إليه الميِّتُ.
ويُكرَهُ مسحُه بيدَيه أو بشيءٍ عليها تبرُّكًا. قال أبو المعالي: هو بدعةٌ يُخافُ منه على الميِّتِ. قال: وهو قبيحٌ في الحياةِ، فكذا بعدَ الموتِ. وفي "الفصولِ": يُكرَهُ. قال: ولهذا منَعَ أكثرُ العلماءِ مِن مسِّ القبرِ، فكيف بالجسَدِ؟!. ولأنَّه بعدَ الموتِ كالحياةِ، ثمَّ حالَ الحياةِ، يُكرَهُ أن يُصَرَّ بدنُ الإنسانِ؛ للاحترامِ وغيرِه، سوَى المصافحةِ. وروَى الخلَّالُ في "أخلاقِ أحمدَ": أنَّ عليَّ بنَ عبدِ الصَّمدِ الطيالسيَّ مسَحَ يدَه على أحمدَ (^٤) ثمَّ مسَحَها على يديهِ، وهو ينظُرُ! فغضِبَ شديدًا، وجعَلَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٦٢)، وأحمد (٢/ ٣٦٥) (١١٦٧).
(٢) أخرجه النَّسَائِيّ (١٩٢٥)، وصحح الألباني إسناده.
(٣) "للإنصاف" (٦/ ٢١٣).
(٤) سقطت من الأصل، والمثبت من "الفروع" ٣/ ٢٧٠.
[ ١ / ٥٢٩ ]
وسُنَّ أن يعمَّقَ القَبرُ، ويوسَّعَ بلا حَدٍّ، ويكفِي ما يمنعُ السِّباعَ والرائحَةَ.
وكُرِهَ: إدخالُ القبرِ خَشَبًا، وما مسَّتهُ نارٌ، ووَضعُ فِراشٍ تحتَه،
ينفُضُ يدَه، ويقولُ: عمَّن أخذْتُم هذا؟! أو أنكَرَه شديدًا (^١).
(وسُنَّ أن يعمَّقَ القبرُ، وُيوسَّعَ) القبرُ (بلا حدًّ)، على الصحيحِ؛ لقولِه ﵇ في قتلَى أُحُدٍ: "احفِروا، وأوسِعُوا، وأعمِقُوا" (^٢). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّ التعميقَ أبعدُ لظهورِ الرائحةِ، وأمنعُ للوحشِ. والتوسيعُ: الزيادةُ في الطُّولِ والعرضِ. والتعميقُ، بالعينِ المُهملَةِ: الزيادةُ في النزولِ.
وعنه: يُسنُّ إلى الصَّدرِ. وقال أكثرُ الأصحابِ: قامةً وبسطةً. قالَه في "الفروعِ". والبسطَةُ: الباعُ (^٣). وقال في "الإقناعِ" (^٤): وهي بَسْطُ يدِ قائمةً.
(ويكفي ما يمنَعُ السِّباعَ والرائحةَ) لأنَّه يحصُلُ به المقصودُ، ولأنَّه (^٥) لم يرِدْ فيه تقديرٌ.
(وكُرِهَ إدخالُ القبرِ خشبًا) إلَّا لضرورةٍ. (و) كُرِهَ إدخالُ (ما مسَّتْه نارٌ) كآجُرِّ. وكُرِهَ دفنٌ في تابوتٍ، ولو امرأةً
(و) كُرِهَ (وضعُ فراشٍ تحتَه) أي: الميِّتِ. روي عن (^٦) ابنِ عباسٍ: أنَّه كَرِهَ أن يُلقَى تحتَ الميِّتِ في القبرِ شيءٌ. ذكَرَه الترمذيُّ (^٧). وعن أبي موسَى: لا تجعلُوا
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٤/ ١٨٢).
(٢) أخرجه الترمذي (١٧١٣) من حديث هشام بن عامر. وصححه الألباني.
(٣) انظر "الإنصاف" (٦/ ٢١٨).
(٤) "الإقناعِ" (١/ ٣٦٤).
(٥) في الأصل: "لأنَّه".
(٦) سقطت: "عن" من الأصل.
(٧) أخرجه الترمذي عقب حديث (١٠٤٨).
[ ١ / ٥٣٠ ]
وجعلُ مِخدَّةٍ تحتَ رأسِهِ.
وسُنَّ قولُ مُدخلِهِ القبرَ: بسم اللَّه، وعلى مِلَّة رسولِ اللَّه.
بيني وبينَ الأرضِ شيئًا (^١).
والقطيفةُ التي وُضِعَت تحتَه ﵇، إنما وضعَها شُقْرانُ (^٢)، ولم يكُنْ عنِ اتفاقٍ مِنَ الصَّحابةِ.
(و) كُرِهَ (جعلُ مِخَدَّةٍ تحتَ رأسِه) نصًّا؛ لأنَّه غيرُ لائقٍ بالحالِ، ولم يُنقَلْ عنِ السَّلَفِ.
وسُنَّ أن يُجعَلَ تحتَ رأسِه لبِنَةٌ، فإن لم يُوجَدْ فحجَرٌ، فإن لم يُوجَدْ فقليلٌ من تُرابٍ؛ لأنَّه أشبَهُ بالمِخَدَّةِ للنائمِ، ولئلَّا يميلَ رأسُه. ولا يُجعَلُ آجرَّةٌ؛ لأنَّه ممَّا مسَّتْه النارُ. ويُزالُ الكفَنُ عن خدِّه (^٣) ويُلصَقُ بالأرضِ؛ لأنَّه أبلَغُ في الاستكانةِ. قال عمَرُ: إذا أنا مِتُّ، فأفضُوا بخدِّي إلى الأرضِ (^٤).
(وسُنَّ قولُ مُدخِله) أي: الميِّتِ (القبرَ: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "إذا وضعْتُم موتاكم في القبرِ، فقولوا: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ". رواهُ أحمدُ (^٥). وإنْ قرأَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، أو أتَى بذكرٍ أو دُعاءٍ لائقٍ عندَ وضعِهِ وإلحادِهِ، فلا بأسَ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٢/ ٣١٧) (١٩٥٤٧).
(٢) أخرجه الترمذي (١٠٤٧) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه. وصححه الألباني.
(٣) في الأصل: "جسده".
(٤) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (٣١٢٢).
(٥) أخرجه أحمد (٨/ ٤٢٩) (٤٨١٢)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٨٣٢).
[ ١ / ٥٣١ ]
ويجبُ أن يَستَقبِلَ به القبلَةَ، ويُسنُّ عَلَى جَنبِه الأيمَنِ.
ويحرُم دفنُ غيرِه عليه، أو معَه، إلَّا لضَرورَةٍ.
وسُنَّ حثوُ الترابِ عليه ثلاثًا، ثمَّ يُهالُ.
واستحَبَّ الأكثرُ تلقينَهُ بعدَ الدَّفْنِ.
(ويجبُ أن يَستقبلَ به) أي: الميتِ (القبلةَ) لقولِه ﵇ في الكعبةِ: "قِبلتَكم أَحياءً وأمواتًا" (^١). ولأنَّه طريقةُ المسلمين بنقلِ الخلَف عنِ السَّلَفِ.
وينبغي أن يُدنَى منَ الحائطِ، لئلَّا ينكبَّ على وجهِهِ، وأن يُسنَدَ مِن ورائِه بتُرابٍ، لئلَّا ينقلِبَ. ويُتعاهَدُ خِلالُ اللَّبِنِ بسدِّه بالمدَرِ ونحوِه، ثمَّ يُطيَّنُ فوقَه.
(ويُسنَّ على جنبِه الأيمنِ) لأنَّه يُشبِهُ النَّائمَ.
(ويحرُمُ دفنُ غيرِه عليه) أي: ميتٍ آخرَ (أو معَهُ) أي: يحرُمُ الدَّفنُ معه في لحدٍ واحدٍ؛ لأنَّه ﵇ كان يدفِنُ كلَّ ميتٍ بقبرٍ. ولا فرقَ بينَ المحارمِ وغيرِهم (إلَّا لضرورةٍ) أو حاجةٍ، ككثرةِ الموتَى بقتلٍ، أو غيرِه، فيجوزُ دفنُ اثنين فأكثرَ، في قبرٍ واحدٍ؛ للعُذرِ. وسُنَّ حجزٌ بينَهما بترابٍ يفصلُ بينَهما، ولا يكفي الكفنُ.
(وسُنَّ حثوُ الترابِ عليه) أي: الميتِ (ثلاثًا) باليدِ (ثمَّ يُهالُ) عليه الترابُ (^٢)؛ لحديثِ أبي هريرةَ قال فيه: فحثَى عليه مِن قِبَلِ رأسِه ثلاثًا. رواهُ ابنُ ماجَه (^٣).
(واستحبَّ الأكثرُ تلقينَه بعدَ الدَّفْنِ) أي: الميتِ؛ لحديثِ أبي أمامةَ الباهليِّ قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إذا ماتَ أحدُكم، فسوَّيتُم عليه التُّرابَ، فليقُمْ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٧٧) من حديث عبيد بن عمير عن أبيه. وحسنه الألباني.
(٢) في الأصل: "السلام". والمثبت من "دقائق أولى النهى" ٢/ ١٣٩.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٦٥)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٥٣٢ ]
وسُنَّ رشُّ القبرِ بالماءِ، ورفعُهُ قدرَ شِبرٍ.
أحدكم (^١) على رأسِ قبرِه، تمَّ ليقُلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ، فإنه يسمعُ ولا يجيبُ. تمَّ ليقُلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ (^٢)، فإنَّه يستوي قاعدًا، ثم ليقُلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ، فإنَّه يقولُ: أرشِدْنا يرحمْكَ اللهُ. ولكن لا تَسمعُون. فيقولُ: اذكُز ما خرجْتَ عليه منَ الدنيا، شهادةَ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّكَ رضيتَ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا. فإنَّ مُنكرًا ونكيرًا يقولان: ما يُقعدنا عندَه وقد لُقِّنَ حُجَّتَه؟ ". قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، فإن لم يعرفِ اسمَ أُمِّه؟ قال: "فلينسِبَه إلى حوَّاءَ" (^٣). رواهُ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ في "الشَّافي". ويُؤيِّدُه حديثُ: "لقِّنوا موتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ" (^٤).
وظاهرُه: لا فرقَ بينَ الصغيرِ وغيرِه، بناءً على نزولِ المَلَكَيْنِ إليه. ورجَّحَه في "الإقناعِ"، وصحَّحَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ. وخصَّه بعضُهم بالمُكلَّفِ.
(وسُنَّ رشُّ القبرِ بالماءِ) بعدَ وضعِ الحصباء (^٥) عليه؛ لما روَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيهِ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - رشَّ على قبرِ ابنِه إبراهيمَ ماءً، ووضَعَ عليه الحصْباءَ. رواهُ الشافعيُّ (^٦). ولئلَّا يذهبَ تُرابُه. والحصْباءُ: صغارُ الحصَى.
(و) سُنَّ (رفعُه قَدْرَ شبرٍ) ليُعرَفَ أنَّه قبرٌ، فيُتوَقَّى، ويُترَّحمُ على صاحبِه. وروَى
_________________
(١) سقطت: "أحدكم" من الأصل.
(٢) سقطت: "فإنه يسمع ولا يجيب ثمَّ ليقلْ: يا فلانَ بنَ فلانةَ" من الأصل.
(٣) أخرجه الطبراني (٧٩٧٩)، وضعفه الألباني في "الإرواء" (٧٥٣).
(٤) أخرجه مسلم (٩١٦) من حديثِ أبي سعيدٍ الخدري.
(٥) في الأصل: "الحصا".
(٦) أخرجه الشافعي في "مسنده" ص (٣٦٠)، وضعفه الألباني في "الإرواء" (٧٥٥).
[ ١ / ٥٣٣ ]
ويُكره: تَزويقُه، وتَجصِيصُه، وتبخِيُره، وتقبيلُه، والطوافُ به، والاتكاءُ إليه، والمَبيتُ والضَّحِكُ عِندَهُ،
الشافعيُّ عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - رُفِعَ قبرُه عنِ الأرض قَدْرَ شبر (^١). ويُكرَهُ رفعُه فوقَ شبرٍ؛ لقولِه ﵇ لعلي: "لا تدَعْ تمثالًا إلَّا طمسْتَه، ولا قبرًا مُشرِفًا إلَّا ساويتَه" رواهُ مسلمٌ وغيرُه (^٢). والمُشرِفُ: ما رُفِعَ كثيرًا، لقولِ القاسمِ بنِ محمدٍ في صفةِ قبورِ النبيِّ - ﷺ - وصاحبَيهِ: لا مُشرِفَةٍ، ولا لاطِئَةٍ
(ويُكرَهُ تَزويقُه) أي: القبرِ (و) يُكرَهُ (تجصيصُه، و) يُكرَهُ (تبخيرُه، و) يُكرَهُ (تقبيلُه، و) يُكرَهُ (الطَّوافُ به (^٣)، و) يُكرَهُ (الاتَّكاءُ إليه (^٤» لما رُوِيَ أنَّه ﵇: رأى رجلًا قد اتَّكأَ على قبرٍ، فقال: "لا تُؤذِ صاحبَ القبرِ" (^٥).
(و) يُكرَهُ (المبيتُ) عندَه (و) يُكرَهُ (الضَّحكُ عندَه) والتبسُّمُ. (و) يُكرَهُ
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٣/ ٤١٠) قال الألباني في "أحكام الجنائز" ص (١٥٣): وإسناده حسن.
(٢) أخرجه مسلم (٩٦٩)، وأحمد (٢/ ١٤١) (٧٤١).
(٣) ينبغي حمل الكراهة هنا على التحريم؛ لورود النهي الصريح عن مثل ذلك كما في حديث جابر عند مسلم (٩٧٠) من النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه. ونحوه من النصوص الدالة على النهى عن الغلو في القبور واتخاذها أعيادًا. قال الشيخ تقي الدين: فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي - ﷺ -، ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين. "مجموع الفتاوى" (٢٧/ ١٠). وقال ابن "القيم: فمن مفاسد اتخاذها أعيادًا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها. "إغاثة اللهفان" (١/ ١٩٥).
(٤) في الأصل: "عليه".
(٥) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥١٥) من حديث عمرو بن حزم. وضعفه الألباني في "الإرواء" (٧٥٨).
[ ١ / ٥٣٤ ]
والحديثُ في أمرِ الدُّنيا، والكتابةُ عليه، والجلوسُ، والبِنَاءُ، والمشيُ بالنَّعْلِ، إلا لخَوفِ شَوكٍ ونحوِه.
ويحرُمُ إسراجُ المقابِرِ،
(الحديثُ) عندَه (في أمرِ الدنيا، و) يُكرَهُ (الكتابةُ عليه) أي: القبرِ (و) يُكرَهُ (الجلوسُ) عليه (و) يُكرَهُ (البناءُ) عليه مِن قُبَّةٍ وغيرِها؛ لحديثِ جابرٍ قال: نهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أن يُجصَّصَ القبرُ، وأن يُبنَى عليه، وأن يُقعَدَ عليه. رواهُ مسلمٌ، والترمذيُّ (^١). وزادَ: وأن يُكتبَ عليه. وقال: حسنٌ صحيحٌ.
(و) يُكرَهُ (المشيُ بالنَّعلِ) وسُنَّ خلعُه إذا في خَلَ المقبرَةَ؛ لحديثِ بشيرِ بنِ الخَصَاصيَّةِ، قال: بينَا أنا أُماشي رسولَ اللهِ - ﷺ - إذا رجُلٌ يمشي في القبورِ، عليه نعلانِ فقالَ له: "يا صاحبَ السِّبتيَّتيْنِ، ألقِ سبْتيَّتيْك". فنظَرَ الرجلُ، فلمَّا عرَفَ رسولَ اللهِ - ﷺ -، خلَعَهما، فرمَى بهما. رواهُ أبو داودَ (^٢). وقال أحمدُ: إسنادُه جيدٌ. واحترامًا لأمواتِ المسلمين (إلَّا لخوفِ شوْكٍ) أو نجاسةٍ، أو حرارةِ أرضٍ، أو بردِها، فلا يُكرَهُ، للعُذرِ. ولا يُسنُّ خلعُ خُفِّه؛ لأنَّه يشُقُّ. وعن أحمدَ: أنَّه كان إذا أرادَ أن يخرُجَ إلى الجنازةِ لبَسَ خفَّيهِ. فلا يُكرَهُ المشيُ بينَ القبورِ بخُفٍّ؛ لأنَّه ليس بنعلٍ ولا في معناه. وأمَّا وطءُ القبرِ فمكروهٌ مُطلقًا.
(ويحرُمُ إسراجُ المقابرِ) لحديثِ: "لعَنَ اللهُ زوَّراتِ القبورِ، والمتَّخِذينَ عليها المساجدَ، والسُّرُجَ" رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ (^٣) بمعناه (^٤). ولأنَّه إضاعةُ مالٍ. بلا
_________________
(١) أخرجه مسلمٌ (٩٧٠)، والترمذيُّ (١٠٥٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٣٢)، وصححه الألبانى.
(٣) أخرجه أبو داودَ (٣٢٣٨)، والنسائيُّ (٢٠٤٣)، وضعفه الألباني.
(٤) في الأصل: "لمعناه".
[ ١ / ٥٣٥ ]
والدَّفنُ بالمسَاجِدِ، وفِي مِلكِ الغَيرِ، ويُنبَشُ.
والدَّفنُ بالصَّحراءِ أفضلُ.
وإن ماتتِ الحَاملُ، حَرُمَ شَقُّ بطنِها، وأخرجَ النِّساءُ من تُرجَى حياتُه، فإن تعذَّرَ، لم تُدفَن حتَّى يمُوتَ، وإن خَرَجَ بعضُه حيًّا، شُقَّ للبَاقِي.
فائدةٍ، ومغالاةٌ في تعظيمِ الأمواتِ، يُشبِهُ تعظيمَ الأصنامِ.
(و) يحرُمُ (الدَّفنُ بالمساجدِ) والمدارسِ. (و) جرُمُ الدَّفنُ (في مِلكِ الغَيرِ) ما لم يأذَنْ مالِكُه فيه فيُباحُ. (ويُنبَشُ) مَن دُفِنَ به، ويخرجُ. نصًّا
(والدَّفنُ بالصَّحراءِ (^١) أفضلُ) مِن دفنٍ بعُمرانَ؛ لأنَّه ﵇ كان يدفِنُ أصحابَه بالبقيعِ. ولم تزَلِ الصَّحابةُ والتابعون ومَنْ بعدَهم يُقبَرُون في الصَّحاري؛ ولأنَّه أشبَهُ بمساكنِ الآخرةِ.
(وإن ماتَتِ الحاملُ) بمَن تُرجَى حياتُه (حرُمَ شقُّ بطنِها) للحملِ، مسلمةً كانَت أو ذميَّةً؛ لأنَّه هتْكُ حرمةٍ مُتيقَّنةٍ، لإبقاءَ حياةٍ مُتوهَّمةٍ؛ إذِ الغالبُ أنَّ الولدَ لا يعيشُ. واحتجَّ أحمدُ بحديث عائشةَ مرفوعًا: "كسرُ عظمِ الميِّتِ، ككسرِ عظمِ الحيِّ". رواهُ أبو داودَ (^٢). (وأخرَجَ النساءُ مَن تُرجَى حياتُه) بأن كان يتحرَّكُ حركةً قويَّةً، وانفتحَتِ المخارجُ، وله ستَّةُ أشهرٍ فأكثرَ. (فإن تعذَّرَ) عليهنَّ إخراجُه (لم تُدفَنْ حتَّى يموتَ) الحملُ، لحرمتِه. ولا يُشقُّ بطنُها، ولا يُوضَعُ عليه ما يموِّتُه ولا يُخرجُه الرِّجالُ؛ لما فيه مِن هتكِ حُرْمتِها. (وإن خرَجَ بعضُه) أي: الميتِ (حيًّا، شُقَّ) بطنُها، لخروجِ (الباقي) لتيقُّنِ حياتِه بعدَ أن كانَت موهومةً.
_________________
(١) في الأصل: "في الصحراء".
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٠٧)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٥٣٦ ]
فَصْلٌ
تُسَنُّ تعزيةُ المُسلِمِ إلى ثلاثَةِ أيَّامٍ.
فيقالُ له: أعظمَ اللَّهُ أجرَكَ، وأحسَنَ عزاءَكَ، وغفَرَ لميِّتِكَ.