وهي (^١): أن ينوي، ثم يُسمِّيَ، ويغسلَ كفَّيهِ، ثم يتمضمضُ ويستنشِقُ، ثم يغسِلُ وجهَهُ مِنْ منابتِ شعرِ الرأسِ المعتادِ،
بعضَ أعضائِه بنيةِ الوضوءِ، وبعضَها بنيةِ التبرُّدِ، ثم أعادَ ما غسلَه بنيةِ التبردِ بنيةِ الوضوءِ، أجزأَ، ما لم يطلِ الفصلُ.
وعُلِمَ مما تقدَّمَ: أنَّه لو أبطلَ النيةَ في أثناءِ طهارتِه، بطلَ ما مضى منها. قال في "الإنصاف": على الصحيحِ من المذهبِ. اختارَه ابنُ عقيلٍ، والمجدُ في "شرحِه"، وقدَّمه في "الرعايتين" و"الحاويين". وقيل: لا يَبطلُ ما مَضَى منها. جزمَ به المصنِّفُ في "المغني". انتهى (^١).
(فصلٌ في صفةِ الوضوءِ)
أي: كيفيتِه الكاملةِ (وهي: أن يَنوي) رفعَ الحدثِ، أو (^٢) استباحةَ نحوِ صلاةٍ، أو الوضوءَ لها
(ثم يُسمِّيَ) فيقولُ: بسمِ اللهِ. لما تقدَّمَ. وعُلمَ منه: أنه يجبُ تقديمُ النيةِ على التسميةِ، فلو قَدَّمَ التسميةَ، لَمْ يُعتدَّ (بها ويغسلَ كفَّيه) ثلاثًا.
(ثم يتمضمضُ) ثلاثًا (ويستنشقُ (^٣» ثلاثًا (ثمَّ يَغسلُ وجهَه) ثلاثًا. وحَدُّه: (مِن منابتِ شعرِ الرأسِ المعتادِ) غالبًا، فلا عِبرةَ بالأفرعِ، بالفاء: الذي ينبتُ شعرُه في
_________________
(١) "الإنصاف" (١/ ٣٢٠).
(٢) سقطت: "أو" من الأصل.
(٣) في الأصل: "ثم يستنشق".
[ ١ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعضِ جبهتِه، ولا بالأجلحِ: الذي انحسرَ شعرُه عن مقدَّمِ رأسِه، إلى النازلِ مِن اللَّحيينِ -بفتح اللام وكسرها، وهما: عظمانِ في أسفلِ الوجهِ- والذَّقَنِ، وهو: مجمعُ اللحيةِ. طولًا. فيجبُ غسلُ ذلك مع مُستَرسِلِ شعرِ اللِّحيةِ طولًا، وما خرجَ منه عن حدِّ الوجهِ عرضًا؛ لأنَّ اللحيةَ تشاركُ الوجهَ في معنى التوجُّهِ والمواجهةِ، بخلافِ ما نزلَ من الرأسِ.
وحَدُّ الوجهِ عرضًا: من الأُذنِ إلى الأذنِ. وهو ما بينَ الأذنين، وهما ليسا منه. وأمَّا إضافتُهما إليه في قولِه -ﷺ-: "سجدَ وجهي للذي خلقَهُ وصوَّرَه، وشقَّ سمعَه وبصرَه". رواه مسلمٌ (^١). فللمجاورةِ. ولم يُنقلْ عن أحدٍ ممَّنْ يُعتدُّ به أنَّه غسلَهُما مع الوجهِ
فيدخلُ فيه عِذارٌ، وهو: شعرٌ نابتٌ على عظمِ الذقنِ ناتيءٍ يحاذي صِماخَ الأذنين.
ويدخلُ فيه (^٢) عارضٌ، وهو: ما تحتَ العِذارِ إلى الذَّقنِ. قال الأصمعيُّ: ما جاوزَتْه الأذنُ: عارضٌ.
ولا يدخلُ فيه صُدغٌ، بضم الصاد، وهو: ما فوقَ العِذارِ يحاذي رأسَ الأذنِ، وينزلُ عنه قليلًا.
ولا تحذيفٌ، وهو: الخارجُ إلى طرفي الجبينِ في جانبيِ الوجهِ بينَ النَّزَعَةِ: ومنتهَى العِذارِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث عليٍّ.
(٢) سقطت: "فيه" من الأصل.
[ ١ / ١٠٣ ]
ولا يُجزئُ غَسلُ ظاهرِ شعرِ اللِّحيةِ، إلَّا أنْ لا يصفَ البشرةَ، ثم يغسِلُ يديه مع مِرفَقَيه، ولا يضُّرُ وسخٌ يسيرٌ تحتَ ظُفرٍ ونحوِه،
ولا يدخلُ النزعتان، وهما: ما انحسرَ عنه الشعرُ من جانبيِ الرأس (^١)، أي: جانبي مقدَّمِه.
"تتمةٌ": يُستحبُّ تعاهدُ المَفْصِلِ بالغَسلِ، وهو: ما بينَ اللِّحيةِ والأذنِ. نصًّا.
(ولا يجزئُ غسلُ ظاهرِ شعرِ اللحية إلا أن) يكونَ الشعرُ كثيفًا (لا يصفُ البشرةَ) فيجزئُه غسلُ ظاهرِه، لحصولِ المواجهةِ به دون البشرةِ تحتَه، فتعلَّقَ الحكمُ به. وفي "الرعاية": يُكرَهُ غسلُ باطنِها. وصحَّحه في "الإنصاف"، وتبعَه في "الإقناع" (^٢).
تتمةٌ: إن كان بعضُ الشعرِ كثيفًا، وبعضُه خفيفًا، وجبَ غسلُ بشرةِ الخفيفةِ، وظاهرِ الكثيفِ. قاله في "الشرح" (^٣).
قال في "الغاية" (^٤): ولا يَغسِلُ داخلَ عينٍ، بل يُكره. ولا يجبُ من نجاسةٍ، ولو أَمِنَ الضررَ. ويتَّجهُ احتمالٌ: ودَمعُه طاهرٌ. قاله العلامةُ الشيخُ مرعي.
(ثم يغسلُ يديه مع مرفقيه) ثلاثًا (ولا يضرُّ وسخٌ يسيرٌ تحتَ ظفرٍ ونحوِه) كداخلِ أنفِه؛ لأنَّ هذا مما (^٥) يكثرُ وقوعُه عادةً، فلو لمْ يصحَّ معه الوضوءُ لبيَّنه ﵊؛ إذ لا يجوزُ تأخيرُ البيانُ عن وقتِ الحاجةِ.
_________________
(١) في الأصل: "الوجه".
(٢) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ١١٢).
(٣) "الشرح الكبير" (١/ ٣٣٧).
(٤) "غاية المنتهى" (١/ ٧٥).
(٥) في الأصل: "إنَّما".
[ ١ / ١٠٤ ]
ثم يمسحُ جميعَ ظاهِرِ رأسِهِ من حدِّ الوجه إلى ما يُسمَّى قَفًا، والبياضُ فوقَ الأذُنين منهُ
وألحقَ به الشيخُ (^١): كلَّ يسيرٍ مَنَعَ الماءَ، كدمٍ وعجينٍ، في أي عضوٍ كان -ومَنْ خُلقَ بلا مِرفقٍ غَسلَ إلى قدرِه في غالبِ الناسِ-
قال الشيخُ منصورٌ في "حاشيتِه على المنتهَى" (^٢): ومِثلُه: ما يعلقُ بأصولِ الشعرِ من قَملٍ ونحوِه، وما يكونُ بشقُوقِ الرِّجل من الوسَخِ.
وممَّنْ (^٣) يشقُّ التحرزُ منه، كأربابِ الصنائعِ والأعمالِ الشاقَّةِ من الزراعةِ وغيرِها. اختارَهُنَّ في "التلخيص"، وأطلَقَهُنَّ في "الفروع".
(ثمَّ يمسحُ جميع (^٤) ظاهرِ رأسِه) بالماءِ، فلو مسحَ البشرةَ، لم يجزئ، كما لو غسلَ باطنَ اللحيةِ. ولا يمسحُ المسترسلَ، ولا يجزئُ ولو (^٥) ردَّه وعقَدَه على رأسِه؛ لأنَّه ليس منه. ومعَ فقدِ شعرٍ تُمسَحُ بشرةٌ، ومع فقدِ بعضٍ يُمسَحَانِ، وإن نزلَ عن مَنبَتِه ولم ينزلْ عن محلِّ فرضٍ فمسحَ عليه، أجزأَه، ولو كان ما تحته محلوقًا. ولا يُعفى عن تركِ شيءٍ من الرأسِ بلا مسحٍ، ولو للمشقَّةِ (^٦). وقال الكعبريُّ في كتابِه "المنهج": وعفَى بعضُهم عن تركِ بعضِه للمشقَّةِ. وتبعَه في "الإقناع".
وهو (مِن حدِّ الوجهِ إلى ما يُسمَّى قفَا، والبياضُ فوقَ الأذنين منه) يُمِرُّ ندْبًا
_________________
(١) مراده: الشيخ تقي الدين.
(٢) "إرشاد أولي النهى" (١/ ٦٣).
(٣) أي: ويصح الوضوء ممن يشق .. إلخ وانظر "الإنصاف" (١/ ٣٤٤).
(٤) سقطت: "جميع" من الأصل.
(٥) في الأصل: "لو".
(٦) انظر: "غاية المنتهى" (١/ ٧٥).
[ ١ / ١٠٥ ]
ويُدخِلُ سبَّابتيه في صِماخِ أذُنيه، ويمسحُ بإبهاميه ظاهرَهُما،
يديه من مقدَّمِه إلى قفَاه، واضعًا طرفَ إحدى (^١) سبَّابتيه على طرفِ الأُخرى، وإبهامَيه على صُدغَيه، ثمَّ يَردُّهما، ولو خافَ نشرَ شعرٍ، بماءٍ واحدٍ. مشَى عليه في "الإقناع"، وتبعَه في "الغاية" (^٢).
"فائدةٌ": لو مسحَ رأسَه، ثم حلقَه، أو غسلَ عضوًا، ثم قَطعَ منه جُزءًا أو جلدةً، لم يؤثِّرْ؛ لأنَّه ليس ببدلٍ عمَّا تحتَه. وإن تطهَّرَ بعدَ ذلك، غسَلَ ما ظهرَ.
وإن مسَحَ على معقوصٍ بمحلِّ الفرضِ، ولولا العقصُ (^٣) لنزلَ عنه، لم يجزئْه، لعروضِ العقصِ. ذكرَهُ المجدُ. وكذا لو مسحَ على مخضوبٍ بما يمنعُ وصولَ الماءِ إليه.
(ويُدخلُ سبَّابتيه في صِماخِ أذنيه، ويمسحُ بإبهاميه ظاهرَهُما) لما في النسائيِّ (^٤)، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ -ﷺ- مسحَ برأسِه وأذنيه، باطنَهما بالسبابتين، وظاهرَهما بإبهاميه.
قال في "الشرح" (^٥): ولا يجبُ مسحُ ما استترَ بالغضاريفِ؛ لأنَّ الرأسَ الذي هو الأصلُ لا يجبُ مسحُ ما استترَ منه بالشعرِ، فالأُذُنُ أَوْلَى. انتهى
_________________
(١) في الأصل: "أحد".
(٢) انظر: "الإقناع" (١/ ٤٤)، "غاية المنتهى" (١/ ٧٦).
(٣) العَقيصَة: الشعر المعْقُوص وهو نحوٌ من المضْفُور. وأصلُ العقْص: اللَّيُّ، وإدْخال أطْرَاف الشَّعر في أُصُوله. "النهاية" (عقص).
(٤) أخرجه النَّسَائِيّ (١٠٢). قال الألباني: حسن صحيح.
(٥) في الأصل: "شرح المصنف" وانظر "الشرح الكبير" (١/ ٣٥٣)، "معونة أولي النهى" (١/ ٢٧٢).
[ ١ / ١٠٦ ]
ثم يَغسِلُ رجليه مع كعبيه، وهما العظمان الناتئان.
والغضاريفُ: جمعُ غضروفٍ، وهو داخلُ قُوفِ (^١) الأُذنِ -بضم القاف- أي: أعلاها. أو مستدارُ سَمِّها. أي: خَرقِها.
"تنبيهٌ": لا يُسنُّ مسحُ العنقِ. قال في "الإنصاف" (^٢): وهو الصحيحُ من المذهبِ. وعنه: يُسنُّ. اختارَهُ في "الغنية"، وأبو البقاءِ، وابنُ الصيرفيِّ، وابنُ رزينٍ. وفاقًا لأبي حنيفةَ.
ويجزئُ المسحُ للرأسِ والأُذنِ على أيِّ كيفيةٍ، بيدِه، وبحائلٍ. قال في "الإنصاف" (^٣): والصحيحُ من المذهبِ: أنَّ المسحَ بحائلٍ يجزئُ مطلقًا. فيَدخُلُ في ذلك: المسحُ بخشبةٍ أو بخرقةٍ مبلولتين ونحوِهما.
ولا يجزئُ من غيرِ مسحٍ، ولا يجزئُ أيضًا غسلُهما من غيرِ مسحٍ. ولا يُستحبُّ تكرارُ مسحٍ.
(ثم يغسِلُ رجليه مع كعبيه) ثلاثًا، (وهما: العظمانِ الناتئانِ) أي: المرتفعانِ، اللذان في أسفلِ الساقِ من جانبي القدمِ. قال أبو عبيدٍ: الكعبُ: هذا الذي في أصلِ القدمِ مُنتهى الساقِ، بمنزلة كعابِ القنا (^٤). وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦] حجةٌ لذلك. أي: كلُّ رِجل تُغسَلُ إلى الكعبين. ولو أرادَ جميعَ الأرجلِ لذكره بلفظ الجمعِ، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المَائدة: ٦]
_________________
(١) في الأصل: "فوق".
(٢) "الإنصاف" (١/ ٢٩١).
(٣) "الإنصاف" (١/ ٣٤٦).
(٤) انظر: "معونة أولي النهى" (١/ ٢٤٧).
[ ١ / ١٠٧ ]