تَصِحُّ صلاةُ الخوفِ - إذا كانَ القتالُ مباحًا - حَضَرًا، وسَفَرًا.
ولا تأثيرَ للخوفِ في تغيِيِر عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلاةِ، بل
(فصلٌ في) صفةِ (صلاةِ الخوفِ) وأحكامِها
ومشروعيتُها بالكتابِ والسنةِ، وتخصيصُه ﵇ بالخطابِ، لا يقتضي اختصاصَه بالحكمِ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وأجمعَ الصَّحابةُ على فعلِها. وصلّاَها عليٌّ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ (^١).
وأمَّا تركُه لها ﵇ يومَ الخندقِ، فإمَّا أنَّه (^٢) كان قبلَ نزولِ الآيةِ، أو نسيانًا، أو لأنَّه لمْ يكنْ يومئذٍ قتالٌ يمنعُه من صلاةٍ الأمنِ.
إذا تقررَ هذا: فإنَّما (تصحُّ صلاةُ الخوفِ، إذا كان القتالُ مباحًا) أي: جائزًا، كقتالِ كفارٍ وأهلِ بغيٍّ ومحارِبين، لا يحرُمُ، كقتالِ أهلِ بغيِّ لأهلِ عدلٍ. لأنَّ الصَّلاةَ على غيرِ الهيئةِ المعروفةِ رخصةٌ، فلا تُستباحُ بالمحرَّمِ.
ولا يُشترطُ كونُ ذلك في السفرِ (حضرًا وسفرًا) لأنَّ المبيحَ وجودُ الخوفِ (ولا تأثيرَ للخوفِ في تغييرِ عددِ ركَعَاتِ الصَّلاةِ، بل) يؤثرُ الخوفُ
_________________
(١) أثر عليٍّ: ذكره البيهقي (٣/ ٢٥٢) بصيغة التمريض. وأثر أبي موسى: أخرجه الطبراني (١٥٧٠)، والبيهقي (٣/ ٢٥٢). وأثر حذيفة: أخرجه أبو داود (١٢٤٨).
(٢) سقطت: "أنه" من الأصل.
[ ١ / ٤٤٩ ]
في صِفَتِهَا وبعضِ شُروطِها.
وإذا اشتدَّ الخوفُ، صَلَّوا رِجَالًا ورُكْبانًا، للقِبلَةِ وغَيرِهَا، ولا يَلزمُ افتتاحُهَا إليهَا،
(في صفتِها) وتغييرِ هيئاتِ (^١) الصَّلاةِ (وبعضِ شروطِها) أي: شروطِ الصَّلاةِ (وإذا اشتدَّ الخوفُ) بأنْ تواصلَ الضربُ والطعنُ، والكرُّ والفرُّ، ولمْ يمكنْ تفريقُ القومِ، ولا صلاتُهم على ما يأتي، وحضرَ وقت الصَّلاةِ، لمْ تُؤَخَّرْ و(صلَّوا) وجوبًا جماعةً (رِجالًا ورُكْبانًا) متوجِّهين (للقبلةِ) إنْ أمكنَ (وغيرِها) أي: غيرِ القبلةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال ابنُ عمرَ: فإنْ كان خوفٌ أشدَّ من ذلك، صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامِهم، ورُكبانًا، مُستقبلي القبلةِ وغيرِ مستقبليها. متفقٌ عليه (^٢). زاد البخاريُّ. قال نافعٌ: ما أرى ابنَ عمرَ قال ذلك إلا عن النبيِّ - ﷺ -. ورواه ابنُ ماجه (^٣) مرفوعًا.
ولأنَّه - ﷺ - صلَّى بأصحابِه في غيرِ شدَّةِ الخوفِ، وأمرَهُم بالمشي إلى وِجاهِ العدوِّ، وهم في الصَّلاةِ، ثمَّ يعودون لقضاءِ ما بقيَ من صلاتِهم، وهو مشيٌ كثيرٌ، وعملٌ طويلٌ، واستدبارُ القبلةِ، فمعَ شدَّةِ الخوفِ أَوْلى. وهذا هو الصحيحُ من المذهبِ (^٤)
(ولا يلزمُ) المصلِّي في هذه الحالةِ (افتتاحُها) أي: الصَّلاةِ (إليها) أي: إلى
_________________
(١) في الأصل: "هيهات".
(٢) أخرجه البخاري (٤٥٣٥)، ومسلم (٨٣٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٥٨)، وصححه الألباني.
(٤) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣١٤).
[ ١ / ٤٥٠ ]
ولو أمكَنَ، يُومِئُونَ طَاقَتَهُم.
وكذا في حالةِ الهَرَبِ مِنْ عدُوِّ، أو سَيلٍ أو سَبُعٍ، أو نَارٍ، أو غَرِيمٍ ظالِمٍ، أو خَوفِ فَوتِ وَقتِ الوقُوفِ بعَرفَةَ،
القبلةِ (ولو أمكنَ) المصلِّي ذلك. (يُومِئُونَ) بالركوعِ والسجودِ حسَبَ (طاقتِهم) أي: بقدرِ ما يُطيقون. ويكونُ سجودُهم أخفضَ من ركوعِهم.
(وكذا) أي: وكحالةِ شدَّةِ الخوفِ السابقةِ في فعلِ الصَّلاةِ وحُكمِها: (في حالةِ الهَربِ) المباحِ؛ احترازًا عن الهربِ المحرَّم (^١) كالعاصي به، فهربُه كمَنْ يهربُ من حقٍّ عليه قادرٌ على وفائِه، وكذا قاطعُ الطريقِ، والسارقُ، فليس لهم أنْ يصلّوها كذلك؛ لأنَّها رخصةٌ
(من عدوٍّ) يَطلبُه، فإنَّ له ذلك. أي: بأنْ يكونَ الكفارُ أكثرَ من مثلي (^٢) المسلمين، وإلا فليس له أنْ يصلِّيَها كذلك
(أو سيلٍ) هربَ منه، (أو) هربَ من (سَبُعِ) بضمِّ الباءِ وسكونِها: حيوانٌ معروفٌ، وقدْ يُطلقُ على كلِّ حيوانٍ مفترسٍ. ولعَلَّه المرادُ هنا.
(أو) هرَبَ من (نارٍ، أو) هربَ من (غريمِ ظالمِ) أي: ربِّ دينٍ يريدُ أنْ يحبسَه وهو معسرٌ. فلو كان بحقِّ وهو قادرٌ على وفَائِه، لَمْ يجزْ
(أو خوف (^٣) فوتِ وقتِ الوقوفِ بعرفةَ) يعني: أنَّه إذا قصدَ المُحْرِمُ عرفاتٍ ليلًا، وبقيَ من وقتِ الوقوفِ مقدارٌ. أمَّا إنْ صلَّاها فيه على الأرضِ، فاتَه الوقوفُ،
_________________
(١) في الأصل: "المحرب".
(٢) سقطت: "مثلي" من الأصل.
(٣) في الأصل: "خاف".
[ ١ / ٤٥١ ]
أو خافَ على نفسِهِ، أو أهلِه، أو مالِه، أو ذَبٍّ عن ذلِكَ، وعن نَفسِ غَيرِهِ.
وإنْ خافَ عدوًا إنْ تخلَّفَ عن رُفقَتِه، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثمَّ بان أمنُ الطريقِ، لم يُعِدْ.
فإنَّه يصلِّيها صلاةَ خائفٍ، وهو ماشٍ؛ حرصًا على إدراكِ الحجِّ في حقِّ المُحْرِمِ؛ لأنَّ
الحج في حقِّ المحرِم (^١) كالشيءِ الحاصلِ، والفواتَ طارئٌ عليه، ولأنَّ الضررَ الذي يلحقه بفواتِ الحجِّ لا ينقصُ عن الضررِ الحاصلِ من الغريمِ الظالمِ في حقِّ المدِينِ المعسرِ؛ بخوفِه من حبسِه إيَّاه أيَّامًا (أو خافَ على نفسِه، أو) خافَ على (أهلِه) يعني: أنَّ مَنْ خافَ على نفسِه، أو أهلِه (أو مالِه) إنْ تركَ الصَّلاةَ على هيئتِها في شدَّةِ الخوفِ، فإنَّ له أن يصلِّيَ صلاةَ شدَّةِ الخوفِ من أجلِ ذلك؛ لدخولِ ذلك كلِّه في عمومِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ٣]، أو خافَ على مالِه كذلك
(أو ذبٍّ عن ذلك) أي: عن نفسِه، أو أهلِه، أو مالِه (وعن نفسِ غيرِه) يعني: أنَّ له أنْ يصلِّيَ صلاةَ شدَّةِ الخوفِ؛ من أجلِ منعِه الصائلَ عن نفسِه، أو أهلِه، أو مالِه، أو نفسِ غيرِه؛ لقتالِ الصائلِ على شيءٍ من ذلك؛ لأنَّ قتالَ الصائلِ على ذلك إمَّا واصما، أو مباحٌ، وكلاهما مبيحٌ للصَّلاةِ على هذه الهيئةِ. فإنْ كانتِ الصَّلاة التي صلَّاها الخائفُ في شدَّةِ الخوفِ لسوادٍ ظنَّه عدوًّا، كأثلٍ وشجرٍ، أو دونَه مانعٌ يمنعُه من مجيئِه إليه، كالبحرِ والنَّارِ والحصنِ، أعادَ الصَّلاةَ التي صلَّاها صلاةَ خائفٍ.
(وإنْ خافَ عدوًا إنْ تخلَّفَ عن رُفقتِه، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثمَّ بانَ) له (أمنُ الطريقِ) فإنَّه لا إعادةَ عليه، وإليه أشارَ بقولِه: (لمْ يُعِدِ) الصَّلاةَ
_________________
(١) سقطت: "لأنَّ الحج في حقِّ المحرِم" من الأصل. وانظر (كشاف القناع) (٣/ ٣١٦).
[ ١ / ٤٥٢ ]
ومن خافَ أو أمِنَ في صلاتِه، انتقلَ وبَنَى.
ولمُصَلٍّ كرٌّ وَفرٌّ لمصلَحَةٍ. ولا تبطُلُ بُطولِه.
وجاز لحاجةٍ حملُ نَجَسٍ، ولا يُعيد.
(ومَنْ خافَ، أو أمِنَ في صلاته، انتقلَ وبَنى) يعني: أنَّ مَنْ دخلَ في صلاةٍ وهو آمِنٌ، ثمَّ طرأ له في أثنائِها خوفٌ، أكملَها على هيئةِ صلاةِ الخوفِ، وبنى على ما مضى منها على هيئةِ صلاةِ الأمنِ، وإنْ دخلَ فيها وهو خائفٌ، ثمَّ أمِنَ فيها، أكملَها على هيئةِ صلاةِ الأمنِ، وبَنى على ما مضَى منها على هيئةِ صلاةِ الخائفِ؛ لأنَّ بناءَه في الصُّورتينِ على صلاةٍ صحيحةٍ، كما لو ابتدأَها صحيحًا فمرِضَ في أثنائِها، أو ابتدأها مريضًا فعُوفي في أثنائِها.
(ولمصلٍّ كرٌّ وفرٌّ لمصلحةٍ) وعندَ الحاجةِ. وكذا التقدُّمُ والتأخرُ، والطعنُ والضربُ (ولا تبطلُ) الصَّلاةُ (بطولِى) بخلافِ فعل لا يتعلَّقُ بالقتالِ، فإنَّ حكمَه فيه حكمُ الأمنِ. وكذا في الكلامِ، فمتى صاحَ فبانَ حرفان، بطلتْ؛ لأنَّه لا حاجةَ إلى الكلامِ في الحربِ، بلْ سكوتُ المقاتلِ أهيبُ في نفوسِ الأقرانِ
(وجازَ لحاجةٍ حملُ نجَسٍ) ولو غيرَ معفوٍّ عنه في غيرِها، من عظمٍ، أو جلدٍ، أو عصبٍ، أو ريشٍ، أو شعرٍ، ونحوِه، كسلاحٍ عليه الدمُ، ولو كان كثيرًا، (ولا يعيدُ) أي: ولا يلزمُه إعادةُ الصَّلاةُ.
* * *
[ ١ / ٤٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصلٌ في صفةِ صلاةِ الخوفِ
قال أحمدُ رضي اللَّه تعالى عنه: صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - صلاةُ الخوفِ من خمسةِ أوجهٍ، أو ستَّةٍ. وقال في روايةٍ أخرى: من ستَّةِ أوجهٍ أو سبعةٍ. قال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: تقولُ بالأحاديثِ كلِّها، أمْ تختارُ واحدًا منها؟ قال: أنا أقولُ: مَنْ ذهبَ إليها كلِّها فحسن، وأمَّا حديثُ سهلٍ، فأنا أختارُه. وسيأتي التنبيهُ على علةِ اختيارِه له.
الوجهُ الأوَّلُ: إذا كان العدوُّ جهةَ القبلةِ يراه المسلمون، ولمْ يُخَفْ - بالبناء للمفعول - كمينٌ يأتي من خلفِ المسلمين، صَفَّهم الإمامُ صفَّين فأكثرَ، وأحرَمَ بالجميعِ، فإذا سجدَ الإمامُ، سجدَ معه الصفُّ المقدَّمُ، وحرسَ الصفُّ الآخرُ، حتى يقومَ الإمامُ إلى الركعةِ الثانيةِ، فيسجدُ الصفُّ الذي حرسَ، ويلحقُ الإمامَ.
ثمَّ الأَوْلى في هذا الوجهِ: تأخيرُ الصفِّ المقدَّمِ الذي سجدَ مع الإمامِ، وتقدُّمُ الصفِّ المؤَخَّرِ الذي سجدَ بعد الإمامِ، ولحِقَه.
ثمَّ في الركعةِ الثانيةِ يسجدُ معه الذي حرسَ في الركعةِ الأُولى، ويحرسُ السَّاجدُ معه أولًا، أي: في الركعةِ الأُولى، ثمَّ يلحقُ الإمامَ في التشهدِ، فيسلِّمُ الإمامُ بجميعِهم، أي: جميعِ الصفوفِ. وهذا الوجهُ رواه جابرٌ (^١).
الوجهُ الثاني: إذا كان العدوُّ بغيرِ جهةِ القبلةِ، أو بجهةِ القبلةِ ولمْ يرَهُ المسلمون، قسَمَ الإمامُ الجيعقَ طائفتَين، تكفي كلُّ طائفةٍ من الطائفتين العدوَّ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤١٣٠)، ومسلم (٨٤٠).
[ ١ / ٤٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تكونُ منهما طائفة بحذاءِ العدوِّ؛ تحرسُ المسلمين، وهي - بحذاءِ العدوِّ تحرسُ - مُؤتمَّةٌ، أي: في حكم المؤتمَّةِ به، أي: بالإمام، في كل صلاة الإمام، من أوَّلها إلى آخرِها. فمتى سها الإمامُ في الركعةِ الأُولى، أو فيما بعدَها، فإنَّها تسجدُ معه لسهوِه في ذلك، لا لسهوِهم إنْ سهَوْا معه في شيءٍ من صلاتِهم.
والطائفةُ الأخرى يصلِّي بها ركعةً، وهي - التي يصلِّي بها الركعةَ الأُولى - مؤتمةٌ به فيها، أي: في الركعةِ الأُولى [فقط، فمتى سها فيها فإنها تسجد لسهوه أي: سهو الإمام فيها أي: الركعة الأولى] (^١)، إذا فرغَتْ ممَّا أتمَّته (^٢) من صلاتِها بعدَ أنْ تُفارقَ الإمامَ.
إذا تقرَّرَ هذا: فإذا صلَّى بإحدَى الطائفتين ركعة ثم استتم قائمًا إلى الركعة الثانية، نوت (^٣) الطائفةُ التي صلَّى بها الركعةَ الأُولى المفارقةَ للإمامِ، وأتمَّتِ الصَّلاةَ منفردةً لنفسِها، وسلَّمتْ، ومضتْ تحرسُ مكانَ الطائفةِ التي كانت تحرسُ أولًا.
ويُبطِلُ صلاةَ الطائفةِ التي صلَّتْ معه الركعةَ الأُولى: مفارقَتُها للإمامِ قبل قيامِه إلى الركعةِ الثانيةِ بلا عذرٍ لها في مفارقتِه.
وحيثُ فارقتْه على أيِّ وجهٍ كان، فإنَّه يطيلُ قراءتَه في الركعةِ الثانيةِ حتى تحضُرَ الطائفةُ الأخرى التي كانتْ تحرسُ، فتصلِّي معه الركعةَ الثانيةَ. وإذا فرغَ من الركعةِ الثانيةِ وجلسَ للتشهدِ انتظرَها، يكورُ التشهُّدَ حتى تأتيَ بركعةٍ، وحتى تتشهدَ،
_________________
(١) سقط ما بين المعكوفين من الأصل. والمثبت من "معونة أولي النهى" (٢/ ٤٤٧).
(٢) في الأصل: "أتمه".
(٣) سقطت: "الطائفتين ركعة ثم استتم قائمًا إلى الركعة الثانية، نوت" من الأصل والمثبت من "معونة أولي النهى" (٢/ ٤٤٧).
[ ١ / ٤٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيسلِّمُ بها، ولا يسلِّمُ قبلَهم.
وإنْ أحبَّ الإمامُ أنْ يصلِّيَ على هذه الصفةِ مع رؤيةِ العدوِّ من جهةِ القبلةِ، جازَ له ذلك.
وإن انتظرَ الإمامُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا، بلا عذرٍ له في الجلوسِ، وائتمَّتْ به، مع العلمِ ببطلانِ صلاتِه؛ لإتيانِه بجلوسٍ في غيرِ محلِّه من غيرِ عذرٍ، بطلتْ صلاتُهم.
ويجوزُ أنْ تتركَ الطائفةُ الحارسةُ الحراسةَ بلا إذنِ الإمامِ، وتأتي تصلِّي مع الإمامِ لمددٍ تحقَّقتْ غِناءَه عنها، وتصحُّ صلاتُها.
ولو خاطرَ أقلُّ ممَنْ شَرطنا في الطائفةِ التي تحرسُ، وتعمَّدوا الصَّلاةَ على هذه الصفةِ، صحَّتْ.
ويصلِّي الإمامُ المغربَ بطائفةٍ ركعتين، وبالثانيةِ ركعةً، ولا تتشهدُ الطائفةُ الثانيةُ، إذا صلَّى بها الركعةَ الثالثةَ (^١) معه عقبَها. ويصحُّ عكسُها، يعني: أنْ يصلِّيَ بالطائفةِ الأُولى ركعةً، وبالثانيةِ ركعتين
ويصلِّي الإمامُ الرُّباعيةَ التامَّةَ بكلِّ طائفةٍ ركعتين. ويصح أيضًا أنْ يصلِّيَ بطائفةٍ، أي: الطائفةِ الأُولى، ركعةً واحدةً، وبأخرى ثلاثًا. وتفارقُه الأُولى في المغربِ والرُّباعيةِ، إذا صلَّى بها ركعتين، عندَ فراغِ التشهدِ الأوَّلِ، وينتظرُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا، يكرِّرُ التشهدَ الأوَّلَ إلى أنْ تحضرَ. فإذا أتتْ قامَ؛ لتُدرِكَ معه جميعَ الركعةَ الثالثةَ.
وتتمُّ الطائفةُ الأُولى، التي صلَّتْ معه الركعتين، بالفاتحةِ فقط؛ لأنَّه لا تُستحبُّ
_________________
(١) في الأصل: "الثانية".
[ ١ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قراءةُ السورةِ في ثالثةِ المغربِ. وتتمُّ الطائفةُ الأخرى صلاتَها بسورةٍ معها، أي: معَ الفاتحةِ.
وإنْ فرَّقَهم أربعًا، أي: أربعَ طوائفَ، وصلَّى بهم الرُّباعيةَ تامَّةً، بكلِّ طائفةٍ ركعةً، أو فرَّقَهم ثلاثًا، أي: ثلاثَ فرقٍ، فصلَّى بالأُولى ركعتين، وبالباقيتين ركعةً ركعةً، أو صلَّى بهم المغربَ بكلِّ فرقةٍ ركعةً، صحَّتْ صلاةُ الفِزقتين الأُوليين فقط؛ لأنَّهما ائتمَّا به قبل بطلانِ صلاتِه؛ لمفارقتِهما قبلَ الانتظارِ الثالثِ، وهو المبطلُ؛ لأنَّه لم يرد. لا صلاةُ الإمامِ، فإنَّها لا تصحُّ؛ لأنَّه زادَ انتظارًا ثالثًا لمْ يَرِدْ الشرعُ به، فوجبَ بطلانُها. ولا صلاة الفرقتين الأخريين؛ لأنَّهما ائتمَّا بمَنْ صلاتُه باطلةٌ، إلا إنْ جهِلُوا البطلانَ.
الوجهُ الثالثُ: أنْ يصلِّي الإمامُ بطائفةٍ من الطائفتين ركعةً، والأخرى تحرسُ، ثمَّ تمضي فتحرسُ مكانَ تلك، ثمَّ تأتي التي كانتْ تحرسُ، فيصلِّي بالأخرى ركعةً، ثمَّ تمضي فتحرسُ، ويسلِّمُ الإمامُ وحدَهُ.
ثمَّ تأتي الأُولى، أي: التي صلَّى بها الإمامُ الركعةَ الأُولى، فتتمُّ صلاتَها بقراءةِ سورةٍ بعدَ الفاتحةِ، وتسلِّمُ وتمضي لتحرسَ. ثمَّ تأتي الأخرى، فتفعلُ كذلك، كما فعلتِ الأُولى.
وإنْ أتمَّتْ الصَّلاةَ الطائفةُ الثانيةُ عقبَ مفارقتِها للإمامِ إذا سلَّمَ، ومضتْ، ثمَّ أتتْ الأُولى فأتمَّتْ صلاتَها، كان ذلك (^١) أَوْلى.
الوجهُ الرابعُ: أنْ يصلِّيَ الإمامُ بكلِّ طائفةٍ من الطائفتين صلاةً كاملةً، ويسلِّمُ
_________________
(١) في الأصل: "كذلك".
[ ١ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بها، أي: بكلِّ طائفةٍ.
الوجهُ الخامسُ: أنْ يصلِّيَ الإمامُ الرّباعيةَ، الجائزُ قصرُها فيه تامَّةً، بكلِّ طائفةٍ ركعتين، بلا قضاءٍ على المأمومين من الطائفتين، فتكونُ له تامَّةً، ولهم مقصورةً.
الوجهُ السادسُ: ومنعَه الأكثرُ من الأصحابِ، وصفتُه: أنْ يصلِّيَ الإمامُ بكلِّ طائفةٍ ركعةً، بلا قضاءٍ على الطائفتين.
والوجهُ السابعُ: صلاةُ النبيِّ - ﷺ - بأصحابِه عامَ نجدٍ؛ على ما خرَّجَه أحمدُ (^١) من حديثِ أبي هريرةَ؛ وهو: أنْ تقومَ معه طائفةٌ، وطائفةٌ أخرى تجاهَ العدوِّ، وظهرُها إلى القبلةِ، ثمَّ يُحرِمُ، وتُحرِمُ معه الطائفتان، ثمَّ يصلِّي ركعةً هو والذين معه، ثمَّ يقومُ إلى الثانيةِ، ويذهبُ الذين معه إلى وجهِ العدوِّ، وتأتي الأخرى فتركعُ وتسجدُ، ثمَّ يصلِّي بالثانيةِ، ويجلسُ، وتأتي التي تجاهَ العدوِّ، فتركعُ وتسجدُ، ويسلِّمُ بالجميعِ.
وتصحّ الجمعةُ في حالةِ الخوفِ حضرًا، بشرطِ كونِ كلِّ طائفةٍ أربعين رجلًا فأكثرَ، لاشتراطِ الاستيطانِ والعددِ. ويُشترطُ أيضًا: أنْ يُحْرِمَ بمَنْ حضرتْ الخطبةَ، فإنْ أحْرَمَ بالتي لمْ تحضرِ الخطبةَ، لمْ تصحَّ.
ويُسِرَّانِ، أي (^٢): الطائفتانِ، القراءةَ في القضاءِ؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تقضي ركعةً، كالمسبوقِ الذي فاتَه من الجمعةِ ركعةٌ. واللَّه أعلم (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٢/ ١٤) (٨٢٦٠).
(٢) سقطت: "أي" من الأصل.
(٣) انظر "معونة أولي النهى" (٢/ ٤٤٤ - ٤٥٥).
[ ١ / ٤٥٨ ]