يبطِلُها: ما أبطلَ الطهارة. وكَشْفث العَورةِ عَمْدًا، لا إنْ كشفَها نَحوُ ريحٍ، فسَتَرَها في الحال، أوْ لا، وكان المكشوفُ لا يفحُشُ في
وإنْ قرأ آيةً فيها ذِكْرُه - ﵁ - نحو: ﴿مُّحَمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ﴾ [الفَتْح: ٢٩]، صلى عليه (^١) - ﷺ -. استحبابًا، لتأكدِ الصَّلاةِ عليه كلَّما ذُكِرَ اسمُه. في نفلٍ فقط. ولا يبطلُ الفرضُ به؛ لأنَّه قولٌ مشروعٌ في الصَّلاةِ (^٢).
"فرعٌ": يُباحُ التنبيهُ بقراءةٍ، وتكبيرٍ، وتهليلٍ، وتحميدٍ، واستغفارٍ؛ لأنَّه من جنسِ الصَّلاةِ. ويُكره التنبيهُ بذلك للمرأةِ. وتصفِّقُ المرأةُ ببطنِ كفِّها على ظهرِ الأخرى، وإنْ كثُرَ أبطلَها.
(فصلٌ فيما يبطلُ الصَّلاةَ)
فرضًا كانت أو نفلًا
(يبطِلُها: ما أبطلَ الطهارةَ) وقدْ تقدَّمَ في بابِ نواقضِ الوضوءِ
(وكشفُ العورةِ عمدًا) يبطلُها. و(لا) يبطِلُها (إنْ كشفَها نحوُ ريحٍ، فسترَها في الحالِ) يعني: فأعادَها سريعًا بلا عملٍ كثيرٍ، لم تبطلْ صلاتُه، لقصَرِ مدَّتِه. فإن احتاجَ في أخذِ سترتِه لعملٍ كثيرٍ، بطلتْ صلاتُه (أوْ لا) أي: بأنْ كانَ المكشوفُ يسيرًا فلا تبطلُ الصَّلاةُ. (و) اليسيرُ عُرْفًا: هو ما (كانَ المكشوفُ لا يفحشُ في
_________________
(١) سقطت: "صلى عليه" من الأصل.
(٢) انظر: "كشاف القناع" (٢/ ٤٣٢).
[ ١ / ٣٣٩ ]
النَّظر. واستدبارُ القبلةِ حيثُ شُرِطَ استِقبالُها. واتصِّالُ النجاسَة به، إن لم يُزِلْها في الحال
النظرِ) عُرْفًا بلا قصدٍ، ولأنَّ ثيابَ الأغنياءِ لا تخلو من فتقٍ، وثيابَ الفقراءِ لا تخلو من حرقِ نارٍ غالبًا. والاحترازُ من ذلك يشقُّ، فعفي عنه.
(واستدبارُ القبلةِ حيثُ شُرِطَ استقبالُها) وهو الشرطُ الثامنُ من شروطِ الصَّلاةِ، فلا تصحُّ الصَّلاةُ بدونِه، لقولِهِ تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، قال: عليٌّ: شطرُه: قِبَلُه (^١). إلا لمعذورٍ عاجزٍ عن استقبالِها، كالتحامِ حربٍ حالَ الطعنِ، والكرِّ والفرِّ، وهربٍ من سيلٍ، أو من نارٍ، أو من سبعٍ ونحوِه، ولو كان العذرُ نادرًا، كمريضٍ عجزَ عنه، وعجزَ عن المسيرِ إليها، وكمربوطٍ ومصلوبٍ إلى غيرِ القبلةِ، فتصحُّ الصَّلاةُ منهم إلى غيرِ القبلةِ بلا إعادةٍ؛ لأنَّه شرطٌ عُجزَ عنه، فسقطَ كسَترِ العورةِ.
(و) يبطلُها (اتصالُ النجاسةِ به) أي: بالمصلِّي (إنْ لمْ يُزلْها في الحالِ) سريعًا؛ بحيثُ لمْ يطلِ الزمنُ؛ لما روى أبو سعيدٍ قال: بينا النَّبِيُّ - ﷺ - يصلِّي بأصحابِه، إذ خلعَ نعليه، فوضعَهما عن يسارِه، فخلعَ الناسُ نعالَهم. فلمَّا قضى رسولُ اللهِ - ﷺ - صلاتَه، قال: "ما حملَكم على إلقائِكم نعالَكُم؟ " قالوا: رأيناكَ ألقيتَ نعلَكَ، فألقينا نعالنَا. قال: "إنَّ جبريلَ أتاني، فأخبرني أنَّ فيهما قذرًا". رواه أبو داودَ (^٢). ولأنَّ من النجاسةِ ما يُعفى عن يسيرِها، فعفي عن يسيرِ زمنِها، ككشفِ العورةِ.
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٢٥٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٦٥٠)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والعمل الكثيرُ عادةً من غَيرِ جِنسِهَا لغيرِ ضَرورَةٍ. والاستِنادُ قويًّا لغيرِ عُذرٍ. ورجوعُه -عالمًا ذاكرًا- للتشهُّدِ بعد الشُّرُوعِ في القراءةِ
(و) يبطِلُها (العملُ الكثيرُ عادةً) أي: ما يعدُّ أنَّه كثيرٌ عادةً، فلا يتقيدُ بثلاثٍ، ولا غيرِها من العددِ، بل ما عُدَّ في العادةِ كثيرًا، بخلافِ ما يشبِهُ فعلَه - ﷺ - في فتحِه البابَ لعائشةَ (^١). وتأخُّرهِ في صلاةِ الكسوفِ (^٢). وفعلِ أبي برزةَ لمَّا نازعتْه دابَّتُه (^٣). فهذا لا يبطِلُها.
(من غيرِ جنسِها) أي: الصَّلاةِ؛ كلفِّ عمامةٍ، ولبسٍ، ومشيٍ. يبطِلُها (لغيرِ ضرورةٍ) كخوفٍ، وهربٍ من عدو، ونحوِه كسيلٍ وحريقٍ وسبعٍ. فإنْ كانتْ ضرورةً، لم تبطلْ. وعدَّ ابنُ الجوزيِّ من الضرورةِ مَن به حكٌّ لا يصبرُ عنه. وكذا إنْ كان يسيرًا، أو لمْ يتوالَ، ولو كثُرَ (^٤).
(و) يبطلُها (الاستنادُ قويًا لغيرِ عذرٍ) من نحوِ مرضٍ وكِبَرٍ.
(و) يبطلُها (رجوعُه، عالمًا، ذاكرًا) فلا تبطلُ برجوعِه إذنْ إنْ نسيَ، أو جهِلَ؛ لحديثِ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ" (^٥). (للتشهدِ بعد الشروعِ في القراءةِ) لأنَّه شرعَ في ركنٍ مقصودٍ، وهو القراءةُ، فلمْ يجزْ له الرجوعُ، كما لو شرعَ في
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٦٠١) من حديث عائشة. وحسنه الألباني.
(٢) أخرجه مسلم (٩٠٤) من حديث جابر.
(٣) أخرجه البخاري (١٢١١).
(٤) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٤٥٧).
(٥) أخرجه ابن حبان (٧٢١٩)، والطبراني (١١٢٧٤)، والبيهقي ٧/ ٣٥٦ من حديث ابن عباس بلفظ: "إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وأخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) بلفظ: "إن اللَّه وضع … ". وصححه الألباني في "الإرواء" (٨٢).
[ ١ / ٣٤١ ]
وتعمُّدُ زيادةِ رُكنٍ فِعليٍّ. وتعمُّدُ تقديمِ بعضِ الأركانِ علَى بعضٍ. وتعمُّدُ السَّلامِ قبلَ إتمامِها. وتعمُّدُ إحالةِ المعنَى في القِراءة
الركوعِ. وتبطلُ برجوعُه إذنْ، عالمًا عمدًا، لزيادتِه فعلًا من جنسِها عمدًا، أشبَهَ ما لو زادَ ركوعًا.
(و) تبطلُ بـ (تعمُّدِ زيادةِ ركنٍ فعليٍّ) نحوَ ركوعٍ وسجودٍ وقيامٍ.
(و) يبطلُها (تعمُّدُ تقديمِ بعضِ الأركانِ على بعضٍ) لأنَّه يخرجُ الصَّلاةَ عن هيئتِها.
(و) يبطلُها (تعمُّدُ السَّلام قبلَ إتمامِها) أي: الصَّلاةِ. والباقي منها، إما ركن أو واجب، وكلاهما يبطلُها تركه عمدًا.
(و) يبطلُها (تعمُّدُ إحالةِ المعنى في القراءةِ) نحوَ: الذين هن في صلاتهن ساهون. بخلافِ غير المحيلِ، نحو: ذلك الكتابَ، بالنصب أو الجر؛ لأنَّه لا يخرجُ به عن كونِه قرآنًا، ولأنَّه أتى بأصلِ الحروفِ على (^١) وجهٍ يؤدِّي معنى الكلمةِ والإعراب، فلم يجبْ سجودٌ. وهلْ تجوزُ القراءةُ بالذي لم يُحِلْ معنًى؟ يحتمل وجهينِ. قاله ابن نصر اللَّه. وقال ابنُ قندسٍ في بابِ صفةِ الصَّلاةِ في "حواشي المحرر": يكفرُ إنِ اعتقدَ إباحتَهُ. انتهى.
أمَّا اللَّحْنُ في الفاتحةِ، أو في فرضِ القراءةِ، إذا كان مُحيلًا للمعنى سهوًا، أو جهلًا، فإنْ عادَ وأتى به على وجهٍ مجزئٍ، صحَّتْ صلاتُه، وإلا بطلتْ. وفي معناه: سبقُ لسانِه بتغييرِ نظمِ القرآنِ بما هو منه، على وجهٍ يُحيلُ المعنى، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. ثم: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩].
_________________
(١) في الأصل: "عن".
[ ١ / ٣٤٢ ]
وبوجودِ سُترةٍ بعيدةٍ وهو عُريانٌ. وبفَسخِ النيَّةِ. وبالتَّردُّد في الفسخ. وبالعزمِ عليه. وبشَكِّهِ هل نَوى فعَمِلَ مع الشَكِّ عمَلًا؟. وبالدُّعاء بملاذِّ الدُّنيا. وبالإتيانِ بكافِ الخِطَابِ لغَيرِ اللَّهِ ورسولِه أحمدَ
(و) تبطلُ الصَّلاةُ (بوجودِ سترةٍ بعيدةٍ، وهو عُريانٌ) لأنَّه لا يمكنُ فعلُها بدونِ شرطِها.
(و) تبطلُ (بفسخِ النِّيةِ) في الصَّلاةِ؛ لأنَّ النيةَ شرطٌ في جميعِها، وقدْ قطعَها. والفرقُ بينها وبين الحجِّ: أنَّه لا يَخرُجُ منه بمحظوراتِه، بخلافِ الصَّلاةِ.
(و) تبطلُ (بالعزمِ عليه) أي: على الفسخِ؛ لأنَّ النيةَ عزمٌ جازمٌ. ومع العزمِ على فسخِها لا جزمَ، فلا نيةَ. ولا تبطلُ أيضًا على العزمِ بفعلِ محظورٍ؛ بأنْ عزمَ على كلامٍ ولمْ يتكلمْ، أو فعلِ حَدَثٍ ونحوِه، ولمْ يفعلْه؛ لعدمِ منافاتِه الجزمَ المتقدِّمَ، لأنَّه قدْ يفعلُ المحظورَ وقدْ لا يفعلُه، ولا مناقِضَ في الحالِ للنيةِ المتقدِّمةِ، فتستمرُّ إلى أنْ يوجدَ مناقضٌ.
(و) تبطلُ (بشكِّه: هلْ نوى) الصَّلاةَ (فعمِلَ مع الشكِّ عملًا) فعليًّا، كركوعٍ، أو سجودٍ، أو رفعٍ. أو قوليًّا، كقراءةٍ، وتسبيحٍ.
(و) تبطلُ (بالدُّعاءِ بملاذِّ الدُّنيا) وشهواتِها، كـ: اللهمَّ ارزقني جاريةً حسناءَ، أو: طعامًا طيبًا، أو: بستانًا أنيقًا. فتبطلُ به، لحديثِ: "إنَّ صلاتَنا هذه، لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاسِ؛ إنَّما هي التسبيحُ، والتكبيرُ، وقراءةُ القرآنِ" رواه مسلمٌ (^١).
(و) تبطلُ (بالإتيانِ بكافِ الخطابِ لغيرِ اللهِ ورسولِه أحمدَ) فلا تبطلُ به. فيكونُ من خصائصِه ﵇.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وبالقَهقَهةِ. وبالكَلامِ ولو سَهوًا. وبتقديمِ المأمومِ على إمامِه. وببُطلانِ صلاةِ إمامِه
(و) تبطلُ (بالقهقهةِ) كالكلامِ وأَوْلى. حكَاهُ ابنُ المنذرِ إجماعًا؛ لما روى جابرٌ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قال: "القهقهةُ تنقضُ الصَّلاةَ، ولا تنقضُ الوضوءَ". رواه الدارقطنيُّ (^١) بإسنادٍ فيه ضعفٌ. ولأنَّه تعمَّدَ فيها ما ينافيها، أشبَهَ خطابَ الآدميِّ.
ولا تبطلُ إنْ تبسَّمَ فيها، وهو قولُ الأكثرِ، حكاه ابنُ المنذرِ.
(و) تبطلُ (بالكلامِ) مطلقًا. إمامًا كان أو غيرَه (ولو سهوًا) أو جهلًا، طائعًا أو مكرهًا، فرضًا أو نفلًا، لمصلحتِها أو لا، في صلبِها أو بعدَ سلامِه سهوًا، لتحذيرِ نحوِ ضريرٍ أو لا، بطلتْ؛ لحديثِ: "إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلامِ النَّاسِ، إنما هي التسبيحُ، والتكبيرُ، وقراءةُ القرآنِ" رواه مسلمٌ (^٢).
وعنه: لا تبطلُ بيسيرٍ؛ لمصلحتِها. ومشى عليه في "الإقناع" (^٣).
(و) تبطلُ (بتقدُّمِ المأمومِ على إمامِه) لأنَّ النَّبِيّ - ﷺ - كان إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، قامَ أصحابُه خلفَه. ويُستثنى من ذلك صورتان: العُراةُ فإنَّه يقفُ بينهم وسْطًا. والمرأةُ إذا أمَّتْ نساءً، فإنَّها تقفُ وسطًا، ندْبًا.
وإنْ تقدَّمَه مأمومٌ، ولو بإحرامٍ، لم تصحَّ الصَّلاةُ، على الصحيحِ من المذهبِ. نصَّ عليه.
(و) تبطلُ الصَّلاةُ (ببطلانِ صلاةِ إمامِه) نصًّا، على الصحيح من المذهب.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٦٧) من حديث جابر. وانظر "الإرواء" (٣٩٢).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٤٦٢).
[ ١ / ٣٤٤ ]
وبسلامِه عَمدًا قَبلَ إمامِه. أو سَهوًا ولم يُعِدهُ بعدَه. وبالأكلِ. والشرب، سِوى اليسير عُرفًا لناسٍ وجاهلٍ
(و) تبطلُ (بسلامِه عمدًا قبل إمامِه) وإن سَّم سهوًا، لم تبطلْ به. (أو) كان سلَّم (سهوًا، ولمْ يُعِده) أي: السَّلامَ (بعدَه) أي: بعدَ السَّهوِ، فإنَّها تبطلُ؛ لوجوبِ المتابعةِ
(و) تبطلُ الصَّلاةُ (بالأكلِ) عمدًا. (و) تبطلُ بـ (الشربِ) عمدًا، في فرضٍ، قلَّ الأكلُ أو الشربُ، أو كثُرَ؛ لأنَّه ينافي الصَّلاةَ. قال في "المبدع": وهو إجماعُ مَنْ نحفظُ عنه في الفرضِ، إلا ما حكاه في "الرعاية" قولًا: أنَّها لا تبطلُ بيسيرِ شربٍ، لكنَّه غيرُ معروفٍ (^١)
(سوى اليسيرِ عُرْفًا) أي: ما يُعدُّ في العُرْفِ أنَّه يسيرٌ (لناسٍ وجاهلٍ) لعمومِ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ". فإنْ كثُرَ أحدُهما، بطلتْ؛ لأنَّه عمل مستكثرٌ من غيرِ جنسِها، فرضًا كان أو نفلًا. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقطعَ به كثيرٌ منهم.
وعنه: لا تبطلُ. وهو ظاهرُ "المستوعب" و"التلخيص".
قال في "الإقناع": ومَنْ أكلَ أو شرِبَ. وسوَّى في "الإقناع" بين الأكلِ والشربِ، كما تقدَّمَ في صلاةِ نفلٍ كثيرٌ عُزفًا، بطلتْ، لقطعِ الموالاةِ بين الأركانِ، دودنَ اليسيرِ، فلا يبطلُ النفلُ.
وعنه: النفلُ كالفرضِ. قدَّمه جماعة، وصحَّحَه في "الشرح". قال في "المبدع": وبه قالَ أكثَرُهم؛ لأن ما أبطل الفرض أبطل النفل، كسائر المبطلات.
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٤٧٣).
[ ١ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه: لا (^١) يبطلُ بيسيرِ الشربِ فقطْ. وهي مفهومُ ما قطعَ به في "المنتهى" وصاحبُ "المقنع"، فإنَّه قال: ولا نفلٌ بيسيرِ شربٍ عمدًا. مفهومُه: أنَّه يبطلُ بيسيرِ الأكلِ عمدًا، وهو الأشهرُ من الرواياتِ، وقدَّمَه في "الفروع" و"مجمع البحرين" ونصرَهُ.
والمعتمدُ ما قطعَ به صاحبُ "المنتهى". وقال ابنُ هبيرةَ: إنَّه المشهورُ عنه. قال في "الفروع": والأشهرُ عنه بالأكلِ. انتهى. أي: يبطلُ النفلُ بيسيرِ الأكلِ عمدًا. فعُلِمَ منه: أنه (^٢) لا يبطلُ النفلُ بيسيرِ الشربِ، لما روي أنَّ (^٣) ابنَ الزبيرِ، وسعيدَ بنَ جبير شَرِبا في التطوعِ. لأنَّ مدَّ النفلِ وإطالتَه مستحبَّةٌ مطلوبةٌ، فيحتاجُ معه كثيرًا إلى جَرْعةِ ماءٍ، لدفعِ العطشِ. كما سُومِحَ به جالسًا، وعلى الرَّاحلةِ (^٤).
قال في "المبدع" (^٥). والمذهب: أنَّها لا تبطلُ بيسيرِ شربٍ عُرْفًا في نفلٍ، ولو عمدًا.
"تتمةٌ": لا تبطلُ الصَّلاةُ بتركِ لقمةٍ في فمِه لمْ يمضغْها ولمْ يبتلعْها حتى فرغَ من الصَّلاةِ، ويُكره ذلك، فإنْ لاكَهَا، أي: ولمْ يبتلعْها، فهو كالعملِ؛ إنْ كثُرَ أبطلَ، وإلا فلا. ذكرَة في "الكافي" (^٦) و"الرعاية".
_________________
(١) سقط: "أبطل الفرض أبطل النفل، كسائر المبطلات. وعنه: "لا" من الأصل. والمثبت من "كشاف القناع" (٢/ ٤٧٣).
(٢) سقطت: "أنه" من الأصل.
(٣) سقطت: "أن" من الأصل.
(٤) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٤٧٣)، "دقائق أولي النهى" (١/ ٤٥٩).
(٥) "المبدع" (١/ ٥٠٨).
(٦) انظر "الكافي" (١/ ٣٧٦).
[ ١ / ٣٤٦ ]
ولا تبطلُ إن بلَعَ ما بيَن أسنانِه بلا مَضغٍ.
وكالكلامِ: إن تنحنَحَ بلا حاجةٍ، أَو انتحبَ لا خشيةً، أو نفخَ فبانَ حرفانِ،
(ولا تبطلُ إنْ بلعَ ما بين أسنانِه بلا مضغٍ) لأنَّه ليس بأكلٍ، ويسيرٌ. ولو لمْ يجرِ به ريق، ولو كان له جِرمٌ، نصًّا. قالهُ في "التنقيح"، وتبِعَه العسكري (^١) في قطعتِه، والشويكيُّ في "التوضيح"، وتبِعَهم صاحبُ "المنتهى". وخالَفَهم في ذلك صاحبُ "الإقناع". ولا يخفى أنَّ الذي بين أسنانِه أنَّه ولو كان جِرمٌ، هو دون اللُّقمةِ، فإنَّ اللُّقمةَ إذا لاكَهَا، فهو كالعملِ، إن كثُرَ أبطلَ، وإلا فلا، وإنْ تَركَها في فمِه بلا مضغٍ، ولا بلعٍ، كُرِهَ، وصحَّتْ صلاتُه.
"تتمةٌ": وإنْ بلعَ ذوبَ سُكَّرٍ ونحوِه -كحَلوى، وتَرَنْجَبيل (^٢) - كأكلٍ، فتبطلُ به الصَّلاةُ مطلقًا مع العمد، وإلا فإن كثُرَ بطلتْ، وإلا فلا.
فإنْ فتحَ فاه، فحصلَ فيه ماءٌ من مطرٍ وغيرِه، فابتلعَه، فكشربٍ.
(وكالكلامِ) في الحكمِ (إنْ تنحنحَ بلا حاجةٍ)، فبانَ حرفانِ، (أو انتحبَ) فبانَ حرفانِ، و(لا) تبطلُ إنْ انتحبَ (خشيةً) من اللهِ تعالى. (أو نفخَ، فبانَ حرفانِ) فتبطلُ به صلاتُه، لقولِ ابنِ عباسٍ: مَنْ نفخَ في صلاتِه، فقدْ تكلَّمَ (^٣). رواه سعيدٌ. وعن أبي هريرةَ نحوه.
فإنْ كانتِ النحنحةُ لحاجةٍ، لمْ تبطلْ صلاتُه، ولو بانَ حرفانِ. قال المرُّوذيُّ:
_________________
(١) في الأصل: "العسكر". والمثبت من "دقائق أولي النهي" ١/ ٤٥٩.
(٢) الترنجبيل: هو المَنَّ: شيء كان يسقط على الشجر حُلْوٌ يُشرب. انظر "لسان العرب" (منن).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣٠١٧).
[ ١ / ٣٤٧ ]
لا إنْ نامَ فتكلَّم، أو سَبَقَ على لسانِه حالَ قراءتِه، أو غَلَبه سُعالٌ، أو عُطاسٌ، أو تثاؤبٌ، أو بُكاءٌ.
كنتُ آتي أبا عبدِ اللهِ، فيتنحنحَ في صلاتِه؛ لأعلمَ أنَّه يصلِّى.
و(لا) تبطلُ (إنْ نامَ) يسيرًا قائمًا، أو جالسًا (فتكلَّمَ، أو سبَقَ) الكلامُ (على لسانه حمالَ قراءته)، أشبَهَ ما لو غلِطَ في القرآنِ، فأتى بكلمةٍ من غيرِه. ولأنَّ النائمَ مرفوعٌ عنه القلمُ (أو غلبَهُ سُعالٌ، أو عُطاسٌ، أو تثاؤبٌ، أو بكاءٌ) ولو بانَ منه حرفانِ. نصَّ عليه فيمن غلَبَهُ البكاءُ. وقال مهنا: صليتُ إلى جنب أبي عبدِ اللهِ، فتثاءبَ خمسَ مراتٍ، وسمعتُ لتثاؤبِه: هاه هاه. وذلك لأنَّه لا ينسبُ إليه، ولا لما يتعلُّقُ به حكمٌ من أحكامِ الكلامِ. تقولُ: تثاءبتُ على وزن تفاعلتُ: ولا تقلْ: تثاوبتُ. قالَهُ في "الصحاح".
ويُكره استدعاءُ بكاءٍ، كضحكٍ. ويجيبُ والديه في نفلٍ، وتبطلُ به. ويجوزُ إخراجُ زوجةٍ من نفلٍ؛ لحقِّ زوجِها.
* * *
[ ١ / ٣٤٨ ]