فَصْلٌ
ويجبُ فيما يُسقَى بلا كُلفَةٍ: العُشرُ، وفيما يُسقَى بكُلفَةٍ: نِصفُ العُشْرِ.
(فصل)
(ويجِبُ فيما يُسقَى بلا كلفَةٍ) ممَّا تقدَّمَ أنَّ الزَّكاةَ تجِبُ فيه: (العُشرُ) فاعلُ "يجِبُ" قال في "الفروعِ" (^١): وإن اشترَى ماءَ بركةٍ أو حُفيرةٍ، وسقَى سَيْحًا، فالعُشرُ في ظاهرِ كلامِ أصحابِنا. قالَه صاحبُ "المحرَّرِ"؛ لنُدرَةِ هذه المؤنةِ، وهي في مِلكِ الماءِ، لا في السَّقيِ به.
ولا تُؤتِّرُ مُؤنةُ حَفرٍ نهرٍ (^٢) وقناةٍ؛ لقلَّةِ المُؤنةِ؛ لأنَّ ذلك مِن جملةِ إحياءِ الأرضِ، ولا يتكرَّرُ كلَّ عامٍ.
ولا تؤثر (^٣) مُؤنةُ تحويلِ ماءٍ في السَّواقي، وإصلاحِ طُرقِ الماءِ؛ لأنَّ ذلك لابُدَّ منه حتى في السقيِ بالكُلَفِ، ولأنَّه كحرثِ الأرضِ.
(و) يجِبُ (فيما يُسقَى) مِنَ الحُبوبِ والثِّمارِ (بكلفَةٍ) كدَوَالي (^٤)، جمعُ داليةٍ، وهي: الدّولابُ تُديرُه البقرُ. ونَواضحَ، جمعُ ناضحٍ. وهو: البعيرُ الذي يُسقَى عليه. وكالنَّاعورةِ، وهي: الدُّولابُ الذي تُديرُه الماءُ. وكترقيةٍ للماءِ بغَرفٍ: (نصفُ العُشرِ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "فيما سقَتِ السَّماءُ العُشرَ، وفيما سُقِيَ بالنَّضحِ
_________________
(١) "الفروعِ" (٤/ ٨٨).
(٢) في الأصل: "حفرتِهم".
(٣) سقطت: "تؤثر" من الأصل.
(٤) في الأصل: "كدلوالي ". وهو خطأ، والمثبت من "دقائق أولي النهي" ٢/ ٢٣٤.
[ ٢ / ٢٨ ]
ويجِبَ إخراجُ زكاةِ الحَبِّ مُصفَّى، والثَّمرِ يابِسًا، فلو خالَفَ وأخرَجَ رَطْبًا، لم يُجزئْه، ووقَعَ نفلًا.
نصفُ العُشرِ". رواهُ أحمدُ والبخاريُّ، والترمذيُّ (^١)، وصحَّحَه. وللنسائيِّ (^٢)، وأبي داودَ، وابنِ ماجَه (^٣): "فيما سقَتِ السَّماءُ والأنهارُ والعيونُ، أو كان بعْلًا العُشرُ، وفيما سُقَي بالسَّواني والنَّضحِ نصفُ العُشرِ". والسَّواني والنَّواضحُ: الإبلُ يُستقَى عليها، لسقيِ الأرضِ، ولأنَّ المالَ يحتمِلُ مِنَ المواساةِ عندَ خِفَّةِ المؤنةِ ما لا يحتمِلُ عندَ كثرتِها.
(ويجِبُ إخراجُ زكاةِ الحَبِّ مصفًّى) مِن تِبنِه وقِشرِه (و) إخراجُ (الثَّمرِ يابسًا) لحديثِ الدَّارَقُطني (^٤) عن عتَّابِ بنِ (^٥) أسيدٍ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - "أمرَه أن يَخرِصَ (^٦) العِنبَ زبيبًا، كما يُخرصُ التمرُ" ولا يُسمَّى زَبيبًا وتمرًا حقيقةً إلَّا اليابسُ، وقيسَ الباقي عليهما. ولأنَّ حالَ تصفيةِ الحَبِّ وجفافِ الثَّمَرِ حالُ كمالٍ ونهايةِ صفاتِ ادِّ خارِه، ووقتِ لزومِ الإخراجِ منه.
(فلو خالَفَ وأخرَجَ رَطْبًا، لم يُجزئْه، ووقَعَ نفلًا) كإخراجِ صغيرةٍ مِن ماشيةٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٨٣)، والترمذي (٦٤٠). وأخرجه أحمد (٣١/ ٢٣) (١٤٦٦٦) من حديث جابر.
(٢) في الأصل: "وصححه النَّسَائِيّ" والمثبت من "دقائق أولي النهي" ٢/ ٢٣٤.
(٣) أخرجه النَّسَائِيّ (٢٤٨٨)، وأبو داودَ (١٥٩٦)، وابن ماجَه (١٨١٧) من حديث ابن عمر.
(٤) أخرجه الدارقطني (١٣٤١٢) من حديث عتاب بن أسيد. وضعفه الألباني في "الإرواء" (٨٠٧).
(٥) في الأصل "عتاب وابن" وهو خطأ
(٦) في الأصل: "يُخرِج".
[ ٢ / ٢٩ ]
وسُنَّ للإمامِ بعثُ خارِصٍ لثمَرةِ النَّخلِ والكَرْمِ، إذا بدَا صلاحُها، ويكفِي واحِدٌ. وشُرِطَ كونُه مسلِمًا، أمينًا، خبيرًا. وأُجرَتُه على ربِّ الثَّمرَة.
عن كبارٍ، وإن أخذَها منه ساعٍ كذلك، فقد أساءَ، ويردّه إن بقِيَ بحالِه، وإن تلِفَ، رَدَّ مثلَه، وإن جفَّفَه وصفَّاه وكان قدرَ الواجبِ، فقد استوفَاه، وإن كانَ دونَه أخَذَ الباقي، وإن زادَ رَدَّ الفضلَ.
(وسُنٍّ للإمامِ بعثُ خارصٍ) أي: حازرٍ يطوفُ بالنخلِ والكَرْمِ، ثمَّ يحزُرُ قدرَ ما عليها جافًّا الثمرةِ النخلِ والكَرْمِ، إذا بدا صلاحُها) أي: الثمرةِ؛ لحديثِ عائشةَ: كان النبيُّ - ﷺ - يبعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رواحةَ إلى يهودَ؛ ليخرِصَ عليهم النخلَ قبلَ أن يُؤكَلَ. متفَقٌ عليه (^١). وفي روايةٍ لأحمدَ وأبي داودَ (^٢): لكي يُحصِي الزَّكاةَ قبلَ أن تُؤكَلَ الثِّمارُ وتُفرَّقَ. وخرَصَ ﵇ على امرأةٍ بوادي القُرَى حديقةً لها. رواهُ أحمدُ (^٣). وهو اجتهادٌ في معرفةِ الحَقِّ بغالبِ الظَّنِّ، فجازَ، كتقويمِ المُتلفَاتِ. وممَّن كان يرَى استحبابَه: أبو بكرٍ وعمرُ رضيَ اللهُ تعالى عنهما.
(ويكفِي) خارصٌ (واحدٌ) لأنَّه يُنفِّذُ ما اجتهَدَ فيه، كحاكمٍ، وقائفٍ (وشُرِطَ كونُه) أي: الخارصِ (مسلمًا، أمينًا، خبيرًا) زادَ في الأصلِ: "لا يُتَّهَمُ"؛ لكونِه مِن عمودَي نسبِ مخروصٍ عليه؛ دفعًا للرِّيبَةِ.
(وأجرتُه) أي: الخارصِ (على ربِّ الثَّمَرةِ) أي: ربِّ المالِ؛ لعمَلِه في مالِه.
_________________
(١) لم أجده في الصحيحين، وأخرجه أبو داود (١٦٠٦). وضعفه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد (٤٢/ ١٨٤) (٢٥٣٠٥)، وأبو داود (٣٤١٣)، وضعف الألباني إسناده.
(٣) أخرجه أحمد (١٦/ ٣٩) (٢٣٦٠٤)، وأبو داود (٣٠٧٩) من حديث أبي حميد الساعدي. وصححه الألباني.
[ ٢ / ٣٠ ]
ويجِبُ عليه بعثُ السُّعاةِ قُربَ الوُجُوبِ؛ لقبضِ زكاةِ المالِ الظَّاهِرِ.
ويجتمِعُ العُشْرُ والخراجُ في الأرضِ الخَراجيَّة، وهي ما فُتِحَتْ عَنْوَةً ولم تُقسَم بينَ الغانِمِين، كَمِصْرَ، والشَّامِ، والعِرَاق.
(ويجِبُ عليه) أي: على الإمامِ أو نائبِه (بعثُ السُّعاةِ قُربَ الوجوبِ؛ لقبضِ زكاةِ المالِ الظَّاهر).
(ويجتمِعُ العُشرُ والخراجُ في الأرضِ الخراجيَّةِ) لعُمومِ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧] وحديثِ: "فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشرُ". وغيرِه. فالخراجُ في رقبَتِها، والعُشرُ في غلَّتِها، ولأنَّ سببَ الخراجِ التَّمكُّنُ مِنَ الانتفاعِ، وسببَ العُشرِ وجودُ المالِ، فجازَ اجتماعُهما، كأجرةِ حانوتِ المتجَرِ وزكاتِه
(وهي) أي: الأرضُ الخراجيَّةُ ثلاثةُ أَضرُبٍ:
(ما فُتِحَت (^١) عَنوَةً) أي: قهرًا وغلبةً بالسيفِ (ولم تُقسَمْ بينَ الغانِمِين) غيرَ مكَّةَ (كمِصرَ، والشَّامِ، والعِراقِ)
والثانيةُ: ما جَلَا عنها أهلُها، خوفًا منَّا.
والثالثةُ: ما صُولحوا، أي (^٢): أهلُها على أنَّها لنا، ونُقِرُّها معَهم بالخراجِ.
والأرضُ العُشريَّهُ خمسةُ أضرُبٍ:
ما أسلَمَ أهلُها عليها، كالمدينةِ، ونحوِها، كجُوَاثَى، مِن قُرَى البحرينِ.
والثانيةُ: ما اختطَّهُ المسلمون، كالبصرةِ ونحوِها، كمدينةِ واسطٍ.
_________________
(١) في الأصل: "فتجب"، والمثبت من دليل الطالب ص ١٠١.
(٢) سقطت: "أي" من الأصل.
[ ٢ / ٣١ ]
وتَضمِينُ أموالِ العُشْر، والأرضِ الخراجيَّة، باطلٌ.
وفي العَسَلِ: العُشْرُ، ونصاُبه: مائةٌ وستُّون رَطلًا عِراقيَّةً.
وفي الرِّكَازِ، وهو الكنزُ
والثالثةُ: ما صُولِحَ أهلُها على أنَّ الأرضَ لهم بخراح يُضرَبُ عليهم، كاليمَنِ.
والرابعةُ: ما فُتِحَ عَنْوةً وقشمَ بينَ غانمِيهِ (^١)، كنصفِ خيبرَ.
والخامسةُ: ما أقطَعَه الخُلفاءُ الراشدونَ مِنَ السَّوادِ، كأرضِ العراقِ، وحَدُّها: مِن تخُومِ (^٢) الموصلِ إلى عبَادَانَ طُولًا، وعَرْضًا: مِن عَذِيبِ القادسيَّةِ إلى حُلُوانَ.
(وتضمينُ أموالِ العُشرِ والأرضِ الخراجيَّةِ (^٣)، باطلٌ) نصًّا؛ لأنَّه يقتضِي الاقتصارَ عليه في تملُّكِ ما زادَ، وغرمِ ما نقَصَ. وهذا منافٍ لموضوعِ العمالةِ وحُكمِ الأمانةِ.
(و) يجِبُ (في العسَلِ) مِنَ النَّحلِ (العُشرُ) نصًّا
(ونِصابُه) أي: العَسلِ: (مائة وستُّون رَطلًا عِراقيَّةً) وذلك عشَرَة أفراقٍ، نصًّا.
جمعُ فَرَقٍ بفتحِ الرَّاءِ: مكيالٌ معروفٌ بالمدينةِ. ذكَرَه الجوهريُّ وغيرُه. زِنتُه بالرَّطلِ العِراقيِّ: ستَّةَ عشرَ رَطلًا.
(وفي الرِّكازِ، وهو: الكنزُ) مِن دِفْنِ الجاهليَّةِ، أو دِفْنِ مَن تقدَّمَ مِن كفَّارٍ. سُمِّىَ به مِنَ الرُّكُوزِ، أي: التغييبِ، ومنه: ركزْتُ الرُّمحَ. إذا غيَّبْتَ أسفَلَه في
_________________
(١) في الأصل: "غانمين ".
(٢) التخم: منتهى كل قرية أو أرض. والجمع تخوم، مثل فلس وفلوس. وقال الفراء: تخومها: حدودها. "الصحاح": (تخم).
(٣) في الأصل: "الخارجية".
[ ٢ / ٣٢ ]
ولو قليلًا: الخُمُسُ، ولا يَمنَعُ مِنْ وجُوبهِ الدَّينُ.
الأرض. ومنه: الرِّكْزُ: الصَّوتُ الخفيُّ.
ويُلحَقُ بالدِّفنِ: ما وُجِدَ على وجهِ الأرضِ
(ولو) كانَ (قليلًا: الخُمُسُ) على واجدِه، مِن مسلمٍ وذمِّيٍّ، وكبيرٍ وصغيرٍ، وحزَ ومُكاتَبٍ، وعاقلٍ ومجنونٍ؛ لعُمومِ حديثِ أبي هريرة مَرفوعًا: "وفي الرِّكازِ الخُصُرُ" مُتَّفَقٌ عليه (^١). ويجوزُ إخراجُه منه، ومِن غيرِه (ولا يمنَعُ مِن وُجوبِه) أي: الخُمسِ (الدَّينُ) لأنَّه ليس بزكاةٍ حقيقةً. ولا يُشترَطُ له نِصابٌ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٥٥)، ومسلم (١٧١٠).
[ ٢ / ٣٣ ]