فَصْلُ
ومَنْ جاوَزَ دمُها خمسَةَ عَشَرَ يومًا، فهي مُستحاضَةٌ، تجلسُ من كلِّ شهرٍ ستًّا أو سبعًا، حيثُ لا تمييزَ، ثم تغتِسلُ، وتصومُ، وتصلي
(فصلٌ)
(ومَنْ جاوزَ دمُها خمسةَ عشرَ يومًا) أي: أكثرَ الحيضِ (فهي مستحاضةٌ) لأنَّه لا يَصلُحُ أنْ يكونَ حيضًا.
والاستحاضةُ: سيلانُ الدَّمِ في غيرِ زمنِ الحيضِ من عِرقٍ يُقال له: العاذلُ -بالذال المعجمة. وقيل: المهملة. حكاهما ابنُ سِيده. والعاذرُ لغةٌ فيه- من أدنى الرحمِ، دونَ قعرِه، إذِ المرأةُ لها فرجانِ: داخلٌ بمنزلةِ الدبرِ، منه الحيضُ. وخارجٌ بمنزلةِ الأليتَين، منه الاستحاضةُ. والمستحاضةُ: مَنْ جاوزَ دمُها أكثرَ الحيضِ. والدَّمُ الفاسدُ أعمُّ من ذلك. قالَهُ في "الإنصاف" (^١) يعني: مِن المستحاضةِ
(تجلسُ مِن كلِّ شهرٍ) هلاليٍّ (ستًا أو سبعًا) من الأيامِ بلياليها (حيثُ لا تمييزَ، ثمَّ تغتسلُ) لذلك (وتصومُ وتصلي) لحديثِ حمنةَ بنتِ جحشٍ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إني أُستحاضُ حيضةً شديدةً كبيرةً، قدْ منعتْني الصَّومَ والصَّلاةَ؟! فقال: " تَحيَّضي في علمِ اللهِ، ستًّا أو سبعًا، ثمَّ اغتسلي". رواه أحمدُ وغيرُه (^٢). وعملًا
_________________
(١) " الإنصاف " (٢/ ٤٠٣).
(٢) أخرجه أحمد (٤٥/ ١٢١) (٢٧١٤٤)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وحسنه الألباني.
[ ١ / ٢١٣ ]
بعد غَسْلِ المحَلِّ وتَعصِيبه.
وتتوضأُ في وقتِ كُلِّ صلاةٍ،
بالغالبِ (بعد غَسلِ المحلِّ) الملوَّثِ بالحدثِ، لإزالته عنه (وتعصيبه) أي: فعلِ ما يَمنعُ الخارجَ حسبَ الإمكانِ من حشوٍ بقطنٍ وشدِّهِ بخِرْقةٍ طاهرةٍ. فإنْ خرجَ بعد ذلك شيءٌ، لم تبطلْ طهارتُه.
(وتتوضَّأُ) أي: المستحاضةُ (في وقتِ كلِّ صلاةٍ) إنْ خرجَ شيءٌ؛ لقولِهِ ﵇: "وتتوضَّأُ عند كلِّ صلاةٍ". رواه أبو داودَ والترمذيُّ (^١). ولقولِهِ أيضًا لفاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ: "وتوضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتى يجيءَ ذلك الوقتُ". رواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ (^٢). ولأنَّها طهارةُ عذرٍ، فتقيَّدَتْ بالوقتِ، كالتيمُّمِ، فإنْ لم يخرج شيء (^٣)، لم يبطلْ. وظاهرُه أيضًا: لا يبطلُ بطلوعِ الشمسِ، لو كانتْ توضَّأتْ قبلَهُ. قال المجدُ وغيرُه: وهو أَوْلى، وجزمَ به في نظم "المفردات "، فقال:
وبدخولِ الوقتِ طهرٌ يَبطلُ … لمَنْ بها استحاضةٌ قدْ نقلوا
لا بالخروجِ منه لو تطهرتْ … بالفجرِ لم يبطلْ بشمسٍ ظهرتْ
وقال أبو يعلى: تبطلُ بخروجِ الوقتِ ودخولِهِ. ثمَّ قال: والأَوْلى تبطلُ بدخولِ الوقتِ.
وسوَّى بينهما في "الإقناع"، تبعًا لأبي يعلى، وإليه ميلُه في "الإنصاف".
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٧)، والترمذي (١٢٦) من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده. وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤١٤٥)، أبو داود (٢٩٨)، والترمذي (١٢٥) من حديث عائشة. وصححه الألباني.
(٣) سقطت: "شيء" من الأصل.
[ ١ / ٢١٤ ]
وتنوي بوُضُوئِها الاستباحَةَ.
وكذا يفعلُ كُلُّ مَنْ حَدثُهُ دائِمٌ.
ويحرمُ وطءُ المستحاضَةِ، ولا كفَّارةَ.
ويصلِّي دائمُ الحدثِ عقبَ طهرِه ندْبًا.
وعُلِمَ من هذا: أنَّه لا يصحُّ وضوؤُها لفرضٍ قبلَ وقتِهِ.
(وتنوي بوضوئِها الاستباحةَ. وكذا يفعلُ كلُّ مَنْ حدثُه دائمٌ) وهو مَنْ به سلَسُ بولٍ، أو مذيٍ، أو ريحٍ، أو رُعافٌ دائمٌ. يعني: أنَّ حكمَ هؤلاءِ، حكمُ المستحاضةِ فيما تقدَّمَ، لتساويهم معنًى، وهو عدمُ التحرزِ من ذلك، فوجبَ المساواةُ حكمًا. قال إسحاقُ بنُ راهويه: كان يزيدُ بنُ ثابتٍ عنده سلسُ البولِ، وكان يداويه ما استطاعَ، فإذا غلبه، صلَّى ولا يبالي ما أصابَ ثوبَه. لكن عليه أنْ يحتشيَ، كما تقدَّمَ في المستحاضةِ.
وإنْ كان محلُّ الحدثِ مما لا يمكنُ عصبُه كالجرحِ الذي لا يرقأْ دمُه، ولا يمكنُ شدُّه، أو مَنْ به باسورٌ أو ناصورٌ، ولا يمكنُ عصبُه، صلَّى على حسبِ حالِهِ؛ لفعلِ عمرَ، حيثُ صلَّى وجرحُه يثعب (^١) دمًا. رواه أحمدُ.
(ويحرمُ وطءُ المستحاضةِ، ولا كفَّارَةَ) من غيرِ خوفِ عنتٍ منه، أو منها؛ لقولِ عائشةَ: المستحاضةُ لا يغشاها زوجُها (^٢). فإنْ خافَه، أو خافتْه، أُبيحَ وطؤها، ولو لواجدِ الطَّولِ، خلافًا لابن عقيلٍ. وكذا إنْ كان به شبَقٌ شديدٌ؛ لأنَّه أخفُّ من الحيضِ، ومدَّتُه تطولُ، بخلافِ الحيضِ، ولأنَّ وطءَ الحائضِ قدْ يتعدَّى إلى الولدِ،
_________________
(١) في الأصل: "يتصبَّبُ".
(٢) أخرجه الدارمي (٨٣٠)، والبيهقي (١/ ٣٢٩).
[ ١ / ٢١٥ ]
والنِّفاسُ لا حدَّ لأقلِّه. وأكثرُه: أربعُونَ يومًا.
ويثبتُ حُكمُهُ بوضعِ ما تَبيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ.
فيكونُ مجذومًا. وحيثُ حَرُمَ لا كفارةَ فيه.
(والنِّفاسُ): دمٌ ترخيه الرحمُ مع ولادةٍ، وقبلَها بيومين أو ثلاثةٍ، بأمارةٍ. أي: علامةٍ على الولادةِ، كالتألمِ وإلَّا فلا تجلُسُه؛ عملًا بالأصلِ. وإنْ تبيَّنَ عدمُه، أعادتْ ما تَركتْه.
(لا حدَّ لأقلِّه) لأنَّه لم يردْ تحديدُه، فرُجعَ فيه إلى الوجودِ، وقدْ وُجِدَ قليلًا وكثيرًا. ورُويَ أنَّ امرأةً ولدتْ على عهدِه ﵇. فلم ترَ دمًا، فسُمِّيتْ: ذاتَ الجفوفِ (^١). ولأنَّ اليسيرَ دمٌ وُجدَ عقبَ سَبَبِهِ، فكان نفاسًا كالكثيرِ. فإنْ رأتْ قطرةً، ورأتِ الطهرَ بعدَها، فهي طاهرٌ.
(وأكثرُه: أربعون يومًا) قال الترمذيُّ (^٢): أجمعَ أهلُ العلمِ من أصحابِ النبيِّ - ﷺ -، ومَنْ بعدَهُم، على أنَّ النفساءُ تدَعُ الصَّلاةَ أربعينِ يومًا، إلا أنْ ترى الطهرَ قبلَ ذلك، فتغتسلُ وتصلِّي.
وذلك من ابتداءِ خروجِ بعضِ الولدِ. يعني: أنَّ الأربعين التي مع الولادةِ، أوَّلُها من ابتداءِ خروجِ بعضِ الولدِ. فحينئذٍ: إنَّ اليومَين أو الثلاثةَ قبلَ الولادةِ، ليستْ من الأربعين، لكنَّها دمَ نِفاسٍ، فتكونُ المدةُ اثنين وأربعين، وثلاثةً وأربعين.
(ويثبتُ حكمُه بوضعِ ما تبينَ (^٣) فيه خلقُ إنسانٍ) ولو خفيًّا؛ لأنَّه ولادةٌ، لا
_________________
(١) في الأصل: " الجفون ". والمثبت من "دقائق أولي النهى" ١/ ٢٤٢.
(٢) "سنن الترمذي" تحت الحديث (١٣٩).
(٣) في الأصل: "ما يتبين ".
[ ١ / ٢١٦ ]
فإن تخلَّل الأربَعين نقاءٌ، فهو طهرٌ، لكِن يُكرهُ وَطؤُها فيه.
ومن وضَعَت ولدَين فأكثرَ، فأوَّلُ مُدَّةِ النِّفاسِ من الأوَّل، فلو كانَ بينَهما أربعونَ يومًا، فلا نِفَاسَ للثَّاني.
وفي وَطءِ النُّفسَاءِ ما في وَطِء الحائِضِ.
ويجوزُ للرَّجُل شُربُ دواءٍ مُباحٍ يمنعُ الجِماعَ،
علقةٌ أو مضغةٌ لا تخطيطَ فيها. وأقلّ ما يتبينُ فيه خلقُه: أحدٌ وثمانون يومًا. وغالبُه، كما قال المجدُ وابنُ تميمٍ وابنُ حمدان وغيرُهم: ثلاثةُ أشهرٍ.
(فإنْ تخلَّلَ الأربعين نقاءٌ، فهو طهرٌ) كالحيضِ. فتغتسلُ، وتفعلُ ما تفعلُ الطَّاهراتُ. (لكنْ يُكره وطؤُها فيه) أي: النَّقَاءِ زَمَنَه بعد الغُسل. قال أحمدُ: ما يعجبني أنْ يأتيهَا زوجُها، على حديثِ عثمانَ بنِ أبي العاصِ: أنَّها أتتْه قبلَ الأربعين، فقال: لا تَقرَبيني. ولأنَّه لا يأمنُ العودَ زمنَ الوطءِ.
(ومَنْ وضعتْ ولدَيْن فأكثرَ، فأوَّلُ مدَّةِ النِّفاسِ من) ابتداءِ خروجِ (الأوَّلِ) كما لو انفردَ الحملُ، (فلو كان بينَهما أربعون يومًا) فأكثر (فلا نِفاسَ للثاني) بل هو في دمُ فسادٍ؛ لأنَّه تبعٌ للأوَّلِ، فلم يعتبز في آخرِ النِّفاسِ، كما لا يعتبرُ في أوَّلِهِ.
(وفي وطءِ النفساءِ ما في وَطءِ الحائضِ) من الكفارةِ، نصًّا، قياسًا عليه.
(ويجوزُ للرجلِ شربُ دواءٍ مباحٍ يمنعُ الجماعَ) ككافورٍ؛ لأنَّه حقٌّ له.
قال في "الإقناع " (^١): ولا يجوزُ ما يقطعُ الحملَ.
وفيه نظرٌ؛ إذْ يلزمُ من قَطعِ الجماعِ قَطعُ الحَملِ.
_________________
(١) " الإقناع " (١/ ١١٠).
[ ١ / ٢١٧ ]
وللأُنثى شُربُه؛ لحصولِ الحيضِ، ولقَطعِه.
(وللأنثى شُرْبُه) أي: المباحِ الحصولِ الحيضِ، ولقَطعِهِ) لا قُربَ رمضانَ؛ لتُفطِرَه. قال في "الإقناع" (^١): مع أمن الضررِ.
_________________
(١) "الإقناع" (١/ ١١٠).
[ ١ / ٢١٨ ]