فَصْلٌ
واجبُ التيمُّم: التَّسميَةُ، وتسقُط سَهوًا.
وفُروضُهُ خمسَةٌ:
مسحُ الوجهِ، ومسحُ اليدينِ إلى الكُوعَين.
(فصلٌ)
و(واجبُ التيممِ: التسميةُ) وهو أنْ يقولَ: بسمِ اللهِ. لا غير. وظاهرُهُ: ولو عن نجاسةٍ ببدنٍ كالنيةِ. (وتسقطُ سهوًا) وإنْ ذكرَها في بعضِه، ابتدأَ.
(وفروضُه خمسةٌ) في الجملةِ:
أحدُها: (مسحُ الوجهِ) ومنه اللِّحيةُ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النِّساء: ٤٣]، سوى ما تحتَ شعرٍ، ولو كان خفيفًا، وسوى داخلِ فمٍ وأنفٍ، ويُكره ذلك.
والثاني: (مسحُ اليدين إلى الكوعين) والكوعُ: طرفُ الزندِ الذي يلي (^١) الإبهامَ. لقولِه تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النِّساء: ٤٣]، وإذا عُلِّقَ حكمٌ بمطلقِ اليدين، لم يدخلْ فيه الذراعُ، كقطعِ السارقِ، ومسِّ الفرجِ. ولحديثِ عمارٍ قال: بعثَني النبيُّ -ﷺ- في حاجةٍ، فأجنبتُ، فلم أجدِ الماءَ، فتمرغتُ في الصعيدِ، كما تتمرَّغُ الدابةُ، ثمَّ أتيتُ النبيَّ -ﷺ-، فذكرتُ (^٢) ذلك له، فقال: "إنَّما كان يكفيكَ أن تقولَ بيديك
_________________
(١) سقطت: "يلي" من الأصل.
(٢) في الأصل "فذكر".
[ ١ / ١٨١ ]
الثالثُ: الترتيبُ في الطهارةِ الصُّغرى.
فيلزمُ مَنْ جُرحُه ببَعضِ أعضَاءِ وضوئِه -إذا توضَّأ- أنْ يتيمَّمَ له عِندَ غَسلِه لو كانَ صَحِيحًا.
هكذا". ثمَّ ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيه، ووجهَهُ. متفقٌ عليه (^١).
(الثالثُ) من فروضِ التيمُّمِ: (الترتيبُ في الطَّهارةِ الصغرَى) دونَ الكبرَى، وفى ونَ نجاسةٍ على بدنٍ؛ لأنَّ التيمَّمَ مبنئ على طهارةِ الماءِ، وهو فرضٌ في (^٢) الوضوءِ دون ما سواه، وذلك بأنْ يمسحَ وجهَهُ، ثمَّ يديه. فإنْ عكسَ، لَمْ يصحَّ.
(فيلزمُ مَنْ جَرْحُه ببعضِ أعضاءِ وضوئِه، إذا توضَّأَ) ترتيبٌ؛ لوجوبِه في الوضوءِ (أنْ يتيمَّمَ له) أي: للعضوِ الجريحِ ونحوِه (عندَ غسلِه لو كان صحيحًا) فإنْ كان الجرحُ ونحوُه في الوجهِ، وعمَّه، تيمَّمَ أولًا، ثمَّ أتمَّ وضوءَهُ.
وإن كان في بعضِه، خُيِّرَ بينَ أن يغسلَ صحيحَه، ثمَّ يتيمَّمَ لجريحِه، وعكسُه، ثمَّ يتمُّ وضوءَه.
وإنْ كان في عضوٍ آخرَ، لزِمَه غسلُ ما قبلَهُ، ثمَّ كان فيه على ما ذكرَ في الوجهِ.
وإنْ كان في وجهِه ويديه ورجليه، احتاجَ في كلِّ عضوٍ إلى تيمُّمٍ في محلِّ غَسلِهِ؛ ليحصلَ الترتيبُ. فإنْ غسلَ صحيحٌ وجهَه، ثمَّ تيمَّمَ له وليديه تيمَّمًا واحدًا، لَمْ يجزئُه؛ لأدائِهِ إلى سقوطِ الترتيبِ بين الوجهِ واليدين. وأما التيمُّمُ عن جملةِ الطَّهارةِ، فالحكمُ له دونَها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨).
(٢) سقطت: "في" من الأصل.
[ ١ / ١٨٢ ]
الرابعُ: الموالاةُ، فيلزمه أنْ يُعيدَ غَسلَ الصَّحيحِ عِندَ كُلِّ تيمُّمٍ.
الخامسُ: تعيينُ النية لما يَتيمَّمُ له من حَدثٍ أو نجاسةٍ، فلا تكفي نيَّةُ أحدِهما عن الآخر،
(الرابعُ) من فروضِ التيمُّمِ: (الموالاةُ) لوجويها فيه. وهي بقدرِها في وضوءٍ.
يعني: أنه لو تأخَّرَ مسحُ يديه عن وجهِه، فإنْ كان بحيثُ لو كانَ في الوضوءِ -وهو في زمنٍ معتدلٍ- جفَّ وجهُهُ، بطلَ تيمُّمُه.
فيلزمُ مَنْ جُرْحُه ببعضِ أعضاءِ وضوئِه موالاةٌ. فلو كان برجلِه، وتيمَّمَ له عند غسلِها. ومضى ما تفوتُ فيه، ثم خرجَ الوقتُ، بطلَ تيمُّمُه (فيلزمُه أن يعيدَ غسلَ الصحيحِ عندَ كلِّ تيممٍ) كما لو أخَّرَ غسلَه حتى فاتتْ.
ولو اغتسلَ لجنابةٍ، ثمَّ تيممَ لنحوِ جُرحٍ، وخرجَ الوقتُ، لمْ يعدْ سوى التيممِ؛ لأنَّه لا يعتبرُ فيه ترتيبٌ ولا موالاةٌ.
(الخامسُ) من فروضِ التيمُّمِ: (تعيينُ النيةِ) أي: استباحةٌ (لما يتيمَّمُ له) كصلاةٍ، أو طوافٍ، فرضًا أو نفلًا (من حدثٍ) أصغرَ أو أكبرَ (أو نجاسةٍ) ببدنٍ، ويكفيه لها تيمُّمٌ واحدٌ، وإن تعددتْ مواضعُها. فإنْ نوى رفعَ حدثٍ، لم يصحَّ تيمُّمُه؛ لأنَّه مبيحٌ لا رافعٌ؛ لأنَّه طهارةُ ضرورةٍ. (فلا تكفي) مَنْ هو محدثٌ، وببدنِهِ نجاسةٌ، التيمُّمُ بـ (نية أحدِهما عن الآخرِ). وكذا الجريحُ في عضوٍ من أعضائِهِ، لا بدَّ أنْ ينويَ التيمَّمَ عن غسلِهِ؛ لحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوَى" (^١). وإذا تيمَّمَ للجنابةِ، أُبيحَ له ما يُباحُ للمحدثِ من قراءةٍ ولبثٍ بمسجدٍ، دونَ صلاةٍ وطوافٍ ومسِّ مصحفٍ. وإنْ أحدثَ، لم يؤثرْ في هذا التيمُّمِ.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ١٨٣ ]
وإن نواهُما أجزأ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لو نوَى بتيمُّمِه رفعَ الحدثِ، لم يصحَّ.
(وإنْ نواهما أجزأَ) أي: الحدثيين بتيمُّمٍ واحدٍ، أو نوى الحدثَ ونجاسةً ببدنٍ، بتيمُّمٍ واحدٍ، أجزأَ عنهما. أو نوى أحدَ أسبابِ أحدِهما. أي: الحدثين، بأنْ بالَ أو تغوَّطَ، وخرجَ منه ريحٌ ونحوُه، ونوى واحدًا منهما، وتيمَّمَ، أجزأَ تيمُّمُه عن الجميعِ. وكذا لو وُجِدَ منه موجباتٌ للغسلِ، ونوى أحدَها. لكنْ قياسُ ما تقدَّمَ في الوضوءِ: لا إن نوى أن لا يستبيحَ به (^١) غيرَه.
"تنبيهٌ": ومَنْ نوى بتيمُّمِه شيئًا تُشترطُ له الطَّهارةُ، من صلاةٍ وغيرِها، استباحَهُ واستباحَ مثلَه. فمَنْ تيمَّمَ لظهرٍ استباحَها وما يُجمعُ إليها، وفائتةً فأكثرَ. واستباحَ دونَهُ، كمنذورةٍ، ونافلةٍ، ومسِّ مصحفِ بالأَوْلى. ولم يستبحْ ما هو أعلى منه، وهو الصحيحُ، وهو المذهبُ، وعليه جمهورُ الأصحابِ. فهذا هو الضابطُ في ذلك.
"فائدةٌ": لو نوى المراهقُ التيمَّمَ لفرضِه، تمَّ بلَغَ، لم يجزْ أنْ يصلِّيه فيه. ولو نوى به قضاءً صلَّى به أداءً، وعكسُه.
فأعلاه: فرضُ عيني، فنذرٌ، فكفايةٌ، فنافلةٌ، فطوافُ نفلٍ، فمسُّ مصحفٍ، فقراءةٌ، فلبثٌ.
وإن أطلقَها (^٢) لصلاةٍ؛ بأنْ لمْ يعيِّن بنيتِه الاستباحةَ فرضًا ولا نفلًا -أو طوافٍ- لم يفعلْ إلا نفلَهما. فلا يطوفُ به طوافَ الزيارةِ.
_________________
(١) في الأصل: "من".
(٢) في الأصل: "أطلقهما".
[ ١ / ١٨٤ ]
ومُبطِلاتُه خَمسَةٌ:
ما أبطلَ الوضُوءَ، ووجُودُ الماءِ، وخُروجُ الوقت،
(ومبطلاتُهُ خمسةٌ) أي: مبطلاتُ التيمُّمِ خمسةٌ:
أحدُها: (ما أبطلَ الوضوءَ) كخروجِ شيءٍ من سبيلٍ، وزوالِ عقلٍ، ومسِّ فرجٍ، ونحوِه من نواقضِ الوضوء، إذا كان تيمُّمُه عن حدثٍ أصغرَ؛ لأنَّه بدلٌ عن الوضوءِ، فحكمُه حكمُه.
ويبطلُ التيمُّمُ عن حدثٍ أكبرَ بما يوجبُه، كالجماعِ، وخروجِ المنيِّ بلذةٍ، إلَّا غسلَ حيضٍ ونفاسٍ إذا تيمَّمتْ له، فلا يبطلُ بمبطلاتِ غُسلٍ ووضوءٍ، بلْ بوجودِ حيضٍ ونفاسٍ. فلو تيمَّمْت بعَد طهرِها من الحيضِ له، ثمَّ أجنبْت، فله الوطءُ؛ لبقاءِ حكمِ تيمم (^١) الحيضِ، والوطءُ إنما يوجبُ حدثَ الجنابةِ. قاله في "الإقناع" (^٢).
(و) الثاني من مبطلاتِ التيمُّمَ: (وجودُ الماءِ) إنْ كان تيمُّمُه لعدمِه؛ لقولِه ﵇: "فإذا وجدتَ الماءَ، فأمسَّه بشرتَكَ" (^٣). ولأنَّ اللهَ تعالى إنَّما أباحَ التيممَ عندَ عدَمِه، فإذا وجِدَ، وجبَ استعمالُه.
(و) الثالثُ من مبطلاتِ التيمُّمِ: (خروجُ الوقتِ) لقولِ عليٍّ (^٤): التيمُّمُ لكلِّ صلاةٍ. ولأنَّه طهارةُ ضرورةٍ، فتقيَّدُ بالوقتِ، كطهارةِ المستحاضةِ. فلو تيمَّمَ وقتَ الصبحِ، بطلَ بطلوعِ الشمسِ. وكذا لو تيمَّمَ بعدَ الشروقِ، بطلَ بالزوالِ. ما لم يكنْ
_________________
(١) سقطت: "تيمم" من الأصل.
(٢) انظر "كشاف القناع" (١/ ٤١٩).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٤٧).
[ ١ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في صلاةِ جمعةٍ، فلا تبطلُ إذا خرجَ وقتُها؛ لأنَّها لا تُقضى.
ويبطُلُ التيمُّمُ لطوافٍ، وجنازةٍ، ولبثٍ بمسجدٍ، ونافلةٍ، بخروجِ الوقتِ، كالفريضةِ، على الصحيحِ من المذهبِ.
"تنبيهٌ": ظاهرُ قولِه: ويبطلُ التيمُّمُ بخروجِ الوقتِ: أنَّ التيمُّمَ مبيحٌ، لا رافعٌ، وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. قال الزركشيُّ (^١): وهو المختارُ للإمامِ والأصحابِ.
وقال أبو الخطابِ في "الانتصار": يرفعُه رفعًا مؤقتًا بالوقتِ على روايةٍ.
وعنه: أنَّه رافعٌ، فيصلِّي به إلى حدثِهِ. اختارَه أبو محمدٍ الجوزيُّ، والشيخُ تقيُّ الدينِ، وابنُ رزينٍ، وصاحبُ "الفائق". فيرفعُ الحدثَ إلى القدرةِ على الماءِ، ويتيمَّمُ لفرضٍ ونفلٍ قبلَ وقتِهِ، ولنفلٍ غيرِ معيَّنٍ لا سببَ له وقت نهيٍّ.
وقال الشيخُ تقيُّ الدين أيضًا في "الفتاوى المصرية": التيممُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، إلى أنْ يدخلَ وقتُ صلاةٍ أخرى أعدلُ الأقوالِ. وعلى المذهبِ: لا يصحُّ ذلك، كما تقدمَ.
وعلى المذهبِ: يتيممُ للفائتةِ إذا أرادَ فعلَها. ذكَرَه أبو المعالي والأزجيُّ. وقال في "الفروع": وظاهرُ كلامِ جماعةٍ: إذا ذكرَها. قال: وهو أولى. ويتيممُ للكسوفِ عند وجودِه، وللاستسقاءِ إذا اجتمعوا، وللجنازةِ إذا غُسِّلَ الميتُ، أو يُمِّمَ لعدمِ الماءِ. فيعايا بها فيقالُ: شخصٌ لا يصحُّ تيمُّمُهِ حتى يتيمُّمَ غيرُه؟. وقال في "الرعاية": ووقتُ التيمُّمِ لصلاةِ جنازةٍ إذا طُهِّرَ الميتُ، وقيل: بلْ إنجازُ غَسلِه.
_________________
(١) انظر "شرح الزركشي" (١/ ٣٤٥).
[ ١ / ١٨٦ ]
وزوالُ المبيحِ له، وخَلعُ ما مَسَحَ عليه.
وإن وجَدَ الماءَ وهو في الصَّلاةِ، بطَلَتْ،
ووقتُه لصلاةِ عيدٍ ارتفاعُ الشمسِ. وقال الزركشيُّ: وقتُ المنذورةِ: كلُّ وقتٍ، على المذهبِ، ووقتُ جميعِ التطوعاتِ: وقتُ جوازِ فعلِها.
وقال في "الرعاية": وعنه: يصلِّي ما لَمْ يحدثْ. وقيل: أو يجدِ الماءَ. قلتُ: ظاهرُ هذا مشكِلٌ، فإنَّه يقتضي أنَّه على النصِّ يصلِّي وإنْ وجدَ الماءَ، وهو خلافُ الإجماعِ. قاله في "الإنصاف" (^١).
(و) الرابعُ من مبطلاتِ التيمُّمِ: (زوالُ المبيحِ له) كبرء مرضٍ أو جُرحٍ تيمَّمَ له؛ لأنَّه طهارةُ ضرورةٍ، فزالَ بزوالِها.
(و) الخامسُ من مبطلاتِ التيمُّمِ: (خَلعُ ما مسحَ عليه) كخفٍّ، وعمامةٍ، وجبيرةٍ لبست على طهارة ماءٍ، إنْ تيمَّمَ بعدَ حدثِهِ وهو عليه، سواءٌ مسحَه قبلَ ذلك، أو لا؛ لقيامِ تيمُّمِهِ مقامَ وضوئِهِ، وهو يبطُلُ بخلعِ ذلك، فكذا ما قامَ مقامَهُ. والتيمُّمُ وإنِ اختصَّ بعضوين صورةً، فهو متعلِّقٌ بالأربعةِ حكمًا. وكذا لو انقضَتْ مدةُ مسحٍ. وهو من المفرداتِ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لو تيممَ قبلَ اللبسِ، ثُمَّ لبسَه ومسحَ عليه، ثُمَّ خلعَه، لَمْ يبطُلْ تيمُّمُه.
(وإن وجدَ الماءَ) مَنْ تيمَّمَ لعدمِهِ (وهو في الصَّلاةِ، بطلتْ) لبطلانِ طهارتِهِ، فيتوضَّأُ، أو يغتسلُ، ويبتدئُ الصَّلاةَ. وقال في "الرعاية": قلتُ: الأولى قلبُها نفلًا.
(وإن انقضتْ) أي: الصَّلاةُ، (لَمْ تجبِ الإعادةُ) لأنَّه أدَّى فرضَه، كما أمرَ، فلم
_________________
(١) "الإنصاف" (٢/ ٢٤٢).
[ ١ / ١٨٧ ]
وإن انقَضَت، لم تَجِبِ الإعادةُ.
وصِفَتُه: أن ينويَ، ثمَّ يُسمِّيَ، ويَضربَ التُّرابَ بيديه مُفرَّجَتَىِ الأصابعِ، ضَربةً واحِدةً -والأحوطُ ثِنتَان-
تلزمْه إعادةٌ، كما لو وجدَه بعدَ الوقتِ.
(وصفتُه) أي: التيممِ: (أن ينويَ) استباحةَ فرضِ الصَّلاةِ، أو نحوِه، من حدثٍ أصغرَ أو نحوِه. (ثُمَّ يُسمِّيَ) وجوبًا. فيجبُ تقديمُ النيةِ على التسميةِ، وإلَّا لم يصحَّ تيمُّمُه. (ويضربُ الترابَ بيديه، مُفرَّجَتَي الأصابعِ) ليصلَ الترابُ إلى ما بينَهما. وينزعَ نحوَ خاتمٍ، ولو كان الضربُ على لِيْدٍ، أو ثوبٍ، أو بساطٍ، أو حصيرٍ، أو حائطٍ، أو صخرةٍ، أو حيوانٍ، أو بَرذَعةِ حمارٍ، أو شجرٍ، أو خشبٍ، أو عِدْلِ شعيرٍ، أو نحوِه ممَّا عليه ترابٌ طهورٌ له غبارٌ.
ولو كان الترابُ ناعمًا، فوضعَ يدَه عليه من غيرِ ضربٍ، فعلِقَ بيدِه، أجزأهُ (ضربةً واحدةً) كونه بضربةٍ مسنونٌ، فلو كان بضربتين؛ واحدةٌ للوجهِ، والأخرى لليدين، جازَ. لكن يُكره بأكثرَ منهما، مع الاكتفاءِ بهما، بل يجبُ إن لم يحصلِ الاستكفاءُ بهما.
ويُكره نفخُ الترابِ إنْ كان قليلًا، فإنْ ذهبَ به، أعادَ الضربَ.
(والأحوطُ: ثنتان) يمسحُ بأحدِهما وجهَهُ، ويمسخ بالأخرى يديه؛ لأنَّ الغرضَ إيصالُ الترابِ إلى محلِّ الفرضِ.
وقال القاضي والشيرازيُّ وابنُ الزَّاغوني: المسنونُ ضربتان، يمسحُ بأحدِهما وجهَهُ، وبالأخرى يديه إلى المرفقين
(بعدَ نزعِ خاتمٍ ونحوِه) ليصلَ الترابُ إلى ما تحتَهُ.
[ ١ / ١٨٨ ]
بعد نَزعِ خاتَمٍ ونحوِه، فيمسحُ وجهَهُ بباطِنِ أصابِعِه، وكَفَّيهِ براحَتَيهِ.
(فيمسحُ وجهَهُ) جميعَهُ، فإنْ بقيَ منه شيءٌ لم يصلْ إليه الترابُ، أمرَّ يدَه عليه، إنْ لَمْ يفصلْ راحتَهُ. وإنْ فصلَها فإنْ بقيَ عليها غبارٌ، جازَ أيضًا المسحُ بها، وإلا ضربَ ضربةً أخرى (بباطنِ أصابعِه، وكفَّيه براحَتَيه) في الإصبعِ عشرُ لغاتٍ: تثليثُ الهمزةِ مع تثليثِ الباءِ في كلٍّ. والعاشرةُ: أُصْبُوعُ. كعصفورٍ.
قال في "الإنصاف" (^١): الصحيحُ من المذهبِ: أنَّ المسنونَ والواجبَ ضربةٌ واحدةٌ، نصَّ عليه، وعليه جمهورُ الأصحابِ. انتهى.
قال في "الشرح" (^٢): قال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: التيمُّمُ ضربةٌ واحدةٌ؟ فقال: نعم، للوجهِ والكفين، ومَنْ قال: ضربتين. فإنَّما هو شيءٌ زادَه. انتهى.
والأصلُ في ذلك: ما روَى عمارٌ قال: بعثَني النبيُّ -ﷺ- في حاجةٍ فأجنبتُ، فلم أجدِ الماءَ، فتمرَّغتُ في الصَّعيدِ، كما تمرَّغُ الدابةُ، ثمَّ أتيتُ النبيَّ -ﷺ-، فذكرْتُ ذلك له، فقال: "إنَّما كان يكفيك أن تقولَ بيدِيك هكذا". ثُمَّ ضربَ بيدِيه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيه وجهَه. متفقٌ عليه (^٣).
ولأنَّه حكمٌ عُلِّقَ بمطلقِ اليدين، فلم يدخلْ فيه الذراعُ، كقَطعِ السارقِ، ومسِّ الفرجِ. وقد احتجَّ ابنُ عباسٍ بهذا.
فإن قيل: فقدْ رُوِيَ في حديثِ عمارٍ: "إلى المرفقين". قُلْنا: حديثُ: "إلى
_________________
(١) "الإنصاف" (٢/ ٢٥٤).
(٢) "الشرح الكبير" (٢/ ٢٥٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٣٦٨).
[ ١ / ١٨٩ ]
وسُنَّ لمن يَرجُو وجودَ الماءِ تأخِير التيمُّمِ إلى آخِرِ الوقتِ المُختَارِ.
وله أن يصلِّيَ بتيمُّمٍ واحدٍ ما شاءَ من الفَرضِ والنَّفْلِ، لكن لو تيمَّمَ للنَّفلِ، لم يستَبِحِ الفَرضَ.
المرفقينِ" لا يعوَّلُ عليه، إنَّما رواه سلمةُ، وشكَّ فيه. ذكرَ ذلك النسائيُّ (^١)، فلا يثبتُ مع الشكِّ، مع أنَّه قد أُنكرَ عليه، وخالفَ به سائرَ الرواةِ الثقاتِ.
واستحبَّ القاضي وغيرُه: ضربتين؛ ضربةً للوجهِ، وأخرى لليدين إلى المرفقين. وقد تقدَّمَ الإشارةُ إلى ذلك.
(وسُنَّ لمَنْ يرجو) أو يعلمُ (وجودَ الماءِ) أو مستوٍ عندَه الأمران، وهما الوجودُ والعدمُ، (تأخيرُ التيمُّمِ إلى آخرِ الوقتِ المختارِ) أي: سُنَّ تأخيرُه إلى آخرِ الوقتِ المختارِ؛ بحيثُ يبقَى منه قدرُ التيمُّمِ والصَّلاةِ؛ لأنَّ الطهارةَ بالماءِ شرطٌ، والصَّلاةُ في أولِ الوقتِ فضيلةٌ، ولا شكَّ أن تركَ الفضيلةِ وانتظارَ الشرطِ أَوْلى من عكسِ ذلك. وإنَّما لَمْ يجبِ التأخيرُ له؛ لأنَّه فاقدٌ للماءِ، فجازَ له التيمُّمُ في أولِ الوقتِ.
أمَّا إنْ أيس من وجودِه، فالمسنونُ التقديمُ؛ لأنَّ أولَ الوقتِ فضيلةٌ متيقنةٌ، فلا يتركُه لأمرٍ مظنونٍ.
وفي "المبدع" (^٢): وظاهرُه: إذا لم يرْجه، بل ظنَّ -أو علمَ- عدمَه، فالتقديمُ أولى، لئلا يتركَ الفضيلةَ المتيقنةَ لأمرٍ غيرِ مرجو (^٣). وقدَّمَه في "الرعاية". وإن تردَّدَ، فوجهان.
(وله أن يصلِّي بتيمُّم واحدٍ ما شاءَ من الفرضِ والنفلِ، لكن لو تيمَّمَ للنفلِ، لم يستبحِ الفرضَ)، أي: لكونِه أعلى. وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه.
_________________
(١) في "سننه" (١/ ١٦٥).
(٢) "المبدع" (١/ ٢٢٨).
(٣) في الأصل: "موجودٍ".
[ ١ / ١٩٠ ]