فَصْلٌ
يحرمُ الكلامُ والإمامُ يخطُبُ، وهُو مِنهُ بحيثُ يسمَعُهُ،
(فصلٌ)
(يحرمُ الكلامُ) ولو لتسكيتِ غيرِه (والإمامُ يخطبُ) ولو كان الإمامُ غيرَ عدلٍ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال أكثرُ المفسرين: إنَّها نزلتْ في الخطبةِ، وسُمِّيتْ قرآنًا؛ لاشتمالِها عليه. ولخبرِ "الصحيحين" (^١) عن أدي هريرةَ مرفوعًا: "إذا قلتَ لصاحبِك يومَ الجمعةِ: أنصتْ، والإمامُ يخطبُ، فقدْ لغوتَ". واللغوُ: الإثمُ. ولقولِه ﵇: "مَنْ قالَ: صَه. فقدْ لغا، ومَنْ لغا فلا جمعةَ له". رواه أحمدُ وأبو داودَ (^٢). ولقولِه ﵇ في خبرِ ابنِ عباسٍ: "والذي يقولُ: أنصتْ، ليسَ له جمعةٌ". رواه أحمدُ (^٣). ولقولِه ﵇ لأبي الدرداءِ: إذا سمعت إمامَكَ يتكلَّمُ، فأنصتْ حتى يفرغَ". رواه أحمدُ (^٤). (وهو) المتكلِّمُ (منه) أي: الإمامِ. (بحيثُ يسمعُه) بخلافِ البعيدِ الذي لا يسمعُه؛ لأنَّ وجوبَ الإنصاتِ للاستماعِ، وهذا ليس بمستمعٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٢٤) (٧١٩)، وأبو داود (١٠٥٣) من حديث عليَّ. وضعفه الألباني.
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٥) (٢٠٣٣)، وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٤٤٠).
(٤) أخرجه أحمد (٣٦/ ٥٩) (٢١٧٣٠)، وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (٤٤٢).
[ ١ / ٤٧١ ]
ويُباحُ إذا سكَتَ بينَهُمَا، أو شَرَع في دُعاءٍ.
وتحُرمُ إقامةُ الجُمُعةِ - وإقامةُ العيدِ - في أكثرَ من موضِعٍ منَ البَلَدِ، إلَّا لِحَاجَةٍ، كضِيقٍ، وبُعدٍ، وخَوفِ فِتنَةٍ، فإن تعدَّدت لغيرِ ذلِكَ، فالسابِقَةُ بالإحرامِ
(ويُباحُ) الكلامُ (إذا سكتَ) الخطيبُ (بينهما) أي: الخطبتين (أو شرعَ في دعاءٍ) لأنَّه غيرُ واجبٍ، فلا يجبُ الإنصاتُ له.
قال المصنِّفُ ﵀ في "غاية المنتهى" (^١): ويتجه: أنَّ التحريمَ محلُّه أركانُ الخطبة.
قال في "الإقناع": قال الشيخُ: رفعُ الصَّوتِ قُدَّامَ بعضِ الخطباءِ مكروهٌ، أو محرَّمٌ اتفاقًا، فلا يرفعُ المؤذِّنُ، ولا يخرُه، صوتَه بصلاةٍ ولا غيرِها. وفي "التنقيح" و"المنتهى": وله الصَّلاةُ على النبيِّ - ﷺ - إذا سمِعَها. ويُسنُّ سرًّا (^٢)
(وتحرمُ إقامةُ الجمعةِ - وإقامةُ العيدِ - في أكثرَ من موضعٍ) واحدٍ (من البلدِ) لأنَّهما لمْ يكونا يُفعلان في عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - وعهدِ خلفائِه إلا كذلك. وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي". ولأنَّ الاقتصارَ على واحدةٍ أوفى للمقصودِ من إظهارِ شعارِ الاجتماعِ واتفاقِ الكلمةِ (إلا لحاجةٍ، كضيقِ) مسجدِ البلدِ عن أهلِه (و) كـ (بُعْدٍ) بأنْ يبهونَ البلدُ واسعًا وتتباعد أقطارُه، فيشقُّ على مَنْ منزلُهم بعيدٌ عن محلِّ الجمعةِ مجيئُها (و) كـ (خوفِ فتنةِ) لعداوةٍ بين أهلِ البلدِ يُخشى باجتماعِهم في محلٍّ إثارتُها
(فإنْ تعدَّدتْ) صلاةُ الجمعةِ (لغيرِ ذلك) أي: لغيرِ الحاجةِ (فالسابقةُ بالاحرامِ)
_________________
(١) "غاية المنتهى" (١/ ٢٤٧).
(٢) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣٨٧).
[ ١ / ٤٧٢ ]
هي الصحيحةُ.
ومَنْ أحرَمَ بالجُمُعةِ في وقتِهَا، وأدرَكَ مع الإمَامِ رَكعةً، أتمَّ جُمُعَةً،
لأنَّ الاستغناءَ حصلَ بها، فأُنيطَ الحكمُ بها. ولا فرقَ بين التي في المسجدِ الأعظمِ، أو مكانٍ يختصُّ جندُ السلطانِ به، أو كانتْ أحدُهما في قَصَبَةِ البلدِ، والأخرى في أقصاها؛ لأنَّ الاستغناءَ حصلَ بالأُولى، فأُنيطَ الحكمُ بها؛ لكونِها سابقةً بالإحرامِ، و(هي الصحيحةُ)
وإنْ وقعتا معًا؛ بأنْ وقعَ الإحرامُ من الإمامين في آنٍ واحدٍ، بطَلَتا؛ لأنَّه لا يمكنُ تصحيحُهما، ولا تصحيحُ أحدِهما؛ لأنَّه لا مزيةَ لواحدةٍ منهما على الأخرى. وحيثُ بطلتا؛ فإنْ أمكنَ أنْ يصلُّوا جمعةً مع توفرِ شروطِها، صلَّوا جمعةً؛ لأنَّها فرضُ الوقتِ، ولمْ تقمْ صحيحةً، فوجما تدارُكُها، وإلا؛ بأن فُقِدَ شيءٌ من شروطِها، فإنهم يصلون ظهرًا؛ لأنَّها بدلٌ عن الجمعة إذا فاتتَ.
وإن جُهِلَ كيف وقعتا، صلَّوا ظهرًا. واختارَ جمعٌ: الصَّحةَ. وكذا لو وقعتْ جُمَعٌ في بلدٍ، وجُهِلَ الحالُ، أو السابقةُ، صلَّوا ظهرًا.
(ومَنْ أحرَمَ بالجمعةِ في وقتِها) احترزَ به: عمَّا لو خرجَ الوقتُ والإمامُ فيها فأحرمَ بها المأمومُ بعدَ خروجِه، فإنَّها لا تنعقدُ جمعةً ولا ظهرًا (وأدركَ مع الامامِ ركعةً) بسجدتيها (أتمَّ جمعةً) رواه البيهقيَّ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ (^١). وعن أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ أدركَ ركعةً من الجمعةِ، فقدْ أدركَ الصَّلاة" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي عنهما (٣/ ١٠٣، ٢٠٤).
(٢) أخرجه النَّسَائِيّ (١٤٢٥) قال الألباني: شاذ بذكر "الجمعة" والمحفوظ: "الصلاة".
[ ١ / ٤٧٣ ]
وإن أدرَكَ أقلَّ، نوى ظُهرًا.
وأقلُّ السُّنةِ بعدَها: ركعتَانِ، وأكثرُها: سِتَّةٌ.
وسُنَّ قراءةُ سُورَةِ الكَهفِ في يَومِهَا،
رواه الأثرمُ. (وإنْ أدركَ أقلَّ) من ركعةٍ (نوى ظهرًا) لمفهومِ الخبرِ السابقِ، بخلافِ إدراكِ المسافرِ صلاةَ المقيمِ؛ لأنَّه إدراكُ إلزامٍ، وهذا إدراكُ إسقاطٍ للعددِ، وبخلافِ جماعةِ باقي الصَّلواتِ؛ لأنَّه ليس من شرطِها الجماعةُ، بخلافِ مسألتِنا.
ويصحُّ دخولُه مع الإمامِ بشرطِ أنْ ينويَ ظهرًا بإحرامِه؛ ولهذا قال في "الإقناع": إذا كان قدْ نوى الظهرَ، ودخلَ وقتُها؛ لأنَّ الظهرَ لا تتأدَّى بنيةِ الجُمعةِ ابتداءً، فكذا استدامةٌ، كالظهرِ مع العصرِ. وإلا؛ بأنْ لمْ يكنْ نواها ظهرًا، أو لمْ يكنْ دخلَ وقتُها انعقدتْ نفلًا، ولا يصحُّ إتمامُها جمعةً؛ لعدمِ إدراكِه لها بدونِ ركعةٍ؛ لما تقدم (^١).
(وأقلُّ السنةِ بعدَها) أي: الجُمعةِ: (ركعتانِ) لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: كان يصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتينِ. متفقٌ عليه (^٢). (وأكثرُها) أي: السنةِ بعدَ الجمعةِ: (ستَّةٌ) نصًّا؛ لقولِ ابنِ عمرَ: كان النبيُّ - ﷺ - يفعلُه. رواه أبو داودَ (^٣). ولا راتبةَ لها قبلَها، نصًّا. وتُسنُّ أربعٌ.
(وسنَّ قراءةُ سورةِ الكهفِ في يومِها) أي: الجمعةِ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ،
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٣٤١).
(٢) أخرجه البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٨٨٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١١٣٢)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مرفوعًا: "مَنْ قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ، أضاءَ له من النورِ ما بين الجمعتين". رواه البيهقيُّ (^١) بإسنادٍ حسنٍ. وفي خبرٍ آخرَ: "مَنْ قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ، أو ليلتِه، وُقِيَ فتنةَ الدَّجالِ" (^٢). والحكمةُ في ذلك: أنَّ اللهَ تعالى ذكرَ فيها أهوالَ يومِ القيامةِ، والجُمعةُ تُشْبِهُهَا؛ لما فيها من اجتماعِ الخلْقِ، ولأنَّ القيامةَ تقومُ يومَ الجُمعةِ. والكهفُ هو الغارُ في الجبلِ.
وسُنَّ كثرةُ الدُّعاءِ في يومِ الجمعةِ، وأفضلُ الدُّعاءِ بعدَ العصرِ؛ لحديثِ: "إنَّ في الجمعةِ ساعةً لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ يسألُ اللَّه شيئًا، إلا أعطاه إياه". وأشارَ بيدِه يقلِّلُها. متفقٌ عليه (^٣) من حديثِ أبي هريرةَ. واختُلِفَ فيها، فقال أحمدُ: أكثرُ الأحاديثِ (^٤) في الساعةِ التي يُرجى فيها الإجابةُ: أنَّها بعدَ صلاةِ العصرِ، وترجى (^٥) بعد زوالِ الشمسِ.
وقد ذكرَ الحافظُ شهابُ الدينِ ابنُ حجرٍ في "شرح البخاري" (^٦) فيها ثلاثةً وأربعين قولًا. ذكرَ القائلَ بكلِّ قولٍ ودليلَه. فليُرَاجَعْ.
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٤٩)، وصححه الألباني في "الإرواء" (٦٢٦).
(٢) لم أقف عليه بهذا السياق. وأخرج الضياء في "المختارة" (٤٢٩) من حديث عليٍّ مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون، فإن خرج الدجال، عصم منه" قال الألباني في "الضعيفة" (٢٠١٣): ضعيف جدًا.
(٣) أخرجه البخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢).
(٤) في الأصل: "الحديث".
(٥) سقطت: "وترجى" من الأصل.
(٦) "فتح الباري" (٢/ ٤٨٤).
[ ١ / ٤٧٥ ]
وأن يقرأَ في فجرِهَا: ﴿الم﴾ السجدَة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾ وتُكرَهُ مداومَتُهُ عليهِمَا.
(وأنْ يقرأَ في فجرِها) أي: الجمعةِ، في الركعةِ الأُولى: (﴿الم﴾ السجدة. وفي) الركعةِ (الثانية: ﴿هَلْ أَتَى﴾ (^١» نصًّا؛ لأنَّه ﵇ كان يفعلُه. متفقٌ عليه (^٢) من حديثِ أبي هريرةَ. قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: لتضمُّنِها ابتداءَ خلقِ السمواتِ والأرضِ، وخلقِ الإنسانِ، إلى أنْ يدخلَ الجنةَ أو النَّارَ.
(وتُكرَهُ مداومتُه عليهما) أي: على ﴿الم﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى﴾ في فجرِها. قال أحمدُ: لئلا يُظنَّ أنها مفضلةٌ بسجدةٍ. وقال جماعةٌ: لئلا يُظنَّ الوجوبُ. وتُكرَهُ القراءةُ بسورةِ الجمعةِ في عشاءِ ليلةِ الجمعةِ. زادَ في "الرعاية": والمنافقين.
خاتمةٌ: روى ابنُ السنيِّ من حديثِ أنسٍ مرفوعًا: "مَنْ قرأَ إذا سلَّمَ الإمامُ يومَ الجمعةِ، قبل أنْ يَثنيَ رِجليه، فاتحةَ الكتابِ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوِّذتين، سبعًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّرَ، وأعطِيَ من الأجرِ بعددِ مَنْ آمنَ باللهِ ورسوله" (^٣). ومن روايةِ ابنِ السنيِّ (^٤) عن عائشةَ: "مَنْ قرأَ بعد صلاةِ الجمعةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ سبعَ مراتٍ، أعاذَهُ اللهُ بها من السوءَ إلى الجمعةِ الأخرى".
_________________
(١) في الأصل: "هل أتى على الإنسان".
(٢) أخرجه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠).
(٣) ذكره ابن حجر في "معرفة الخصال المكفرة" ص (٣٦)، ونسبه لأبي الأسعد القشيري في "الأربعين". وذكره السيوطي في "الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير" (١٢١٦٦) قال الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٧٥٨): موضوع.
(٤) أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" ص (٣٣٢). وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٧٦٤).
[ ١ / ٤٧٦ ]