فَصْلٌ
يُسنُّ التكبيرُ المُطلَقُ، والجَهرُ به في ليلَتَي العِيدَين إلى فَراغِ الخُطبَةِ، وفي كُلِّ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ. والتكبيرُ المقيَّد فِي الأضْحَى عَقِبَ كلِّ فَريضَةٍ صلَّاها في جَمَاعةٍ، مِنْ صلاةِ فَجرِ يَومِ عَرفَةَ إلى عَصرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ،
(فصلٌ)
(يُسنُّ التكبيرُ المطلقُ) أي: الذي لمْ يُقيَّدْ بكونِه أدبارَ المكتوباتِ (و) يُسنُّ (الجهرُ به في ليلتي العيدين) في مساجدَ، وبيوتٍ، وأسواقٍ، وغيرِها (إلى فراغِ الخُطبةِ) لما رُويَ عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان إذا غدَا يومَ الفطرِ ويومِ الأضحى، يجهرُ بالتكبيرِ حتى يأتيَ المصلَّى، ثمَّ يكبِّرُ حتى يأتيَ الإمامُ. رواه الدارقطنيُّ (^١).
(و) يُسنُّ التكبيرُ المطلقُ (في كلِّ عشرِ ذي الحجةِ) ولو لمْ يَرَ بهيمةَ الأنعامِ.
(و) سُنّ (التكبيرُ المقيَّدُ في) عيدِ (الأضحى) خاصَّةً (عَقِبَ كلِّ) صلاةِ (فريضةٍ) فلا يُسنُّ عَقِبَ صلاةِ النفلِ (صلَّاها في جماعةٍ، من صلاةِ فجرِ يومِ عرفةَ إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ) لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: كان النبيُّ - ﷺ - يكبِّرُ في صلاةِ الفجرِ يومَ عرفةَ إلى صلاةِ العصرِ من آخرِ أيامِ التشريقِ، حين يسلِّمُ من المكتوباتِ. رواه الدارقطنيُّ (^٢).
فرعٌ: يُسنُّ التكبيرُ عقبَ الفائتةِ في عامِهِ، قبلَ دخولِ العيدِ، إذا صلَّاها جماعةً.
فائدةٌ: قال الشيخُ وجيهُ الدينِ بنُ المنجَّا: إنَّ الإمامَ إذا كان لا يَرى التكبيرَ في
_________________
(١) أخرجه الدارقطنيُّ (٢/ ٤٤).
(٢) أخرجه الدارقطنيُّ (٢/ ٤٩) قال الألباني في "الإرواء" (٦٥٣): ضعيف جدًا.
[ ١ / ٤٨٣ ]
إلَّا المُحرِمَ فيُكبِّرُ من صلاةِ ظُهرِ يومِ النَّحرِ.
تلك الصلاة (^١)، والمأمومَ يراه، أو بالعكسِ، فوجهان:
أحدُهما: أنَّ المأمومَ يتبعُ إمامَه فعلًا وتركًا؛ لأنَّ التكبيرَ من توابعِ الصَّلاةِ، فأشبَهَ ما هو في نفسِ الصَّلاةِ، إلا أنْ يتيقنَ خطأَ الإمامِ، فإنَّه لا يتابعُه، كما قلنا فيما إذا زادَ على سبعِ تكبيراتٍ في صلاةِ الجنازةِ والعيدِ.
والثاني: يجري (^٢) على موصا اعتقادِه؛ لأنَّ الاقتداءَ لا أثرَ له في هذا، فإنَّ الإمامَ إذا تحلَّلَ من صلاتِه، فقد انقطعَ أثرُ القدوةِ. انتهى من "حاشية" الشيخِ يوسف (^٣).
وعُلِمَ من قولِه: "في الأضحى" أنَّه لا يكبِّرُ في أدبارِ الصَّلواتِ في عيدِ الفطرِ. وهو كذلك، كما في "الإقناع" وغيرِه.
وعُلِمَ من قولِه: "في جماعةٍ". أي: فلا يُسنُّ التكبيرُ المقيدُ في أدبارِ الصَّلواتِ في الأضحى إذا صلَّى منفردًا؛ لقولِ ابنِ مسعودٍ: إنَّما التكبيرُ على مَنْ صلَّى جماعةً (^٤).
(إلا المُحْرِمَ) لأنَّه مشغولٌ بالمناسكِ قبلَ ذلك (فيكبِّرُ) أدبارَ المكتوباتِ جماعةً (من صلاةِ ظهرِ يومِ النحرِ) إلى عصرِ آخرِ أيامِ التشريقِ، نصًّا؛ لأنَّ التلبيةَ تنقطعُ برمي (^٥) جمرةِ العقبةِ. ووقتُه المسنونُ: ضحى يومِ العيدِ، فكان المُحْرِمُ فيه
_________________
(١) سقطت: "في تلك الصلاة" من الأصل.
(٢) في الأصل: "يجزئُ".
(٣) انظر "النكت على المحرر" (١/ ٢٦٤).
(٤) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ٣٠٥) معلقًا. وأخرجه (٢٢١٣) مسندًا عن ابن عباس موقوفًا.
(٥) في الأصل: "به من".
[ ١ / ٤٨٤ ]
ويُكبَّرُ الإمامُ مُستَقبلَ النَّاسِ.
كالمحلَّ، فلو رمى جمرةَ العقبةِ قبلَ الفجرِ، فكذلك؛ حملًا على الغالبِ. يُؤيدُه: أنَّه لو أخَّرَ الرميَ حتى صلَّى الظهرَ، اجتمعَ في حقِّهِ التكبيرُ والتلبية، فيبدأُ بالتكبيرِ؛ لأنَّ مثلَه مشروعٌ في الصَّلاةِ، فهو بها أشبَهُ.
وأيامُ التشريقِ، هي: حادي عشرَ ذي الحجةِ، وثاني عشرهِ، وثالثَ عشرِهِ؛ سُمِّيتْ بذلك: من تشريقِ اللِّحمِ. أي: تقديدِه. أو من قولِهم: أشْرقْ ثَبِير. وقيل: لأنَّ الهديَ لا يُنحرُ حتى تُشرِقَ الشمسُ. وقيل: هو التكبيرُ عقبَ الصَّلواتِ. وأنكرَهُ أبو عبيدةَ (^١).
(ويُكبِّرُ الإمامُ مستقبلَ الناسِ) يعني: أنَّ الإمامَ إذا سلَّمَ من المكتوبةِ، التفتَ إلى المأمومين، ثمَّ كبَّرَ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يقبلُ بوجهِهِ على أصحابِه، ويقولُ: "على مكانِكم". ثمَّ يكبِّرُ (^٢).
ويكبِّرُ إذا نسِيَ الإمامُ التكبيرَ. ويكبِّرُ مسبوقٌ إذا قضى ما فاتَه مع الإمام. ولا يسنُّ التكبيرَ عقبَ صلاةِ العيدِ.
تتمةٌ: يُسنُّ للمرأةِ التكبيرُ إذا صلَّتْ جماعةً مع الرجالِ، أو لا، وتخفضُ صوتَها به.
فائدةٌ: قال في "الاختيارات" (^٣): عيدُ النحرِ أفضلُ من عيدِ الفطرِ وسائرِ الأيامِ.
_________________
(١) انظر "كشاف القناع" (٣/ ٤١٨).
(٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٠) قال الألباني في "الإرواء" (٦٥٣): ضعيف جدًا.
(٣) "الاختيارات" ص (٨٢).
[ ١ / ٤٨٥ ]
وصفتُه شَفْعًا: اللَّه أكبرُ اللَّه أكبر، لا إلهَ إلا اللَّه واللَّه أكبر، اللَّه أكبرُ وللَّه الحَمْدُ.
ولا بأسَ بقولِه لغيرِه: تقبَّل اللَّهُ مِنَّا ومِنكَ.
(وصفتُه) أي: التكبيرِ (شفْعًا: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ) وفاقًا لأبي حنيفةَ. واستحبَّ ابنُ هبيرةَ تثليثَ التكبيرِ أوَّلًا، وفاقًا لمالكٍ (^١). ووجهُ الأوَّلِ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يكبِّرُ كذلك. رواه الدارقطنيُّ (^٢). وحكاه ابنُ المنذرِ عن عمرَ (^٣).
(ولا بأسَ بقولِهِ) أي: المصلِّي: (لغيرِه) من المصلِّين: (تقبَّلَ اللهُ منَّا ومنكَ) نصًا. قال: لا بأسَ به.
ولا بأسَ بالتعريفِ عشيةَ عرفةَ بالأمصارِ، نصًّا. وأوَّلُ مَنْ فعلَهُ ابنُ عباسٍ (^٤). وعنه: مستحبٌّ. ذكرَهُ الشيخُ تقي الدينِ (^٥) ابنُ تيميةَ (^٦).
* * *
_________________
(١) انظر "الفروع" (٣/ ٢١٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه ابن المنذر (٢٢٠٧).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٣٧٦).
(٥) سقطت: "الدين" من الأصل.
(٦) انظر "الإنصاف" (٥/ ٣٨٢).
[ ١ / ٤٨٦ ]