(مَنْ تيقَّنَ الطهارةَ، وشكَّ في الحدثِ) اليقينُ: ما أذعنَتِ النفسُ للتصديقِ به، وقطعتْ به، وقطعتْ بأنَّ قطعَها صحيحٌ.
والشكُّ: خلافُ اليقينِ. وعندَ الأصوليين: إنْ تساوى الاحتمالان، وإلا فالراجحُ ظنٌّ، والمرجوحُ وهمٌ.
وقال في "الكشاف" (^١): اليقينُ هو إتقانُ العلمِ بانتفاءِ الشكِّ والشبهةِ عنه.
وقال البيضاويُّ (^٢): هو إتقانُ العلمِ بنفيِ الشكِّ والشبهةِ عنه بالاستدلالِ. ولذلك لم يوصفْ به علمُ الباري، ولا العلومُ الضروريةُ.
وقال الفخرُ الرازي (^٣): هو العلمُ بالشيءِ بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه. قال: ولهذا لا يُوصفُ اللهُ به. انتهى.
لكَن يقتضي كلامُه: دخولَ الظنِّ في حدِّ اليقينِ؛ لانتفاءِ الشكِّ.
قال ابنُ نصرِ اللهِ: في تسميةِ ما هنا يقينًا بعد ورودِ الشكِّ عليه، نظرٌ! نعمْ كان
_________________
(١) "تفسير الكشاف" (١/ ٨٣).
(٢) "تفسير البيضاوي" (١/ ١٢٧).
(٣) "تفسير الرازي" (٢/ ٣١).
[ ١ / ١٤١ ]
أو تيقَّن الحدثَ وشكَّ في الطَّهارةِ، عَمِلَ بما تيقَّن.
ويحرمُ على المُحدِثِ: الصلاةُ،
يقينًا، ثم صارَ الآنَ شكًّا، فاعتبرتْ صفتُه السابقةُ، وقدِّمتْ على صفتِه اللاحقةِ (^١)
(أو تيقنَ الحدثَ، وشكَّ). أي: تردَّدَ. قال في "القاموس": الشكُّ خلافُ اليقينِ (في الطهارةِ، عملَ بما تيقَّنَ) لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، شُكِي إلى النبيِّ -ﷺ-: الرجلُ يُخيَّلُ إليه أنَّه يجدُ الشيءَ في الصَّلاةِ؟ فقال: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا". متفقٌ عليه (^٢). ولمسلمٍ معناه مرفوعًا من حديثِ أبي هريرةَ، ولم يذكرْ فيه: "وهو في الصَّلاة" (^٣). ولأنه تعارضَ عنده الأمرانِ بالشكِّ، فوجبَ سقوطُهما، كبيِّنَتَين تعارضَتَا، فيرجعُ إلى اليقينِ، سواءٌ غلبَ على ظنِّه أحدُهما، أو لا؛ لأنَّ غلبةَ الظنِّ إذا لم يكنْ لها ضابطٌ في الشرعِ، لم يُلتفتْ إليها، كظنِّ صدقِ أحدِ المتداعيين، بخلافِ القِبلةِ.
فعُلِمَ من هذا: أنَّه في الصورةِ الأولى باقٍ على طهارتِه؛ لأنَّه متيقنٌ الطهارةَ. وفي الصورةِ الثانيةِ فهو محدثٌ؛ لأنَّه متيقنٌ الحدثَ، والطهارةُ مشكوكٌ فيها، فعمِلَ باليقينِ.
(ويحرمُ على المحدثِ: الصَّلاةُ) حدثًا أكبرَ أو أصغرَ، مع قدرةٍ على طهارةِ صلاةٍ، لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طُهُورٍ، ولا صدقةً من غُلُولٍ". رواه الجماعةُ إلا البخاريَّ (^٤).
_________________
(١) انظر "إرشاد أولي النهى" (١/ ٨١).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).
(٣) أخرجه مسلم (٣٦٢).
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٤)، وأحمد (٨/ ٣٢٣) (٤٧٠٠)، وأبو داود (٥٩)، والترمذي (١)،=
[ ١ / ١٤٢ ]
والطَّواف، ومَسُّ المُصحَفِ
وسواءٌ الفرضُ (^١) والنفلُ، وسجودُ التلاوةِ والشكرِ، وصلاةُ الجنازةِ. ولا يكفرُ مَنْ صلَّى محدِثًا.
وحكى النوويُّ وابنُ حزمٍ عن بعضِ العلماءِ: جوازَ الصَّلاةِ على الجنازةِ بغيرِ وضوءٍ، ولا تيمُّمٍ.
وقال المصنِّفُ في متنِ "غاية المنتهى" (^٢): يحرُمُ بحدثٍ صلاةٌ، حيثُ لا عذرَ، ولا كفر (^٣).
(و) يحرُمُ (الطوافُ) فرضًا كان أو نفلًا؛ لقولِه ﵇: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إلا أنَّ اللهَ أباحَ فيه الكلامَ". رواه الشافعيُّ (^٤).
(و) يحرُمُ (مسُّ المصحفِ) وبعضِه، ولو من صغيرٍ، لقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقِعَة: ٧٩] ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ -ﷺ- كتبَ إلى أهلِ اليمنِ كتابًا وفيه: "ولا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ". رواه الأثرمُ، والنسائيُّ والدارقطنيُّ (^٥). واحتجَّ به أحمدُ.
_________________
(١) = والنسائي (١٣٩)، وابن ماجه (٢٧٢).
(٢) في الأصل: "الفرائضُ".
(٣) "غاية المنتهى" (١/ ٨٥).
(٤) في الأصل: "حيث لا عذر يحرم".
(٥) أخرجه الشافعي في "المسند" (٨٩٩). لكن من قول ابن عمر. وانظر "الإرواء" (١٢١). والحديث أخرجه الترمذي (٩٦٠)، وابن خزيمة (٢٧٣٩) من حديث ابن عباس مرفوعًا. وصححه الألباني.
(٦) أخربخه النسائيُّ (٨/ ٥٧)، والدارقطنيُّ (١/ ١٢٢)، وصححه الألباني في "الإرواء" (١٢٢).
[ ١ / ١٤٣ ]
ببشَرتِه بلا حَائلٍ.
ويزيدُ من عَليهِ غُسلٌ بقِراءةِ القُرآنِ،
حتى جلدَهُ، وحواشِيهِ، وما فيه من ورقٍ أبيضَ؛ لأنَّه يشملُه اسمُ المصحفِ، ويدخلُ في بيعِه.
(ببثسَرَتِه) أي: ببدنِه (بلا حائلٍ) فإن كان بحائلٍ، لم يحرمْ. والمرادُ بالحائلِ: الذي لا يتبعُه في البيعِ، أما الحائلُ الذي يتبعُه فيه؛ كجلدٍ، وورقٍ أبيضَ متصلٍ به، فإنَّه لا يجوزُ مسُّه.
لا حملُه بعِلاقَةٍ، وفي كيسٍ، وصندوقٍ.
(ويزيدُ) على ذلك (مَنْ عليه غسلٌ بقراءةِ القرآنِ)، ولو آيةً؛ لما روَى عليٌّ رضي الله تعالى عنه، أنَّه -ﷺ- لمْ يكنْ يحجبُه -أو لا يحجزُه- عن قراءةِ القرآنِ شيءٌ ليس الجنابةُ. رواه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ والدارقطنيُّ (^١) وصحَّحاه.
ولا يُمنعُ من بعضِها، ولو كرَّرَ قراءةَ البعضِ، ما لم يتحيَّلْ على قراءةٍ تحرمُ؛ كقراءةِ آيةٍ فأكثرَ؛ لما يأتي: أنَّ الحيلَ غيرُ جائزةٍ في شيءٍ من أمورِ الدينِ.
وللجنبِ تهجِّيه؛ لأنَّه ليس بقراءةٍ. وتبطلُ الصَّلاةُ به، لخروجِه عن نظمِه وإعجازِه.
قال المنقِّحُ (^٢): ويمتنعُ عليه قراءةُ بعضِ آيةٍ طويلةٍ، كآيةِ الدَّينِ.
وله قراءةُ ما وافقَ قرآنًا من الأذكارِ، ولم يقصدْه. أي: القرآنَ. كالبسملةِ،
_________________
(١) أخرجه ابنُ خزيمةَ (٢٠٨)، والحاكمُ في "المستدرك" (١/ ٢٥٣)، والدارقطنيُّ (١/ ١١٩)، وضعفه الألباني في "الإرواء" (٤٨٥).
(٢) انظر " التنقيح" (١/ ٦١).
[ ١ / ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وآيةِ الاسترجاعِ والركوبِ. فإنْ قصدَه، حرُمَ، وكذا لو قرأَ ما لا يوافقُ ذكرًا، ولم يقصدْه. وله النظرُ في المصحفِ، وله الذكرُ؛ لحديثِ مسلمٍ (^١) عن عائشةَ ﵂: كان النبيَّ -ﷺ- يذكر اللهَ على كلِّ أحيانِه.
ولا يحرُمُ مسُّ تفسيرٍ ونحوِه، ككتبٍ ورسائلَ فيها آياتٌ من القرآنِ. وكذا المأثورُ عن اللهِ تعالى، والتوراةُ والإنجيلُ.
ولا يحرُمُ حملُ رُقىً وتعاويذَ، وحملُ دراهمَ فيها قرآنٌ، وثوبٌ رُقِمَ فيه قرآنٌ.
ولا يحرُمُ مسُّ صغيرٍ لوحًا فيه قرآنٌ، فلا يحرُمُ مسُّ اللَّوحِ من المحلِّ الخالي من الكتابةِ؛ للمشقَّةِ.
ويحرُمُ مخالفةُ خطِّ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي اللهُ تعالى عنه، في رسمِ واوٍ، وياءٍ، وألفٍ، وغيرِ ذلك، كمدِّ التاءِ، وربطِها، نصًّا؛ لقولِه ﵇: "عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ بعدي". الحديث (^٢).
ويُكره مدُّ الرِّجلين إلى جهةِ المصحفِ، واستدباره (^٣)، وتخطِّيه، ورميُه إلى الأرضِ بلا وضعٍ، ولا حاجةٍ. وجعلُه عندَ القبرِ منهيٌّ عنه، ولو جُعِلَ للقراءةِ هناك. ويحرُمُ السفرُ به إلى دارِ الحربِ.
وتُكره تحليتُه بذهبٍ أو فضةٍ، ويحرُمُ في كتبِ علمٍ أنْ تحلَّى؛ لتضييقِ النقدين.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٧٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٠٩)، والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية. وصححه الألباني.
(٣) في الأصل: "واستداره".
[ ١ / ١٤٥ ]
واللُّبثِ في المسجدِ بلا وُضوءٍ.
ويُباحُ تطيبُه، وجعلُه على كرسيٍّ. ويُباحُ أنْ يُجعل في كيسٍ حريرٍ.
وقال ابنُ الزَّاغوني: يحرمُ كتبُه بذهبٍ؛ لأنَّه من زخرفةِ المصاحفِ. ويؤمرُ بحكِّه. وإنْ (^١) كان يجتمعُ منه ما يُتموَّلُ، زكَّاه (^٢).
ويُباحُ استفتاحُ الفألِ فيه، فعلَه أبو عبدِ اللهِ عبيدُ اللهِ بنُ بطةَ. ويُباحُ تقبيلُه.
وقال شيخُ الإسلامِ تقي الدين ابن تيمية: إذا اعتادَ الناسُ قيامَ بعضِهم لبعضٍ، فقيامُهم لكتابِ اللهِ أحقُّ؛ إجلالًا وتعظيمًا. قال ابنُ الجوزيِّ: إنَّ تركَ القيامِ كان في أولِ الأمرِ، ثمَّ لما كان تركُ القيامِ كالإهوان بالشخصِ، استحبَّ لمَنْ يصلحُ له القيامُ.
ويباحُ كتابةُ آيتينِ إلى الكفارِ، وتضمينُه الشعر؛ لصحةِ القصدِ، وسلامةِ الوضعِ. وأما تضمينُه لغيرِ ذلك، فظاهرُ كلامِ ابنِ القيمِ: التحريمُ، كما يحرُمُ جعلُ القرآنِ بدلًا من الكلامِ. ويجوزُ التسميةُ في الرسائلِ والحجج (^٣).
(و) يحرُمُ (اللبثُ في المسجدِ بلا وضوءٍ) أي: لا يجوزُ لجنبٍ، وحائضٍ ونفساءَ انقطعَ دمُهما، لبثٌ فيه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّساء: ٤٣] وهو الطريقُ. وعن جابرٍ: كان أحدُنا يمرُّ (^٤) في المسجدِ جنبًا مُجتازًا. رواه سعيدُ بنُ منصورٍ (^٥). وسواءٌ كان لحاجةٍ أو لا. ومن الحاجةِ كونُه طريقًا قصيرًا، لكنْ كرِهَ أحمدُ اتخاذَه طريقًا.
_________________
(١) في الأصل: "إن".
(٢) سقطت: "زكاه" من الأصل.
(٣) انظر "كشاف القناع" (١/ ٣١٧) فما بعدها.
(٤) في الأصل: "نائم". والمثبت من سنن سعيد بن منصور (٦١٤ - تفسير).
(٥) أخرجه سعيد بن منصور (٦١٤ - تفسير).
[ ١ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن توضَّؤوا، جازَ لهم اللُّبثُ فيه، لما روى سعيدُ بنُ منصورٍ، والأثرمُ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ قال: رأيتُ رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ -ﷺ-، يجلسون في المسجدِ وهم مجنبون إذا توضئوا وضوءَ الصَّلاةِ. إسنادُه صحيحٌ. قاله في "المبدع" (^١). قال الشيخ تقيُّ الدينِ: وحينئذٍ فيجوزُ أن ينامَ في المسجدِ، حيثُ ينامُ غيرُه.
فإن تعذرَ الوضوءُ على الجنبِ، واحتيجَ للبثِ في المسجدِ ابتداءً، أو دوامًا؛ لحبسٍ، أو خوفٍ على نفسِه أو مالِه، ونحوِه، جازَ له اللُّبثُ بلا تيمُّمٍ، نصًّا.
وتيمَّمَ جنبٌ ونحوُه للبثٍ لغُسلٍ فيه، إذا تعذرَ عليه الوضوءُ والغسلُ عاجلًا، وإنْ لمْ يحتجْ للبثٍ، خلافًا لابنِ قندس؛ لأنَّه إذا احتاجَ إليه، جازَ بلا تيمُّمٍ، نصًّا. والأوْلى أن يتيمَّمَ.
ولا يُكره غُسلٌ في المسجدِ، ولا وضوءٌ فيه، ما لم يوذِ بهما. أي: بماءِ الغسلِ والوضوءِ.
ومصلَّى العيدِ، لا مصلَّى جنائزَ، مسجدٌ. وأما صلاةُ الجنائزِ فليستْ ذاتَ ركوعٍ ولا سجودٍ، بخلافِ العيدِ.
ويُمنعُ منه مجنونٌ وسكرانُ، ومَنْ عليه نجاسةٌ تتعدَّى. ويُكره تمكينُ صغيرٍ. قال في "الآداب" (^٢): والمرادُ: صغيرٌ لا يميزُ لغيرِ فائدةٍ. وقال: يُباحُ غَلقُ أبوابِه؛ لئلا يدخلَه مَنْ يُكره دخولُه إليه، نصَّ عليه.
_________________
(١) "المبدع" (١/ ١٨٩).
(٢) "الآداب الشرعية" (٣/ ٣٧٦، ٣٨٤).
[ ١ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويحرُمُ تكسُّبٌ بصنعةٍ فيه؛ لأنَّه لم يُبْنَ لذلك. واستثنى بعضُهم الكتابةَ؛ لأنَّها نوعُ تحصيل لعلمٍ. ويحرُمُ فيه أيضًا البيعُ والشراءُ، ولا يصِحَّانِ. وإنْ عمِلَ لنفسِه نحوَ خياطةٍ، لا لتكسُّبٍ، فاختارَ الموفقُ وغيرُه: الجوازَ. وقال ابنُ البَنَّا: لا يجوزُ.
* * *
[ ١ / ١٤٨ ]