يُسنُّ الاستعدادُ للموتِ، والإكثارُ مِن ذكرِه.
ويُكْرَهُ الأنينُ، وتَمنِّي الموتَ، إلَّا لِخَوفِ فِتنَةٍ.
وتُسنُّ: عيادةُ المريضِ المسلِمِ،
(كتابُ الجنائزِ)
بفتحِ الجيمِ، جمعُ جِنازَةٍ، بكسرِها، والفتحُ لُغَةٌ: اسمٌ للميتِ، أو للسَّريرِ عليه ميتٌ. فإنْ لمْ يكنْ عليه ميتٌ، فلا يقالُ: نَعْشٌ، ولا جِنازةٌ، بل سريرٌ. مضتقَّةٌ من جَنَزَ، من بابِ ضربَ: إذا سَتَرَ.
(يُسنُّ الاستعدادُ للموتِ) بالتوبةِ من المعاصي، والخروجِ من المظالمِ (و) يُسنُّ (الإكثارُ من ذِكرِه) أي: الموتِ؛ لحديثِ: "أكثروا من ذكرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ". أي: الموتِ، بالذَّالِ المعجمةِ.
(ويُكره الأنينُ) لأنَّه يترجمُ عن الشَّكوى، ما لمْ يغلبْه.
(و) يُكره (تمنِّي الموتِ) نزلَ به ضرٌّ، أم لا. وحديثٌ: "لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ من ضرٍّ أصابَه، فإن كان لابدَّ فاعلًا، فليقلْ: اللهمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لي". متفقٌ عليه (^١). جَزيٌ على الغالبِ. ولا يُكره: إذا أردتَ بعبادِك فتنةً، فاقبضني إليك غيرَ مفتونٍ". ولا تمني الشَّهادةِ (إلا لخوفِ فتنةٍ) فلا يُكره.
(وتُسنُّ عيادةُ المريضِ المسلمِ) لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "خمسٌ تجبُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس.
[ ١ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للمسلمِ على أخيه: ردُّ السَّلامِ، وتشميتُ العاطسِ، وإجابة الدعوةِ، وعيادة المريضِ، واتِّباعُ الجنازةِ". متفقٌ عليه (^١). وتحرُمُ عيادة ذميِّ.
و"المسلمِ": غيرُ مبتدعٍ (^٢) يجب هجزه كرافضيٍّ - قال في "النوادر": وتحرُمُ عيادته - أو يُسنُّ هجرُه، كمتجاهرٍ بمعصيةٍ، فلا تُسنّ عيادتُه إذا مرِضَ؛ ليرتدعَ ويتوبَ. وعُلِمَ منه: أنَّ غيرَ المتجاهرِ بمعصيةٍ يعادُ. والمرأة كرجلٍ مع أمنِ الفتنةِ. وتشرعُ العيادة في كلِّ مرضٍ حتى الرَّمد، ووجعِ الضرسِ، والدّمَّلِ. خلافًا لأبي المعالي. وحديث: "ثلاثةٌ لا يُعادُون .. " (^٣). غيرُ ثابتٍ. وفي "نوادر ابنِ الصيرافيِّ": نقلَ عن إمامِنا ﵀، ورضي اللَّه عنه، أنَّه قال له ولدُه: يا أبتِ، إنَّ جارَنا فلانًا مريضٌ، فما نعودُه؟. قال: يا بني ما عادَنا فنعودُه (^٤).
ويكون غبًّا، وتكونُ العيادةُ من أوَّلِ المرضِ، وتكونُ بكرةً وعشيًا. قال أحمدُ عن قربِ وسطِ النهارِ: ليس هذا وقتَ عيادةٍ. وتكونُ في رمضانَ ليلًا؛ لأنَّه أرفقُ بالعائدِ.
ويُسنّ لعائدٍ تذكيرُه التوبةَ، وهي واجبةٌ على كلِّ أحدٍ من كلِّ ذنبٍ، وفي كلِّ وقت.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢).
(٢) في الأصل: "المبتدع".
(٣) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٥٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاث لا يعاد صاحبهن: الرمد، وصاحب الضرس، وصاحب الدمل" قال الألباني في "ضعيف الجامع": (٢٥٦٦): موضوع.
(٤) انظر "الفروع" (٣/ ٢٥٢).
[ ١ / ٥٠٢ ]
وتَلِقينُه عندَ موتِه: لا إله إلا اللَّه مرَّةً، ولم يَزِدْ إلَّا أن يتكلَّم،
ولا يجبُ التداوي من مرضٍ، ولو ظنَّ نفعَه؛ إذ النافعُ في الحقيقةِ والضارُّ هو اللهُ تعالى. والدَّواءُ لا ينجحُ بذاتِه. وتركُه أفضلُ. ويحرُمُ الدواءُ بمحرَّمٍ من مأكولٍ وغيرِه.
ويُباحُ كَتْبُ قرآنٍ بإناءٍ، وكَتْبُ ذكرٍ بإناءٍ، لحاملٍ، لعسرِ الولادةِ. ولمريضٍ، ويُسقَيانِه للحاملِ والمريضِ.
وتحرُمُ التَّميمةُ، وهي خَرَزةٌ تُعلَّقُ.
(و) سُنَّ (تلقينُه عند موته) أي: وقتَ موتِه. وأُطلِقَ على المحتَضَرِ ميتٌ؛ لأنَّه واقعٌ به لا محالةَ (لا إله إلا اللَّه) لحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: "لقِّنوا موتَاكم: لا إله إلا اللهُ" (^١). وعن معاذٍ مرفوعًا: "مَنْ كان آخرُ كلامِه: لا إله إلا اللَّه، دخلَ الجنةَ". رواه أحمدُ، وصحَّحه الحاكمُ (^٢). واقتصرَ عليها؛ لأنَّ إقرارَه بها إقرارٌ بالأخرى. قال في "الفروع": ويتوجَّهُ احتمالٌ بأنْ يلقِّنَهُ الشهادتين. كما ذكرَهُ جماعةٌ من الحنفيةِ والشافعيةِ؛ لأنَّ الثانيةَ تبعٌ، فلهذا اقتصرَ في الخبرِ على الأُولى (^٣).
فائدةٌ: قال أبو المعالي: يُكره تلقينُ الورثةِ للمحتَضَرِ بلا عُذرٍ
(مرةً) نصًّا. واختارَ الأكثرُ ثلاثًا. (ولمْ يزدْ) على ثلاثٍ (إلا أنْ يتكلَّمَ) بعدَ الثَّلاثِ، فيعيدُ التلقينَ؛ ليكونَ آخرُ كلامِه: لا إله إلا اللهُ. ويكونُ برفقٍ؛ لأنَّه مطلوبٌ في كلِّ شيءٍ، وهذا أَوْلى به.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩١٦).
(٢) أخرجه أحمد (٣٦/ ٣٦٣) (٢٢٠٣٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٥٠١).
(٣) انظر "الأنصاف" (٦/ ١٤).
[ ١ / ٥٠٣ ]
وقراءة "الفاتحة" و"يس"، وتَوجيهُهُ إلى القِبلَة على جنبِه الأَيمنِ مع سَعَةِ المكان، وإلَّا فعَلَى ظَهرِه.
فإذا ماتَ، سُنَّ تغميضُ عينَيْهِ،
(و) سُنَّ (قراءةُ الفاتحةِ، و) تُسنُّ (يس. و) سُنَّ (توجيهُه إلى القبلةِ على جنبِه الأيمنِ) لحديثِ أبي قتادةَ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قدِمَ المدينةَ، فسألَ عن البراءِ بنِ معرورٍ، فقالوا: تُوفي وأوصى بثلثِه لكَ، وأنْ يوجَّهَ إلى القبلةِ لما احتُضِرَ. فقال - ﷺ -: "أصابَ الفطرةَ، وقد رددتُ ثلثَه على ولدِه". ثمَّ ذهبَ وصلَّى عليه. أخرجه الحاكمُ (^١) وصحَّحه. وقال: لا أعلمُ في توجيهِ المحتَضَرِ إلى القبلةِ غيرَهُ. ورُويَ أنَّ حذيفةَ أمرَ أصحابَهُ عندَ موتِه أنْ يوجِّهوهُ إلى القبلةِ (^٢). ورُويَ عن فاطمةَ كذلك (^٣). هذا (مع سَعةِ المكانِ) لتوجيهه على جنبِه (وإلا) يتسع المكانُ لذلك، بل ضاقَ عنه (فـ) يُلْقى (على ظهرِه) وأخمصاه إلى القبلةِ، كوضعِه على المُغْتسلِ. زادَ جماعةٌ: ويرفعُ رأسُه قليلًا؛ ليصيرَ وجهُه إلى القبلةِ، دونَ السماءِ.
(فإذا ماتَ سُنَّ تغميضُ عينيه) لأنَّه ﵇ أغمضَ أبا سلمةَ، وقال: "إنَّ الملائكةَ يؤمِّنونَ على ما تقولون". رواه مسلمٌ (^٤). ولئلا يَقبُحَ منظرُه، ويُساءَ به الظنُّ.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٠٥)، وضعفه الألباني في "الإرواء" تحت الحديث (٦٨٩).
(٢) سقطت: "إلى القبلةِ" من الأصل. والأثر أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٢/ ٢٩٦).
(٣) أخرجه أحمد (٤٥/ ٥٨٧) (٢٧٦١٥).
(٤) أخرجه مسلم (٩٢٠) من حديث أم سلمة.
[ ١ / ٥٠٤ ]
وقولُ: بسم اللَّه، وعلى وفَاةِ رسولِ اللَّه.
ولا بأسَ بتقبيلِه، والنظرِ إليه، ولو بعد تكفِينِه.
(وقولُ: بسمِ اللهِ، وعلى وفاةِ رسولِ اللهِ) نصًّا؛ لما رواه البيهقيُّ (^١) عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المزنيِّ، ولفظُه: على ملةِ رسولِ اللهِ.
(ولا بأسَ بتقبيلِه) أي: الميتِ (والنظرِ إليه) ممَّنْ يُباحُ له ذلك في الحياةِ (ولو بعدَ تكفينِه) نصًّا؛ لحديثِ عائشةَ: رأيتُ رسولَ اللَّه - ﷺ - يقبِّلُ عثمانَ بنَ مظعونٍ، وهو ميتٌ، حتى رأيتُ الدُّموعَ تسيلُ (^٢). صحَّحه في "الشرح".
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٣/ ٣٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٦٥)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٥٠٥ ]