(كتابُ الصَّلاةِ)
لغةً: الدعاءُ. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التّوبَة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم. وعُدِّيَ بـ "على"؛ لتضمُّنِه معنى الإنزال. أي: أنزلْ رحمتَك عليهم. وقال ﵇: "إذا دُعي أحدُكم إلى طعامٍ، فليُجبْ، فإن كان مفطرًا فليَطعَمْ، وإن كان صائمًا فليصَلِّ" (^١).
وتطلقُ أيضًا على الرحمةِ، وعلى اللزومِ، وعلى التعبيدِ، وعلى الإقبالِ على الشيءِ؛ تقربًا. وقدْ قيلَ: إنَّ الصَّلاةَ مأخوذةٌ من ذلك، كما حكَاهُ القاضي عياضٌ.
وهي مصدرُ: صلَّى يصلِّي، والتاءُ منقلبةٌ عن واوٍ، بدليلِ جمعِها على صلواتٍ، تحرَّكتِ الواوُ، وانفتحَ ما قبلَها، فقلبتِ ألِفًا، وإنَّما كتبتْ في المصحفِ بالواوِ؛ تفخيمًا.
وهي في الشرعِ: عبارةٌ عن الأفعالِ المعلومةِ، من القيامِ والقعودِ، والركوعِ والسجودِ، وما يتعلَّقُ به من القراءةِ والذكرِ؛ مفتتحةً بالتكبير، مختتمةً بالتسليمِ. قالَ الزركشيُّ: هي عبارةٌ عن هيئةٍ مخصوصةٍ مشتملةٍ على ركوعٍ وسجودٍ وذكرٍ. انتهى.
وسُمِّيتْ صلاةً؛ لاشتمالِها على الدُّعاءِ، وهذا هو الصحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ من الفقهاءِ وأهلِ العربيةِ وغيرِهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٣١) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٨٦ ]
تجِب على كلِّ مسلِمٍ
وقال بعضُ العلماءِ: إنَّما سُمِّيتْ صلاةً؛ لأنها ثانيةٌ لشهادةِ التوحيدِ، كالمصلِّي من السابقِ من الخيلِ.
وقيل: سُمِّيتْ صلاةً، لما يعودُ على صاحبِها من البركةِ. وتُسمى البركةُ صلاةً في اللغةِ.
وقيلَ: سُمِّيتْ صلاةً؛ لأنَّها تُفضي إلى المغفرةِ التي هي مقصودةٌ بالصَّلاةِ.
وقيل: سُمِّيتْ صلاةً، لما يتضمنُها من الخشوعِ والخشيةِ للهِ؛ مأخوذةٌ من: صَلَيْتُ العودَ، إذا ليَّنْتَه. والمصلِّي يَلين ويخشعُ.
وقيلَ: سُمِّيتْ صلاةً؛ لأنَّ المصلِّي يتبعُ من تقدَّمَه، فجبريلُ أوَّلُ مَنْ تقدَّمَ بفعلِها، والنبيُّ -ﷺ- تابعًا له ومصليًا، ثمَّ المصلُّون بعدَه.
وقيلَ: سُمِّيتْ صلاةً؛ لأنَّ رأسَ المأمومِ عندَ صَلَوَي إمامِه. والصَّلوانُ عَظمانِ عن يمينِ الذنَبِ ويسارِه، في موضعِ الرِّدفِ. ذكَرَ ذلك في "النهاية". إلا القولُ الثاني، فإنَّه ذكَرَه في "الفروع" (^١).
وفرضُها بالكتابِ والسنةِ والإجماعِ، وكان ليلةَ الإسراءِ بعدَ مبعثِه ﵇ بنحوِ خمسِ سنين.
(تجبُ) الصَّلواتُ الخمسُ في اليومِ والليلةِ (على كلِّ مسلمِ) ذكرًا، أو أنثى، أو خنتى، حرًّا، أو عبدًا، أو مبعَّضًا. فلا تجبُ على الكافرِ الأصَلي (^٢)، بمعنى أنَّا لا نأمرُه بها في كفرِه، ولا بقضائِها إذا أسلمَ، ترغيبًا له في الإسلامِ. ولا تصحُّ منه،
_________________
(١) "الفروع" (١/ ٤٠١).
(٢) في الأصل: "أصلي".
[ ١ / ٢٨٧ ]
مكلَّفٍ، غيرِ الحائضِ والنّفسَاءِ.
وتصِحُّ من المُميِّزِ، وهو من بَلَغَ سبعًا،
وتجبُ عليه وجوبَ عقابٍ؛ لأنَّهم مخاطبون بفروعِ الإسلامِ. وكذا حكمُ المرتدِ، وإذا أسلمَ قضى ما فاتَه قبلَ ردَّتِه، لا زمنَها.
(مكلَّفٍ) أي: بالغٍ عاقلٍ. فلا تجبُ على مجنونٍ لا يُفيقُ، فلا يقضيها بعدُ. ولا على صغيرٍ؛ لقولِهِ ﵇: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ، عن النائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يحتلمَ، وعن المجنونِ حتى يَعْقِلَ ". رواه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وأبو داودَ (^١). وفي "المستوعب"، وكذا في "المبدع" (^٢): لا تجبُ على الأبله الذي لا يَعْقِلُ.
(غيرِ الحائضِ والنُّفساءِ) فلا تجبُ عليهما. قال في "الإنصاف" (^٣): وهو الصحيحُ من المذهبِ مطلقًا. ولنا وجهٌ: أنَّ النفساءَ إنْ طرَّحتْ نفسَها، لا تسقطُ الصَّلاةُ عنها.
(وتصحُّ) الصَّلاةُ (من المميِّزِ، وهو مَنْ بلغَ سبعًا) من السنين. وفي "المطلع" (^٤): مَنْ يفهمُ الخطابَ، ويردُّ الجوابَ، ولا ينضبطُ بسنٍّ، بلْ يختلفُ باختلافِ الأفهامِ. وصوَّبه في "الإنصاف" (^٥)، وقال: إنَّ الاشتقاقَ يدلُّ عليه.
_________________
(١) أخرجه أحمدُ (٢/ ٢٦٦) (٩٥٦)، والترمذيُّ (١٤٢٣)، وأبو داودَ (٤٤٠٥) من حديث علي. وصححه الألباني.
(٢) "المبدع" (١/ ٣٠١).
(٣) "الإنصاف" (٣/ ٨).
(٤) "المطلع" ص (٤٧).
(٥) "الإنصاف" (٣/ ١٩).
[ ١ / ٢٨٨ ]
والثوابُ له. ويلزَمُ وليَّه أمرُهُ بهَا لسَبعٍ، وضرُبه على تركِها لعَشْرٍ.
ومن تَركَها جحودًا فقَد ارتدَّ،
ولا خلافَ في صحتِها من المميزِ. ويشترطُ لصلاتِه ما يُشترطُ لصلاةِ الكبيرِ، إلا في السترةِ، على ما تقدَّمَ.
(والثوابُ له) أي: ثوابُ عملِ المميزِ" لقولِهِ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فُصّلَت: ٤٦] فهو يُكتبُ له، ولا يُكتبُ عليه. وكذا سائرُ أعمالِ البرِّ.
(ويلزمُ وليَّه) أي: الأبَ، أو وصيَّه (أمرُه) أي: المميِّزِ (بها) أي: الصَّلاةِ (لسبعٍ) أي: لتمامِ سبعِ سنينَ (وضربُه) أي: ويلزمُ وليَّه ضربُه (على تركها لعَشرِ) سنينَ. وكذا للأب ضربُه على الأدبِ، لحديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال: "مُروا أبناءَكم بالصَّلاةِ، وهم أبناءُ سبعِ سنين، واضربوهم عليها لعشير، وفرِّقوا بينهم في المضاجعِ ". رواه أحمدُ، وأبو داودَ (^١). والأمرُ والتأديبُ لتمرينِه عليها، حتى يألفَها ويعتادَها، فلا يتركُها.
وأما وجوبُ تعليمِه إياها والطهارةَ، فلتوقُّفِ فعلِها عليه. فإن احتاجَ إلى أجرةٍ، فمن مالِ الصغيرِ، فإنْ لم يكنْ، فعلى مَنْ تلزمُه نفقتُه.
(ومن تركها) أي: الصَّلاةَ (جحودًا) يعني: من جحدَ وجوبَ الصَّلاةِ، تركَها أو فعَلَها. ولو كان جحدُه لوجوبِها جهلًا به، وعُرِّفَ الوجوبَ، وأصرَّ على جحودِه. (فقد ارتدَّ) أي: صارَ كافرًا؛ لأنَّه مكذِّب للهِ ورسولِهِ وإجماعِ الأمَّةِ.
وكذا لو تركَها تهاونًا، أو كسلًا، إذا دعاه إمامٌ أو نائبة لفعلِها، وأبى فعلَها حتى تضايقَ وقتُ التي بعدَها؛ بأن يُدعَى للظهرِ -مثلًا- فيأبى حتى يتضايقَ وقتُ العصرِ
_________________
(١) أخرجه أحمدُ (١١/ ٢٨٤) (٦٦٨٩)، وأبو داودَ (٤٩٥). قال الألباني: حسن صحيح.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وجَرَتْ عليه أحكَامُ المرتدِّين.
عنها. فيُقتلُ كفرًا، لقولِهِ ﵇: "بين العبدِ وبين الكفرِ تركُ الصَّلاةِ" رواه مسلمٌ (^١). ولقولِهِ: "العهدُ الذي بيننا وبينهم الصَّلاةُ، فمَنْ تركَها فقدْ كفرَ" رواه أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ (^٢) وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولقولِهِ: "أوَّلُ ما تفقدونَ من دينِكم الأمانةُ، وآخرُ ما تفقدون الصَّلاةُ" (^٣). قال أحمدُ: كلُّ شيءٍ ذهبَ آخرُه، لمْ يبقَ منه شيءٌ. وقال عمرُ: لا حَظَّ في الإسلامِ لمَنْ تركَ الصَّلاةَ (^٤). وقال عليٌّ: مَنْ لمْ يصلِّ، فهو كافرٌ (^٥). وقال عبدُ اللهِ بنُ شقيقٍ: لمْ يكنْ أصحابُ رسولِ اللهِ -ﷺ- يَروْنَ شيئًا من الأعمالِ تركُه كفرٌ غيرَ الصَّلاةِ (^٦).
ولا قتلَ ولا تكفيرَ قبلَ الدِّعايةِ. ولا (^٧) يُقتلْ بتركِ الأُولى؛ لأنَّه لا يُعلمُ أنَّه عزَمَ على تركِها إلا بخروجِ وقتِها، فإذا خرجَ، عُلِمَ تركُه لها، لكنَّها فائتةٌ، لا يُقتلُ بها. فإذا ضاقَ وقتُ الثانيةِ، وجبَ قتلُه.
(وجرتْ عليه أحكامُ المرتدين) ولا قتلَ (^٨) حتى يُستتابانِ (^٩) ثلاثةَ أيامٍ بلياليها،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٢) من حديث جابر.
(٢) أخرجه أحمدُ (٣٨/ ٢٠) (٢٢٩٣٧)، والنسائيُّ (٤٦٣)، والترمذيُّ (٢٦٢١) من حديث بريدة. وصححه الألباني.
(٣) أخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (١/ ٣٣٨) (١٧٣) من حديث أنس. وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٧٣٩).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٣٩)، والدارقطني (٢/ ٥٢).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٧١).
(٦) أخرجه الترمذي (٢٦٢٢).
(٧) في الأصل: "ولم".
(٨) في الأصل: "ولا يقتل".
(٩) في الأصل: "يُستتبانِ" ومراده: الجاحد لوجوبها، والتارك لها تهاونًا أو كسلًا.
[ ١ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنْ تابا، أي: الجاحدُ والتاركُ لها تهاونًا أو كسلًا، وإلا بأنْ لمْ يتوبا بذلك، ضُربتْ عنقُهُما بالسيف.
وكذا من تركَ ركنًا أو شرطًا مجمعًا عليه، أو يعتقدُ التاركُ وجوبَه. ذكرَهُ ابنُ عقيلٍ، ومشى عليه في "المنتهى". وقالَ الموفقُ: لا يكفرُ بمختَلَفٍ فيه.
ولا يكفرُ بتركِ فائتةٍ ونذرٍ، ولا صومٍ، ولا حجِّ، ولا زكاةٍ، إلا بجحدِ وجوبِها (^١).
قال في "الإنصاف" (^٢): ويُقتلُ كفرًا. فعلى المذهبِ: حكمُه حكمُ الكفارِ، فلا يُغسَّلُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفنُ في مقابرِ المسلمين، ولا يرثُ مسلمًا، ولا يرثُه مسلمٌ، فهو كالمرتدِّ.
"فائدةٌ": اختلف العلماءُ: بمَ كفَرَ إبليسُ؟ فذكرَ أبو إسحاقَ ابنُ شاقلا: أنه كفرَ بتركِ السجودِ، لا بجحودِه. وقيل: كفرَ لمخالفةِ الأمرِ الشَّفَاهِيِّ من اللهِ تعالى، فإنَّه ﷾ خاطبَه بذلك.
قالَ الشيخُ برهانِ -ولدُ صاحبِ "الفروع"- في "الاستعاذة" له: وقال جمهورُ العلماءِ: إنَّما كفرَ؛ لأنَّه أبى واستكبرَ، وعاندَ، وطغى (^٣)، وأصرَّ، واعتقدَ أنَّه محقٌّ في تمرُّدِه، واستدلَ بـ: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعرَاف: ١٢]. فكانَ تركُه للسجودِ تسفيهًا لأمرِ اللَّه، وحكمتِه. قال الإمامُ أحمدُ: إنَّما أمر (^٤) بالسجودِ، فاستكبرَ، وكان من الكافرين. والاستكبارُ كفرٌ.
_________________
(١) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر "الإنصاف" (٣/ ٤٠).
(٣) في الأصل: "وطعنَ".
(٤) سقطت: "أمر" من الأصل.
[ ١ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقالتِ الخوارجُ: كفرَ بمعصيةِ اللهِ، وكلُّ معصيةٍ كفرٌ. وهذا خلافُ الإجماعِ (^١).
"فرعٌ ": قال الأصحابُ: لا تبطلُ عبادةٌ فعلَها في إسلامِه السابقِ إذا عادَ إلى الإسلامِ، ولو بحجِّ، على الأظهرِ. وجزمَ به صاحبُ "المقنع" في بابِ حكمِ المرتدِّ.
قال الشيخُ تقيُّ الدينِ: اختارَ الأكثرُ أنَّ الردةَ لا تحبطُ العملَ، إلا بالموتِ عليها. قال جماعةٌ: الإحباطُ إنَّما ينصرفُ إلى الثوابِ، دونَ حقيقةِ العملِ؛ لبقاءِ صحَّةِ صلاةِ مَنْ صلَّى خلفَه، وحلَّ ما كان ذبَحَهُ، وعدمِ نقضِ تصرُّفِه (^٢).
"تنبيهٌ ": وإذا صلَّى الكافرُ، حُكِمَ بإسلامِه. هذا المذهبُ مطلقًا، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ، وجزمَ به كثيرٌ منهم. وهو من المفرداتِ.
وقال في "الفائق": وهلْ الحكمُ للصَّلاةِ، أو لتضمُّنِها الشهادةَ؟ فيه وجهانِ. ذكرَهما ابنُ الزاغونيِّ.
أو أذَّنَ -ولو في غيرِ وقتِه- كافرٌ يصحُّ إسلامُه، أي: بأنْ كانَ مميزًا يعقلُه، حُكِمَ به. ولا تصحّ صلاتُه ظاهرًا، فيومرُ بإعادتِها؛ لفقدِ شرطِها، وهو الإسلامُ، حالَ نيَّتِها. ولا يعتدُّ بأذانِه.
ولا يُحكمُ بإسلامِه بغيرِ الصَّلاةِ من العباداتِ، كالصومِ قاصدًا أداءَ رمضانَ، وزكاةِ مالِه، وحجِّه. وهو ظاهرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ، وجزمَ به في "المغني". وقيل: يُحكمُ بإسلامِه بفعلِ ذلك. اختارَهُ أبو الخطابِ. وأطلقَهما في "الفروع" و"الرعاية"، وابنُ تميم. واختارَ القاضي: يُحكمُ بإسلامِه بالحجِّ فقط، والتزمَه
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٣/ ٣٣).
(٢) انظر "الإنصاف" (٣/ ١٥).
[ ١ / ٢٩٢ ]
وأركانُ الصلاةِ أربَعَةَ عشَرَ، لا تسقُط عَمدًا، ولا سَهوًا، ولا جَهلًا:
أحدُها: القيامُ في الفرضِ
المجدُ وابنُ عبيدان. وقيلَ: يُحكمُ بإسلامِه ببقيةِ الشرائعِ والأقوالِ المختصَّةِ بنا، كجنازةٍ، وسجدةِ تلاوةٍ. قال في "الفروع": ويدخلُ فيه كلُّ ما يكفُرُ المسلمُ بإنكارِه إذا أقرَّ به الكافرُ. قال: وهذا متجهٌ (^١).
(وأركانُ): جمعُ ركنٍ، وهو جانبُ الشيءِ الأقوى. وسمَّاها بعضُهم: فروضًا، والخلافُ لفظتيٌ (الصَّلاةِ، أربعةَ عشرَ) ركنًا (لا تسقطُ) على القادرِ (عمدًا، ولا سهوًا، ولا جهلًا) على الصحيحِ من المذهبِ:
(أحدُها: القيامُ) لقادرٍ (في الفرضِ) والأصلُ في فرضيةِ القيامِ: قولُه سبحانه
وتعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨] وكونُ القيامِ لا يجبُ إلَّا في الفرضِ، فلِمَا روتْ عائشةُ: أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- كان يصلِّي ليلًا طويلًا قاعدًا. وكان إذا قرأ، وهو قائمٌ، ركعَ وسجدَ وهو قائمٌ، وإذا قرأَ وهو قاعدٌ، ركعَ وسجدَ وهو قاعدٌ. رواه مسلمٌ (^٢).
وأجمعَ العلماءُ على وجوبِ القيامِ في الفرضِ، ما لم يكنْ عذرٌ. وللعذرِ صورٌ، أشارَ إليها صاحبُ "المنتهى":
الأولى: خائفٌ بالقيامِ لها عدوًّا، فإنَّه يسقطُ عنه فرضُ القيامِ، ويجوزُ له أنْ يصلِّي جالسًا.
الثانيةُ: عُريانٌ لا يجدُ ما يسترُ به عورتَه، فإنَّه يُسنّ له أنْ يصلِّيَ جالسًا، ولا
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٣/ ١٨).
(٢) أخرجه مسلم (٧٣٠).
[ ١ / ٢٩٣ ]
-على القادِرِ- مُنتَصِبًا،
يتربعُ، بل ينضمُّ؛ لأنَّ ذلك أسترُ له.
والثالثةُ: مريضٌ يمكنُه قيامٌ، لكن لا تمكنُ مداواتُه قائمًا، فيسقطُ عنه القيامِ؛ لمداواةٍ، ويصلِّي جالسًا، للحرجِ.
والرابعةُ: يصلِّي جالسًا لأجلِ قِصرِ السقفِ لعاجزٍ عن خروجٍ؛ لحبسٍ ونحوِه بمكانٍ قصيرِ السقفِ.
والخامسةُ: يصلِّي قادرٌ على قيامٍ قاعدًا خلفَ الإمامِ الراتبِ، بشرطِ أدنْ يُرجى زوالُ علَّتِه. ويأتي تفصيلُه في صلاةِ الجماعةِ (^١).
وقولُه: (في الفرضِ على القادرِ) شملَ الفرضُ: المكتوبةَ، وفرضَ الكفايةِ، والنذرَ. واحترزَ به عن النَّفلِ، فيصحُّ قاعدًا.
"فائدةٌ": ما قامَ مقامَ القيامِ، وهو القعودُ للعاجزِ والمتنفلِ، فهو ركنٌ في حقِّه.
قالَ ابنُ نصرِ اللهِ في "شرحه": في عدِّ القيامِ من الأركانِ نظرٌ؛ لأنَّه يشترطُ تقدّمه على التكبيرِ، فهو أَوْلى من النيةِ بكونِه شرطًا.
وقال في "الإنصاف" (^٢) " والذي يظهرُ قولُ الأصحابِ؛ لأنَّ الشروطَ هي التي يُؤتى بها قبلَ الدخولِ في الصَّلاةِ، وتُستَصحَبُ إلى آخرِها. والأركانُ تَفرُعُ، ويُنتَقلُ إلى غيرِها، والقيامُ كذلك.
حالةَ كونِه (منتصبًا) قال في "الإقناع" (^٣): والركنُ منه الانتصابُ بقدرِ تكبيرةِ
_________________
(١) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٤٤٢).
(٢) "الإنصاف" (٣/ ٦٦٤).
(٣) "الإقناع" (١/ ٢٠٣).
[ ١ / ٢٩٤ ]
فإن وقَفَ منحَنيًا أو مائِلًا بحيثُ لا يُسمَّى قائِمًا لغَيرِ عُذرٍ، لم تصِحَّ، ولا يضرُّ خَفضُ رأسِه.
وكُرِهَ قيامُهُ على رِجل واحِدَةٍ لغَيرِ عُذرٍ.
الإحرامِ، وقراءةِ الفاتحةِ في الركعةِ الأولى، وفيما بعدَها بقدرِ قراءةِ الفاتحةِ فقط.
وقال أبو المعالي وغيرُه، واعتمدَهُ صاحبُ "المنتهى": حدّ القيامِ: ما لم يَصرْ راكعًا، ولا يضرُّ ميلُ رأسِه.
والذي ذكرَهُ المصنِّفُ، قاله القاضي في "الخلاف"، وأبو الخطاب في "الانتصار". وفي "الخلاف" و"الانتصار": بقدرِ التحريمةِ، بدليلِ إدراكِ المسبوقِ فرضَ القيامِ بذلك. وردَّه في "شرح الفروع"، بأنَّ ذلك رخصةٌ في حقِّ المسبوقِ، لإدراكِ فضيلةِ الجماعةِ (^١).
(فإنْ (^٢) وقفَ منحنيًا أو مائلًا، بحيثُ لا يُسمَّى قائمًا، لغيرِ عذرِ) يبيحُ ذلك (لم تصحَّ) أي: الصَّلاةُ (ولا يضرُّ خفضُ رأسه) على هيئةِ الإطراقِ، لأَنَّه لا يخرجُه عن كونِه يُسمَّى قائمًا
(وكرِه قيامُه على رِجْلٍ واحدةٍ لغيرِ عذرٍ) وأجزأه في ظاهرِ كلامِ الأكثرِ. وقال ابنُ الجوزيِّ: لا يجزئُه. قال ابنُ نصرِ اللهِ: دليلُ قولِ ابنِ الجوزيِّ: أنَّه خلافُ فعلِ الرسولِ -ﷺ- وأصحابِه، بلْ هو خلافُ فعلِ السلفِ المتوارى (^٣) بينهم، وقدْ قالَ ﵇: "مَنْ عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ" (^٤).
_________________
(١) انظر "الإنصاف" (٣/ ٦٦٥)، "كشاف القناع" (٢/ ٤٤٦).
(٢) في الأصل: "وإن".
(٣) كذا بالأصل. ولعلها: "المتواتر".
(٤) أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة.
[ ١ / ٢٩٥ ]
الثاني: تكبيرةُ الإحرَامِ، وهي: اللَّه أكبرُ. لا يُجزئُه غيرُها، يقولُها قائمًا،
(الثاني) من الأركانِ: (تكبيرةُ الإحرامِ) أي: التكبيرةُ التي يدخلُ بها في الصَّلاةِ. سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ الإحرامَ الدخولُ في حُرمةٍ لا تُنتَهكُ، وبهذه التكبيرةِ يدخلُ في عبادةٍ يحرُمُ فيها أمورٌ كانتْ مباحةً قبلُ.
(وهي) أي: تكبيرةُ الإحرامِ: (اللهُ أكبرُ. لا يجزئُه غيرُها) لحديثِ أبي سعيدِ مرفوعًا: "إذا قمتمْ إلى الصَّلاةِ، فاعدلوا صفوفَكم وسدُّوا الفُرَجَ، وإذا قال إمامُكم: اللهُ أكبرُ. فقولوا: اللهُ أكبرُ" رواه أحمدُ (^١). ولم يُنقلْ أنَّه ﵇ افتتحَ الصَّلاةَ بغيرِها. وقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلِّي" (^٢). ولحديثِ أبي حميدٍ الساعديِّ: كانَ رسولُ اللهِ -ﷺ- إذا استفتحَ الصلاةَ استقبلَ القبلةَ، ورفعَ يديه، وقال: "اللهُ أكبرُ". رواه ابنُ ماجه، وصحَّحه ابنُ حبانَ (^٣).
قال في "شرحه" (^٤): من غيرِ دعاءٍ قبلَ ذلك. قيلَ لأحمدَ: قبلَ التكبيرِ نقولُ شيئًا؟ قال: لا. يعني: ليسَ قبلَه دعاءٌ مسنون، إذ لمْ يُنقلْ عن النبيِّ -ﷺ-، ولا عن أصحابِه. انتهى.
(يقولُها قائمًا) مصلّ، إمامًا كان وغيرَه، مع قدرةٍ على القيامِ.
ويكونُ التكبيرُ مرتبًا متواليًا، فلا يجزئُ: أكبرُ اللهُ، ولا أنْ يسكتَ بينهما ما يمكنُه فيه كلامٌ؛ لأنَّه لم يُنقلْ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٧/ ٢١) (١٠٩٩٤).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٨٠٣)، وابن حبان (١٨٦٥). وصححه الألباني.
(٤) "معونة أولي النهى" (٢/ ٩٧).
[ ١ / ٢٩٦ ]
فإن ابتدأها أو أتمَّها غيرَ قائمِ، صحَّت نفلًا.
وتنعقدُ إنْ مدَّ اللَّام، لا إنْ مَدَّ همزَةَ "اللَّه" أو همزَةَ "أكبر"، أو قال: أكبار، أو: الأكبر.
وحكمةُ افتتاحِ الصَّلاةِ بهذا اللفظِ: استحضارُ المصلِّي عظمةَ مَنْ تهيَّأَ لخدمتِه، والوقوفِ بين يديه، ليمتلئَ هيبةً، فيُحضرُ قلبَه، ويخشعُ، ولا يغيبُ.
(فإن ابتدأها) أي: تكبيرةَ الإحرامِ (أو أتمَّها غيرَ قائمِ) بأنِ ابتدأهَا وأتمَّها قاعدًا، أو ابتدأها قاعدًا وأتمَّها قائمًا، أو ابتدأها قائمًا، وأتمَّها رَاكعًا، وذلك في المسبوقِ بقولِ: اللهُ. وهو قائم. ثمَّ يقولُ: أكبرُ. وهو راكعٌ (صحَّتْ) صلاتُه (نفلًا) في الصورِ الثلاثِ. فإنَّ تركَ القيامِ يُفسدُ الفرضَ فقطْ دونَ النفلِ، فتنقلبُ صلاتُه نفلًا، إن اتسعَ الوقتُ؛ لإتمامِ النفلِ والفرضِ كلَّه (^١) قبلَ خروجِه، وإلَّا استأنفَ الفرضَ قائمًا. فلو لم يستأنفْ، بطلتْ صلاتُه.
ويُكره إن زادَ على التكبيرِ، بأن قال: اللهُ أكبرُ كبيرًا. أو: اللهُ أكبرُ وأعظمُ. أو: اللهُ أكبرُ وأجلَّ، ونحوه.
(وتنعقدُ) صلاتُه (إنْ مدَّ اللَّامَ) أي: لامَ الجلالةِ؛ لأنَّها ممدودةٌ، فغايتُه زيادتُها من غيرِ إتيانٍ بحرفٍ زائدٍ.
و(لا) تنعقدُ صلاتُه (إنْ مدَّ همزةَ: اللَّه، أو مدَّ همزةَ: أكبر) لأنَّه يصيرُ استفهامًا، فيختلُّ المعنى (أو قال: أكبار) لأنَّه جمعُ كَبرٍ، بفتح الكاف. وهو الطبلُ. (أو) قال: اللهُ (الأكبرُ) لحديثِ أبي حميدٍ وغيرِه.
وكذا لو قال: اللهُ الكبيرُ، أو: الجليلُ. ونحوُه. أو قال: أقبرُ. أو: اللهُ، فقط. أو:
_________________
(١) في الأصل: "كما لو".
[ ١ / ٢٩٧ ]
وجهرُه بها، وبكلِّ رُكنٍ وواجب بقَدرِ ما يُسمِعُ نفسَه، فَرضٌ.
أكبرُ، فقطْ. وفي: اللهُ الأكبرُ. وجهٌ: تنعقدُ؛ لأنَّه لا يغيرُ المعنى.
ويلزمُ جاهلًا تعلُّمُها، أي: التكبيرةِ، إنْ قدرَ عليها في مكانِه، وما قربَ منه. وفي "التلخيص": إنْ كان بالباديةِ، لزمَه قصدُ البلدِ، لتعلُّمِها. ولا تصحُّ إن كبَّر بلغتِه مع قدرتِه على تعلُّمٍ؛ لأنَّه ذكرٌ واجبٌ، لا تصحُّ إلا به، فلزمِه تعلُّمُه، كالفاتحةِ. فإنْ عجزَ أو ضاقَ (^١) الوقتُ، كبَّر بلغتِه.
وإنْ عرفَ لغاتٍ، فيها، كبَّر بالأفضلِ (^٢) منها. وفي "المنوِّر على المحرَّر": يقدِّمُ السِّريانيَّ، ثمَّ الفارسيَّ، ثمَّ التركيَّ.
وكذا كلُّ ذكرٍ واجبٍ، كتسميعٍ، وتحميدٍ، وتسبيحٍ، وتشهدٍ، وسلامٍ، فيلزمُه تعلُّمُه إنْ قدرَ، وإلا أتى به بلغتِه. وإنْ عرفَ لغاتٍ، فكما تقدَّم.
(و) سُنَّ (جهرُه) أي: إمامٍ ومأمومٍ ومنفردٍ (بها) أي: بتكبيرةِ الإحرامِ، وغيرِه.
(و) سُنَّ جهرُ إمامٍ ومأمومٍ ومنفردٍ (بكلِّ ركنٍ) كتكبيرةِ الإحرامِ، وتشهدٍ أخيرٍ، وسلامٍ. (و) سُنَّ جهرُ إمامٍ ومأمومٍ ومنفردٍ في (واجبِ) كتسميعٍ، وتحميدٍ، وباقي تكبيرٍ، وتشهدٍ أوَّل (بقدرِ ما يُسمِعُ نفسَه) حيث لا مَانعَ. قال في "الإنصاف" (^٣): كطرشٍ، أو أصواتٍ يسمعُها تمنعُه من سماعِ نفسِه، فإنْ كان ثمَّ مانعٌ، أتى به، بحيثُ يحصلُ السماعُ مع عدمِ العارضِ.
(فرضٌ) خبرُ "جهرُه"؛ لأنَّه لا يُعدُّ آتيًا بذلك بدون صوتٍ، والصوتُ يُسمعُ، وأقربُ السامعين إليه نفسُه.
_________________
(١) في الأصل: "وضاق".
(٢) في الأصل: "بالفضل".
(٣) "الإنصاف" (٣/ ٤١٥).
[ ١ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال في "الإنصاف" (^١): واختارَ الشيخُ تقيُّ الدين: الاكتفاءَ بالإتيانِ بالحروفِ، وإن لمْ يسمعْها. وذكرَهُ وجهًا في المذهبِ. قلتُ: والنَّفسُ تميلُ إليه.
واعتبرَ بعضُ الأصحابِ سماعَ مَنْ بقُربِه.
قال في "الفروع": ويتوجهُ مثلُه في كلِّ ما يتعلَّقُ بالنطقِ، كطلاقٍ وغيرِه. قلتُ: وهو الصَّوابُ.
"فائدةٌ": يُسنُّ جهرُ المأمومِ، ولو بلا إذنِ الإمامِ، بالتكبيرِ والتحميدِ والسَّلامِ عند الحاجةِ؛ بأنْ كان الإمامُ لا يُسمعُ جميعَهم، فيجهرُ من سمِعَه، ليسمعَ البقيةَ، إلا المرأةَ إذا كانتْ مع الرِّجالِ.
قال في "الفروع" (^٢): ويتوجَّهُ في ذلك: الروايةُ في خطابِ آدميٍّ به. أي: بالتكبيرِ. فإنَّه لو قصدَ خطابَ آدميٍّ به، لتغيَّرَ ما ذكرَ، ففيه روايةٌ بفسادِ صلاتِه، فيتوجَّهُ فيه هنا مثلُها، للمعنى المذكورِ، فإنَّ أحمدَ علَّلَ الفسادَ به.
ويُفرَّقُ بينهما: بأنَّ ذلك ليس لمصلحةِ الصَّلاةِ، وهذا لمصلحتِها. قاله ابنُ نصرِ اللهِ في "شرحه ". فعلمتَ أنَّ الصَّلاةَ لا تبطلُ ولو قصدَ التبليغَ، خلافًا للشافعيةِ. انتهى.
قال العلَّامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (^٣): ويتجهُ: لا يضرُّ قصدُ جهرٍ بواجبٍ لتبليغٍ، إذِ الجهرُ ليس بواجبٍ، وأنَّه يضرُّ إنْ قصدَ بالواجبِ التبليغَ، أو هو والتبليغَ. انتهى.
_________________
(١) "الإنصاف" (٣/ ٤١٤).
(٢) "الفروع" (٢/ ١٦٥).
(٣) "غاية المنتهى" (١/ ١٦٥).
[ ١ / ٢٩٩ ]
الثالث: قراءة الفاتِحَةِ مرتَّبةً،
(الثالثُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (قراءةُ الفاتحةِ) تامَّةً بتشديداتها (مرتَّبةً) مرتَّلةً متواليةً، يقفُ على كلِّ آيةٍ، كقراءتِه ﵇. وهي أفضل سورةٍ. قالهُ الشيخُ تقي (^١) الدين. وذكرَ معناه ابنُ شهابٍ وغيرُه. قال ﵇ فيها: "أعظمُ سورةٍ في القرآن، وهي السبعُ المثاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه". رواه البخاريُّ (^٢) من حديث أبي سعيدِ بنِ المعلَّى.
ولها أسماءُ، منها: سورةُ الحمدِ، والواقيةُ، وأمُّ القرآنِ، وأمُّ الكتابِ، والصَّلاةُ، والكافيةُ، والشفاءُ، وفاتحةُ الكتابِ؛ لأنَّه يفتتحُ بقراءتِها في الصَّلاةِ، والأساسُ.
والفاتحةُ ركنٌ في كلِّ ركعةٍ؛ لحديثِ أبي قتادةَ مرفوعًا: كان يقرأُ في الظهرِ في الركعتين الأُوليين بأمِّ الكتابِ، وسورتين، ويُطوِّلُ الأولى، ويقصرُ الثانيةَ، ويُسمعُ الآيةَ أحيانًا، وفي الركعتين الأخيرتين بأمِّ الكتابِ (^٣). وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (^٤). متفقٌ عليه. ولحديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: "لا صلاةَ لمن لمْ يقرأ في كلِّ ركعةٍ بفاتحةِ الكتابِ" (^٥). وعنه، وعن عبادةَ قالا: أمرنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أن نقرأ بفاتحةِ الكتابِ في كلِّ ركعةٍ (^٦). رواهما إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشالنجيُّ
_________________
(١) سقطت: "تقي" من الأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (٧٥٩)، ومسلم (٤٥١).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٨٣٩). ضعفه الألباني. وأخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت، بدون لفظ: "في كل ركعة".
(٦) ذكره ابن الجوزي في "التحقيق" ص "٣٧٢"، (٤٩٢)، قال: وقد روى أصحابنا … فذكره. وانظر "التلخيص الحبير" (١/ ٥٦٦).
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفيها إحدَى عشرَةَ تشديدَةً، فإن تركَ واحدةً
(وفيها) أي: الفاتحةِ (إحدى عشرةَ تشديدةً) وذلك في: للَّه، وربِّ، والرحمن، والرحيم، والدين، وإياك، وإياك، والصراط، والذين، وفي الضالين ثنتان. وأمَّا البسملةُ ففيها ثلاثُ تشديداتٍ
(فإنْ تركَ) غيرُ مأمومٍ (واحدةً) من تشديداتِها، لزِمَه استئنافُ الفاتحةِ، لتركِه حرفًا منها؛ لأنَّ الحرفَ المشدَّدَ (^١) أقيمَ مقامَ حرفين. هذا إذا فاتَ محلُّها (^٢) وبعُدَ عنه، بحيثُ يخلّ بالموالاةِ. أمَّا لو كان قريبًا منه، فأعادَ الكلمةَ، أجزأهُ ذلك، كمَنْ نطقَ بالكلمةِ على غيرِ الصَّوابِ، ثمَّ أتى بها على وجهِهِ. وإن ليَّنَها ولم يحقِّقْها على الكمالِ، فلا إعادةَ.
وإنَّ البسملةَ ليستَ آيةً منها. هذا ما اختارَهُ الإمامُ أحمدُ.
ويُكره الإفراطُ في التشديدِ والمدِّ.
و"مالكِ" أحبُّ إلى الإمامِ أحمدَ من "ملك"؛ لزيادةِ الحرفِ.
قولُه فيما تقدَّمَ: "لزِمَه استئنافُ الفاتحةِ .. إلى آخرِه". هذا يقتضي عدمَ بطلانِ صلاتِه. ومقتضى ذلك: أنْ يكونَ تركُ التشديدِ سهوًا أو خطأً. أمَّا لو تركَها عمدًا، فقاعدةُ المذهبِ تقتضي بطلانَ صلاتِه - إن انتقلَ عن محلِّها - كغيرِها من الأركانِ، فأمَّا ما دامَ في محلِّها، وهو حرفُها، لم تبطلْ.
وإن انتقلَ عن حرفِها إلى حرفٍ آخرَ، بطلتْ صلاتُه؛ لأنَّه بعضُ ركنٍ، وبعضُ
_________________
(١) في الأصل: "المشد".
(٢) في "كشاف القناع" (٢/ ٣٠٦): "قال في شرح الفروع: وهذا إذا فات محلها" ومراده بشارح الفروع: ابن نصر اللَّه.
[ ١ / ٣٠١ ]
أو حرفًا، ولم يأتِ بما تَركَ، لم تصحَّ، فإن لم يعرف إلا آيةً، كرَّرها بقَدرِها.
الركنِ ركنٌ، وتاركُ الركنِ عمدًا تبطلُ صلاتُه إذا انتقلَ إلى غيرِه؛ لأنَّه لم يتحقق تركُه إلا بذلك. ولمْ يذكروا ذلك، لكنْ ظاهرُ كلامِهم: البطلانُ مطلقًا.
قال الشيخُ منصورٌ (^١): وفي كلامِ ابنِ نصرِ اللهِ، نظرٌ؛ فإنَّ الفاتحةَ ركنٌ واحدٌ محلُّه القيامُ، لا أنَّ كلَّ حرفٍ ركنٌ. انتهى.
وقال القاضي في "الجامع الكبير": إنْ تركَ التشديدَ لم تبطلْ صلاتُه. وقال ابنُ تميمٍ وغيرُه: لا خلافَ في صحتِها مع تليينِه، أو إظهارِ المُدغَمِ. قالَ في "الكافي": وإنْ خفَّفَ الشدَّةَ، صحَّ؛ لأنَّه كالنطقِ مع العَجَلةِ. وهو قولٌ في "الفروع" غيرُ قولِ تركِ التشديدِ. انتهى من "الإنصاف" (^٢).
(أو) ترَكَ (حرفًا) من الفاتحةِ، لم يعتدَّ بها؛ لأنَّه لم يقرأْها، وإنَّما قرأَ بعضَها. (ولم يأتِ بما ترَكَ، لم تصحَّ) صلاتُه.
(فإنْ لمْ يعرفْ إلا آيةً) من الفاتحةِ، أو غيرِها (كرَّرَها) أي: الآيةَ (بقَدْرِها) أي: الفاتحةِ؛ لأنَّها بدلٌ (^٣) عن الفاتحةِ، فتعتبرُ المماثلةُ حسَبَ الإمكانِ.
وإنْ أحسنَ آيةً فأكثرَ من الفاتحةِ، وآيةً فأكثرَ من غيرِها، كرَّرَ الذي من الفاتحةِ بقدرِها، لا يجزئُه غيرُها (^٤). ذكرَهُ القاضي؛ لأنَّه أقربُ إليها من غيرِها.
وإنْ لمْ يعرفْ إلا بعضَ آيةٍ، لم يكرِّرْه (^٥)، وعدلَ إلى الذكرِ، وهو أنْ يقولَ:
_________________
(١) "كشاف القناع" (٢/ ٣٠٦).
(٢) "الإنصاف" (٣/ ٤٤٥).
(٣) في الأصل: "بدله".
(٤) في الأصل: "غيره".
(٥) في الأصل: "يكرر".
[ ١ / ٣٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ.
وكذا قال في "الكافي "، و"الهادي". ومشى عليه في "المقنع". وزادَ في "المستوعب" و"البلغة": العليِّ العظيمِ.
والذي قدَّمه في "الفروع" أنَّه لا يقولُ: ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ. وقدَّمه في "تجريد العناية"، وجزمَ به في "المحرر" و"الفائق" و"المنور". قال في "الإنصاف" (^١): وهذا المذهبُ.
وعنه: يكرِّرُ هذا بقدرِ الفاتحةِ، أو يزيدُ على ذلك شيئًا من الثناءِ والذكرِ بقدرِ الفاتحةِ. وذكرَهُ في "الحاوي الكبير" عن بعضِ الأصحابِ. وقطعَ به الصرصريُّ في "زوائد (^٢) الكافي"، قال في "المذهب": لزِمَه أن يقولَ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ويكرِّرُها، أو يضيفُ إليه ذِكْرًا آخرَ، حتى يصيرَ بقدرِ الفاتحةِ. قال في "مسبوك الذهب": ويكرِّرُه بقدرِ الفاتحةِ. وما قالَهُ في "المذهب"، هو قولُ ابنِ عقيلٍ. وقال القاضي: يأتي بالذكرِ المذكورِ، ويزيدُ كلمتين من أيِّ ذكرٍ شاءَ ليكونَ سبعًا. وقال الحَلوانيُّ: يحمدُ ويكبِّرُ. وقال ابنُه في "تبصرته": يسبِّحُ. ونقلَه صالحٌ وغيرُه. ونقلَ ابنُ منصورٍ: يسبِّحُ ويكبِّرُ. ونقلَ الميموني: يسبِّحُ ويكبِّرُ ويُهلِّلُ. ونقلَ عبدُ اللهِ: يحمدُ ويكبرُ ويهلِّلُ.
فإنْ لم يعرفْ هذا الذكرَ كلَّه، بل عرفَ بعضَه: كرَّرَه. أي: ذلك البعضَ بقدرِه، كمَنْ عرفَ آيةً فأكثرَ من الفاتحةِ، وإلا، أي: وإنْ لمْ يعرفْ شيئًا من الذكرِ، وقفَ بقدرِ القراءةِ. أي: قراءةِ الفاتحةِ؛ لأنَّ القيامَ مقصودٌ بنفسِه.
_________________
(١) "الإنصاف" (٣/ ٤٥٥).
(٢) في الأصل: "رواية".
[ ١ / ٣٠٣ ]
ومن امتنعت قِراءئهُ قائِمًا، صلَّى قاعِدًا وقَرأَ.
الرابعُ: الركوعُ.
وأقلُّه: أن ينحَنيَ بحيث يُمكِنهُ مَسُّ رُكبَتيهِ بكَفَّيه.
وأكملُه: أن يَمُدَّ ظهرَهُ مُستويًا، ويجعلَ رأسَه حَيالَه.
(ومَنْ امتنعتْ قراءتُه قائمًا، صلَّى قاعدًا وقرأَ) لقولِه ﵇: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعْتُمْ" (^١).
(الرابعُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الركوعُ) لغةً: الانحناءُ
(وأقلُّه) أي: والمجزئُ: (أن ينحنيَ، بحيثُ يمكنُه) أي: المصلِّي، إذا كانَ وسطا في الخلقةِ (مسُّ ركبتَيْهِ بكفَّيْهِ) وذلك لأنَّه لا يُسمَّى راكعًا بدونِ ذلك. وإنَّما يُعتبرُ ذلك بالمتوسطين من النَّاسِ، إذ فيهم من يمسُّ ركبتيهِ بيديهِ لطولِهما وإنْ لمْ ينحنِ انحناءً يُسمَّى به راكعًا، ومنهم من لا يمكنُه ذلك لقصرِ يديهِ حتى يأتي بأكملِ ركوعٍ وأتمِّه.
"فائدةٌ": لو انحنى لتناولِ شيءٍ، ولم يخطر ببالِه الركوعُ، لم يجزِئْه.
(وأكملُه: أنْ يمدَّ ظهرَهُ مستويًا، ويجعلَ رأسَه حَيالَه) بفتح الحاء، يعني: مقابلةَ ظهرِه؛ لأنَّه لا يخرجُ عن حدِّ القيامِ إلا بذلك، فلا يرفعُ رأسَه عن ظهرِه، ولا يخفِضُه. رافعًا يديه إلى حَذْوِ منكبيه، مع ابتدائِه. قال ابنُ نصرِ اللهِ: والأظهرُ: أن يكون رفعُ يديه مع ابتداءِ الركوعِ وابتداءِ التكبيرِ، وينتهي رفعُهما في انتهاءِ التكبيرِ، ويمدُّ التكبيرَ إلى انتهاءِ انحنائِه للركوعِ. ولو قيلَ: يرفعُ، ثمَّ يقصِدُ بالتكبيرِ، كان (^٢) موافقًا لظاهرِ "الهداية".
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في الأصل: "وكان".
[ ١ / ٣٠٤ ]
الخامسُ: الرفعُ منه، ولا يقصِدُ غيرَه، فلو رفع فزَعًا من شيءٍ، لم يكْفِ.
السادسُ: الاعتدالُ قائمًا، ولا تبطلُ إنْ طالَ.
السابعُ: السجودُ.
وأكملُه: تَمكينُ جبهَتِه وأنفِه وكفَّيِه
(الخامسُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الرفعُ منه) أي: من الركوعِ (ولا يقصِدُ غيرَه، فلو رفعَ فزَعًا من شيءٍ، لم يكفِ) ذلك الرفغُ.
(السادسُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الاعتدالُ) من الركوعِ (قائمًا. ولا تبطلُ) الصَّلاةُ (إنْ طالَ) القيامُ.
(السابعُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (السجودُ) وهو أنْ يضعَ ركبتيه، ثمَّ يديه؛ لما رَوى وائلُ بنُ حُجْرٍ قال: رأيتُ النَّبِيّ - ﷺ - إذا سجدَ وضعَ ركبتيه قبلَ يديه، وإذا نهضَ رفعَ يديه قبلَ ركبتيه. رواه النسائيّ وابنُ ماجه والترمذيُّ (^١)، وقال: حسنٌ غريبٌ.
(وأكملُه: تمكينُ جبهتِه) من الأرضِ؛ لقول أبي حميدٍ الساعديِّ: كان النَّبِيُّ - ﷺ - إذا سجدَ أمكنَ جبهتَه وأنفَه من الأرضِ. رواه الترمذيُّ (^٢) وصحَّحه. (وأنفِه) من الأرضِ؛ لما روى الدارقطنيُّ (^٣) عن ابنِ عباسٍ: لا صلاةَ لمَنْ لمْ يضعْ أنفَه على الأرضِ. والسجودُ على الأنفِ من المفرداتِ. (وكفَّيْه) أي: راحتَئه من الأرضِ
_________________
(١) أخرجه النسائيُّ (١٠٨٩)، وابنُ ماجه (٨٨٢)، والترمذيُّ (٢٦٨)، وضعفه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٠)، وصححه الألباني.
(٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٤٨) عن ابن عباس مرفوعًا.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وركبتيهِ وأطرافِ أصابعِ قدميه من مَحَلِّ سُجودِه.
وأقلُّه: وضعُ جُزءٍ من كلِّ عُضوٍ.
ويُعتبرُ المَقَرُّ لأعضَاءِ السجود، فلو وضَعَ جبهتَه على نَحوِ قُطنٍ منفُوشٍ،
(وركبتَيْه، وأطرافِ أصابعِ قدمَيْه) لحديثِ: "أُمرتُ أنْ أسجدَ على سبعةِ أعظمٍ" (^١). ورُوي أنَّ النَّبِيّ - ﷺ - سجدَ غيرَ مفترشٍ، ولا قابِضِهما (^٢) (من محلِّ سجودِه) أي: بالمصلَّى، بفتحِ اللَّامِ، من أرضٍ، أو حصيرٍ، ونحوِهما.
(وأقلُّه) أي: السجودِ: (وضعُ جزءٍ من كلِّ عضوٍ) في السجودِ عليه؛ لأنَّه لم يقيدْ في الحديثِ. وإنْ سجدَ على ظهرِ كفِّه، أو أطرافِ أصابعِ يديه، فظاهرُ الخبرِ: يجزئُه؛ لأنَّه قدْ سجدَ على يديه. وكذا لو سجدَ على ظهورِ قدميه.
قال في "الإنصاف" (^٣): وقيل: ولو كان بعضُها فوقَ بعضٍ، كأنْ يضعَ يديه على فخذيه حالةَ السجودِ.
ونقلَ الشالنجيُّ: إذا وضعَ مِنْ يديه بقدرِ الجبهةِ، أجزأهُ. قال ابنُ تميمٍ: ويجوزُ السجودُ ببعضِ الكفِّ، ولو على ظهرِه أو أطرافِ أصا بعِه، وكذا على بعضِ أطرافِ أصابعِ قدميه، وبعضِ الجبهةِ. وذكرَ في "التلخيص": أنَّه يجبُ على باطنِ الكفِّ. وقال ابن حامدٍ: لا يجزئُه أنْ يسجدَ على أطرافِ أصابعِ يديه. ويجزئُ السجودُ على ظهرِ القدمِ.
والسجودُ لغةً: التطامنُ والميلُ. وقيلَ: التذلُّلُ والخضوعُ.
وعُلِمَ منه: أنَّه لو تركَ السجودَ على عضوٍ من هذه، مع القدرةِ، لم تصحَّ صلاتُه.
(ويعتبرُ المَقرُّ لأعضاءِ السجودِ، فلو وضعَ جبهتَه على نحوِ قطنٍ منفوشٍ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠) من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري (٨٢٨) من حديث أبي حميد الساعدي.
(٣) "الإنصاف" (٣/ ٥٠٦).
[ ١ / ٣٠٦ ]
ولم ينكَبِسْ، لم تصحَّ.
ويصحُّ سُجودُه على كمِّه وذيلِه، ويُكره بلا عُذرٍ.
ولم ينكبس (^١)، لم تصحَّ) صلاتُه. قال الأصحابُ: لو سجدَ على حشيشٍ، أو قُطنٍ، أو ثلجٍ، أو برَدٍ ونحوِه. ولم يجدْ حجمَه، لم تصحَّ؛ لعدمِ المكانِ المستقرِّ (^٢).
(ويصحُّ سجودُه على كمِّه وذيلِه (^٣)، ويُكره بلا عذرٍ) وكذا على كَورِ عِمامتِه ونحوِه، صحَّتْ صلاتُه، ولم يُكره لعذرٍ، كحرِّ أو بردٍ ونحوِه.
"فروعٌ ": الأولُ: تُكره الصَّلاةُ بمكانٍ شديدِ الحرِّ والبردِ، مع إمكانِ غيرِه؛ لأنَّه يذهبُ بالخشوعِ، ويمنعُ كمالَ (^٤) الصَّلاةِ.
الثاني: لا يجبُ على المصلِّي مباشرةُ المصلَّى بشيءٍ منها، أي: من الأعضاءِ المذكورةِ، حتى الجبهةِ، كما تقدَّمَ.
أمَّا سقوطُ المباشرةِ بالقدمين والركبتين، فإجماعٌ؛ لصلاتِه - ﷺ - في النعلَيْنِ والخفَّيْنِ. رواه ابنُ ماجه (^٥) من حديثِ ابن مسعودٍ.
وأما سقوطُ المباشرةِ باليدَيْنِ، فقولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لما روى ابنُ عباسٍ قال: رأيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - في يوم مطيرٍ، وهو يتقي الطينَ بكساءٍ عليه، يجعلُه دون يديه إلى الأرضِ إذا سجدَ. وفي روايةٍ: أنَّ النَّبِيّ - ﷺ - صلَّى في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به، يتَّقى
_________________
(١) سقطت: "ولم ينكبس" من الأصل.
(٢) انظر "الإنصاف" (٣/ ٥١٥).
(٣) في الأصل: "وذياله".
(٤) في الأصل: "إكمال".
(٥) أخرجه ابن ماجه (١٠٣٩)، وصححه الألباني.
[ ١ / ٣٠٧ ]
ومنْ عَجَزَ بالجبهَةِ، لم يلزمهُ بغَيرِها،
بفضولِه حرَّ الأرضِ وبردَها. رواهما أحمدُ (^١).
وأما سقوطُ المباشرةِ بالجبهةِ، فلحديثِ أنسِ قال: كنَّا نصلِّي مع رسولِ اللهِ - ﷺ - في شدَّةِ الحرِّ، فإذا لمْ يستطعْ أحدُنا أنْ يمكِّنَ جبهتَه من الأرضِ، بسطَ ثوبَه، فسجدَ عليه. رواه الجماعةُ (^٢). وروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِه، عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان يسجدُ على كَورِ عمامتِه (^٣). وفي "صحيحِ البخاريِّ" عن الحسنِ قالَ: كان القومُ يسجدونُ على العمامةِ والقَلَنْسوةِ (^٤).
فرعٌ ثالثٌ: إذا أرادَ السجودَ، فسقطَ على وجهِه، فماسَّتْ جبهتُه الأرضَ، أجزأَه ذلك، إلا أنْ يقطع نيةَ السجودِ. وإن سقطَ على جنبِه، ثم انقلَبَ، فماسَّت جبهتُه الأرضَ، لم يجزئه ذلك، إلَّا أن ينويَ السجودَ.
والفرقُ بين المسألتين: أنَّه هُنا خرجَ عن سَنَنِ الصَّلاةِ وهيئتِها، ثمَّ كان بانقلابِه الثاني عائدًا إلى الصَّلاة، فافتقرَ إلى تجديدِ النيةِ. وفي التي قبلَها، هو على هيئةِ الصَّلاة وسَنَنِها، فاكتُفِي باستدامةِ النيةِ. قالَهُ في "الشرح" (^٥).
(ومَنْ عَجَزَ بالجبهةِ، لم يلزمْه بغيرِها) من أعضاءِ السجودِ؛ لأنها الأصل فيه، وغيرها تبع لها. أي: فيسقط السجودُ بباقي الأعضاءِ، تبعًا لها، بخلافِ العكسِ.
_________________
(١) الأوّل: أخرجه أحمد (٤/ ٢١٤) (٢٣٨٥). والثاني أخرجه أحمد (٤/ ١٦٤) (٢٣٢٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٠٨)، ومسلم (٦٢٠)، وأبو داود (٦٦٠)، والترمذي (٥٨٤)، والنسائي (١١١٦)، وابن ماجه (١٠٣٣).
(٣) أخرجه تمام في "فوائده" (٢٩٣١٢ "١٧٨٢) عن ابن عمر مرفوعًا.
(٤) ذكره البخاري معلقًا قبل حديث (٣٨٥).
(٥) "الشرح" (٣/ ٥١٤).
[ ١ / ٣٠٨ ]
ويُومئُ ما يُمكِنُه.
فإنْ عَجَزَ عنه ببقيةِ الأعضاءِ غيرِ الجبهةِ، لم يسقطْ السجودُ بالباقي؛ لحديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "إنَّ اليدينِ تسجُدانِ، كما يسجدُ الوجهُ، فإذا وضعَ أحدُكما وجهَه، فليضعْ يديه، وإذا رفعَه، فليرفعْهما". رواه أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ (^١).
وليس المرادُ وضعَهما بعد الوجهِ، كما (^٢) تقدَّمَ، بلْ إنَّهما تابعانِ له في السجودِ، وغيرُهما أَوْلى، أو مثلُهما في ذلك، لعدمِ الفارقِ.
(ويومئُ) عاجزٌ بسجودِه على جبهتِه غايةَ (ما يمكنُه) وجوبًا، لحديثِ: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتُمْ" (^٣). ولا يجزئُ وضعُ بعضِ أعضاءِ السجودِ فوقَ بعضٍ، كوضعِ ركبتَيْه أو جبهتِه على يديه. وقيلَ: يصحُّ. قالَهُ في "الإنصاف".
"فائدةٌ": قال في "الإنصاف" (^٤): لو سجدَ على مكانٍ أعلى من موضعِ (^٥) قدميه، جازَ، وإنْ لمْ يكنْ حاجةً. قدَّمه ابنُ تميمٍ، وقال: قالَهُ بعضُ أصحابِنا. قال ابنُ عقيلٍ: يُكره أنْ يكونَ موضعُ سجودِه أعلى من موضعِ قدمَيْه. وقيلَ: تبطلُ الصَّلاةُ بذلك. وقال في "التلخيص": استعلاءُ الأسفلِ (^٦) واجبٌ.
قال في "المبدع" (^٧) وإنْ علا موضعُ رأسِه على موضعِ قدميه، ولم تَستَعْلِ
_________________
(١) أخرجه أحمدُ (٨/ ٩٢) (٤٥٠١)، وأبو داودَ (٨٩٢)، والنسائيُّ (١٠٩٢)، وصححه الألباني.
(٢) في الأصل: "لما".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) "الإنصاف" (٣/ ٥١٣).
(٥) في الأصل: "أو على موضع".
(٦) في الأصل: "الأسافل".
(٧) "المبدع" (١/ ٤٥٦).
[ ١ / ٣٠٩ ]
الثامنُ: الرفعُ من السُّجُود.
التاسعُ: الجُلوسُ بينَ السَّجدتين، وكيفَ جلسَ كَفَى.
والسنةُ أن يجلِسَ مفتَرِشًا على رِجلِه اليُسرى، وينصِبَ اليُمنى، ويُوجِّههَا إلى القِبلةِ.
العاشرُ: الطُمأنينةُ، وهي السُّكونُ
الأسافلُ بلا حاجةٍ، جازَ.
وقال أبو الخطاب وغيرُه: إنْ خرجَ عن صفةِ السجودِ، لم يجزئْه. وقال ابنُ تميمٍ: الصحيحُ أنَّ اليسيرَ من ذلك لا بأسَ به، دونَ الكثيرِ، وقدَّمَه في "الرعايتين". قال في "الحاويين": لم يُكره في أحدِ الوجهين. وأطلقهنَّ في "الفروع" (^١).
(الثامنُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الرفعُ من السجودِ) أي: في السجودِ الأوَّلِ والثاني.
(التاسعُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الجلوسُ بين السَّجدتين، وكيفَ جلسَ كَفَى. والسُّنةُ أن يجلسَ مفترِشًا) وصفتُه: أنْ يجلسَ (على رِجلِه اليسرى، وينصبَ اليمنى) ويخرجُها من تحتِه، ويجعلُ بطونَ أصابِعِها على الأرضِ مفرقةً، معتمدًا عليها (ويوجِّهُها إلى القبلةِ) هذا المذهبُ في صفةِ الافتراشِ، لا غير، وعليه الجمهورُ، لحديثِ عائشةَ: وكان يفرشُ رجلَه اليسرى، وينصبُ اليمنى. متفقٌ عليه (^٢).
(العاشرُ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الطُمأنينةُ) وعرفَها بقولِه: (وهي: السُّكونُ،
_________________
(١) انظر "الفروع" (٢/ ٢٠٤)، "الإنصاف" (٣/ ٥١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٤٩٨)، ولم أجده عند البخاري.
[ ١ / ٣١٠ ]
-وإن قَلَّ- في كلِّ ركنٍ فعليٍّ.
الحادي عَشَرَ: التشهُّدُ الأخيرُ، وهو: اللهم صلِّ على محمَّدٍ،
وإنْ قلَّ، في كلِّ ركنٍ فعليٍّ) وهو الركوعُ، والرفعُ منه، والسجودُ، والرفعُ منه، والجلوسُ بين السجدتين.
قال الجوهريُّ: اطمأنَّ الرَّجلُ اطمئنانًا وطُمأنينةً، أي: سكنَ.
وقيل: إنَّ الركنَ من الطُّمأنينةِ بقدرِ الذِّكرِ الواجبِ؛ لأنَّ الذِّكرَ الواجبَ قد يزيدُ على أدنى السكونِ، فوجبَ أن يكونَ الركنُ بقدرِه، ليتمكَّنَ من الإتيانِ بالواجبِ.
(الحادي عشرَ) من أركانِ الصَّلاةِ: (التشهدُ الأخيرُ) لحديثِ ابنِ مسعودٍ: كنا نقولُ قبلَ أن يُفرضَ علينا التشهدُ: السَّلامُ على اللهِ، السَّلامُ على فلانٍ. فقال النَّبِيُّ - ﷺ -: "قولوا: التحياتُ للهِ" إلى آخرِه. رواه الدارقطنيُّ والبيهقيُّ (^١) وصحَّحاه. وفيه دلالةٌ على فرضيته من وجهين:
أحدُهما: قولُه: "قبلَ أنْ يفرضَ علينا التشهدُ".
والثاني: قولُه ﵇: "قولوا". والأمرُ للوجوبِ، وقد ثبتَ الأمرُ به في "الصحيحين" (^٢) أيضًا
(وهو: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ) لظاهرِ الآيةِ. وعدَّ المصنِّفُ الصَّلاةَ عليه - ﷺ - ركنًا مستقلًا، تبعَ فيه صاحبَ "الإقناع"، وصاحبُ "الإقناع "تبعَ فيه صاحبَ "الفروع". وأمَّا صاحبُ "المنتهى"، وكثيرٌ من الأصحابِ، فقدْ جعلوها من جملةِ
_________________
(١) أخرجه الدارقطنيّ (١/ ٣٥٠)، والبيهقيُّ (٢/ ١٣٨)، وصححه الألباني في "الإرواء" (٣١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة.
[ ١ / ٣١١ ]
بعد الإتيان بما يُجزىُ من التشهُّد الأوَّل،
التشهدِ الأخيرِ.
(بعدَ الاتيانِ بما يجزئُ من التشهدِ الأوَّلِ) يعني: تشهدَ ابنِ مسعودٍ، وهو أفضلُ التشهداتِ الواردةِ عن (^١) الإمامِ أحمدَ والأصحابِ.
قال في "شرح الهداية": وإنَّما فضَّلنا تشهدَ ابنِ مسعودٍ على غيرِه، لسبعةِ أوجه:
أحدُها: أنَّه أصحّ التشهداتِ سندًا. ولذلك لمْ يتفقْ مسلمٌ والبخاريُّ على إخراجِ غيرِه، قالَ الترمذيُّ: أصحّ حديثٍ في التشهدِ حديثُ ابنِ مسعودٍ. قال الخطابئ: أصحّها إسنادًا، وأشهرُها حالًا: حديثُ ابنِ مسعودٍ.
الثاني: أنَّ أكثرَ العلماءِ عليه. قال الترمذيُّ: العملُ عليه (^٢) عند أكثرِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيِّ - ﷺ - ومَنْ (^٣) بعدَهُم من التابعين.
الثالثُ: أنَّ رواتِه اتفقتْ على ألفاظِه، ولم يختلفوا في حرفٍ منه، بلْ نقلُوه مرفوعًا وموقوفًا على صفةٍ واحدةٍ. أمَّا تشهدُ ابنِ عباسٍ؛ فزوي فيه السَّلامُ معرَّفًا ومنكَّرًا، ورُوي فيه من طريقٍ: "عبده ورسوله". ومن طريقٍ آخرَ: "رسول اللَّه" وكذلك بقيةُ التشهداتِ مختلفةٌ. وهذا يدلُّ على أنَّ ابنَ مسعودٍ، ومَنْ روى عنه أيقنُ لما نقلوه.
الرابعُ: أنَّ أحمدَ روى في "مسنده" (^٤) أنَّ ابنَ مسعودٍ، علَّمه رسولُ اللَّه - ﷺ -
_________________
(١) في الأصل: "عند".
(٢) سقطت: "عليه" من الأصل.
(٣) في الأصل: "من".
(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨) (٣٥٦٢).
[ ١ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التشهدَ، وأمرَهُ أنْ يعلِّمه الناسَ، والأمرُ بتعليمِه دليل على فضيلتِه، ولئم يُنقلْ في غيرِه مثلُ ذلك.
الخامسُ: أنَّ الواوَ في تشهدِ ابنِ مسعودٍ، يقتضي أنَّ كلَّ صفةٍ ثناءٌ على اللهِ تعالى، وإسقاطُها يوجبُ كونَها صفاتٍ للتحياتِ، وما تضمَّن زيادةَ الثناءِ، كان أَوْلى.
السادسُ: أنَّ تشهدَ ابنِ مسعودٍ نُقلَ فيه الأمرُ به صريحًا، وتشهدُ ابنِ عباسٍ لمْ يُنقلْ فيه ذلك، إنما هو حكايةُ فعلٍ، والأمرُ أبلغُ في الدلالةِ على الفضيلةِ، والتأكيدُ من الفعلِ.
وهذا الوجهُ إنَّما ينتظمُ في ترجيحه (^١) على تشهدِ ابنِ عباسٍ، وأما غيرُه ممَّا نُقل فيه أمرٌ، كتشهدِ أبي موسى، فلا.
السابعُ: يختصُّ ترجيحُه على تشهدِ عمر أنَّه صحَّ عن (^٢) النبيِّ - ﷺ - مرفوعًا، وتشهدُ عمرَ إنما صحَّ موقوفًا عليه، والمرفوعُ أَوْلى. انتهى.
قال ابنُ نصرِ اللهِ: ويُزادُ عليه وجهٌ:
ثامنٌ: أنَّ في بعضِ طرقِ ابنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ - ﷺ - علَّمَه التشهدَ، وكفُّه بين كفِّه. والأخذُ باليدِ في التعليم، يوجبُ تأكيدًا.
وتاسعٌ: وهو أنَّه رُوي: أنَّ أبا بكرٍ علَّمَه الناسَ على المنبرِ.
وعاشرٌ: وهو زيادةُ الألف واللَّامِ في السَّلامِ، فإنَّه أبلغُ؛ لأنَّه مستغرقٌ الجنسَ، بخلافِ: سلامٌ عليكَ.
_________________
(١) في الأصل: "مرجيحته".
(٢) في الأصل: "على".
[ ١ / ٣١٣ ]
والمُجزئ منه: التَّحياتُ للَّه،
وحادي عشرَ: وهو تقديمُ اسمِ اللهِ تعالى، فإنَّه إذا قُدِّمَ، عُلِمَ الممدوحُ في ابتداءِ الكلامِ، ومتى أُخِّرَ كان محتَملًا، وإزالةُ الاحتمالِ في أوَّلِ الكلامِ أولى.
وثاني عشرَ: أنَّ "التحياتِ" عامٌّ، يتناولُ كلَّ قربةٍ من الصَّلاةِ وغيرِها، فإذا قال: "الصلواتُ"، بغيرِ واوٍ، صارَ تخصيصًا وبيانًا أنَّه أرادَ به الصَّلواتِ، لا غيرَ، ومع الواوِ يبقى على عمومِه، فيكونُ أبلغَ في الثناءِ.
وثالثَ عشرَ: وهو أنَّه ذِكْرٌ مشروعٌ في إحدى طرفي الصَّلاةِ، فكانَ الواو من مَشِه، كالاستفتاحِ؛ اعتبارًا لأحدِ الذكرين بالآخرِ.
(والمجزئُ منه) يعني: الذي لا يُكتفى بأقلَّ منه في التشهدِ الأوَّلِ. فيقولُ: (التحياتُ للَّه (^١» جمعُ تحيةٍ، أي: العظمةُ. روي عن ابنِ عباسٍ. أو: الملكُ والبقاءُ. وعن ابنِ الأنباريِّ: السَّلامُ. وجُمعَ؛ لأنَّ ملوكَ الأرضِ يحيَّونَ بتحياتٍ مختلفةٍ، فيقالُ لبعضِهم: أبيتَ اللَّعنَ. ولبعضِهم: أنعمْ صباحًا. ولبعضِهم: تسلم كثيرًا. ولبعضِهم: عشْ ألفَ سنةٍ. فقيل للمسلمين: قولوا (^٢): التحياتُ للهِ. أي: الألفاظُ التي تدلّ على السَّلامِ، والملكِ، والبقاءِ، والعظمةِ، هي للهِ (^٣). إضافةُ تخصيصٍ. قالتِ الحنفيةُ: وليستْ إضافةَ تحيةٍ وسلامٍ؛ لورودِ النهيِّ عن ذلك في قولِهِ ﵇: "لا تقولوا: السَّلامُ على اللهِ".
"والصَّلواتُ" قيل: الخمسُ. وقيلُ: المعلومةُ في الشرعِ. وقيل: الرحمةُ. وقال
_________________
(١) سقطت: "للَّه" من الأصل.
(٢) سقطت: "قولوا" من الأصل.
(٣) انظر "المطلع" ص (٥٣).
[ ١ / ٣١٤ ]
سلامٌ عليكَ أُيّها النَّبيُّ ورحمةُ اللَّه،
الأزهريُّ: العباداتُ كلّها. وقيلَ: الأدعيةُ. أي: هو المعبودُ بها.
"والطيباتُ" أي: الأعمالُ الصالحةُ. روي (^١) عن ابنِ عباسٍ. وقال ابنُ الأنباريِّ: الطَّيباتُ من الكلامِ
(سلامٌ (^٢) عليك أيها النَّبِيُّ) بالهمزِ، من النبأ، وهو الخبرُ؛ لأنَّه يُنْبِئُ الناسَ، أو يُنَبَّأُ هو بالوحيِّ. وبتركِ الهمزِ؛ تسهيلًا. أو من النبوةِ، وهي الرفعةُ؛ لرفعةِ منزلتِه على الخلقِ. وقيل: هو مأخوذٌ من النبي، وهو الطريقُ؛ لأنَّ الأنبياءَ هم الطريقُ إلى اللهِ.
والنَّبيُّ: من ظهرتْ المعجزةُ على يديه. والرسولُ: هو النَّبِيّ المُرْسَلُ إلى الناسِ، سواءٌ أُنزِلَ عليه كتابٌ، أو أُمِرَ باتِّباعِ كتابِ غيرِه من الرُّسُلِ.
فإن قيل: لِمَ خصَّ (^٣) السَّلامُ باسمِ النبيِّ، وخُصَّتِ الشهادةُ باسمِ الرسولِ؟
فالجوابُ: أنَّ الرسولَ، إنَّما سُمِّيَ رسولًا، بالإضافةِ إلى اللهِ تعالى، كما أشارَ إليه البيضاوي (^٤)، [فناسب أن يخصَّ بالشهادة المضافة إلى اللَّه تعالى في قولك: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه ". والنبي إنما سمي نبيًا بالإضافة إلى الخلق؛ لأنَّه نبيهم] (^٥). فنالسبَ أن يخصَّ باسمِ السَّلامِ منهم.
(ورحمةُ اللهِ) وبركاتُه: جمعُ بركةٍ، وهي النَّماءُ والزيادةُ.
_________________
(١) سقطت: "روي" من الأصل.
(٢) في الأصل: "السلام".
(٣) في الأصل: "حي".
(٤) في الأصل: "فراوي".
(٥) سقط ما بين المعكوفين من الأصل. والمثبت من "معونة أولي النهى" (٢/ ١٥٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
سلامٌ علينا، وعلى عبادِ اللَّه الصالحين، أشهدُ أنْ لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّه
(سَلامٌ (^١) علينا) أي: الحاضرين من إمامٍ، ومأمومٍ، وملائكةٍ (وعلى عبادِ اللهِ الصالحين) الصَّلاحُ: القيامُ بحقوقِ اللهِ تعالى، وحقوقِ عبادِهِ، أو الإكثارُ من العملِ الصالحِ، بحيثُ لا يُعرفُ غيرُه. ويدخلُ فيه النساءُ، ومن (^٢) لمْ يشاركْهُ في صلاتِه؛ لقولِهِ ﵇: "فإنَّكم إذا قلتموها، أصابتْ كلَّ عبدٍ صالحٍ للهِ تعالى في السماءِ والأرضِ" (^٣). قال أبو عليٍّ الدَّقاقُ: ليس شيءٌ أشرفَ، ولا اسمٌ أتمَّ للمؤمنِ، من الوصفِ بالعبوديةِ.
(أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ) أي: أُخبرُ بأنِّي قاطعٌ بالوحدانيةِ. ومن خواصِّ الهيللةِ: أنَّ حروفها كلَّها جوفيةٌ، ليصر فيها حرفٌ شفويٌّ؛ لأنَّ المرادَ بها الإخلاصُ، فيأتي بها من خالصِ جوفِه، وهو القلبُ، لا من الشفتينِ. وكلُّ حروفِها مهملةٌ، دالةٌ على التجودِ من كلِّ معبودٍ سوى اللهِ تعالى.
(و) أشهدُ (أنَّ محمَّدًا رسول الله (^٤» لحديثِ ابنِ مسعودٍ قال: كنَّا إذا جلسنا مع النبيِّ - ﷺ - في الصَّلاةِ، قلنا: السَّلامُ على اللهِ من عبادِه، السَّلامُ على جبريلَ، السَّلامُ على فلانٍ. فسمعنا رسولُ اللهِ - ﷺ - فقال: "إنَّ اللهَ هو السَّلامُ، فإذا جلسَ أحدُكم فليقلْ: التحياتُ للهِ .. إلى آخرِه". قال: "ثمَّ ليتخيَّرْ من الدُّعاءِ أعجبَه إليه،
_________________
(١) في الأصل: "السلام".
(٢) سقطت: "من" من الأصل.
(٣) أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢) من حديث ابن مسعود.
(٤) في الأصل: "عبدُه ورسولُه".
[ ١ / ٣١٦ ]
والكاملُ مشهورٌ.
فيدعو به" (^١). وفي لفظٍ: علَّمَني رسولُ اللهِ - ﷺ - التشهدَ، كفِّي بين كفَّيْه، كما يعلِّمُني السورةَ من القرآنِ (^٢). قال الترمذيُّ: هو أصح حديثٍ في التشهدِ، والعملُ عليه عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتابعينَ، وليس في المتفقِ عليه حديثٌ غيره. ورواه أيضًا ابنُ عمرَ، وجابرٌ، وأبو هريرةَ، وعائشةُ. ويترجَّحُ بأنَّه اختصَّ بأنَّه ﵇ أمرَه بأن يعلِّمَه الناسَ. رواه أحمدُ (^٣).
(والكاملُ مشهورٌ) وهو أنْ يقولَ بعد ذلك: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وباركْ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيمَ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ. قال في "المنتهى" (^٤): وهذه الصفةُ أَوْلى، لكونِ حديثِها متفقًا عليه.
ثمَّ يقولُ ندْبًا: أعوذُ باللهِ من عذابِ جهنَّمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدَّجالِ.
وإنْ دعَا بما وردَ في الكتابِ نحو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] فلا بأسَ.
أو دعا بما وردَ في السّنَّةِ نحو: "اللهمَّ إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ، فاغفر لي مغفرةً من عندِكَ، وارحمْني، إنَّك أنتَ الغفورُ الرحيمُ"
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٣٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٢٦٥)، ومسلم (٤٠٢).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨) (٣٥٦٢).
(٤) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٤٠٩).
[ ١ / ٣١٧ ]
الثاني عشر: الجلوس له وللتَّسليمَتينِ، فلو تشهَّد غيرَ جالسٍ، أو سلَّم الأُولى جالسًا، والثانيةَ غيرَ جالسٍ، لم تصح.
متفق عليه (^١).
أو دعا بما وردَ عن الصَّحابةِ، كحديثِ ابنِ مسعودٍ موقوفًا (^٢). وذهبَ إليه أحمدُ. قال ابنُه عبدُ اللهِ: سمعتُ أبي يقولُ في سجودِه: اللهمَّ كما صُنْتَ وجهي عن السجودِ لغيرِك، فصنْ وجهي عن المسألةِ لغيرِك. فلا بأسَ.
أو دعا بما وردَ عن السلف الصالحِ، فلا بأسَ.
أو دعا بأمرِ الآخرةِ، كـ: اللهمَّ أحسنْ خاتمتي. ولو لم يشبه ما وردَ، فلا بأسَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "ثمَّ يدعو لنفسه بما بدا له" (^٣).
أو دعا لشخصٍ معينٍ بغيرِ كافِ الخطابِ - وتبطلُ الصَّلاةُ به - فلا بأس (^٤) والواجبُ من ذلك: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ.
(الثاني عشرَ) من أركانِ الصَّلاةِ: (الجلوسُ له) أي: التشهدِ الأخيرِ. (و) الجلوسُ (للتَّسليمَتَيْنِ) لأنَّه ثبتَ عنه أنَّه ﵇، واظبَ على الجلوسِ لذلك. وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي".
(فلو تشهدَ غيرَ جالسٍ، أو سلَّم الأولى) أي: التسليمةَ الأولى (جالسًا) حال (والثانيةَ: غيرَ جالسٍ، لم تصحَّ) صلاتُه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥) من حديث أبي بكر.
(٢) أخرجه الطبراني (١٠/ ٥٥).
(٣) أخرجه النَّسَائِيّ (١٣١٠)، وصححه الألباني.
(٤) سقطت: "فلا بأس" من الأصل. وانظر "دقائق أولي النهى" (١/ ٤١١).
[ ١ / ٣١٨ ]
الثالثَ عَشَرَ: التسليمتان، وهو أن يقولَ مرَّتينِ: السلامُ عليكم ورحمةُ اللَّه.
والأَولى أن لا يزيد: وبركاتُهُ.
(الثالثَ عشرَ) من أركانِ الصَّلاةِ: (التسليمتان) فلا يخرجُ من فرضٍ - قال الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (^١): ويتَّجهُ: ولو نذرًا- إلا بهما، سِوى جنازةٍ. ويخرجُ من نفلٍ بواحدةٍ، والثانيةُ سنة.
وهو أن يقولَ عن يمينِه استحبابًا، ثمَّ عن يسارِه كذلك. وإليه أشارَ بقولِه: (وهو أنْ يقولَ مرَّتين) مرتَّبًا معرَّفًا بأل، وجوبًا: (السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ) فلا يجزئُ: سلامٌ عليكمْ. ولا: سلامي عليكم. ولا: سلامُ اللهِ عليكمْ. لأنَّ الأحاديثَ قدْ صحَّت بأنَّه - ﷺ - كان يقول: "السَّلامُ عليكمْ" (^٢). ولم يُنقل عنه خلافه. وقال: "صلّوا كما رأيتموني أصلِّي".
(والأوْلى: أنْ لا يزيدَ: وبركاتُه) قال في "الإنصاف": قالَهُ الأصحابُ (^٣). لعدمِ ورودِه في أكثرِ الأخبارِ. لكنَّه لا يضرّ، لفعلِه ﵇. رواه أبو داودَ (^٤) من حديثِ وائلٍ. وقال في "المغني" و"الشرح" وابنُ تميمٍ وغيرُهم: وإنْ زادَ: وبركاتُه. فحسنٌ (^٥).
_________________
(١) "غاية المنتهى" (١/ ١٨٢).
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٢٩) (٣٦٩٩)، وأبو داود (٩٩٨)، والترمذي (٢٩٥)، وصححه الألباني.
(٣) "الإنصاف" (٣/ ٥٧٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٩٩٩)، وصححه الألباني.
(٥) "الإنصاف" (٣/ ٥٧٠).
[ ١ / ٣١٩ ]
ويَكفِي في النَّفلِ تَسليمةٌ واحِدةٌ، وكذا في الجَنازَةِ.
الرابعَ عشَرَ: ترتيبُ الأركانِ، كما ذكَرنَا،
ويُسنُّ نيةُ الخروجِ من الصَّلاةِ. فلو نوى بسلامِه الخروجَ من الصَّلاةِ، وعلى الحفظةِ والإمامِ والمأمومِ، جازَ، ولم يُستحبَّ، على الصحيحِ من المذهبِ. نصَّ عليه، واختارَهُ الآمديُّ. وقدَّمَه في "الفروع". وقال في "التلخيص": ولمْ تبطلْ على الأظهرِ.
ولو نوى بسلامِه على الحفظةِ والإمامِ والمأمومِ، ولم ينوِ الخروجَ، فالصحيحُ من المذهبِ: الجوازُ. نصَّ عليه. قالَ في "الفروع": والأشهرُ: الجوازُ. وقدَّمه (^١) في "المحرر".
قال ابنُ تميمٍ: لو نوى بسلامِه الحاضرين، ولم ينوِ الخروجَ، فقالَ ابنُ حامدٍ: تبطلُ صلاتُه، وجهًا واحدًا (^٢).
(ويكفي في النفلِ تسليمةٌ واحدةٌ، وكذا في الجنازةِ) وسجودِ تلاوةٍ وشكرٍ. اختارَهُ جمع؛ منهم المجدُ. قال في "المغني" و"الشرح": لا خلافَ أنَّه يخرجُ من النفلِ بتسليمةٍ واحدةٍ. قال القاضي: الثانيةُ سنةٌ في الجنازةِ والنافلةِ، روايةً واحدةً.
وظاهرُ ما قدَّمه في "المبدع" وغيرِه: أنَّ النفلَ كالفرضِ، وهو ظاهرُ ما قطعَ به في "المنتهى" (^٣).
والتسليمتانِ من الصَّلاةِ، كسائرِ الأركانِ. فلا يقومُ المسبوقُ قبلَهما.
(الرابعَ عشرَ) من أركانِ الصَّلاةِ (ترتيبُ الأركانِ، كما ذكرنا) هنا؛ لأنَّه
_________________
(١) في الأصل: "وقدومه".
(٢) انظر "الإنصاف" (٣/ ٥٧٢).
(٣) انظر "كشاف القناع" (٢/ ٤٥٣).
[ ١ / ٣٢٠ ]
فلو سَجَدَ -مثلًا- قبلَ رُكوعِه عمدًا، بطلت، وسهوًا، لزمَه الرجوعُ، ليركعَ ثمَّ يسجُدَ.
﵇ كان يصلِّيها مرتَّبةً في صلاتِه، وقدْ قالَ: "صلّوا كما رأيتموني أصلِّي". وهو: أنْ يأتي أولًا بتكبيرةِ الإحرامِ قائمًا، ثمَّ بالقراءةِ، ثمَّ بالرُّكوعِ، ثمَّ بالرَّفعِ منه، ثمَّ بالاعتدالِ، ثمَّ بالسَّجدةِ، ثمَّ بالرَّفعِ منه، ثمَّ بالجلوسِ بين السَّجدتين، ثمَّ بالسَّجدةِ الثانيةِ، ثمَّ بالقيامِ، ثمَّ بالرَّكعةِ الثانيةِ، ثمَّ بالتشهدِ الأوَّلِ، ثمَّ بالتشهدِ الآخرِ، ثمَّ يسلِّمُ. فلو نكسَ شيئًا من ذلك لم تصحَّ صلاتُه.
"فرعٌ": لو اعتقدَ مصلٍّ هذه الأركانَ سنةً، أو اعتقدَ السنةَ فرضًا، أو لمْ يعتقدْ شيئًا، وأدَّاها عالمًا أنَّ ذلك كلَّه من الصَّلاةِ، أو لمْ يعرفِ الشرطَ من الركنِ، فصلاتُه صحيحةٌ. قال العلامةُ الشيخُ مرعي في "غاية المنتهى" (^١): ويتَّجه: وعلى قياسِه، نحو وضوءٍ.
ثمَّ ذكرَ المصنِّفُ مثالًا في كيفيةِ الترتيبِ. فقالَ: (فلو سجدَ -مثلًا- قبل ركوعِه عمدًا، بطلتْ، وسهوًا: لزِمَه الرجوعُ ليركعَ، ثمَّ يسجدَ) وصلاتُه صحيحةٌ.
* * *
_________________
(١) "غاية المنتهى" (١/ ١٨٢).
[ ١ / ٣٢١ ]