بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال العبدُ الفقيرُ إلى اللَّه تعالى مَرعيُّ بن يوسفَ الحَنبليَّ المقدسيُّ:
الحمدُ للَّهِ
(الحمدُ) (^١): هو الثناءُ باللِّسانِ على قصْدِ التعظيمِ، سواءٌ تعلَّقَ بالنعْمةِ أو بغيرِها.
والشكْرُ: فعلٌ يُنبئُ عن تَعظيمِ المُنعِمِ، لكونِهِ مُنعِمًا، سواءٌ كان باللسانِ، أو بالجنانِ، أو بالأركانِ.
فمَورِدُ الحمدِ هو: اللِّسانُ وحدَهُ. ومُتَعلَّقهُ: النعْمةُ وغيرُها. والشكْرُ يَعمُّ اللِّسانَ وغيرَهُ. ومُتعلَّقُهُ: النعْمةُ فقطْ.
فالحمدُ أعمُّ (^٢) مِن الشُّكرِ باعتبارِ المتعلَّقِ، وأخصُّ باعتبارِ المورِدِ. وعكسُه (^٣) الشكْرُ. فبينَهُما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، لأنهما يجتمعانِ في مادةٍ، وهو الثناءُ باللِّسانِ في مقابلةِ الإحسانِ. ويفترقانِ في صدْقِ الحمدِ فقطْ على الوصْفِ بالعلمِ والشجاعةِ، وصِدقِ الشّكْرِ فقطْ على الثناءِ بالجنانِ أو الأرْكانِ في مقابلةِ الإحسانِ.
وقيلَ: الحمدُ أعمُّ من الشكْرِ. وقيل: هما سواءٌ.
والألفُ واللَّامُ فيه للعمومِ، أي: يَستَحِقُّ المحامدَ كلَّها.
واخْتُلِفَ في اشتقاقِهِ، فقال النضرُ بنُ شميلٍ: هو مشتقٌّ من "الحمدةِ" وهي: شِدَّةُ لهبِ النارِ. وقال ابنُ الأنباريِّ: هو مقلوبٌ من المدحِ من قولِهِمْ: ما أطيبَهُ، وأيطبَهُ.
_________________
(١) سقط من أول المخطوط مقدار صفحتين، بما فيهما مقدمة المؤلف.
(٢) سقطت: "أعم" من الأصل.
(٣) في الأصل: "وعكس".
[ ١ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(للَّهِ): اسمٌ للذَّاتِ الواجبِ الوجودِ، المستحقِّ لجميعِ المحامدِ. ولهذا لم يَقلْ: الحمدُ للخالقِ والرازقِ، مما يوهِمُ اختصاصَ استحقاقِهِ الحمد (^١) بوصفٍ دونَ وصفٍ.
وذهبَ الخليلُ بنُ أحمدَ، وأبو حنيفةَ: أنه ليس بمُشْتقِّ (^٢). وذهبَ آخرون - وحكاه سيبَوَيْه عن الخليلِ - إلى خلافِهِ. فقيلَ: هو من أَلَهَ - بالفتح - إلاهةً. أي: عَبدَ عِبادَةً. والمعنى: أنَّه مسْتحقٌّ للعبادةِ دونَ غيرِها. وقال المُبَرِّدُ: هو منْ قولِ العربِ: أَلِهْتُ إلى فُلانٍ. أي: سَكنْتُ إليه.
وأصلُهُ: إلهٌ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ [الزّخرُف: ٨٤] فأُدْخِلَتْ عليه الألف واللَّامُ، فصارَ: الإلَهَ. ثمَّ أُلقيتْ حركةُ الهمزةِ على لامِ التعريفِ، ثمَّ سكِّنَتْ، وأُدْغمتْ في اللَّامِ الثانيةِ، فصارَ: اللَّه. ثمَّ فُخِّمَ، إجلالًا له وتعظيمًا، فقيلَ: الله (^٣).
واخْتيرَ لفظُ الجلالةِ دون بقيةِ الأسماءِ، لأنه اسمُ اللهِ الأعظمِ، عند أكثرِ أهلِ العلمِ، وللإشارةِ إلى أنَّه تعالى كما يستحقُّ الحمدَ لصفاتِهِ، يستحقُّهُ لذاتِهِ.
ولم يعطفْ جملةَ الحمدِ على جملةِ البسملةِ، إيذانًا بأنَّ (^٤) كلًّا من الجملتينِ مستقلٌّ بأداءِ المقصودِ. وأخَّرَها عنها، اقتداءً بكتابِ اللهِ تعالى، حيثُ قدِّمتْ فيه
_________________
(١) سقطت: "الحمد" من الأصل.
(٢) في الأصل: "أنه مشتقٌّ".
(٣) انظر: "المبدع" (١/ ٢٠).
(٤) تكررت: "بأن" في الأصل.
[ ١ / ٣٠ ]
ربِّ العالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له، مالكُ يومِ الدينِ.
وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه
البسْملةُ على الحمدَلَةِ.
(ربِّ): وهو لُغةً: السيِّدُ والمالكُ والمعبودُ. وهو اسمُ فاعلٍ حُذِفَتْ أَلِفُهُ، كما قيل: بارٌّ و: بَرٌّ.
(العالمينَ) جمعُ عالمْ - بفتْحِ اللَّامِ - ومدْلُولُهُ: على ما سوى اللهِ تعالى. وتخصيصُهُ بذِي الروحِ، أو بالناسِ، أو بالثقلينِ، أو الملائكةِ، أو بالثلاثةِ مع الشيطانِ، أو بني آدمَ، أو بأهلِ (^١) الجنَّةِ والنَّارِ، أو بالرجحانِ، يحتاجُ إلى دليلٍ ونقلٍ عن المتقدمينَ.
(وأشهدُ): أي: أعلمُ. (أنْ لا إِلَهَ) أي: لا معْبودَ بحقٍّ في الوجودِ (إلَّا اللهُ، وحدَهُ) في ذاتِهِ، فلا نظيرَ لَهُ، ولا شريكَ لَهُ في ملكِهِ، ولا معينَ لَهُ في فعلِهِ (لا شرِيكَ له) أي: لا مشاركَ لَهُ في مُلكِهِ.
(مالكُ يومِ) وهو ما بينَ طلوعِ الشمسِ وغروبها. والمرادُ: مُطلقُ الوقتِ (الدِّينِ) هو يومُ الجزاءِ من خيرٍ وشرٍّ. سُمِّيَ بِهِ يومُ القيامةِ: لأنَّه محلُّ المجازاةِ؛ أو لأنَّهُ لا ينفعُ فيه إلا الدِّينُ الحقُّ.
(وأشهدُ) أي: أعلمُ (أنَّ محمَّدًا): علَمٌ منقولٌ من اسمِ مفعولٍ، موضوعٌ لكثرَةِ خصاله الحميدةِ. سُمِّيَ بِهِ؛ إلهامٌ مِن اللهِ تعالى لجدِّهِ عبدِ المطَّلبِ، على وفْقِ
_________________
(١) تكررت: "أهل" في الأصل.
[ ١ / ٣١ ]
ورسوُله، المبيِّنُ لأحكامِ شرائعِ الدِّين، الفائزُ "بمُنتَهى الإرادَات" من ربِّه، فمَنْ تمسَّك بشَريعتِه، فهوَ من الفَائزين، صلى اللَّه وسلم عليه وعلى جَميعِ الأنبياءِ والمرسلين،
تسميتِهِ تعالى لهُ بِهِ قبلَ الخلقِ بألفي عامٍ على ما وردَ (^١). (عبْدُهُ) قدَّمه امتثالًا لما في الحديثِ الصحيحِ (^٢): "ولكنْ قولوا: عبدُهُ ورسولُهُ" ولأنَّه أحبّ الأسماءِ إلى اللهِ تعالى. (ورسولُهُ) يُعلَمُ منه: أنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا.
(المُبَيِّنُ) أي: المُوَضِّحُ (لأحكامِ): جمعُ حُكْمٍ (شرائعِ الدِّينِ): جمعُ شريعةٍ، وهي لغةً: مَشْرعَةُ الماءِ، أي: مَوْردُ الشاربِ. واصطلاحًا: وضعٌ إلهي سائقٌ لذوي العقولِ باختيارِهِم المحمودِ، إلى ما يُصلِحُهم في مَعاشِهم ومعادِهم. والإضافةُ في الدِّينِ: بيانيَّة، كما عُلِمَ من تفسيرِ الشريعةِ (^٣) بما ذكرَ. ويُطلقُ الدِّينُ على العادةِ، والسيرةِ، والحسابِ، والقهرِ، والقضاءِ، والحكمِ، والطاعةِ، والجزاءِ، والبرِّ.
(الفائزُ بمنتهَى الإراداتِ) أي: بعَليِّ المطالبِ. وفيه براعةُ استهلالٍ؛ لأنَّهُ مختصرٌ منْهُ (مِن رَبِّه) أي: مالِكِهِ. فمَنْ تمسَّكَ بشريعتِهِ فهو من الفائِزِينَ الفَرِحينَ.
(ﷺ) وهي مِن اللهِ: رحمةٌ، ومن الملائكةِ: استغفارٌ، ومن النَّاسِ: الدعاءُ. والسَّلامُ بمعنى: السَّلامةِ من كلِّ آفةٍ ونقصٍ.
(وعلى جميعِ الأنبياءِ والمرْسَلينَ) وهو: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدمَ، أُوحِيَ
_________________
(١) يشير إلى حديث: "مكتوب على باب الجنة: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، عليٌّ أخو رسول اللَّه؛ قبل أن تخلق السماوات والأرض بألفي عام" أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٥٦) والطبراني في "الأوسط" (٥٤٩٨) من حديث جابر. قال الألباني: موضوع. "الضعيفة" (٤٩٠١).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤٥) من حديث عمر.
(٣) في الأصل: "الشرعيةِ".
[ ١ / ٣٢ ]
وعلى آلِ كلٍّ وصحبِه أجمعين.
إليه بشرعٍ، وأُمِرَ بتبليغِهِ، وذاكَ الرسولُ، وهو أخصُّ من النبىِّ، فإنَّهُ: إنسانٌ حرٌّ ذكرٌ من بني آدمَ، أُوحِيَ إليه بشرع، ولم يُؤْمَرْ بتبليغِهِ. وهم: أي: الرسُلُ: ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ. وقيل: أربعةَ عشَرَ. وقيل: غيرُ ذلك.
(وعلى آلِ كلٍّ) وهم أتْباعُهُ على دينِهِ، على المشهورِ. وأصلُه: أوَل. تحرَّكَتْ الواوُ وانفتَحَ ما قبلَها وقُلبتْ ألِفًا، قاله الكسائي لسماعِهِ تصغيرَهُ على أُوَيْل. أو: أهْل. قُلِبتْ الهاءُ همزةً، ثمَّ الهمزةُ ألفًا، قالَهُ سيْبَوَيْه، لتصغيرِهِ على أُهيْل.
(وصحبِهِ أجمعينَ): اسمُ جَمْعٍ لصاحِبٍ، بمعنى: الصحابي. وهو: مَنِ اجتمعَ بالنبيِّ - ﷺ - اجتماعًا متعارَفًا (^١) في يقظةٍ، أو لقيَه، أو رآه بعد البعثةِ مؤمنًا. وتَبطُلُ صحبتُهُ بردَّتِهِ إنْ ماتَ عليها، كسائرِ أعمالِهِ.
والمرادُ باللُّقِي: المتعارَفُ بالأبدَانِ، وهو يشملُ لُقيَّ البصيرِ والأعمى كابنِ أمِّ مكتومٍ، وغيرِ المميزِ كعبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ، فإنَّه جِيءَ به إلى النبيِّ - ﷺ -، فحنَّكَهُ.
واحتُرِزَ بـ "يَقظة": عمَّن رآهُ منامًا.
وبقولِهم: "حيًّا": عمَّن رآه ميتًا، كأبي ذئبٍ الشاعرِ، خالدِ بنِ خويلدِ الهذليِّ، فإنَّه لما أسلَمَ وأُخْبرَ بمرضِهِ - ﷺ -، فسافرَ ليراه، فوجدَهُ ميِّتًا.
وبقولِهم: "مسلمًا": عمَّنْ اجتمعَ به قبلَ النَّبوةِ ولمْ يرَهُ بعدَ ذلك، كزيدِ بنِ عمرٍو، فإنَّه ماتَ قبلَ البعثَةِ، ومَنْ رآه وهو كافرٌ ثمَّ أسلَمَ بعد موتِه.
وبقولهم: "ولو ارتد": عمَّن ارتدَّ في زمنِه - ﷺ - أو بعدَ موتِه، أو قُتِلَ على الردَّةِ، كابنِ خَطَلٍ وغيرِهِ. ويدخلُ فيه: مَنْ ارتدَّ ثمَّ رجعَ إلى الإسلامِ وماتَ مسلمًا؛
_________________
(١) في الأصل: "متعرافا".
[ ١ / ٣٣ ]
وبعدُ:
كالأشعثِ بنِ قيسٍ.
وقولِهم: "ولو جنيًّا": يدخلُ فيه مَنْ لَقيَ النبىَّ - ﷺ - من الجنِّ (^١) الذين قدِموا عليه من نَصيبَين، وأسلموا، وهم تسعةٌ أو سبعةٌ (^٢) من اليهودِ.
وعطفُ الأصحابِ على الآلِ الشاملِ لبَعضِهم، يَشملُ الصَّلاةَ والسَّلامَ على (^٣) باقيهم فهو من عطفِ الخاصِّ على العامِّ (^٤).
ويجوزُ الصَّلاةُ على غيرِ الأنبياءِ استقلالًا من غيرِ كراهيةٍ. رويَ أنَّ عليًّا قال لعُمرَ: صلى اللهُ عليكَ.
(وبعدُ): كلمةٌ يؤتى بها للانتقالِ من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخرَ، اقتداءً بفعلِه - ﷺ - في خُطَبِهِ ومراسلاتِهِ.
وتُبنى على الضمِّ، حيث حُذِفَ المضافُ إليه، ونُوِىَ معناه. وأجازَ الفَرَّاءُ النصبَ مع التنوينِ، والرفعَ معه. وأجازَ ابن (^٥) هشامٍ فتحَ الدالِ، وأنكرَه النحَّاسُ.
وأوَّلُ مَنْ أتى بها: قيل: داودُ ﵇، وأنه فصلُ الخطابِ الذي أُوتيه. وقيل: يعقوبُ ﵇، لما روي في "غريبِ مالك": أنه لما جاءَه الموتُ، قال من جملةِ كلامِهِ: أمَّا بعدُ، فإنا أهلَ بيتٍ موكَّلٌ بنَا البلاءُ. وقيل: يعربُ بنُ قحطانَ.
_________________
(١) سقطت: "من الجن" من الأصل.
(٢) في الأصل: "أو تسعة".
(٣) سقطت: "على" من الأصل.
(٤) انظر: "فتح وهاب المآرب" (١/ ٥٠).
(٥) سقطت: "ابن" من الأصل.
[ ١ / ٣٤ ]
فهذا مختصرٌ فى الفقه
وقيل: كعبُ بنُ لُؤىٍّ. وقيل: قُسُّ بنُ ساعدةَ.
قال ابنُ حجرٍ (^١): والأوَّلُ أشْبَهُ. ونجمعُ بينه وبين غيرِهِ بأنَّ الأوَّلَ هو الأولُ بالنسبةِ إلى الأوليةِ المحضةِ، والبقيةَ بالنسبةِ إلى العرب (^٢) خاصَّةً، ثم يُجمعُ بينهم بالنسبةِ إلى القبائلِ.
(فهذا مختصرٌ) وهو: ما قلَّ لفظُهُ، وكثُرَ معناه
(في الفقهِ) وهو لغةً: الفهمُ. أي: إدراكُ معنى الكلامِ.
واصطلاحًا: معرفةُ الأحكامِ الشرعيةِ الفرعيةِ بالفعلِ، أو بالقوةِ القريبةِ. هكذا حدَّه بعمق أصحابِنا.
واحترزَ بـ"معرفةِ الأحكامِ": عن مَعرفةِ الذواتِ، كزيدٍ وعمرٍو. وبـ"الشرعيةِ": عن معرفةِ الأحكامِ غيرِ الشرعيةِ، كاللغويةِ، وسائرِ العلومِ غيرِ الأصوليةِ. وبـ" الفرعيةِ": عن الأصوليةِ، كأصولِ الدينِ، وأصولِ الفقهِ، والأحكامِ العقليةِ، كنسبةِ الشيء إلى غيرِهِ إيجابًا كـ: قامَ زيدٌ. أو سلبًا كـ: لمْ يقُمْ.
والحكمُ الشرعيُّ: مدلولُ خطابِ الشرعِ.
والمرادُ بقولِهم: بالفعلِ، أي: بالاستدلالِ. وبالقوةِ القريبةِ، أي: من الفعلِ المتهيئ، لمعرفتِها بالاستدلالِ.
وموضوعُه: أفعالُ المكلفين؛ من حيثُ عروضُ الأحكامِ لها.
واستمدادُه: من الكتابِ، والسنةِ، والإجماعِ، والقياسِ.
_________________
(١) "فتح الباري" (٢/ ٤٧٠).
(٢) في الأصل: "العرفِ".
[ ١ / ٣٥ ]
على المذهبِ
وفائدتُه: امتثالُ أوامرِ اللهِ واجتنابُ نواهيه: المحصِّلان للفوائدِ الدنيويةِ والأخرويةِ.
(على مذهبِ) (^١) المذهبُ في الأصلِ يصلُحُ للمكانِ والزمانِ، والمصدرِ، ثم نُقِلَ لما قاله المجتهدُ بدليلٍ، وماتَ قائلًا به. قال ابنُ مفلحٍ في "أصوله": مذهبُ الإنسانِ: ما قاله، أو جرى مجراه من تنبيهٍ أو غيرِهِ.
"فائدةٌ": اعلمْ أن الإمامَ أحمدَ رحمه اللَّه تعالى، لم يؤلِّفْ كتابًا مستقلًّا في الفقهِ، وإنَّما أُخِذَ مذهبُهُ من أجوبتِهِ، وتآليفِه في غيرِ الفقهِ، ومن أقوالِهِ وأفعالِهِ.
والمقيسُ على كلامِه: مَذهبُهُ في الأصحِّ. وما أجاب فيه بكتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ، أو قولِ بعضِ الصحابةِ، فهو مذهبِه، لأنَّ قولَ الصحاليِّ حجةٌ عنده على الأصحِّ.
وما رواه من سنةٍ أو أثرٍ وصحَّحه أو حسَّنه، أو رضيَ سندَه، أو دوَّنه في كتبه ولم ردَّه، ولم يُفْتِ بخلافِهِ، فهو مذهبُهُ في الأصحِّ. اختاره الأكثرُ.
وإذا قال قولًا بدليلٍ، ثم آخرَ بخلاف الأوَّلِ، فالثاني مذهبُهُ. اختارَه في التمهيد" و"الروضة" و"العمدة" وغيرهن. وقدَّمه في "الرعاية" وغيرها.
فإذا نُقل عنه قولانِ صريحانِ مختلفانِ في وقتين، وتعذرَ الجمعُ بينهما، فإن عُلِمَ تاريخُهما فالثاني مذهبُهُ، وإلا فأقربهما من الكتابِ والسنةِ، أو الأثرِ وقواعدِه، أو مقاصدِه، أو أدلتِه.
فإن وافقَ أحدُ قوليه مذهبَ غيرِه، فما الأولى؟ قال في "الرعاية": يحتملُ جهين. قال في "الإنصاف": قلت: الأوْلى ما وافقَه. انتهى.
وإن أمكن الجمعُ بحملِ عامٍّ على خاصٍّ، أو مطلقٍ على مقيدٍ، فكلٌّ منهما
_________________
(١) في الأصل: "مذهب".
[ ١ / ٣٦ ]
الأحمدِ مذهبِ الإمامِ أحمدَ،
مذهبُه على الأصحِّ، فيُعمَلُ بكل في محلِّه.
(الأحمدِ) أي: الأرضى للَّه تعالى. (مذهبِ الامامِ أحمدَ) أي: الطريقةِ المنسوبةِ إليه. وهو: أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلِ بنِ هلالِ بنِ أسدِ بنِ إدريسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حيَّانِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أنسِ بنِ عوفِ بنِ قاسطِ بنِ مازنِ بنِ شيبانَ بنِ ذُهلِ بنِ ثعلبةَ (^١) بنِ عُكابةَ بنِ صعبِ بنِ علىٍّ بنِ بكرِ بنِ وائلِ بنِ قاسطِ بنِ هِنْبِ (^٢) - بكسر الهاء وسكون النون، ثم باء موحدة - بنِ أفصى - بالفاء والصاد المهملة - بنِ دُعْمِي بنِ جَديلة بنِ أسدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارِ بنِ معدِّ بنِ عدنان المَرْوزيّ البغداديُّ. ذكرَه الخطيبُ، والبيهقىُّ، وابنُ عساكرَ، وابنُ طاهرٍ. الشيبانىُّ؛ نسبةً لجدِّه شَيبان المذكور، رضي اللَّه تعالى عنه.
حملتْ به أمُّه بمَرْو، وولدَ ببغدادَ في ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعٍ وستين ومائةٍ. ودخلَ مكةَ والمدينةَ، والشامَ واليمنَ، والكوفةَ والبصرةَ والجزيرةَ، وتوفي ببغدادَ يومَ الجمعةِ ثاني عشر (^٣) ربيعٍ الأولِ. والمشهورُ: الآخِر. وجزمَ به في "شرحِ الأصلِ" (^٤) للمصنِّفِ عن ابنِهِ عبدِ اللهِ، سَنةَ إحدى وأربعينَ ومائتين، عن سبعٍ وسبعينَ سنةً. وأسلَمَ يومَ موتِهِ: عشرون ألفًا من اليهودِ والنصارى والمجوسِ. وفضائلُه كثيرةٌ، ومناقبُه شهيرةٌ.
_________________
(١) في الأصل: "ثلعبة"، وينظر "سير أعلام النبلاء" ١١/ ١٧٧.
(٢) في الأصل: "هندب".
(٣) سقطت: "عشر" من الأصل.
(٤) "معونة أولي النهى" (١/ ١٥١).
[ ١ / ٣٧ ]
بالغتُ فىِ إيضاحه؛ رجاءَ الغفران، وبيَّنتُ فيه الأحكامَ أحسنَ بيان، لم أذكُرْ فيه إلَّا ما جزم بصحته أهلُ التصحيح والعِرفان، وعليه الفتوى فيما بينَ أهلِ الترجيح والإتقان، وسمَّيتهُ بـ"دليل الطالب لنيل المطالب".
واللَّهَ أسألُ أن ينفع به من اشتغل به، وأن يرحَمَني والمسلمين، إنَّه أرحمُ الراحمين.
من مصنفاتِهِ: "المسندُ" ثلاثون ألف حديثٍ. و"التفسيرُ" مائةٌ وخمسون ألفًا. و"الناسخُ والمنسوخُ"، و"التاريخُ"، و"المقدَّمُ والمؤَخَّرُ في كتابِ اللهِ"، و"جواباتُ القرآنِ"، و"المناسكُ الكبيرُ" و"الصغيرُ" (^١).
(بالغتُ في إيضاحِهِ) أي: بيانِهِ (رجاءَ الغُفْرانِ، وبينتُ) أي: وضَّحَّتُ فيه.
(الأحكامَ) جمعُ حكمٍ (أحسنَ بيانٍ. لم أذكرْ فيه إلا ما جزمَ بصحتِهِ أهلُ التصحيحِ والعرفانِ) وهم العلماءُ (وعليه الفتوى فيما بينَ أهلِ الترجيحِ والإتقانِ).
(وسمَّيتُه) أي: جَعلتُ عليه هذا الاسمَ عَلَمًا (بدليلِ الطالبِ). أي: المُرشدِ (لنيلِ المطالِبِ) أي: المقاصدِ (واللهَ أسألُ أن ينفعَ به من اشتغلَ به، وأن يرحَمَني) وأن يغفرَ لي (والمسلمين، إنه أرحمُ الراحمين).
* * *
_________________
(١) انظر "دقائق أولي النهى" (١/ ١٢).
[ ١ / ٣٨ ]