أولًا: أنَّ مؤلِّفَه قَريبٌ من الشيخِ مرعيّ عِلمًا ونَسبًا، أمَّا العِلمُ: فهو ابنٌ لأحَدِ أكابرِ تلامِذَةِ الشيخِ مرعِيّ، وهو الشيخُ العلَّامَةُ أحمدُ بن يحيى المقدسىُّ الكرميُّ. وأمَّا النَّسبُ: فالشيخُ مَرعيٌّ عَمٌّ لأَبيه. وذلك قرينةٌ على دِرايَةِ المؤلِّف بخفيِّ المرادِ مِن العِبارَات.
إضافةً إلى أنَّ جدَّه لأمِّه هو الشيخُ العلامةُ محمد بنُ أحمد المرداويُّ، المتوفَّى سنةَ ١٠٢٦ هـ، أحدُ أكابرِ مشايخِ منصور البُهوتيِّ ومرعيٍّ وغيرِهما مِن كبارِ الحنابلةِ في مِصرَ. وقد صرَّح المصنِّفُ بهذِه الصِّلَةِ في آخرِ "بابِ الإجارة" من شرحِه هذا.
وبهذا يكُونُ المؤلِّفُ ينتَمي لأحَدِ بُيوتَاتِ الحنابِلَةِ الكَبيرَةِ في زمنه، مما زانَهُ قَدرًا ورِفعةً وشَرفًا.
_________________
(١) انظر "كشف النقاب" لابن حمدان ص (٩٠).
[ ١ / ٦ ]
ثانيًا: حِرصُه على ذِكرِ الدَّليلِ والتعليلِ في غالِبِ مَسائلِه، دونَ تعرُّضِه للخِلاف، إلا ما ندر، خصوصًا في المذهب.
ثالثًا: شَرحُه لألفَاظِ المتنِ بعِباراتٍ موجزَةٍ، رَكَّب فيها الشرحَ بالمتنِ فصارَا كمَتنٍ واحِدٍ.
رابعًا: ذِكرُه لزيادَاتِ المسائِلِ، والفَوائدِ، والفروع، والتنبيهاتِ.
خامسًا: أنه زادَ المتنَ وزَانَه رَونَقًا وبهاءً بالتَّرتيباتِ البديعَةِ، والتقسيماتِ المُنيفَةِ، والتنويعَاتِ المفصِّلَةِ، والحدودِ المبيِّنَةِ.
سادسًا: كثرةُ نقولِه عن كُتُبِ الأصحابِ واعتمادِه لها، خصُوصًا المتأخرين مِنهُم؛ ابتداءً من المرداوي في "الإنصاف"، ومرورًا بالحجَّاويِّ في "الإقناع"، والفُتُوحي في "المنتهى" و"معونة أولي النهى"، وانتهاءً بالشيخ مَرعيٍّ في "غاية المنتهى"، والبُهوتي في "دقائق أولي النهى"، و"إرشاد أولي النهى"، و"حواشي الإقناع"، و"كشاف القناع"، و"الروض المربع".
سابعًا: اعتِناؤُهُ باختِيارَاتِ الشيخِ تقيِّ الدِّينِ ابنِ تيميَّةَ، ونقلُهُ عنه كَثيرًا.
ثامنًا: نقلُ العلماءِ عنه في شُروحِهِم واستفادتُهم منه، كما صَنَعَ ابنُ عوض في "فتح وهاب المآرب"، وابنُ حميد في "حاشيته على المنتهى"، وغيرُهما.
تلك خصائصُ جَليلةٌ تُنبئُ عن أهميَّةِ هذا الشرحِ، وجعلِه في دَرجَةٍ عاليةٍ عندَ عُلماء المذهَبِ.
[ ١ / ٧ ]
وهذا ما جعَلَني أعقِدُ العزمَ على إخراجِه محقَّقًا، مُستعينًا بالله وحدَه؛ ليُفيدَ منه طلبهُ العلِمِ، وينهلوا من مَعينِه الصَّافى. وذلك بعدَ أن يسَّرَ اللهُ تعالى الحصولَ على نسخةٍ خطيَّةٍ منه.
وبتوفيقٍ مِن اللهِ تمَّ ما أردتُ، بعدَ أن بذَلتُ ما بوسعِي من الجهدِ والوقتِ؛ لإخراجه على هذه الصورَةِ التي أضعُها بين يَديكَ. والله سبحانَه المستعانُ، وعليه التُّكلان، فما كان فيه من صوابٍ فمِن الله وحدَه، فهو الموفِّقُ له والمعينُ عليه، وما كانَ فيه من خطأ فمنِّي ومن الشَّيطانِ، والله بريءٌ من ذلك ورسولُه.
أسأل الله تعالى أن يجعلَه عملًا مُباركًا، وأن ينفعَ به عبادَه المؤمنين، وأن يغفرَ لي ولوالِدَيَّ وللمسلِمين، والحمدُ لله أوَّلًا وآخِرًا، وصلى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآلِه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
وكتَبه
أحمَد بن عَبد العزيز الجمّاز
١/ ٣/ ١٤٣٦ هـ
شقراء - السعودية
[ ١ / ٨ ]