- قال - ﵀ -:
- باب إحياء الموات.
الموات. مشتق من الموت.
والموت: هو مفارقة الحياة. أو البقاء بلا روح.
ويطلق الموات أو الموت على الأرض التي لا تملك: لغة. سيأتينا في الشرع.
ولو كانت مزدهرة بالزرع الذي نبت بأمر الله لكنها ما دامت ليست مملوكة لأحد فهي موات.
[ ٤ / ٤١٤ ]
ثم شرع المؤلف - ﵀ - بتعريف الموات شرعًا وكما قلت أن المؤلف - ﵀ - تارة يعرف وتارة لا يعرف وكأنه يعرف ما يرى أنه يحتاج إلى تعريف وإيضاح.
- يقول - ﵀ -:
- وهي: الأرض المنفكة عن الإختصاصات وملك معصوم.
تعتبر الأرض في الشرع مواتًا إذا اتصفت بصفتين:
ـ أن لا تكون من الاختصاصات.
ـ ولا تكون ملكًا لأحد خاص.
والمقصود: (بالاختصاصات) المرافق التي ينتفع بها وهي تابعة للعامر. فكل ما هو حول العامر مما ينتفع به للعامر فإنه من الاختصاصات التي ليست من الموات فلا يجوز أن تحيا.
مثالها/ الاماكن التي يحتطب منها الناس. أو يرعون فيها بهائمهم أو ما قرب من البئر التي يشرب منها الناس كل هذه الأمور وغيرها تعتبر من الاختصاصات.
ومن الاختصاصات الأرض المعدة لصلاة الاستسقاء أو لصلاة العيدين.
وهكذا من خلال هذه الأمثلة يمكن أن تكون تصورت ما هي المرافق التي تحيط بالعامر من البنيان والتي لا تدخل في الأرض الموات التي يجوز إحيائها.
وأما قوله - ﵀ -: (وملك معصوم). يعني: وأن لا تكون مملوكة لأحد معين سواء الملك بإرث أو ببيع أو بهبة أو بأي سبب من أسباب الملك الشرعية.
فإذا اتصفت الأرض بهاتين الصفتين فإنها موات شرعًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- فمن أحياها: ملكها.
من أحيا الأرض الموات ملكها بالإجماع.
ومستند الإجماع: - قوله - ﷺ -: (من أحيا أرضًا مواتًا فهي له). وهو نص.
ولهذا ولله الحمد لم نجد في المسألة خلاف.
- ثم قال - ﵀ -:
- من مسلم وكافر.
مقصود المؤلف - ﵀ - تقرير قاعدة وهي: (أن كل من جاز أن يملك جاز أن يحيي). ولهذا يجوز لكل مسلم ولكل كافر أن يحيوا الأراضي الموات.
ولكن المقصود بقوله: (كافر) يعني: الذمي. أما الكافر الحربي فغنه لا يتملك في أرض المسلمين. إذ كيف نمكنه من التملك وماله هو مباح.
فإذًا: المقصود (الكافر) الذمي.
- يقول - ﵀ -:
- بإذن الإمام وعدمه.
يعني: سواء استأذن الإمام أو لم يستأذن الإمام فإنه يملك.
واستدلوا على هذا:
- بأن الحديث عام. أن كل من أحيا أرضًا مواتًا فهي له.
ولم يشترط الحديث الإذن من الإمام.
واستدلوا بدليل آخر:
[ ٤ / ٤١٥ ]
- وهو: أن تملك الأرض بالإحياء يشبه تملك المباحات من نوع الاحتطاب ونحوه وصيد ونحوه. وإذا كانت تشبه الاحتطاب والصيد فهو جائز بلا إذن الإمام.
وهذا مذهب الجماهير من الفقهاء أنه لا يشترط إذن الإمام لتملك الأرض بالإحياء.
= والقول الثاني: وهو مذهب الأحناف فقط أنه يشترط لتملك الأرض أن يأذن الإمام.
واستدلوا على هذا:
- بأن للإمام نظر في تحديد الأراضي التي هي من مصالح العامر والأراضي التي ليست من مصالح العامر. وإذا كان له نظر في تحديد هذه الأراضي اشترط إذنه.
ةظاهر الحديث عدم الاشتراط.
وأظن أن العمل الآن على الاشتراط على أنه يشترط للإحياء أخذ الإذن.
- قال - ﵀ -:
- في دار الإسلام وغيرها، والعنوة كغيرها.
يعني: أنه يجوز التملك: سواء أحيا الأرض التي في دار الإسلام أو أحيا الأرض التي خارج دار الإسلام أو أحيا الأرض التي فتحت عنوة أو أحيا الأرض التي فتحت صلحًا.
في كل هذه الصور الإحياء صحيح.
والدليل على هذا:
- العموم. وأنه لا يوجد مخصص للنص. وإذا لم يوجد مخصص للنص فإن القاعدة إعمال القاعدة: (إعمال النص على عمومه). وعمومه يدل على هذا. وهو أمر واضح.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويملك بالإحياء: ما قرب من عامر، إن لم يتعلق بمصلحته.
المؤلف - ﵀ - يريد أن يتحدث عما قرب من العامر ولا يريد أن يتحدث عما بعد من العامر.
ولهذا يقول - ﵀ - هنا: (ويملك بالإحياء: ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته).
الأراضي القريبة من العامر تنقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: أن تتعلق بها مصالح العامر. فهذه لا يجوز لأحد أن يتملكها. لأن هذا التملك يضر بمصالح الساكنين في العامر. والأحكام الشرعية مبنية على أنه لا ضرر ولا ضرار. ولأن في تملك هذا النوع من الأراضي افتيات على ملاك ما قرب منها.
ـ القسم الثاني: ما قرب من العامر لكن لم تتعلق به مصالحه. فليس مرعىً لأهل العامر ولا مكانًا للاحتطاب ولا تتعلق به اي مصلحة من مصالح العامر. فهذا يجوز إحياؤه.
واستدلوا على جواز الإحياء:
- بأن النص العام يتناول هذا النوع من الأراضي وإن كانت قريبة .. (الأذان).
[ ٤ / ٤١٦ ]
= القول الثاني: أنه لا يجوز تملك الأراضي القريبة ولو لم تتعلق بها مصلحة العامر.
واستدلوا على هذا:
- بأنه وإن لم تتعلق بها الآن ربما تعلقت بها في وقت قريب. فأدى التملك إلى الإضرار.
والراجح: القول الأول. إلا أن يرى ولي الأمر أن التملك في بعض الأراضي القريبة يضر في القريب العاجل بعامر البنيان فله أن يمنع من ذلك. لأن لا يدخل الضرر على أصحاب العامر.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن أحاط مواتًا.
بدأ المؤلف - ﵀ - ببيان صفة الإحياء: يعني: كيف يحصل الإحياء؟ أو بماذا يكون الإحياء؟
- فيقول - ﵀ -:
- ومن أحاط مواتًا ..
يعني: فقد أحياه.
فأفادنا المؤلف - ﵀ - أن إحاطة الأرض الموات بحائط يعتبر إحياء له.
والمقصود بالحائط: يعني: الذي يمنع من دونه. وليس مقصودهم أي حائط ولو كان قصيرًا بل المقصود ما يمنع الدخول إلى الأرض.
وسواء أحاط الأرض ليزرعها أو ليربي فيها الماشية أو ليبني فيها أيًا ما كان فالإحاطة تعتبر إحياء.
واستدلوا - ﵏ - على ذلك:
- بقول النبي - ﷺ -: (من أحاط أرضًا فهي له).
وهذا الحديث في أسانيده ضعف لكن كثير من المعاصرين يصححونه بمجموع الطرق.
فهذا الحديث نص على أن الإحاطة تعتبر إحياء.
ولم يبين المؤلف - ﵀ - بماذا تكون الإحاطة؟ أي: هل يشترط للإحاطة أن تكون من مواد معينة أو الإحاطة تكون حسب الجدر المبنية في كل زمان.
هذا القول الثاني هو المراد: أن الإحاطة ربما تكون باللبن أو بالخشب أو بالسعف - حسب ما تحصل الإحاطة به وحسب غرض المحيط.
ربما أحاطها ليبني وربما ليزرع وربما ليربي الماشية ولكل من هذه الأغراض ما يناسبه من الحائط.
= القول الثاني - في كفيفة الإحياء أنه يرجع فيها إلى العرف.
- لأن الشارع الحكيم قرر أن من أحيا أرضًا فقد ملكها ولم يبين كيفية تفصيلية للإحياء فنرجع فيه إلى العرف.
فما اعتبر في العرف إحياء فهو إحياء وما لا فلا.
وهذا القول الثاني هو الصحيح لأنه ليس في النصوص ما يدل على تعين الإحاطة وأما هذا الحديث فهو إن صح لا يدل على أن الإحياء لا يكون إلا بالإحاطة. لأن ذكر بعض أفراد العموم بحكم يوافق العموم لا يعني تخصيصه بالحكم.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أحمعين.
[ ٤ / ٤١٧ ]
الدرس: (٤٧) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما زال الكلام في كيفية إحياء الموات وذكرنا في الدرس السابق التعليق على قول الماتن أن الإحياء يتم بالإحاطة.
واليوم ننتقل إلى النوع الثاني من الإحياء وهو حفر البئر:
- فيقول المؤلف - ﵀ -:
- أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء.
إذا حفر الإنسان بئرًا في الأرض الموات ووصل إلى الماء فإنه بهذا الوصول يعتبر أحيا الأرض. إذ بإخراج الماء فيها تيسرت سبل الإحياء.
لكن الفقهاء يرون أن إخراج الماء هو بحد ذاته إحياء.
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ -: (فوصل إلى الماء) أنه لو حفر فيها بئرًا ولم يصل إلى الماء فليس بإحياء ولو حفر. وهذا هو المذهب.
لكن إذا حفر البئر ولم يصل إلى الماء فحكمه أنه يأخذ حكم التحجير. وهو - أي: التحجير - الشروع في الإحياء قبل إتمامه.
ولم يذكر المؤلف - ﵀ - حكم التحجير والشروع في الإحياء وإن كان صاحب الأصل ذكره وهو مهم لأنه سيأتينا أنا نحتاج إلى حكمه في أكثر من مسألة.
فحكم التحجير والشروع في الإحياء هو:
ـ أن المتحجر يكون أحق بهذا المكان من غيره مع عدم الملك.
هذا هو الحكم.
ويتفرع على هذا:
ـ أن المتحجر لا يجوز له أن يبيع لأنه لم يملك الأرض إلا أنه مع ذلك أحق من غيره بهذه الأرض التي حفر فيها بئرًا ولم يصل إلى الماء.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو أجراه إليه من عين ونحوها، أو حبسه عنه ليزرع: فقد أحياه.
إذا أجرى الماء إلى الأرض أو حبس الماء عن الارض ليزرع: فقد أحيا.
فبإجراء الماء إلى الأرض تيسرت السبل لإحيائها سواء أجرى الماء من نهر أو من عين أو من أي مصدر من مصادر المياه.
وكذلك إذا حبس الماء عن الأرض فيما إذا كان حبس الماء عنها من أسباب صلاحها فإن بعض الأراضي من صلاحها واستعدادها وقبولها للزراعة أن يحبس الماء عنها.
[ ٤ / ٤١٨ ]
فإذا حبس الماء أو أجرى الماء فإنه يعتبر بهذا أحيا الأرض.
* * مسألة/ والإحياء يكون بإجراء الماء أو بحبس الماء لا بالزرع.
فقول المؤلف - ﵀ -: (ليزرع) هذا بيان للغاية من إجراء الماء وليس بيانًا لما يحصل الإحياء.
الإحياء في الواقع يحصل بإجراء الماء أو حبسه لا بالزرع. فإن زرع زرعًا مجردًا عن إجراء الماء فليس بإحياء عند الحنابلة.
إذًا: مجرد الزرع لا يعتبر من الإحياء غند الحنابلة.
تقدم معنا في المسألة التي في الدرس السابق أن الإحياء يرجع فيه إلى العرف. وأن هذا القول هو الراجح.
لكن المقصود الآن تقرير المذهب وهو أنهم لا يرون الإحياء بالزرع. وإنما بإجراء الماء أو بحبسه.
فتحصل عندنا من الطرق: - الإحاطة. - وحفر البئر. - وإجراء الماء. - وحبس الماء.
هذه أربع طرق للإحياء.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويملك حريم البئر العادية: خمسين ذراعًا من كل جانب، وحريم البديّة: نصفها.
تقد معنا أن الإنسان إذا حفر البئر فقد أحيا الأرض.
لكن المؤلف - ﵀ - لما ذكر أن هذا من أسباب الإحياء لم يبين إلى أي حد يحيي.
فإذا حفر البئر في هذه الأرض: ماذا يملك من الأرض؟ هنا أراد المؤلف أن يبين المساحة التي تملك بحفر البئر.
وهي مسألة متممة جدًا لمسألة الإحياء بحفر البئر. فإنه لا ينتفع بمسألة الإحيار بحفر البئر إلا بتقري هذه المسألة.
= فالحنابلة يرون: التفريق بين البئر العادية والبئر الابتدائية.
- فيقول - ﵀ -:
- ويملك حريم البئر العادية: خمسين ذراعًا من كل جانب، وحريم البديّة: نصفها.
البئر العادية هي البئر القديمة وهي منسوبة إلى عاد ولا يقصد تخصيص النسبة بعاد وإنما أصبح كل أمر قديم ينسب إلى عاد.
والمقصود بالبئر العادية: يعني التي حفرت ثم انطمرت ثم أعاد هو حفرها.
ويقصد بالئر البدية التي استحدث حفرها من جديد ولم تكن محفورة من قبل.
فحريم البئر العادية خمسون ذراعًا.
وحريم البئر البدية: النصف. خمس وعشرون ذراعًا.
الدليل:
- قالوا الدليل على هذا: ان النبي - ﷺ - قال: (حريم البئر العادية خمسون ذراعًا وحريم البئر البدية خمس وعشرون ذراعًا).
وهذا الحديث نص في المسألة.
[ ٤ / ٤١٩ ]
إلا أن الإشكال أن هذا الحديث مرسل والمرسِل له هو سعيد بن المسيب - ﵀ -. والمرسل كما تعلمون من أقسام الحديث الضعيف إلا أنه مع ذلك استدل به الإمام أحمد - ﵀ -.
السبب في ذلك: أن الإمام أحمد والإمام ابن معين ربما غيرهم لكني أنا وقفت على كلام الإمام أحمد وكلام ابن معين يقولون أنه أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب.
أضف إلى هذا أمر أشار إليه الحافظ الحاكم وهو قوله: إن الحفاظ المتقدمون نظروا في مراسيل سعيد بن المسيب فوجدوها صحيحة متصلة. وهذا حكم هلى جميع المراسيل والحاكم إمام حافظ وينسب الحكم للحفاظ لا إلى نفسه.
من مجموع هذين الأمرين: انطلق الإمام أحمد فأخذ بهذا الحديث واستدل به واتكأ عليه.
وهذا صحيح: ما دام مراسيل سعيد بن المسيب بهذه المثابة من القوة والمتانة والصحة والثبوت فإن الاستدلال بها سليم ولا غبار عليه.
= القول الثاني: ان حريم البئر هوم المقدار الذي يحتاج إليه في إخراج الماء منها.
وهذا اختيار القاضي أبو يعلى من الحنابلة. - يقول - ﵀ -: هذا هو الحد.
واستدل هؤلاء:
- بقول النبي - ﷺ -: (حريم البئر قدر الرشا).
يعني: أنه بقدر ما يسحب الحبل لإخراج الماء يكون حريم البئر. وهذا الحديث ضعيف.
وتلاحظ الآن - أو نستطيع أن نقول قاعدة: (أن الإمام أحمد يقدم المرسل القوي على الحديث الضعيف). وما نقول هنا الحديث الضعيف خير من المرسل لأنه حديث مرفوع إلا أنه ضعيف والمرسل لم يتصل إلى النبي - ﷺ - بل إن الإمام أحمد - ﵀ - يقول: المرسل القوي خير من الحديث الحديث. هو لم يقل هذه القاعدة بالتصريح لكن يفهم هذا من طريقة تفقه الإمام أحمد - ﵀ -.
لهذا نقول: الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أن حريم البئر هو هذا المقدار المذكور في الحديث.
ومادام ليس في الباب إلا هذا المرسل إلا عن هذا التابعي الجليل فهو مكان للاستمساك والاعتبار.
(الحريم) هو: ما يكون حول البئر. حريم الشيء ما يكون حوله.
ولذلك نحن نقول: (حريم العامر) يعني ما يكون حول البلد العامر من الأراضي.
وحريم البئر يعني: ما يكون محيطًا بالبئر من الجوانب.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
* * مسألة/ هذا التحديد فيما إذا حفر البئر للسقي. أما إذا حفر البئر ليزرع فله ما حول الأرض مما يريد أن يزرعه ولو كان أكثر من خمسين ذراعًا أو خمسًا وعشرين ذراعًا بالنسبة للعادية والبدية.
إذًا: هذا التحديد فيما إذا كان يريد السقي. أن يأخذ هو ويسقي غيره.
وأما إذا كان يريد أن يزرع فمن المعلوم أنه يأخذ من الأرض القدر الذي يريد أن يزرعه مما هو حول البئر.
- قال - ﵀ -:
- وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه.
فهم من كلام المؤلف - ﵀ -: أنه ليس للإمام إقطاع العامر لأنه خص الإقطاع بالموات.
= وهذا مذهب الحنابلة: وهو أنه لا يجوز للإمام أن يقطع العامر إلا لمصلحة معتبرة فإذا انتفت المصلحة فللإمام أن يسحب الأرض المقطعة ممن أعطيها.
= والقول الثاني: أن للإمام أن يقطع العامر لكن قالوا: لمصلحة بيت المال.
واستدلوا على هذا:
- بأن الإمام يستطيع أن يعطي مالًا من بيت المال فالأراضي نوع من الأموال فكذلك يستطيع أن يعطيها من شاء.
والواقع انه ليس بين القولين فرق يذكر. لأنه قيد في القولين وجود المصلحةز
فإذًا بين القول الثاني والذمهب تقارب كبير جدًا ويعود القولان إلى مسألة اعتبار المصلحة.
- يقول - ﵀ -:
- وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه.
الإقطاع: في اللغة هو التمليك والإرفاق.
وفي الشرع: إعطاء الإمام أرضًا لمن ينتفع بها.
والإقطاع مشروع بالسنة الصحيحة:
- لأن النبي - ﷺ - أقطع بلال بن الحارث ووائل بن حجر - ﵄ -.
فإذًا: الإقطاع مشروع.
يقول - ﵀ -: (وللإمام إقطاع موات لمن يحييه ولا يملكه). أفادنا المؤلف: أن الإمام إذا أقطع رجلًا أرضًا فإن هذا الرجل لا يملك الأرض بمجرد أن يقطعه إياها الإمام. بل يتوقف الأمر على إحيار الرجل للأرض.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأن عمر بن الخطاب - ﵁ - لما ولي الخلافة وجد أن بلال بن الحارث أحيا بعض الأرض التي أقطعه إياها النبي - ﷺ - وترك بعضها لم يحييه فسحب منه الجزء الذي لم يحييها ولو كان بلال يملك الأرض بمجرد الإقطاع لم يأخذ منه عمر - ﵁ - شيئًا من الأرض.
[ ٤ / ٤٢١ ]
ودليل الحنابلة واضح وقوي.
= القول الثاني: أن الإنسان إذا أقطع أرضًا فإنه يملك الأرض بمجرد الإقطاع.
واستدلوا على هذا:
- بأن الإقطاع يفهم منه في اللعة والعرف: التمليك.
فإذًا: يثبت بمجرد الإقطاع.
وهذا القول وإن كان ظاهرة القوة إلا أنه ضعيف.
والسبب في ضعفه: أنه مصادم لهذا الأثر الصحيح عن عمر بن الخطاب. وإذا كان عمر - ﵁ - قام باسترجاع الأرض فلاشك أن هذا أمر أقره عليه الصحابة ولم ينكروا عليه هذا الأمر فهو أشبه ما يكون ثابتًا بالاستفاضة لا سيما وأن عمل الخلفاء الراشدين يكون مشهورًا بين الصحابة.
على كل حال: الراجح مذهب الحنابلة.
- قال - ﵀ -:
- وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس، ويكون أحق بجلوسها.
(وإقطاع الجلوس) لابد أن ننبه إلى أن الإقطاع ينقسم إلى قسمين:
ـ القسم الأول: إقطاع الإحياء وهو الذي تكلمنا عنه الآن.
ـ والقسم الثاني: إقطاع الإرفاق وهو الذي أشار إليه المؤلف - ﵀ - بقوله: (وإقطاع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس، ويكون أحق بجلوسها).
للإمام الحق في إقطاع الإرفاق كما أن له الحق في التمليك أو الذي يسميه بعض الفقهاء إقطاع الموات. إقطاع الموات هو إقطاع التمليك.
لكن الحنابلة لا يسمونه إقطاع تمليك. لماذا؟ لأنهم لا يرون أن الملك يثبت بمجرد الإقطاع.
إقطاع الإرفاق هو أن يعطي الإمام رجلًا من الناس مكانًا عامًا لينتفع به.
كأن يعطيه رحبة المسجد التي خارج حدود المسجد.
أو أن يعطيه مكانًا في السوق فارغًا. وما شابه هذه الأماكن التي يرتفق فيها الناس بالبيع والشراء غالبًا.
فإذا أعطيها صار أحق بها من غيره وصار حكمها حكم التحجر ونحن تقدم معنا حكم التحجر وهو أنه لا يملك إلا أن المتحجر أحق به من غيرها.
قال الإمام أحمد - ﵀ - من أقطعه الإمام فهو أحق ومن غيره إلى الليل. فإذًا يظل استحقاقه من الصباح حيث أفطعه الإمام إلى أن تغيب الشمس.
وهذا حق من حقوق الإمام.
والدليل على ذلك:
- أن للإمام نظر فيمن يكون بقائه أضر على الناس وفيمن يكون بقائه أقل ضررًا على الناس.
ولهذا: فله أن يقطع زيد ويمنع عمرو لأن زيدًا أقل ضررًا على الناس من عمرو.
[ ٤ / ٤٢٢ ]
فلما كان للإمام هذا النظر صار من حقوقه أن يقطع إقطاع الإرفاق.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن غير إقطاع: لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال.
(ومن غير إقطاع). مقصود المؤلف - ﵀ - أنه كما يجوز للإنسان أن يجلس في المكان الذي أقطعه إياه الإمام كذلك له أن يجلس ولو لم يقطعه الإمام في الأماكن الواسعة التي لا تضر بالناس.
ويكون أحق بهذا المكان ما دام متاعه فيه.
فإن رفع المتاع صار غيره له الحق في الجلوس في المكان.
إذًا: هذه المسألة الأخيرة: هي أن للإنسان أن يجلس وينتفع في المكان العام ولو بلا إقطاع من الإمام بشرط أن لا يكون في جلوسه أذىً للناس.
وهو أحق بهذا المكان ما لم يرفع متاعه.
وقول المؤلف - ﵀ -: (ما لم يرفع متاعه). هذا هو الفرق بين انتفاع الإنسان بالمكان بسبب إقطاع الإمام وبين انتفاع الإنسان بسبب أنه جلس بلا إقطاع.
والفرق هو: أنه إذا أقطع الإمام رجلًا من الناس فإنه أحق بهذ المكان ولو قام عنه ولو رفع متاعه. فهو أحق به لأن الإمام أقطعه إياه.
أما إذا جلس هو بلا إقطاع فهو أحق بالمكان لكن ما لم يرفع متاعه.
ثم أشار المؤلف - ﵀ - إلى مسألة أخيره وهي: قوله - ﵀ -: (وإن طال). يعني: وإن طال بقائه في هذا المجلس ولو لمدة أيام فإنه يكون أحق بهذا المكان من غيره ولو طال.
واستدل أصحاب هذا القول: أنه أحق بغير وإن طال:
- بقول النبي - ﷺ -: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به).
وهذا الحديث صحيح.
وهذا الرجل سبق إلى هذا المكان فهو أحق به من غيره ولو طال.
= والقول الثاني: وهو المذهب: فالمؤلف - ﵀ - خالف المذهب في هذه المسألة:
القول الثاني: أنه هو أحق به إلا إن طال لأن طول بقاء الإنسان في هذا المكان يؤدي إلى ما يكون أشبه شيء بالتملك والتملك لا يجوز في المرافق العامة.
فإذا طال بقائه في هذا المكان صار كالمتملك والتملك لا يجوز.
قلت لكم فيما سبق: أن المؤلف - ﵀ - يخالف المذهب وأنه لمخالفته عدة احتمالات وأن الأقرب منها أن ما يذكره المؤلف - ﵀ - أشبه ما يكون بالاختيار.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
هذا الموضع يقوي جدًا أن المؤلف - ﵀ - إذا خالف أنه يكون أشبه ما يكون بالاختيار.
والسبب: أن المؤلف - ﵀ - يقول هنا: (وإن طال) فتشعر من عبارة المؤلف - ﵀ - أنه أراد المخالفة وأنه لم يكتب هذا الكلام سبق قلم أو وهم أو نسيان ويؤكد هذا أن المؤلف - ﵀ - في الإقناع وافق الحنابلة. يعني: في كتابه الآخر وافق الحنابلة وذكر كما يذكر كل الحنابلة أنه له المكان ما لم يطل البقاء في هذا المكان.
ثم نأتي فنجد هنا أن المؤلف - ﵀ - خالف ما ذكر هو نفسه في الإقناع مما يشير إلى أن ما يذكره في الزاد نوع من الاختيار.
يعنيك هكذا يظهر لي. فأنا لم أجد أحدًا تكلم عن مخالفات المؤلف - ﵀ - وعن سبب مخالفة المؤلف للمذهب في كتابه الزاد لكن يظهر لي أنه نوع من الاختيار وودت أن أجد كلام لا سيما المتقدمين عن سبب مخالفة المؤلف - ﵀ - للمذهب الاصطلاحي.
- قال - ﵀ -:
- وإن سبق اثنان: اقترعا.
يعني: وإن سبق اثنان إلى المكان الذي يباح اتخاذه من المرافق العامة فالحكم أن يقترعا.
- لأنهما استويا في السبق. وإذا استويا في السبق استويا في الاستحقاق لأن سبب الاستحقاق هو السبق فلما استويا فيه لم يوجد ما يخرج بهما عن الإشكال إلا إجراء القرعة فإذا اقترعا من أصابته القرعة جلس في هذا المكان.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولمن في أعلى الماء المباح: السقي، وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه.
مقصود المؤلف ان يتحدث عن مسألة كثيرًا ما تقع في القديم وهذه المسألة هي: () في التشاح به.
فإن الحكم إذا وقعت هذه المسألة: أن من في أعلى الماء يسقي إلى أن يبلغ الماء حد كعب الرجل ثم يترك الماء لمن بعده ومن بعده يسقي كذلك إلى أن يبلغ الماء الكعب من الرجل ثم يترك الماء لمن بعده وهكذا الثاني والثالث.
ولو أدى ذلك إلى انتهاء الماء عن الثاني أو عن الثالث فالحكم يبقى كما هو ولو انتهى الماء عمن يليه.
إذًا: عرفنا وعرفنا أن المسألة مفروضة فيما إذا كان الماء قليلًا يحصل فيه المشاحة فإذا حصلت المشاحة فالحكم هو هذا الذي سمعت.
الدليل على هذا التفصيل الدقيق:
[ ٤ / ٤٢٤ ]
- أن هذه المسألة وقعت في عهد النبي - ﷺ - وأفتى فيها. وذلك أن رجلًا من الأنصار اشتكى إلى النبي - ﷺ - في الزبير بن العوام فقال: إن الزبير يسقي قبلي فقال النبي - ﷺ - اسقي يا زبير ثم دع الماء لجارك.
هذه الفتوى الأولى.
فقال الأنصاري: - لعله مع الغضب - أن كان ابن عمتك يارسول الله. فتلون وجه النبي - ﷺ - واشتد غضبه ثم قال: اسق يازبير إلى أن تبلغ الجدر ثم دع الماء.
ما معنى الحديث؟ معنى الحديث: ان النبي - ﷺ - أفتاه أولًا بأن يأخذ دون حقه الواجب وهو أن يسقي السقي المعتاد ولو لم يصل الماء إلى الجدر فلما اعترض الأنصاري على هذا الحكم العدل الذي فيه مراعاة للإنصاري استوفى النبي - ﷺ - حف الزبير الشرعي فأمره أن يسقي إلى أن يبلغ الماء إلى الجدر ثم يترك الماء إلى جاره.
لكنا نجد المؤلف - ﵀ - يقول: (إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه).
فالتحديد بالوصول إلى الكعب أخذ من أنهم حبسوا مقدار ما يصل إليه الماء من الجدر فوجدوه إلى الكعب فأخذوا هذا حكمًا مسلمًا.
فإذًاك نقول هذا هو الحكم.
فمن في أعلى النهر أحق ممن دونه ممن هو أسفل منه وهكذا تتدرج القضية ولو انتهى الماء عن الأخير.
وبهذا عرفنا الحكم إذا حصلت المشاحة بينهم على الماء.
- ثم قال - ﵀ -:
- وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين، ما لم يضرهم.
الحمى: هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في منطقة محددة بحيث تكون خاصة لماشية الزكاة أو خيول الجهاد.
ولاشك أنهم ذكروا هذا كالتمثيل. لأن غالب مواشي بيت المال في العهد النبوي وفي ما بعده غالبها إما أن تكون صدقات أو تكون خيولًا معدة للجهاد.
فإذًا: الآن الحمى هو أن يمنع الإمام الناس من الرعي في مكان معين ويخصصه لبهيمة الأنعام الزكاة ولخيول الجهاد.
وكون الإمام يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع - أو بأدق: (كون النبي - ﷺ - يحمي هذا ثابت بالنص والإجماع).
[ ٤ / ٤٢٥ ]
ـ أما النص: فقوله - ﷺ -: (لا حمى إلا لله ولرسوله) فأثبت - ﷺ - الحمى له حقًا من حقوقه - ﷺ -.
ـ وأجمعت الأمة على ذلك.
لكن اختلفوا فيما إذا حمى غير النبي - ﷺ - من الأئمة الذين يأتون بعده.
= فذهب الحنابلة: إلى أن الأئمة كلهم يملكون الحق في الحمى وأن الحديث جاء لتقرير مبدأ الحمى لا لحصره على النبي - ﷺ - وأيضًا قالوا: الحديث جاء لتقرير حق الحمى للنبي - ﷺ - كإمام فإذا جاء إمام بعده فله نفس الحق.
= والقول الثاني: أن الحمى خاص بالنبي - ﷺ - وأن من بعده لا يملك أن يحمي.
واستدلوا كما هو معلوم:
- بقوله: (لا حمى إلا لله ورسوله). فهذا الحديث خص الحمى بالله ورسوله.
والراجح مذهب الحنابلة: والسبب في ذلك: أن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي كلهم حموا. وهذا لاشك دليل قاطع أن الحمى ليس خاصًا بالنبي - ﷺ - وإنما يتناول كل إمام ياتي من بعده فله الحق في أن يحمي.
يقول - ﵀ -: (وللإمام دون غيره: حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم). يشترط في حمى الإمام أن لا يضر بالناس. لعموم قول النبي - ﷺ -: (لا ضرر ولا ضرار).
فإن الإمام كما أن عليه أن يراعي الأموال الزكوية من بهيمة الأنعام وخيول الجهاد كذلك عليه أن يراعي مصالح الناس. فلا يجوز أن يحمي حمىً يترتب عليه أذية وإضرار للناس.
بهذا ينتهي باب إحياء الموات وننتقل إلى باب الجعالة.