• ثم قال - ﵀ -:
باب إخراج الزكاة.
يعني: هذا باب خصص لبيان أحكام إخراج الزكاة.
فالحكم الأول:
• قال - ﵀ -:
يجب على الفور مع إمكانه.
يحرم على الإنسان أن يؤخر إخراج الزكاة بعد تمام الحول.
فإن أخر فهو آثم.
الدليل:
الدليل على ذلك من وجوه:
- أولًا: أن الأصل في الأوامر أنها على الفور. وستأتيكا هذه المسألة مبسوطة أتم البسط في باب الأوامر والنواهي في أصول الفقه في الورقات.
- ثانيًا: أن التأخير يؤدي إلى ضياع حق الفقير بالنسيان والإتلاف والتقصير والتفريط.
- ثالثًا: أن المأمور إذا تأخر في التنفيذ استوجب العقوبة شرعًا وعرفًا. والعقوبة تكون على المحرم.
إلا أن الحنابلة يقولون: يجوز التأخير اليسير للحاجة.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وحد بعض الحنابلة هذا اليسير:
- بيوم أو يومين.
- والمصلحة بما إذا أراد أن يعطي قرابته فأخر بعض الشيء ليتمكن من ذلك.
- أو إذا أراد أن يعطي من هو أشد فقرًا فأخر ليتمكن.
- أو أراد أن يعطي من هو أورع وأقرب إلى الله.
وقد نصوا على هذه الأمثلة الثلاثة ليقاس عليها ما يشبه هذه الأمثلة الثلاثة.
= القول الثاني: أنه يجوز التأخير لمدة شهر فقط فإن زاد عن الشهر أثم.
وإلى هذا ذهب ميمون بن مهران.
= القول الثالث: أنه يجوز التأخير بلا حد.
- لأن الأمر المطلق لا يستوجب وقتًا معينًا بل يحصل الامتثال مهما صنع ولو تأخر. أو بعبارة أوضح: يحصل الامتثال إذا صنع ولو تأخر.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة - ﵀ -.
وهو أضعف وأبعد الأقوال عن روح الشرع والنصوص العامة. لأن الافراط في السماح بالتأخير يؤدي غالبًا إلى ضياع حق الفقير ودخول الشهوات بأن يقصد المؤخر الانتفاع بالمال لا تحقيق مصلحة معينة.
الراجح القول الأول.
وفي المسألة: = قول آخر أنه لا يجوز التأخير ولو لحاجة ولو لشي يسير.
وهذا رواية عن الإمام أحمد - ﵀ -: أنه لا يجوز التأخير مطلقًا إلا في حالة واحدة فقط: للضرورة ففي ما عدا هذه الصورة لا يجوز التأخير.
وهذا القول الأخير الذي هو رواية عن الإمام أحمد أضيق من مذهب الحنابلة.
لكن الأقرب والله أعلم مذهب الحنابلة أنه يجوز للإنسان أن يؤخر تأخيرًا يسيرًا لتحقيق مصلحة معتبرة.
مسألة / بناء على ما تقدم: لا يجوز للإنسان أن يصنع ما يصنعه بعض الناس اليوم: أن يجعل الزكاة عنده ويعطي قريبه الفقير أقساط شهرية فإن هذا لا يجوز لأن الأقساط المؤخرة مؤخرة والزكاة تجب على الفور.
والأنفع للفقير في مثل هذه الحالة وهي: أنه إذا رأى أن الفقير لا يحسن التصرف ولا يمكن أن يعطى جميع المال فبدل أن يقسط عليه الزكاة ويدخل في هذا المحذور يجعل الفقير يوكل المخرج أو غيره في شراء أعيان وأشياء ينتفع بها الفقير على مدار السنة.
فيشتري له قوتًا أو مسكنًا أو فراشًا أو كتبًا إن كان من طلاب العلم - كما سيأتينا - المهم يشتري له بها ما تقوم به حاجته في السنة فإن هذا الحل خير من التقسيط.
[ ٢ / ٤٢١ ]
وقد نص الإمام أحمد في رواية أن جمع الزكاة وإخراجها مقسطة على القريب لا يجوز.
• ثم قال - ﵀ -:
إلا لضرر.
إذا كان إخراج الزكاة الآن يسبب ضررًا على المخرج: جاز له التأخير.
وذكر الفقهاء - ﵏ - مثالين:
- المثال الأول: أن يكون صاحب ماشية فيبادر بإخراج الزكاة ويخشى أن يأتي السعاة فيأخذوا الزكاة منه مرة أخرى. فحينئذ فإن له أن يؤخر إلى أن يأتي عمال الصدقة فيعطيهم الزكاة.
- المثال الثاني: أن يخشى أنه إذا أخرج الزكاة لا سيما إذا كانت من الذهب والفضة: أن يجترئ عليه اللصوص. فحينئذ له أن يؤخر إلى أن يكون في مأمن.
وهذا مثالان. والقاعدة أنه «إذا ترتب على إخراج الزكاة ضرر فله أن ينتظر» لأن هذا من دفع الضرر. والضرورات تبيح المحرمات.
•
ثم قال - ﵀ -:
فإن منعها جحدًا لوجوبها كفر عارف بالحكم.
يعني: أن من لم يخرج الزكاة بسبب أنه يجحد وجوب الزكاة (الأذان).
إذًا: من تركها جاحدًا لوجوبها فهو - نتم هذه المسألة فقط -: فهو كافر بشرط أن يكون عالمًا بالحكم. فإن كان من البادية الذين نشأو في الصحراء ولا يعرف الحكم فإنه لا يكفر حتى يعلم أن الزكاة ركن من أركان الإسلام وأن الجاحد لوجوبها يكفر.
والجاحد لوجوبها يكفر ولو أخرجها فلو جاءنا إنسان وقال: أنا لا أرى أن الزكاة واجبة لكن سأخرج الزكاة. فنقول: أنت كافر لأن الزكاة واجبة.
الدليل على كفره:
- أنه مكذب لله مكذب لرسوله مخالف لإجماع المسلمين.
ولهذا أصبح كافرًا.
والقرآن - كما قال الفقهاء - ﵏ - مليء بإيجاب الزكاة فلال عذر بعد ذلك لمن أنكر الوجوب فهو كافر.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
من الأسئلة:
قال شيخنا حفظه الله: يسأل عن مسألة إخراج القيمة بدلًا من الأصناف المذكورة في زكاة الفطر وهي مسألة كثر البحث فيها في وقتنا هذا: والصواب باختصار أنه: لا يجوز.
والدليل على ذلك:
- أن النبي - ﷺ - أمر بإخراجها من هذه الأصناف وحدد هذه الأصناف.
وبناء على هذا لا يجوز أن نخرجها مالًا لأنه يؤدي إلى ذهاب هذه الشعيرة.
فإن قيل: أنه أنفع للفقراء:
فالجواب: أن الناس في عهد النبي - ﷺ - وفي عهد أبي بكر وعمر - ﵄ - أيضًا فقراء جدًا حتى أن سيد الخلق - ﷺ - كان لا يجد ما يأكل أحيانًا وعدد من الصحابة فقراء وأصحاب الصفة فقراء فمعلوم أن وقت النبي - ﷺ - كان يشتهر فيه الفقر والإعواز ومع ذلك لم تخرج من الأموال وإنما أمر بإخراجها من هذه الأصناف المذكورة في الحديث.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا الكلام عن حكم من أنكر وجحد وجوب الزكاة وأنه يكفر ولو أخرجها لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.
• وتوقفنا على قول المؤلف - ﵀ -:
وأخذت.
يعني إذا حكمنا عليه بالكفر فإنه مع ذلك تؤخذ منه الزكاة فيأخذها الإمام قهرًا.
- لأن الزكاة وجبت في ذمته قبل أن يكفر فلا بد من إخراج هذه الزكاة لأنها حق للفقراء ولا يسقط هذه الزكاة كونه كفر.
• ثم قال - ﵀ -:
وقتل.
وهذا هو الحكم الثالث.
إذًا يترتب على إنكار وجوب الزكاة أنه:
١ - يكفر.
٢ - وتؤخذ منه.
٣ - ويقتل.
يجب أن يقتل وجوبًا لدليلين:
- الأول: قوله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة). وهذا لم يؤت الزكاة.
- الثاني: لأنه مرتد والمرتد حكمه القتل.
ولكن الفقهاء - ﵏ - قالوا: أنه يستتاب ثلاثة أيام قبل أن يقتل. وهذا الحكم لا يختص بجاحد الزكاة بل بكل مرتد. لأنه نقل عن بعض الصحابة أنهم أمهلوه ثلاثة أيام وسيأتينا إن شاء الله في باب حكم المرتد الكلام حول هذه المسألة.
• ثم قال - ﵀ -:
أو بخلًا. أُخذت منه وعزر
هذا هو السبب الثاني لمنع الزكاة وهو: البخل.
ومقصود المؤلف - ﵀ - بقوله: أو بخلًا. يعني: مع الإقرار بالوجوب.
فإذا كان مقرًا بالوجوب ومنعها بخلًا ترتب على ذلك الأحكام التي ذكرها المؤلف - ﵀ -.
• أولًا: قال - ﵀ -:
أخذت منه.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
أجمع الفقهاء على أن الإمام يأخذ الزكاة قهرًا من منعها بخلًا.
والحكم الثاني: ما أشار إليه بقوله - ﵀ -:
وعزر.
وفهم من قوله: وعزر: أنه لا يكفر وهذا هو الصحيح من قولي أهل العلم أنه لا يكفر إذا كان السبب في منعه إخراج الزكاة هو البخل لا إنكار الوجوب.
إلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير وهو المنقول عن الصحابة أن من منع إخراج الزكاة بخلًا لا يكفر.
إذًا قال: وعزر: فهو لا يكفر ولا يقتل وإنما يعزر.
- لأن القاعدة عند أهل العلم أن كل ذنب لم يرتب الشارع عليه حدًا ولا كفارة ففيه التعزير.
والمقصود بقوله: التعزير. هنا أي: يعزره حسب ما يراه الإمام كافيًا في ردعه وردع أمثاله الذين يمتنعون عن إخراج الزكاة.
= وذهب بعض أهل العلم إلى أن التعزير هنا يكون بأخذ شطر ماله.
- لأن رجلًا امتنع عن إخراج الزكاة فقال له النبي - ﷺ -: (إنا آخذوها وشطر مالك). وهذا الحديث اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه.
والصحيح إن شاء الله أنه صحيح. وممن صححه الإمام أحمد - ﵀ - ولكن مع ذلك الجماهير وأكثر أهل العلم لم يأخذوا بهذا الحديث.
وممن لم يأخذ بهذا الحديث الإمام أحمد - ﵀ - مع أنه صححه لكنه - ﵀ - صححه وقال: لا أدري ما وجهه.
والسبب الذي جعلهم لا يعملون بهذا الحديث:
- أن الصحابة - ﵃ - لم يأخذوا ممن منع الزكاة شطر ماله هذا أولًا.
- ثانيًا: ما حكاه بعض الفقهاء بقوله: انعقد الإجماع على عدم العمل بهذا الحديث.
فلهذين السببين لم يأخذ الجمهور بهذا الحديث.
= والقول الثاني: العمل بمقتضى هذا الحديث.
واختلف الذين رأوا أن يعملوا بهذا الحديث: هل مقصود النبي - ﷺ -: (شطر ماله) يعني شطر ماله الزكوي أو شطر ماله كله؟ فإذا كان عنده مائة من الإبل ولم يخرج زكاتها نأخذ الزكاة ونصف المائة أو المقصود أن تؤخذ الزكاة وشطر كل ماله فلو كان عنده مائة من الإبل ومائة من الغنم ومائة من البقر وما يقدر بمائة ألف من عروض التجارة إلخ. ومنع الزكاة في شيء واحد - في الإبل مثلًا - فنأخذ زكاة الإبل ونصف جميع هذه الأموال.؟
= الذي عليه الجمهور أن المقصود: شطر ماله الزكوي.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
- قال الصنعاني: قوله: (وشطر ماله) يعني: بعض ماله. وهذا يشعر أنه يميل إلى قول الجمهور.
• ثم قال - ﵀ -:
وتجب: في مال صبي ومجنون، فيخرجها وليهما.
تقدم معنا في أول الباب الكلام عن حكم زكاة مال الصبي وحكم زكاة مال المجنون وأن الجماهير من أهل العلم رأوا وجوب إخراج الزكاة من مال الصبي وأن من عليه أن يخرج هو: الولي. وأن هذا مذهب أكثر الصحابة.
وتقدم معنا الكلام عن هذه المسألة.
• ثم قال - ﵀ -:
ولا يجوز إخراجها إلاّ بنية.
المقصود بالنية هنا: أن ينوي أن هذا المال زكاة.
والدليل على وجوب النية في إخراج الزكاة:
- قوله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات).
- والدليل الثاني: أن الزكاة عبادة بل من أعظم العبادات فهي ركن من أركان الإسلام وأي عبادة لا تصح إلا بنية.
يستثنى من هذه المسألة - وجوب النية -: مسألة واحدة وهي: إذا أخرج الإمام الزكاة قهرًا لمن ترك الإخراج سواء كان جحدًا أو بخلًا. فهنا يكتفي بنية الإمام عن نية المزكي.
وتجزيء مانع الزكاة وليس له الأجر.
- ومعنى قول الفقهاء: تجزئ: يعني لا يجوز أن يطالب بها مرة أخرى.
- ومعنى: أنه ليس له أجر: أي لا يؤجر عليها وإنما تبرأ ذمته فقط مع الإثم.
فهو - نسأل الله العافية والسلامة - يخرج الزكاة ولا أجر له وعليه الإثم.
•
ثم قال - ﵀ -:
والأفضل: أن يفرقها بنفسه.
الأفضل في الزكاة سواء كانت زكاة مال أو زكاة الفطر فالأفضل أن يخرجها بنفسه.
وسواء كانت الزكاة من الأموال الظاهرة أو من الأموال الباطنة.
وسواء كان المزكي صغيرًا أو كبيرًا بشرط أن يتمكن من الإخراج إذا كان صغيرًا.
الدليل على أن هذا هو الأفضل من وجهين:
- الأول: ليباشر أداء العبادة. فإن مباشرة أداء العبادة فضل في حد ذاتها.
- الثاني: ليستيقن من وصول الزكاة لمستحقيها على الوجه المطلوب ليحصل له اليقين من وصول الزكاة إلى مستحقيها على الوجه المطلوب.
فإن الإخلال يقع أحيانًا في إعطاء الزكاة لغير مستحقها ويقع أحيانًا في أعطاء الزكاة لمستحقها لكن يكون الخلل في كيفية الإعطاء.
مثال ذلك: تقدم معنا أن الفقراء والمساكين يجب أن يملكوا الزكاة ولا يجوز أن يعطوا عروضًا.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
فمن الخطأ أن نشتري بالزكاة مؤونة للفقير فهذا خطأ في كيفية الإخراج وإن كان صوابًا من حيث المستحق للزكاة.
الخلاصة: أنه ينبغي أن يفرق الإنسان بنفسه ليأمن من الخطأ فيها - في الكيفية وفي المستحق.
• ثم قال - ﵀ -:
ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد.
يعني ويستحب أن يقول الدافع ماورد والآخذ ما ورد.
فالدافع: يستحب أن يقول: اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا. وهذا الحديث ضعيف.
والصواب أنه لا يوجد دعاء فيما أعلم خاص نصت عليه السنة يقوله من أراد أن يخرج الزكاة.
أما الآخذ: فثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي - ﷺ -: كان إذا أخذ الزكاة من أربابها صلى عليهم.
ولما جاء بزكاة آل أبي أوفى قال: اللهم صل على آل أبي أوفى.
- مسألة: هل يختص هذا الدعاء بما إذا أخذ الإمام الزكاة أو يقوله من أخذها ولو كان هو الفقير مباشرة؟
الأقرب والله أعلم - كما هو ظاهر كلام المؤلف أنه يشمل الفقير والإمام فكل من أخذ الزكاة يشرع له أن يدعو لمن أعطاه بهذا الدعاء وهو أن يصلي عليه.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى مسألة أخرى:
• فقال - ﵀ -:
والأفضل إخراج زكاة كل مال: في فقراء بلده.
مقصود بقوله: بلده يعني: بلد المال لا بلد الرجل أي في فقراء بلد المال.
وقوله: الأفضل: يعني ويجوز أن يخرج الزكاة في غير بلده بشرط: أن يكون بين بلده والبلد الذي أخرج فيه الزكاة دون مسافة القصر.
والدليل:
- أن البلد الذي لا يبعد مسافة قصر حكمه حكم بلد المال.
إذًا فقول المؤلف: الأفضل يتعلف بالبلد الذي لا يبعد مسافة قصر ولا يريد المؤلف مطلقًا أن توزيع المال في البلد أفضل ويجوز في غيره. إنما هو أفضل ويجوز في غيره فقط إذا كان دون مسافة القصر.
أما إذا كان مسافة قصر فبين المؤلف حكمها:
• فقال - ﵀ -:
ولا يجوز: نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة.
نقل الزكاة إلى خارج بلد المال الذي يبعد مسافة قصر محل خلاف لكن قبل أن نذكر الخلاف نذكر محل الوفاق:
[ ٢ / ٤٢٧ ]
- اتفق أهل العلم كلهم على أنه يجوز إخراج الزكاة من بلد المال إذا استغنى كل الفقراء فيها وفاض منها فائض جاز أن نخرجها إلى البلدان الأخرى وسيأتينا في كلام المؤلف أنه يخرجها حسب الأقرب فالأقرب.
إذا بقي في البلد فقراء فهذا محل خلاف بين أهل العلم:
= فذهب الأئمة الثلاثة والجماهير إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يخرج الزكاة من بلده إلى بلد آخر ذهب إلى هذا: مالك والشافعي وأحمد.
واستدلوا:
- بقول النبي - ﷺ -: (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) فأمر برد الزكاة في فقراء البلد.
- والدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنكر على معاذ لما أرسل له زكاة اليمن فبين له معاذ - ﵁ - أنه لم يرسلها إلا بعد أن استغنى الفقراء.
= القول الثاني: للأحناف. أن إخراج الزكاة عن بلد المال مكروه فقط وترتفع الكراهة إذا أخرج المال لقريب أو لأشد حاجة أو لأكثر ورعًا. ففي هذه الثلاثة أحوال يجوز بلا كراهة وفي غير هذه الثلاثة أحوال يجوز لكن مع الكراهة.
= القول الثالث: أنه يجوز إخراج الزكاة إذا كان الإخراج لمصلحة شرعية معتبرة وهو قول لبعض الفقهاء اختاره شيخ الاسلام - ﵀ -.
= القول الرابع: أنه يجوز إخراج الزكاة مطلقًا. وإلى هذا ذهب الإمام البخاري - ﵀ -.
واستدل بدليلين:
- الأول: قوله تعالى: - (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ) -[التوبة/٦٠] يعني: في أي بلد. فالآية مطلقة عامة.
- والثاني: قوله - ﷺ -: (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) يعني: في فقراء المسلمين كما قال - ﵀ - لا في فقراء البلد.
والراجح: القول الثالث فإنه وسط بين الأقوال وبه تجتمع الأدلة وتدل عليه آثار الصحابة.
وفهم من هذا: أنه من الخطأ أن يتساهل الإنسان بإخراج الزكاة عن بلده بلا مبرر شرعي فإن هذا أقل ما يقال فيه أنه مكروه.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
إن لم نجزم كما هو مذهب الجمهور بالتحريم بسبب إنكار عمر على معاذ مع العلم أن أهل المدينة كانوا فقراء بل قد يكونوا أشد حاجة من أهل اليمن باعتبار أن أهل اليمن كانوا يأتيهم مدد من جهتين: بلد تجارة وبلد زراعة فكانوا أحسن حالًا من أهل المدينة ومع ذلك أنكر عمر - ﵁ - على معاذ لما أرسل له زكاة اليمن.
الخلاصة: أنه ينبغي على الإنسان إذا لم يكن هناك مبرر شرعي واضح وحاجة ظاهرة يقدرها أهل العلم ينبغي أن لا يخرج الزكاة عن بلده.
ومن أشهر المبررات: شدة الحاجة فشدة الحاجة لا شك ولا ريب أنها مبرر فإذا كان بلد آخر يكاد أهله أن يموتوا من الجوع فليس من المنطق ولا من الأخوة أن نحصر الزكاة في بلد غني ونترك ذلك البلد الفقير لا سيما إذا كانت الزكاة تصرف فيما هو محل ضرورة كالأكل واللباس والسكن والعلاج فهذه الأمور الأربعة من أهم ما يدعم به الفقير.
•
ثم قال - ﵀ -:
فإن فعل أجزأت.
يعني: إذا تقرر أن الإخراج محرم وأن المخرج آثم لكن إن فعل فهل تجزئ أو لا تجزئ.
= ذهب الجماهير وأكثر أهل العلم إلى أنه إن فعل أثم وأجزأت.
واستدلوا على ذلك:
- بأن هذا الرجل أخرج الزكاة لمستحقها فلا يوجد ما يدل على بطلانها.
= والقول الثاني: أنه آثم والزكاة باطلة ولا تجزئ.
واستدلوا:
- بأن هذا الرجل أخرج الزكاة في غير أهلها لأن أهلها شرعًا هم فقراء البلد.
وهذا القول - الثاني - ضعيف بل الصواب أنها تجزئ إن شاء الله لأنه لا يوجد دليل شرعي واضح يدل على البطلان إنما غاية ما تدل عليه النصوص تحريم النقل أما البطلان فلا دليل عليه ويصدق عليه أن أخرج الزكاة في أحد الأصناف الثمانية.
• ثم قال - ﵀ -:
إلاّ أن يكون في بلد لا فقراء فيه: فيفرقها في أقرب البلاد إليه.
إذا لم يكن في البلد فقراء: تقدم معنا حكاية الإجماع على جواز إخراجها.
وقولهم: أنها في أقرب البلدان. لأنها الأولى. ولأن البلدان التي دون مسافى القصر لا يحرم إخراج الزكاة إليها عند الحنابلة.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
والإخراج إذا اغتنى البلد عمل به الرسول - ﷺ - وأبو بكر وعمر - ﵄ - فإن النصوص والآثار التي فيها أنه جيء إلى المدينة بالزكاة والصدقات تحمل على أن أهل البلد الذي أخرجت منه الزكاة اكتفوا.
وهذا الحمل صحيح. توفيقًا بين النصوص ولأثر معاذ السابق لما أنكر عليه عمر قال: لم أرسل لك منها شيئًا حتى اكتفى أهل البلد.
فإذًا يحمل ما نراه من النصوص التي تفيد إحضار الزكوات إلى المدينة على هذا المحمل: أن أهل البلد الذي أخرجت منه اكتفوا.
وفي هذه الحالة: في حال النقل: تكون أجرة النقل على المزكي = عند الحنابلة.
- لأنه الذي يجب عليه أن يخرج الزكاة ومن وجب عليه شيء وجب عليه مؤونته.
= والقول الثاني: أنها إذا أخرجت فمؤونة النقل على بيت المال.
والراجح: الأول. وهو: أنه يجب على المزكي أن يدفع من غير الزكاة أجور نقلها لأنه يجب عليه أن يخرج الزكاة لمستحقها وهي لا تصل إلى مستحقها إلا بذلك وهذه الأجور - أجور نقل الزكاة - تشبه ما إذا ذهب هو داخل البلد وتكلف مالًا ليصل إلى الفقير فهنا نفس الشيء. إلا أن هذا قريب وذاك بعيد فالأجرة على المزكي.
• ثم قال - ﵀ -:
فإن كان في بلد وماله في آخر: أخرج زكاة المال في بلده.
يعني: في بلد المال: إذا كان الشخص في بلد وماله في بلد وهذا يقع كثيرًا فإن الزكاة تخرج في البلد الذي فيه المال وهذا يتعلق بزكاة المال دون زكاة الفطر كما سيأتينا.
والدليل على هذا:
- أن البلد الذي فيه المال تتعلق أنظار الفقراء فيه بهذا المال. فناسب أن تخرج فيه.
- ثانيًا: أن سبب وجوب الزكاة: المال. فوجب أن تخرج الزكاة حيث وجد سبب الوجوب.
وإذا كان الإنسان في بلد وأمواله متفرقة بين البلدان كما يحصل الآن عندنا كثير أن يكون الإنسان يملك محلات معروفة فله في كل بلد فرع فيجب أن يخرج زكاة كل فرع في بلده.
لما تقدم: من تعلق أنظار الفقراء بها وأن سبب الوجوب وجد في هذا البلد.
• ثم قال - ﵀ -:
وفطرته في بلد هو فيه.
يعني: ويجب أن يخرج زكاة الفطر في البلد الذي هو فيه سواء كان هذا البلد بلد إقامة أو بلد سفر فحيث ما كان الإنسان يخرج زكاة الفطر.
والدليل على هذا:
[ ٢ / ٤٣٠ ]
- أن زكاة الفطر تتعلق بالبدن لا بالمال فحيثما وجد سبب الوجوب وهو البدن وجب إخراج الزكاة.
والأظهر والله أعلم: أن إخراج زكاة المال في بلد المال وزكاة الفطر في بلد البدن على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب.
فإن أخرج وخالف فلا يأثم وزكاته مجزأة إلا أن الأولى أن لا يفعل.
• قال - ﵀ -:
ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل.
يجوز أن يعجل الإنسان زكاة ماله لحولين فأقل. ولكن بشرط أن يكتمل النصاب حال التعجيل. لأنه يجوز إنفاذ الحكم بعد وجود السبب ولو قبل وجود الشرط.
فاكتمال النصاب سبب في الوجوب والحول شرط للوجوب.
بناء عليه: لا يجوز أن يعجل الإنسان زكاته قبل وجود النصاب.
المسألة الثانية: = ذهب الجمهور إلى أنه يجوز تعجيل الزكاة لحولين فقط.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - تعجل الزكاة من العباس لحولين.
وهذا الحديث فيه ضعف لكن مال الحافظ ابن حجر إلى تقوية متنه بمجموع الطرق والشواهد.
وهذا صحيح إن شاء الله.
= والقول الثاني: أنه يجوز تعجيل الزكاة مطلقًا. وهو مذهب الأحناف. يعني: لسنتين وثلاث وأربع .
والصواب: مع الجمهور لأن النص ورد بسنتين فقط والأصل أن لا تخرج الزكاة إلا بعد الحول. فمذهب الجمهور هو الصواب.
• ثم قال - ﵀ -:
ولا يستحب.
يعني: مع جواز التقديم إلا أنه لا يستحب ولا ينبغي أن يقدم.
دليل عدم الاستحباب:
- أن الأصل في الزكاة أنها عبادة مؤقتة بالحول والخروج عن هذا الأصل لا يستحب.
= والقول الثاني: أن مسألة التقديم - تقديم الزكاة - ترجع إلى المصلحة فإذا اقتضت المصلحة التقديم قدم وإلا فلا.
وإلى هذا مال ابن مفلح والمرداوي وهو لا شك قول صحيح. ولا يحسن بالإنسان أن يطلق عدم الا ستحباب على عمل قام به النبي - ﷺ -. فإنه - ﷺ - تعجل الزكاة.
لكن الجمع. هو ما ذكره ابن مفلح: أن نقول: إذا اقتضت المصلحة فالأحسن التقديم وإلا فلا.
[ ٢ / ٤٣١ ]
وبهذا تجتمع النصوص: لأن الأصل في عمل النبي - ﷺ - أنه لا يأخذ الزكاة إلا عن كل حول بحوله ولكن وجدناه مرة أخذ واستسلف حولين فدل على أنه يرجع للمصلحة ولا نقول أنه كطلقًا لا يستحب فكأنا نحكم على عمل النبي - ﷺ - أنه لا يستحب.