«تابع الدرس الرابع»
قوله: «باب الاستنجاء».
أي: باب يقصد منه بيان أحكام الاستنجاء وآدابه.
الاستنجاء: مأخوذ في اللغة: من القطع.
وهو في الاصطلاح: إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو الحجر ونحوه.
والرابط بين معنى اللغوي والمعنى الشرعي: أن في كل منهما قطع فالاستنجاء قطع لآثار النجاسة.
إذًا الآن عرفنا معنى الاستنجاء في لغة العرب وفي اصطلاح الفقهاء.
• قال - ﵀ -:
يستحب:
كثير من أهل العلم يفرق بين قولهم يستحب ويسن.
والفرق بين قولهم: يستحب وقولهم: يسن:
• أنه لا يقال للشيء يسن إلا إذا أخذ من نص صحيح صريح عن النبي - ﷺ -.
• ويقال للشيء يستحب إذا أخذ من القواعد العامة.
قالوا ولا يجوز الخلط بين الأمرين.
= فأيهما أعلى مرتبة الذي يسن أو الذي يستحب؟
- الذي يستحب.
= لماذا؟
- لاعتماده على نص صريح.
إذًاَ من أين نأخذ الاستحباب من القواعد العامة أو من مفهوم النصوص وليس من النص الصريح.
= وهل يؤخذ من أقوال الصحابة؟
- الجواب: أنه يؤخذ من أفعال الصحابة مما يقال عنه أنه لا مجال للرأي فيه فيقال يسن.
بعد أن عرفنا الفرق بين قولنا يستحب وقولنا يسن السؤال:
= فأيهما أنسب أن يقول المؤلف يستحب أو يقول يسن؟
- أن يقول: يسن.
= لماذا؟
- لأن فيه نص صحيح صريح.
ولكن فيما أرى أن هذا ليس بصحيح بل الأحسن في هذا السياق أن يؤتى بلفظة يستحب.
= لماذا؟
- لأن الشيخ سيذكر مجموعة من الأداب والأحكام بعضها تعتمد على نصوص وبعضها تعتمد على قواعد عامة.
فالتعبير بيستحب أفضل ليشمل الجميع لأن مصطلح يستحب أوسع من مصطلح يسن.
فالذي يظهر لي والله أعلم أنه لا ينتقد المؤلف بقوله: يستحب.
والأمر في هذا سهل فإنها اصطلاحات لا يترتب عليها أحكام.
• قال - ﵀ -:
يستحب عند دخول الخلاء قول: «بِسْمِ اللَّهِ»
يستحب للإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول بسم الله لحديث علي؟: ستر عورات الإنس عن الجن إذا دخلوا الخلاء أن يقولوا بسم الله.
لكن الإشكال أن هذا الحديث ضعيف.
= فإذا كان ضعيفًا فما هو الدليل على قول القائل بسم الله؟
- الدليل عليه آثار عن الصحابة وهي تصلح للتمسك بها في مثل هذا الباب مع حديث علي لأن ضعفه ليس شديدًا.
[ ١ / ٤٨ ]
إذًا فصحيح يستحب وإن كان بعض أهل العلم يقول لا يستحب لأنه لا يوجد دليل لكن مع وجود هذا الحديث الضعيف وآثار الصحابة فيستطيع الإنسان أن يقول أنه يستحب.
ويستحب أيضًا أن يقول:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»
هذا الحديث حديث صحيح رواه البخاري ولذلك ينبغي أن يعمل به المسلم عند إرادته دخول الخلاء.
وقوله: الخبث:
الخبث: بالتسكين الشر. والخبائث أهله: فاستعاذ من الشر وأهله.
وروي بالضم الخُبُث وهو جمع خبيث يعني ذكران الشياطين وتكون الخبائث على هذه الرواية إناث الشياطين.
والأقرب الرواية الأولى لأنها أعم.
• قال المؤلف ’:
وعند الخروج منه: «غُفْرَانَكَ.
ويقول عند خروجه منه غفرانك:
فيستحب للإنسان أن يقول غفرانك إذا خرج من الخلاء وهذا الحديث صحيح ولذا ينبغي أن يعمل به المسلم.
• قال ’:
ويقول: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِي الأَذَى وَعَافَانِي»
هذا الذكر ورد من حديث ضعيف وهو مروي عن اثنين من الصحابة أنس وأبي ذر.
• حديث أنس ضعيف. وممن أشار إلى ضعفه الحافظ الناقد أبو حاتم.
• وحديث أبي ذر أيضًا معلول إلا أنه يصح موقوفًا على أبي ذر.
ولكن مع ذلك الأظهر والله أعلم أنه لايسن أن يقال هذا الذكر.
= لماذا؟
- لأنه موقوف على أبي ذر وهو مما يقال من قبل الرأي فقد يكون أبو ذر قاله تفقهًا والأذكار توقيفية فإذا لم يكن عندنا نص صحيح صريح لا يمكن أن نعتبر هذا الشيء سنة.
• ثم قال ’:
وتقديم رجله اليسرى دخولًا ويمنى خروجًا: عكس مسجد ونعل.
قاعدة الشرع أنه يقدم اليمنى للطيبات واليسرى للخبائث.
ويمكن أن تقول بعبارة أدق:
يقدم اليسرى لما يكره واليمنى لما عدى ذلك فيكون أوسع.
هذا الأصل الشرعي له عدة نصوص تدل عليه.
• منها أن النبي ‘ أمر المسلم إذا أراد أن ينتعل أن يبدأ باليمنى وإذا خلع أن يبدأ باليسرى.
• ومنها الأكل باليمنى.
• ومنها النهي عن الاستجمار باليمنى.
فهذا الأصل له نصوص كثير ة وهو أصل ثابت لم يختلف فيه.
• ثم قال ’:
واعتماده على رجله اليسرى
= أولًا: ما معنى الاعتماد على رجله اليسرى؟
- الجواب: أن الحنابلة يقولون إذا جلس الإنسان يريد قضاء الحاجة فإنه يسن له أن يتكئ على رجله اليسرى. يعني يميل قليلًا على رجله اليسرى. فيرون أن هذا سنة - مستحب -.
واستدلوا بحديث سراقة بن مالك أن النبي ‘ أمر أن نتكئ على اليسرى وأن ننصب اليمنى. هذا الدليل.
ولهم أيضًا تعليل: وهو أن هذا يسهل خروج الأذى.
[ ١ / ٤٩ ]
وفي الحقيقة هذا القول للحنابلة ضعيف جدًا ولا أظنه يصح عن الإمام أحمد.
أولًا: لأن فيه تكلف شديد.
ثانيًا: أن الحديث ضعيف.
ثالثًا: أنا نجد أن الشارع اعتنى تمامًا بآداب الاستنجاء كما سيأتينا فبين أدق التفاصيل ولم يذكر هذا الأدب مما يدل على أنه لا يستحب ولا ينبغي.
ثم فيه عناء ومشقة على الإنسان.
فالخلاصة أن هذا الأدب القول به ضعيف جدًا.
• ثم قال - ﵀ -:
وبُعْدُه في فضاء.
معنى هذا الكلام أنه يستحب للمسلم إذا أراد أن يقضي حاجته في فضاء أن يبعد.
الدليل على هذا: أن المغيرة بن شعبة أخبر أنه كان هو والنبي - ﷺ - في سفر وأن نبينا - ﷺ - لما أراد أن يقضي حاجته قال المغيرة فانطلق حتى توارى عني - يعني انطلق يمشي إلى أن أصبح المغيرة لا يراه من شدة البعد ولذلك يقولون وبعده في فضاء.
هناك تعليلات كثيرة لاستحباب البعد:
• منها: حصول الستر للإنسان عند إرادة قضاء الحاجة.
• ومنها البعد عن الصوت.
• ومنها أن لا يتأذى الناس الذين بجواره به.
وعدة فوائد أخرى.
فهذا سنة ثابتة من حيث الأثر ومن حيث النظر.
• قال - ﵀ -:
واستتاره.
الدليل على أنه يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يستتر حديث أبي هريرة من أتى الغائط فليستتر.
وهناك أحاديث أخرى أصح من حديث أبي هريرة وهو أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن يقضي حاجته اتخذ هدفًا أو شجرةً أو عشب نخل.
يعني أنه يذهب إلى شيء منتصب يستتر خلفه.
والمراد من الاستتار هنا الاستتار من حيث البدن أما العورة فيجب أن تستر فلا يستحب بل يجب وجوبًا.
فالذي يستحب للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يكون في مكان لا يرى البدن كله حتى لو لم يبعد.
وهذه سنة يغفل عنها كثير من الناس أن يقضي حاجته بحيث لا يرى بدنه.
• ثم قال - ﵀ -:
وارتياده لبوله مكانًا رخوًا.
استدلوا على استحباب هذه المسألة بقول النبي - ﷺ - إذا بال أحدكم فليرتد لبوله.
= ما معنى ارتياده لبوله مكانًا رخوًا؟
- الجواب: هو أن يذهب إلى مكان من الأرض لين وليس بقاس حتى إذا سقط البول لا يكون له رشاش.
فمن المعلوم أن البول إذا سقط على أرضية قاسية ارتد.
وإذا سقط على أرضية لينة ورخوه لم يرتد.
[ ١ / ٥٠ ]
فيقول الحنابلة أنه يستحب للمسلم أنهإذا أراد أن يقضي حاجته أن يذهب إلى أرض كما قال: رخوة.
﴿﴿وسمعتم الدليل من السنة والتعليل: حتى لا يرتد الرشاش﴾﴾.
هذا الحديث فيه ضعف - مسألة فليرتد لبوله فيه ضعف.
= قوله ’: وارتياده لبوله مكانًا رخوًا: هل هو من أمثلة المستحب أو المسنون؟
- الجواب: أنه من أمثلة المستحب لأنه تدل عليه النصوص العامة.
= مثل ماذا من النصوص العامة التي تدل على هذا الاستحباب؟
- مثل الأحاديث التي فيها الأمر بالتنزه من البول فإنها تصلح شاهدًا عامًا لهذا الحكم.
• ثم قال ’:
ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله: من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثًا، ونتره ثلاثًا.
هذان أدبان يسميان المسح والنتر.
- المسح هو أن يجعلأصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوق الذكر ويبدأ من أصل الذكر ويمسح إلى رأس الذكر.
﴿﴿تصورتم الآن. هذا أمر مستحب عند الحنابلة ينبغي للإنسان أن يفعله .. هكذا يعني من الداخل إلى الخارج ولايمكن أن يكون العكس هذا المسح﴾﴾
- والنتر هو: جذب وتحريك الذكر من الداخل.
= ماهو الدليل على استحباب المسح والنتر؟
- الجواب: قالوا: التعليل: ليستيقن البرءاة والطهارة لأنه إذا فعل ذلك فقد أخرج يقينا كل ما في الذكر.
إذًا عند الحنابلة يستحب.
والقول الثاني: - فرق شاسع جدًا بين القول الأول والثاني - أن المسح والنتر بدعة - فانتقلنا من الاستحباب إلى أنه بدعة.
واعتبار المسح والنتر بدعة اختيار شيخ الإسلام وابن القيم.
وهذا صحيح فإنه بدعة لعدة أسباب.
السبب الأول: أنه ليس له أصل في الشرع مع أن الشارع قد اعتنى بآداب الاستنجاء.
السبب الثاني: شدة مضرة هذا العمل.
واستثى شيخنا - ابن عثيمين - ’ شيء قد يكون مفيدًا وهو النتر أحيانًا عند الحاجة بهذه القيود.
أما المسح فلا شك أنه بدعة ومضر جدًا لعضلة الذكر. كذلك الإكثار من النتر بلا حاجة مضر جدًا أيضًا.
عرفنا الآن مذهب الحنابلة في المسح والنتر وما معناهما؟ وما هو القول الثاني في حكم المسح والنتر.
• ثم قال ’:
وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره: إن خاف تلوثًا.
[ ١ / ٥١ ]
يعني أنه يستحب للإنسان إذا انتهى من حاجته وأراد أن يستنجي أو يستجمر - يستحب له أن ينتقل من موضعه هذا متى؟ إن خاف تلوثًا.
فإن لم يخف تلوثًا فإنه لا يستحب.
دليل الاستحباب: الأدلة العامة السابقة.
وقال بعض الفقهاء بل إذا خاف أن يتلوث فيجب أن يتحول عن موضعه.
والأقرب - والله أعلم - أنه بحسب الظن فإذا غلب على ظنه أنه سيتلوث فيجب وإذا ظن ظنًا يسيرًا عابرًا أنه سيتلوث فيستحب. فيختلف باختلاف مدى احتمال إصابته بالنجاسة.
لما انتهى الشيخ ’ من بيان المستحبات انتقل إلى المكروهات ثم سينتقل بعده إلى المحرمات ولا يخفى أن في هذا ترتيبًا بديعًا لطيفًا.
• قال ’:
ويكره: دخوله بشيء فيه ذكر اللَّه تعالى إلاَّ لحاجة.
يكره للإنسان أن يدخل بشيء يعني بورقة أو بإناء أو بقلم أو بساعة أو بجوال فيه ذكر الله إلا إذا احتاج بأن خشي أن يسرق أو خشي أن يتلف إلى آخره من اختلاف الحاجات.
إذًا يكره عند للإنسان عند الحنابلة أن يدخل بيت الخلاء بشيء فيه ذكر الله وترتفع الكراهة إذا وجدت الحاجة.
الدليل:
قالوا أن النبي ‘ أخبر عنه أنس أنه كان إذا أراد أن يدخل الخلاء نزع خاتمه.
ومعلوم أن خاتم النبي ‘ مكتوب عليه محمد رسول الله وفي الرسم هي: - الله - رسول - محمد - حيث جعل لفظ الجلالة في الأعلى.
فقالوا: أنه ‘ لم يخلع خاتمه إلا لما فيه من ذكر الله.
لكن هذا الحديث ضعفه الأئمة مثل الإمام النسائي صاحب السنن ومثل الإمام الدارقطني فهولاء ضعفوا هذا الحديث.
= وإذا كان هذا الحديث ضعيفًا فما هو الدليل على الكراهة؟
- الدليل على الكراهة هو: تعظيم اسم الله.
الآن عرفنا حكم الدخول للخلاء إذا كان مع الإنسان شيء فيه ذكر لله أنه مكروه وأنه الكراهة ترتفع عند الحاجة.
مسألة: ما حكم دخول الخلاء بالمصحف؟
= قالوا: أن الدخول بالمصحف محرم بل قال المرداوي صاحب الانصاف: أنه لا يتوقف في هذا عاقل.
ومع وضوح حكم دخول الإنسان المسلم بالمصحف بيت الخلاء إلا أن بعض أهل العلم ممن قد يأخذ ويبالغ في الظواهر قال: أنه يكره لعدم الدليل وفي الحقيقة هذا بعيد جدًا من نصوص الشرع حتى كما أوردنا عن المرداوي قوله أن هذا مما لا يتوقف فيه عاقل.
[ ١ / ٥٢ ]
إذًا بالنسبة للمصحف حتى مع وجود الحاجة حتى مع خشية الضياع ومع أي ظرف من الظروف فلا يجوز الدخول به إلى بيت الخلاء.
أما مافيه ذكر الله فكما سمعتم حكمه وهو كما قال أصحاب الإمام أحمد.
• ثم قال - ﵀ -:
ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض.
يكره للإنسان أن يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض: يعني أنه يستحب له أن لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض لأن النبي - ﷺ - كان لا يرفع ثوبه إلا إذا دنى من الأرض.
فرفع الثوب قبل الدنو من الأرض مكروه.
• أما إذا كان يشاهده الغير فإن رفع الثوب قبل الدنو من الأرض يكون محرم لأن ستر العورة واجب.
وهذه الأحكام كثير منها إذا كان الإنسان في الخلاء أو ليس في بيت خلاء مغلق إنما في الصحراء.
• قال - ﵀ -:
وكلامه فيه.
يكره للإنسان أن يتكلم في بيت الخلاء لأن النبي - ﷺ - مر عليه رجل وهو يبول فسلم فلم يرد عليه النبي - ﷺ - السلام.
فعلمنا من هذا أنه لا ينبغي أن يتكلم الإنسان وهو في بيت الخلاء.
وقال بعض أهل العلم بل لا يجوز أن يتكلم - محرم - لأن النبي - ﷺ - لم يرد السلام مع أن رده يعتبر واجبًا فدل على أنه ما ترك الواجب إلا لوجود المحرم.
إذًا اختلف في كلام الإنسان في بيت الخلاء هل هو مكروه أو محرم؟ - وسمعتم الاستدلال - والأقرب أنه مكروه لأن ترك النبي - ﷺ - لرد السلام علله بقوله: لأنني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة.
إذًا الحنابلة يرون أن كلام الإنسان في بيت الخلاء حكمه مكروه والقول الثاني أنه محرم والأقرب ما ذهب إليه الحنابلة.
• ثم قال - ﵀ -:
وبوله في شَق ونحوه.
يكره عند الحنابلة البول في شق لأن النبي - ﷺ - أن نهى يبول الإنسان في الجحر وهذا الحديث إسناده جيد.
وهناك تعليل: أن البول في الجحر قد يؤدي إلى خروج ما يؤذي على الإنسان.
إذًا هذه الآداب واضحة الآداب السابقة: رفع الثوب والكلام والبول في الشق.
• ثم قال - ﵀ -:
ومس فرجه بيمينه
[ ١ / ٥٣ ]
• بسم الله الرحمن الرحيم
• يقول المؤلف - ﵀ - مما يكره أيضًا:
مسه فرجه بيمينه واستنجاؤه واستجماره بها.
أي أنه يكره للمسلم أن يمس ذكره بيمينه وأن يستجي أو أن يستجمر بها
هذان مكروهان:
دليلهما: حديث واحد وهو قول النبي - ﷺ - لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه ولا يتمسح من الخلاء بيمينه.
وفي رواية صحيحة لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول.
والمؤلف - ﵀ - يقول هنا - ومس فرجه بيمينه - ولم يقيده بحال البول بينما نجد أنه في الحديث قيد النهي بحال البول.
= فهل يكون النهي عام في كل الأحوال أو خاص بأثناء البول؟
- الجواب: أن النهي عام أثناء البول وفي غيره.
فالإنسان منهي أن يمس ذكره بيمينه في حال البول وفي غيرها.
= ما الدليل؟
- الدليل لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول.
= فإن قيل: الحديث خصص حال البول؟
- فالجواب أن نقول هذا صحيح أن الإسناد الثابت لحديث أبي قتادة لايمسكن أحدكم ذكره مخصص بالبول لكن إذا كان الشارع نهى عن مس الذكر أثناء البول مع الحاجة إليه ففي غيره الحاجة يكون النهي من باب أولى.
يعني: إذا كان المسلم منهيًا عن أن يمس ذكره حتى وهو يبول مع الحاجة أثناء البول إلى مس الذكر ففي غير هذه الحال من باب أولى.
ومن الفقهاء من قال بل لا ينهى إلا حال البول لأن حال البول هي الحال المستكرهة التي لا يحب الشارع من المسلم أن يمس ذكره بيمينه أثنائها.
والأقرب مذهب الحنابلة أنه يكره أن يمس الإنسان ذكره بيمينه سواء في أثناء البول أو في غيره من الأحوال وإن كان الحديث فيه التقييد بحال البول.
أما الاستنجاء والاستجمار باليمين فلا شك أنه مكروه لقوله في الحديث السابق ولا يتمسح من الخلاء بيمينه.
والشارع الحكيم جعل لليمين ميزة خاصة وأفردها بأحكام كثيرة جدًا فينبغي للمسلم أن يهتم بهذا الأمر لأن الشارع اهتم به.
فمثلًا إذا مس الإنسان ذكره بيده انتقضت طهارته - على خلاف في المسألة كما سيأتينا - ولا يجوز أن يمس ذكره على القول الصواب ولا في غير حال البول ولا يجوز أن يستنجي أو أن يستجمر بيمينه ويجب أن يبدأ بالطاهرات بيمينه ويجب أن يبدأ بالمستخبثات بغير يمينه.
إذًا هناك جملة من الأحكام خص الشارع بها اليد اليمنى مما يدل على أن الإنسان يجب أن يهتم بها لأن على كل مسلم أن يهتم بما اهتم به الله ورسوله - ﷺ -.
• قال - ﵀ -:
واستقبال النيرين.
وهذا هو المكروه الأخير وهو السابع استقبال النيرين:
[ ١ / ٥٤ ]
فيكره عند الحنابلة أن يستقبل الانسان أثناء قضاء الحاجة النيرين والمقصود بهما الشمس والقمر.
والتعليل: قالوا لأن فيهما من نور الله.
والقول الثاني: أن استقبال النيرين أو استقبال أحدهما ليس بمكروه.
أولًا: لأنه لا دليل على الكراهة والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل.
وثانيًا: لأن الإنسان منهي عن استقبال القبلة كما سيأتي. والإنسان إذا لم يستقبل القبلة فإنه سيستقبل النيرين - إذا انحرف عن القبلة فسيستقبل النيرين.
بل إنه صرح في الحديث الذي سيأتي ذكره النهي عن استقبال القبلة ولكن شرقوا أو غربوا.
وإذا شرق الإنسان أو غرب فسيستقبل أحد النيرين.
إذًا قول المؤلف - ﵀ - واستقبال النيرين ضعيف جدًا لأنه مخالف للنص من جهة ولعدم وجود ما يدل عليه من جهة أخرى.
• لما أنهى المؤلف - ﵀ - الكلام على المكروهات انتقل إلى المحرمات فقال - ﵀ -:
ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان ولبثه فوق حاجته، وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة.
هذه ثلاث محرمات فقط منهي عنها على سبيل التحريم عند الحنابلة.
الاستقبال واللبث والبول في الطريق.
• قال - ﵀ -:
ويحرم: استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان.
ذهب الحنابلة إلى أنه يحرم على المسلم الاستقبال والاستدبار للقبلة إلا في البنيان فيجوز الاستقبال والاستدبار فيه.
ومذهب الحنابلة هذا اختاره من المحققين - بهذا التفصيل - الحافظ ابن عبد البر - ﵀ -.
واستدل الحنابلة بحديث أبي أيوب الأنصاري - أنه قال إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا.
فهذا نص صريح.
وروي في الصحيح عن أبي هريرة بلفظ قريب من لفظ حديث أبي أيوب وفيه النهي عن استقبال القبلة في البول والغائط.
هذان الحديثان - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - يدلان على النهي.
يحتاج الحنابلة إلى حديث يدل على استثناء البنيان قالوا الدليل على استثناء البنيان حديث ابن عمر الصحيح قال رقيت يومًا على بيت حفصة فرأيت رسول الله - ﷺ - يبول وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان في البنيان خاصة أن يستقبل أو أو يستدبر القبلة.
انتهى الآن مذهب الحنابلة وعرفنا دليلهم وعرفنا وجه استثناء البنيان.
[ ١ / ٥٥ ]
القول الثاني: أن الاستدبار والاستقبال في البنيان وفي غير البنيان - في الفضاء - محرم وهذا معنى قول الفقهاء: محرمٌ مطلقًا.
وانتصر لهذا القول بقوة شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وانتصر له أيضًا عدد من المحققين ونسب إلى الجمهور.
دليلهم: أدلتهم الأحاديث - حديث أبي أيوب وحديث أبي هريرة - قالوا كل حديث يخالف هذه الاأحاديث فهو إما ضعيف أو يدخله الاحتمال ثم قرر ابن القيم قاعدة جيدة في الحقيقة وإن كانت قد لا تسلم في هذا الموضع ولكنها قاعدة ينبغي أن يعتني بها طالب العلم.
«أن الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة لا تعارض بالأحاديث المحتملة».
فيقول ابن القيم عندنا أحاديث صحيحة صريحة قوية ثابتة وهي نص في المسألة في التحريم المطلق فلا نزول عنها إلى أحاديث محتملة أو أحاديث ضعيفة.
القول الثالث: أن الاستقبال والاستدبار يحرم مطلقًا إلا الاستدبار في البنيان.
وهذا القول اختاره القاضي أبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - أخذًا بحديث ابن عمر بتقييده الخاص.
وفي الحقيقة هذه المسألة من المسائل المشكلة ولذلك كثرت فيها الأقوال وتشعبت واختلف فيها العلماء كما ترون اختلاف كثير.
وما في شك أن الأحوط اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والأقوى دليلًا اختيار القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقوله صحيح وكون النبي - ﷺ - يبول مستدبر الكعبة دليل على الجواز في البنيان خاصة.
• ثم قال - ﵀ -:
ولبثه فوق حاجته.
يعني أنه يحرم على الإنسان أن يبقى فوق حاجته بعد انتهاء الحاجة لتعليلين:
الأول: أنه يحرم على الإنسان أن يكشف عورته بلا حاجة بالإجماع - حكي الإجماع عليه وهنا هو كاشف لعورته بلا حاجة.
الثاني: أن هذا البقاء بعد انتهاء الحاجة يضر بالإنسان.
إذًا ما ذكره المؤلف من أن لبث الإنسان فوق حاجته بعد انتهائه أنه محرم فحكم صحيح.
• ثم قال - ﵀ -:
وبوله في طريق وظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة.
يحرم البول في ثلاث أماكن:
الأول: الطريق.
والثاني: الظل.
والثالث: الشجرة التي لها ثمرة. ولو لم يكن لها ظل فمجرد وجود الثمرة يحرم قضاء الحاجة تحت الشجرة.
وعلم من كلام المؤلف أنه يجوز للإنسان أن يبول تحت شجرة ليس لها ظل ولا ثمرة.
[ ١ / ٥٦ ]
وتقدم معنا أن النبي - ﷺ - كان يتخذ هدف أو شجرة وعليه نجزم - والله أعلم - أنه - ﷺ - كان يتخذ شجرة لا ظل لها ولا ثمرة كصغار الشجر التي تستر الإنسان بدون أن يكون لها ظل ولا ثمرة.
الدليل: أن النبي - ﷺ - قال اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم.
ومعنى اللعانين: يعني الأمرين الجالبين للعن.
فقوله - ﷺ - اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم دليل على أنه محرم ودليل على مسألة أخرى وهي أنه من كبائر الذنوب لأن الكبيرة في عرف الفقهاء كل عمل رتب عليه الشارع وعيد خاص.
وهذا القول اختاره الذهبي وشيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين أن هذا هو حد الكبيرة - كل عمل ترتب عليه وعيد خاص -. واللعن من أشد أنواع الوعيد.
ويقاس على الطريق والظل النافع والشجرة المثمرة - كل مكان يتأذى المسلمون بقضاء الحاجة فيه ولو لم يكن طريق ولا ظل ولا شجرة لها ثمرة كالمكان الذي اعتاد الناس أن يجلسوا فيه.
فلو فرضنا أن هناك مكان اعتاد الناس أن يجلسوا فيه وليس ظلًا وليس تحت شجرة مثمرة وليس طريقًا أيضًا فقضاء الحاجة في هذا المكان يعتبر محرمًا لأن العلة التي نهى الشارع من أجلها هي أن يتأذى المسلمون.
انتهى - ﵀ - من تفصيل الآداب المستحبة أو المكروهة أو المحرمة وانتقل إلى موضوع آخر وهو أحكام الاستجمار.
• فقال - ﵀ -:
ويستجمر بحجر ثم يستنجي بالماء.
المؤلف رحمه يريد أن يبين الطريقة الأمثل في الاستنجاء والتخلص من الأذى والحنابلة يرون أنها على ثلاث مراتب:
١. فأفضل الطرق في تنظيف النجاسة أن يبدأ الإنسان بالحجارة وينظف المحل ثم يتبع الحجارة الماء.
٢. يليه في الأفضلية أن يستعمل الإنسان الماء وحده.
٣. ثم يليه في الأفضلية أن يستعمل الحجارة وحدها.
فهذه ثلاث مراتب للاستنجاء والاستجمار أفضلها الجمع ثم الماء ثم الحجر.
استدل الحنابلة على هذا التفصيل بأمرين:
الأول: الإجماع. قالوا أجمع أهل العلم أن أفضل الطرق أن يبدأ بالحجارة ثم يتبعها الماء.
الثاني: استدلوا بحديث عائشة أنها قالت مرن أزواجكن أن يتبعن الحجارة الماء فإني استحييهم وقد كان رسول الله - ﷺ - يفعله.
الحنابلة يقولون بعد هذا الحديث - في كتبهم - رواه أحمد واحتج به.
[ ١ / ٥٧ ]
لكني بحثت بحث طويل عن هذا اللفظ في السنن والمسانيد والمعاجم ومسند أحمد ومعجم الصحابة للإمام أحمد وغيرها من الكتب فلم أجد هذا اللفظ وإنما اللفظ الموجود في سنن النسائي والترمذي والبيهقي وغيرها مروا أزواجكن أن يستنجوا بالماء فلا يوجد ذكر للحجارة.
ففي الحقيقة لا أدري من أين أتى الحنابلو بقولهم رواه أحمد واحتج به بل ثبت أن الإمام أحمد احتج بهذا اللفظ فهذا فرع التصحيح وتصحيح الإمام أحمد من أعلى مراتب التصحيح لكن لم نجد هذا اللفظ مطلقًا في الكتب المصنفة والمسانيد مع ذكر الحنابلة له في كتبهم.
لكن مع ذلك هذا التفصيل يسنده ماذا؟ يسنده الإجماع.
ولكن الإنسان يتردد في قضية أخرى وهي هل كان النبي - ﷺ - يستخدم الحجارة والماء في وقت واحد أو كان يستخدم الحجارة مفردة والماء مفرد؟
فإنه ليس في النصوص الصحيحة ما يدل على أن النبي - ﷺ - كان يستخدم الحجارة ثم يتبعها الماء بالطريقة التي يصفها الحنابلة.
لكن مع هذا البحث العلمي يبقى أن ما ذكره الحنابلة أفضل وصحيح.
أولًا: للإجماع.
ثانيًا: لأن هذه الطريقة تحول بين الإنسان وبين مباشرة النجاسة لأن الإنسان إذا اكتفى بالماء فيباشر النجاسة بينما إذا استخدم الحجارة ثم أتبع الحجارة بالماء لن يمس النجاسة ومعلوم أن الشارع قطعًا من النصوص العامة والمتكاثرة يحب أن لا يمس الإنسان النجاسة إذًا لهذين الأمرين الإجماع وهذا التعليل نقول أن ما ذكره الحنابلة من التفصيل وهذه المراتب الثلاث تفصيل صحيح.
وبالإمكان أن نقول بالنسبة لوقتنا المعاصر مع تيسر أدوات التنظيف أن بإمكان الإنسان أن يستخدم اليوم الماء بدون أن يمس النجاسة فيحصل الاكتفاء بالماء مع عدم مس النجاسة.
وعدم مس النجاسة أمر يعتني به الشارع وفي مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عدة آثار عن أصحاب النبي - ﷺ - فيها النهي عن مس النجاسة أثناء الاستنجاء إذا أمكن.
إذا عرفنا الآن الطرق التي يستخدمها المسلم في الاستجمار والاستنجاء.
• ثم قال - ﵀ -:
ويجزئه الإستجمار: إن لم يعْدُ الخارج موضع العادة.
[ ١ / ٥٨ ]
يقصد العلماء ﵏ أنه يجزئ الإنسان أن يستخدم الحجارة حتى مع وجود الماء - يعني إذا كان الإنسان يستطيع أن يستنجي بالماء وتركه واستجمر بالحجارة أو بنحوها جاز ذلك حتى مع وجود الماء.
الدليل: أجماع الصحابة - والحمد لله فما دام في المسألة إجماع الصحابة فهي مسألة دليلها قوي جدًا.
لكن قيد المؤلف - ﵀ - هذا لجواز بقيد فقال: إن لم يعد الخارج موضع العادة.
يعني أنه يجوز للإنسان أن يكتفي بالاستجمار بالحجارة بدون الماء بشرط أن لا يتجاوز الخارج موضع العادة.
فإذا تغوط الإنسان ثم تعدى هذا الغائط موضع الحاجة المعتاد ووصل إلى الإليتين ففي هذا الحالة يقول الحنابلة لا يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة فقط بل يجب عليه هنا أن يستخدم الماء.
الدليل: تعليل: قالوا أن الاستجمار بالحجارة ونحوها إنما شرع لمشقة التكرار - وتعدي الخارج موضع الحاجة لا يتكرر فنرجع إلى الأصل وهو الماء هذا تعليل الحنابلة.
والقول الثاني: في هذه المسألة أنه يجوز للإنسان أن يستخدم الحجارة دائمًا وفي كل الأحوال بلا استثناء لأن الشارع الحكيم لم يستثن حالًا دون حال وإنما النصوص عامة.
وهذا القول - الثاني - اختاره شيخ الإسلام - ﵀ -.
وهو القول الراجح كما ترون لأنه اعتمد على عموم الدليل ولا يوجد مخصص.
• ثم قال - ﵀ -:
ويشترط للإستجمار بأحجار ونحوها: أن يكون طاهرًا منقيًا، غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان ويشترط: ثلاث مسحات منقية فأكثر، ولو بحجر ذي شعب، ويسن قطعه على وتر.
ذكر المؤلف - ﵀ - هنا شروط الاستجمار - ونذكر الشروط على سبيل الإجمال:
الشرط الأول: أن يكون الاستجمار بأحجار ونحوها. يعني بهذا الجنس.
الشرط الثاني: أن يكون طاهرًا.
الشرط الثالث: أن يكون منقيًا.
الشرط الرابع: غير محترم. «إجمال لما ذكره في قوله العظم والروث».
الشرط الخامس: أن لا يقل عن ثلاث مسحات.
الشرط السادس: أن يقطعه على وتر - على الراجح كما سيأتينا.
نرجع إلى بيان الشروط:
الشرط الأول: أن يكون بأحجار وهذا الشرط ستبينه الشروط التالية.
أولًا: أن يكون طاهرًا: الدليل على هذا الشرط. أن النبي - ﷺ - لما أراد أن يقضي حاجته أمر الصحابي الجليل ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار.
[ ١ / ٥٩ ]
فوجد حجرين ولم يجد الثالث فأتاه بروثة فأخذ النبي ‘ الحجرين وألقى الروثة وقال إنها ركس يعني رجس.
فهذا الدليل نص على أن لا يجوز للإنسان أن يستجمر بنجس وإنما يجب أن يستجمر بطاهر.
إذًا هذا الشرط صحيح.
الثاني: أن يكون منقيًا التعليل: أن المقصود من الاستجمار الانقاء فإذا لم يحصل فإن لم يحصل المقصود.
الثالث: في قوله ’ تعالى «غير عظم وروث» يعني أنه لايجوز للإنسان أن يستجمر بهذين الشيئين العظام والروث.
الدليل أيضًا حديث ابن مسعود أن النبي ‘ قال لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن.
فهذا نهي صريح وهذا الحديث مفيد جدًا لأن فيه الحكم والتعليل. فالحكم عدم الجواز والتعليل أنها زاد إخواننا من الجن.
فالروث زاد لدوابهم والعظام زاد لهم.
فإن استنجى بالروث والعظام فالحنابلة يرون أنه لا يجزئه فكأنه لم يستنج ولم يستجمر وهذا أيضًا مذهب الشافعية قالوا لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد.
والقول الثاني: أنه يجزئ مع الإثم لأن النهي عنهما لالأنهما لايطهران بل لأنمهما زاد لأخواننا من الجن.
فاستفدنا من التعليل الذي في حديث ابن مسعود حكم زائد وهو حكم ما إذى خالف الإنسان فاستجمر بالروث أو بالعظام.
• ثم قال ’:
وطعام ومحترم ومتصل بحيوان
لا يجوز للإنسان أن يستنجي بالطعام لماذا؟
لأنه إذا كان هي عن الاستنجاء بطعام الجن فطعام الإنس من باب أولى سواء كان الطعام لهم أو لدوابهم قياسًا على طعام دواب الجن
«ومحترم» يقصدون بالمحترم ككتب أهل العلم ويقصدون بالكتب هنا كما صرحوا بالتمثيل الكتب الشرعية ككتب الفقه والحديث ويقاس عليها كتب العلوم النافعة ولا يقاس عليها كتب العلوم الضارة.
= فإذا قيل لك هل يجوز للإنسان أن يستجني بكتاب فيه كيفية تعلم السحر؟
- الجواب: نعم يجوز لأنه كتاب غير محترم.
= لو قيل لك هل يجوز أن يستنجي الانسان بكتاب فيه تعليم الفيزياءوالكيمياء والرياضيات؟
- الجواب: لا يجوز لأنها علوم نافعة.
• قال ’:
ومتصل بحيوان.
المتصل بالحيون لا يجوز الاستنجاء به.
= ما معنى متصل بالحيوان؟
[ ١ / ٦٠ ]
= يعني لو جلس الإنسان يقضي حاجته بجوار شاة فهل يجوز له إذا انتهى من قضاء الحاجة أن يأخذ طرف الشاة ويستجمر به؟
- الجواب: لا يجوز.
والتعليل: قالوا: إما أن يكون هذا الحيوان طاهر أو نجس فإن نجسًا فإنه لا يطهر وإن كان طاهر فهو محترم والمحترم أخذنا قاعدة المحترم أنه لايجوز أن نستنجي ولا أن نستجمر به.
• قال ’:
ويشترط: ثلاث مسحات منقية فأكثر.
يعني أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يستجمر أن لايقل عن ثلاثة أحجار حتى ولو حصل الإنقاء بحجرين.
وهذا الحكم بالذات عامة العوام لا يعرفونه ولا يطبقونه.
= ما هو الحكم؟
- الحكم: أنه لا يجوز للإنسان أن يكتفي بحجر ولا بحجرين ولو حصل الإنقاء فلا بد أن يستعمل ثلاثة أحجار.
الدليل على هذا الحكم الذي لا تدركه العقول:
نقول أن هذا الحكم تعبدي لأنه من الممكن للإنسان أن يتطهر بحجرين.
والدليل أن سلمان - روى عن النبي أنه نهى أن يستجمر الإنسان بأقل من ثلاثة أحجار.
إذًا يجوز للإنسان أن يكتفي بثلاثة أحجار لكن بشرط ذكره المؤلف وهو أن تكون منقية فلا يجوز للإنسان أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار مطلقًا ويجوز له أن يقتصر على ثلاثة أحجار بشرط أن تكون منقية ولذلك يقول المؤلف ’:
منقية فأكثر.
= ما معنى فأكثر؟
- يعني: أنها إذا لم تنق الثلاثة فيجب أن يزيد إلى أن يحصل النقاء.
• ثم قال ’:
ولو بحجر ذي شعب.
المقصود ثلاث شعب فأكثر.
فإذا وجد الإنسان حجر كبير له ثلاث جهات وهذا معنى ثلاث شعب فيجوز له أن يكتفي به ولا يشترط أن يكون ثلاثة أحجار منفصلة ولكن المقصود ثلاث مسحات.
هذا مذهب الحنابلة واختاره من علماء الحنابلة المحققين الخرقي ’. نظرًا للمعنى.
ومن الحنابلة من قال: يجب أن يستعمل ثلاثة أحجار منفصلة.
والمذهب هو الصواب - ما ذكره المؤلف واهتاره الخرقي هو الصواب بشرط أن يكون بحجر كبير له ثلاث جهات يمكن أن يمسح بكل جهة منها.
• قال ’:
ويسن قطعه على وتر.
يسن للإنسان أن يقطع الاستجمار بوتر فإذا مسح الإنسان خمس مسحات ثم أنقى المحل فهل يسن له أن يزيد؟
لا يسن له أن يزيد.
وإذا مسح أربع مسحات فهل يسن له أن يزيد؟
نعم يسن له أن يزيد واحدة.
لكن المؤلف ’ يقول أن هذا سنة.
[ ١ / ٦١ ]
الدليل قول النبي ‘ من استجمر فليوتر.
واللام للأمر لذلك الأقرب أن قطع الاستجمار على وتر فيما يظهر لي أنه واجب لقوله فليوتر وهذا أمر صريح.
هذا الحكم وعدم جواز الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار حكمان يجهلهما كثير من العوام بالذات هذين الحكمين.
• ثم قال ’:
ويجب الإستنجاءُ: لكل خارج إلاّ الريح.
بين ’ أنه يجب على الإنسان أن يستنجي بالماء بعد قضاء الحاجة أو يستجمر لحديث عائشة إذا ذهب أحدكم لى الخلاء فليستطب بثلاثة أحجار واللام للوجوب.
لكن الحنابلة قيدوا هذا الوجوب بقيد هو: قوله في الروض إذا أراد الصلاة.
يعني أن الحنابلة يرون أنه يجب على الإنسان إذا قضى حاجته أن يستجمر أو أن يستنجي لكن إذا أراد الصلاة.
أما إذا لم يرد الصلاة فهو مخير فيستطيع أن لا يتنجي ولا يستجمر ثم إذا حضر وقت الصلاة وجب عليه أن يطهر بدنه وثوبه إن كان مس ثوبه شيء من النجاسة.
ولكن الأقرب إذا قضى حاجته يجب عليه مباشرة أن يستنجي أو أن يستجمر.
لماذا؟
لأن النصوص التي تقدمت معنا كحديث سلمان وحديث ابن مسعود وحديث عائشة كلها لم تقيد الأمر بإرادة الصلاة.
ثم الشارع الحكيم متشوف للطهارة وهذا من أهم أنواع الطهارة.
ثم هذا من الفروق الكبيرة بين دين الاسلام ودين النصارى فإنهم أناس لا يعتنون بالنظافة بينما الاسلام كما سيأتينا كثيرًا - ما يدل على اعتناء الاسلام بالطهارة.
إذًا الصواب أنه يجب على الإنسان بعد قضاء الحاجة أن يستجمر أو يستنجي ولو لم يكن يرد الصلاة.
• ثم قال ’:
ولا يصح قبله: وضوء ولا تيمم.
يعني أنه لا يجوز للإنسان أن يتيمم أو يتوضأ إلا بعد الاستنجاء والاستجمار أما لو قضى حاجته ثم توضأ ثم استنجى أو استجمر فإن الوضوء يكون باطل.
الدليل: قالوا: أن علي بن أبي طالب - أمر من يسأل النبي ‘ لأنه كان كثير الإمذاء فسأله عن هذه المسألة مسألة حكم المذي فأفتاه النبي ‘ بقوله اغسل ذكرك وتوضأ.
قالوا: فأمره النبي ‘ أولًا بالاستنجاء ثم بعد ذلك يتوضأ.
والقول الثاني:
أنه يجوز للإنسان أن يبدأ بالضوء ثم يستنجي أو يستجمر.
قالوا لأنه ثبت في الصحيح رواية لحديث علي أن النبي ‘ قال له توضأ وانضح فرجك.
فبدأ بالوضوء قبل الاستنجاء.
[ ١ / ٦٢ ]
قالوا فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ ثم بعد ذلك أن يستنجي أو يستجمر.
وهذا القول الثاني هو الصواب لأنه لا يوجد ارتباط بين الوضوء وإزالة النجاسة.
- انتبهوا لهذه القاعدة لتفهموا هذه القاعدة حتى تريحكم في كثير من الأشياء -
لو أن الإنسان على ظهره نجاسة أي نجاسة وقعت على ظهره فهل يجوز له أن يتوضأ ثم يغسل هذه النجاسة؟
نعم يجوز. بالإجماع إذا لم تكن النجاسة في أحد السبيلين فبالإجماع.
هذه المسألة تبين أنه لا يوجد ارتباط بين مسألة إزالة النجاسة ومسألة الوضوء.
نقول ولا يوجد فرق بين أن تكون النجاسة على أحد السبيلين وبين أن تكون في موضع آخر من البدن.
إذًا ما في شك أن الإنسان لو توضأ ثم استنجى أو استجمر فوضوءه صحيح لكن لا ينبغي له أبدًا أنت يفعل لوجود الخلاف ولأن الإنسان ينبغي له أن يتطهر تطهرًا كاملًا فيبدأ بإزالة الخبث ثم الوضوء وهو التحلي بالطهارة المعنوية.
[ ١ / ٦٣ ]
«تابع الدرس الخامس»
لما أنهى المؤلف - ﵀ - ما يتعلق بالاستنجاء والاستجمار وآداب التخلي انتقل إلى ما يأتي بعده عادة وهو السواك وسنن الوضوء لأن الإنسان يقضي حاجته ثم يستنجي أو يستجمر ثم يتوضأ وهذا الترتيب المنطقي هو الذي سار عليه المؤلف.