لما أنهى المؤلف - ﵀ - الكلام على الطهارة المائية انتقل إلى الكلام على طهارة البدل عن الماء وهي طهارة التراب.
والتيمم في لغة العرب: القصد.
وفي اصطلاح الفقهاء: مسح الوجه واليدين بالصعيد على وجه مخصوص.
والتيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
• قال - ﵀ -:
وهو بدل طهارة الماء:
أفادنا المؤلف - ﵀ - أن التيمم بدل عن طهارة الماء فاستفدنا من هذا قاعدة أن البدل لا يشترط فيه أن يكون مماثلًا للمبدل منه في جميع الصفات.
وهذه قاعدة قررها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -. وهي قاعدة صحيحة.
فبين الماء والتراب فرق كبير ومع ذلك فهو بدل عنه في باب الطهارة.
ويتعلق بقوله: وهو بدل طهارة الماء مسألة مهمة وتقدم مرارًا أنه في كل باب مسائل تعتبر أصولًا في الباب ومسائل أخرى أقل أهمية.
فمن أصول مسائل باب التيمم: هي مسألة: هل التيمم مبيح أو رافع؟ - وهذه المسألة يترتب عليها فروع كثيرة
ذهب الحنابلة - وهو مذهب الجمهور إلى أن التيمم مبيح وليس رافعًاَ للحدث.
واستدلوا بأحاديث كثيرة أقواها حديثان:
الأول: أن النبي - ﷺ - قال لعمرو ابن العاص لما صلى بأصحابه وهو جنب بعد التيمم قال له - ﷺ - أصليت بأصحابك وأنت جنب.
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - سماه جنبًا وإن كان تيمم ومع ذلك لم يأمرة بإعادة الصلاة.
وهذا استدلال قوي وواضح.
الدليل الثاني: قول النبي - ﷺ - الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته.
وجه الاستدلال: أن التيمم لو كان رافعًا للحدث لما احتجنا إلى الماء ولا أمر به النبي - ﷺ - إذا وجد.
وهذا أيضًا استدلال صحيح.
القول الثاني: مذهب الاحناف وهو اختيار شيخ الاسلام - ﵀ - أن التيمم رافع ولكنه رفع مؤقت إلى أن يأتي الماء.
وهذا القول مركب من أمرين:
الأول: أن التيمم رافع. ولكن هذا الرفع يعتبر مؤقتًا إلى وجود الماء.
[ ١ / ١٤٦ ]
الدليل على أنه رافع أن الله ﷾ يقول: فتيمموا صعيدًا طيبًا إلى أن قال ولكن يريد ليطهركم. والنبي - ﷺ - قال الصعيد الطيب طهور المسلم وجه الاستدلال أن الله ﷾ والنبي - ﷺ - سميا التراب طهور كما سميا الماء طهورًا فدل على أنه يأخذ أحكام الماء.
وأما الدليل أن هذا الرفع مؤقت فالحديث السابق في قوله فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته. فأمر النبي - ﷺ - بأن يتوضأ أو يغتسل الإنسان بمجرد وجود الماء فكأن طهارة التيمم تنتهي عند وجود الماء.
وهذا القول هو القول الصواب لوجهين:
الوجه الأول: قوة الاستدلال فإن الله سمى التيمم طهورًا ولو كان مبيحًا فقط وليس رافعًا لم يسمه طهورًا.
الوجه الثاني: أن في القول أن التيمم رافع وليس مبيح عنت ظاهر ومشقة عظيمة لا يأتي بمثلها الشرع كما سيأتينا في أحكام التيمم المبنية على القول أن التيمم مبيح.
فالراجح أن التيمم رافع.
وسبق معنى مرارًا أن ترجيح أحد الأقوال لا يعني إلغاء القول الآخر لا سيما إذا كان القائلون بالقول الآخر هم الجمهور - كما في هذه المسألة.
فمالك والشافعي وأحمد أئمة أهل العلم يرون أنه رافع فمراعاة هذا الخلاف شيء والترجيح في الأدلة وبين القول الذي تنصره النصوص شيء آخر حيث نرى أن بعض إخواننا يهملون جدًا ويتنكبون الأقوال الأخرى كأنها ليست بشيء.
فصحيح أن هذا القول هو الراجح لكن القول الآخر دليله قوي وهو مذهب الجماهير.
إذًا عرفنا هذه المسألة المهمة وعرفنا الراجح وعرفنا أنها من أهم مسائل هذا الباب وعرفنا لماذا تعتبر من أهم مسائل هذا الباب وذلك لكثرة ما ينبني عليها من الفروع.
• ثم قال - ﵀ -:
إذا دخل وقت فريضة أو أُبيحت نافلة.
بدء - ﵀ - بذكر شروط التيمم:
والحنابلة يرون أن للتيمم شرطان:
بخلاف ما يذكره بعض المتأخرين حيث أنهم يسردون شروطًا كثيرة - في الكشاف وهو من الكتب المعتمدة وهنا وفي الروض ذكر شرطين فقط.
فإن قلت ماهي الشروط الأخرى؟ التي يذكرها بعض المعاصرين:
[ ١ / ١٤٧ ]
فالجواب أن الشروط الأخرى في الحقيقة هي صفات للتراب الذي يجوز أن نتيمم به وليست من شروط التيمم العامة. إنما التيمم له شرطان فقط: كما سيأتينا الآن وكما قلت لكم أن هذا هو الموجود في كتب الحنابلة وهو أسهل في ضبط المسائل:
الشرط الأول: دخول وقت الفريضة. أو إباحة النافلة. يشترط للتيمم أن لا يتيمم إلا بعد دخول وقت الفريضة أو إذا أراد التيمم للنافلة أن يتيمم إذا أبيحت بأن لا يكون وقت نهي.
الدليل: قالوا: لأن التيمم مبيح وليس رافع. وإذا كان مبيح وليس رافعًا فإنه لايتيمم الإنسان إلا بعد دخول الوقت فهذه أول مسألة تنبني على مسألة هل التيمم مبيح أو رافع؟
وإذا كان الراجح أن التيمم رافع فالراجح في هذه المسألة عدم الاشتراط فلو تيمم قبل دخول الوقت أو بعد دخول الوقت في أي وقت شاء يتيمم إذا كان لا يجد الماء وتيممه صحيح.
الشرط الثاني: قال وعدم الماء: المؤلف عبر بهذه الجملة - عدم الماء - وغيره عبر بجملة أدق وأشمل وأضبط وهي أن نقول تعذر استعمال الماء إما لعدم وجوده أو لخوف الضرر من استعماله أو لأي سبب من الأسباب.
إذًا ما هو الضابط العام لجواز التيمم؟
نقول: تعذر استعمال الماء لأي سبب من الأسباب.
الدليل: الدليل على هذا الشرط وهو تعذر استعمال الماء أو عدم وجوده قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فاشترط للتيمم عدم وجود الماء.
الثاني: قوله ‘ وإن لم يجد الماء عشر سنين فنص على أن التيمم إنما يجوز إذا لم يجد الماء.
وأيضًا في حديث عائشة حين فقد العقد ونزلت آية التيمم قبل أن يتيمموا قال في الحديث فالتمسوا الماء فلم يجدوه.
فهذا هو الشرط - عدم الماء أو تعذر استعمال الماء - وما سيذكره المؤلف بعد ذلك إنما هو تفصيل لهذا الشرط.
• فقوله ’:
وعُدِم الماء أو زاد على ثمنه كثيرًا.
المقصود بثمنه ثمن مثله في مكانه: أي مثمن مثل هذا الماء فإن المياه النقية قد تكون أغلى ثمنًا من المياه التي هي أقل نقاء وأيضًا في مكانه: فمثلًا المياه في الطرق العامة وفي أماكن السفر قد تكون أغلى ثمنًا منها في داخل البلد.
[ ١ / ١٤٨ ]
فإذًا يجب أن يكون أغلى من ثمنه في مكانه إذا كان أغلى من ثمن مثله في مكانه جاز التيمم. لكن اشترط المؤلف شرطًا وهو قوله: كثيرًا: فإن كان أغلى يسيرًا فإنه لا يجوز التيمم ويجب أن تشتري.
بناء على هذا إذا كان لتر الماء يباع في هذه المنطقة بريال ثم وجد من أراد الصلاة أن الماء يباع بخمسين ريال. هل يعتبر هنا قد زاد على ثمنه؟
الجواب نعم.
وهل زاد كثيرًا؟
الجواب نعم.
فإذا كان هذا الشخص يملك خمسين ريالًا فهل يجوز له أن يتيمم أو يجب أن يشتري الماء ويغتسل أو يتوضأ به؟
فالجواب: نقول يجوز له لأن الحنابلة يقولون إذا كان الماء أكثر من ثمنه في مكانه كثيرًا فيجوز التيمم ولا يلزم بالشراء. وإن كان المال معه لكن لما كان أكثر من ثمنه كأنه غير موجود.
والقول الثاني: في هذه المسألة أن من أراد الصلاة إذا كان ذا مال وهذه الزيادة لا تجحف بماله وإن كانت كثيرة فيجب عليه أن يشتري لأن هذا الشراء لا يضره ولأن القاعدة المتفق عليها أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وهذا القول هو الصواب فما دام أنه يملك مالًا كثيرًا والزيادة لا تجحف بماله فإنه يجب عليه أن يشتري الماء.
بناء على هذا: إذا كان في المثال السابق من أراد أن يصلي وهو يملك خمسون ريالًا لكن هي قوته فسيشتري بها طعامًا لأولاده فهل يجب عليه - على القول الراجح أن يشتري؟
الجواب. لا لا يجب.
وإذا أراد أن يصلي من يملك خمسين ريال زائدة ويملك غيرها أموالًا كثيرة فهل يجب عليه أن يشتري؟
فالجواب: نعم.
وقد لا نحتاج إلى هذه المسألة في وقتنا هذا ولكن في القديم كانت الحاجة إلى مثل هذه المسألة كثيرة لا سيما في السفر.
ثم استمر المؤلف في بيان صور العجز عن الماء فقال ’:
أو بثمن يعجزه.
إذا كان الماء بثمن وهذا الثمن قليل ولا يعتبر كثير لكن يعجزه فالماء مثلًا بعشر ريالات ولكنه لا يملك هذا المبلغ فهل يجب عليه أن يشتري؟
الجواب: لا. لأنه لا يستطيع فيصدق عليه أنه لا غير واجد للماء.
• ثم قال ’:
أو خاف باستعماله أو طلبه: ضرر في بدنه.
إذا خاف الانسان على نفسه من استعمال الماء بأن يقع عليه ضرر جاز له حينئذ مع وجود الماء: أن يتيمم.
الدليل: الأدلة كثيرة: التي تعضد هذا القول:
[ ١ / ١٤٩ ]
أولًا: قوله تعالى: وإن كنتم مرضى أو على سفر إلى أن قال: فتيمموا.
فقوله وإن كنتم مرضى نص على أن المرض يبيح للإنسان أن يتيمم.
ثانيًا: حديث عمرو بن العاص السابق فإن النبي ‘ أقره على الاغتسال وعمرو بن العاص كان في غزوة ذات السلاسل وكان البرد شديد جدًا واحتلم في الليل. قال فلما أصبحت خشيت إن اغتسلت أن أهلك فتيمم فقص على النبي ‘ ما عمل فأقره ‘ وتبسم ولم يأمره بإعادة الصلاة.
إذًا عمرو بن العاص تيمم لوقوع الضرر أو لخشية الضرر؟
الجواب: لخشية الضرر.
ثالثًا: القواعد العامة. ما يريد الله أن يجعل عليكم في من حرج. لا ضرر ولا ضرار. وأدلة رفع الحرج وهي من القواعد الخمس الكبرى كثيرة جدًا.
وذكر الفقهاء أنه لا يشترط في خوف المرض أن يخاف مرضًا عظيمًا أو أن يخاف أن يموت بل يكفي أن يخاف مرضًا عاديًا لا يعتبر من الأمراض الكبيرة.
بل ذكر بعض الحنابلة أنه لو خاف أن اغتسل أن يزكم فإنه يجوز له أن يتيمم لأن الزكام نوع من أنواع المرض.
فإذًا يجوز للإنسان أن يتيمم.
إذا كان مريضًا ويخشى من زيادة المرض إذا كان صحيحًا ويخشى من وجود المرض ففي هاتين الصورتين يجوز للإنسان أن يتيمم. سوار كان المرض من الأمراض الخطيرة أو من الأمراض اليسيرة.
• قال ’:
أو رفيقه أو حرمته أو ماله.
كثير من الشراح والمحشين انتقد المؤلف في هذه العبارة وهي قوله في بدنه أو رفيقه أو حرمته. وجه الانتقاد: أن هذه العبارة تشعر أن الحكم خاص بما إذا خاف على بدنه أو رفيقه أو حرمته فقط.
أما إذا خاف على أجنبي فإنه لا يجوز له أن يتيمم ويجب أن يتوضأ.
فمثلًا: لو كان معه أجنبي يخشى عليه من الهلاك عطشًا فمقتضى عبارة المؤلف أنه يجب أن يتوضأ بهذا الماء ولا يتيمم لماذا؟
لأنه حصر الخشية في هؤلاء الثلاثه البدن والرفيق والحرمة.
ولذلك فإن العبارة الصحيحة أن يقال أو خشي على كل محترم من آدمي أو حيوان.
فكل محترم من آدمي أو حيوان إذا خشي عليه جاز له التيمم. بداية من نفسه ونهاية إلى أبعد الناس عنه.
• قال ’:
أوماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه: شرع التيمم.
قوله شرع التيمم هذا جوابُ قوله في أول الباب: إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة.
[ ١ / ١٥٠ ]
والمؤلف ’ قال شرع: لأن التيمم قد يكون سنة إذا أراد أن يتسنن وقد يكون واجبًا إذا أراد أن يصلي الواجبات.
فعبر بعبارة شرع ليشمل الأمرين.
• ثم قال ’:
ومن وجد ماء يكفي بعض طهره: تيمم بعد استعماله.
إذا وجد الإنسان ماء يكفي لغسل بعض أعضاء الوضوء فعند الحنابلة يجب عليه أن يستعمل هذا الماء في هذه الأعضاء ثم إذا نفد الماء تيمم عن الباقي.
ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله ‘ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ولأنه بهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء بينما لو تيمم ومعه ماء يكفي ابعض أعضائه فقد تيمم مع وجود الماء.
القول الثاني: في هذه المسألة: أنه لا يلزمه أن يستخدم هذا الماء بل يجوز له أن يتيمم مباشرة ويترك هذا الماء.
الدليل: قالوا: أن استعمال هذا الماء لا يفيد التطهير فلا معنى لاستعماله وممن نصر هذا القول من المتأخرين: الشوكاني. وممن نصر القول الأول: وهو مذهب الحنابلة. ابن القيم ’.
والصواب القول الأول: فيجب عليه أولًا أنت يستخدم هذا الماء فيما يكفي من أعضائه ثم يتيمم بعد ذلك.
لقوة أدلة الحنابلة ولأنا وجدنا الشارع يأمر الجنب أن يتوضأ فدل على أن غسل بعض الاعضاء في الطهارة الكبرى ينفع فكذلك في الطهارة الصغرى.
إذًا في هذه الصورة إذا وجد الإنسان ماء يكفي فقط غسل الوجه فإن كثيرًا من الناس يترك هذا الماء ويقول لا فائدة من غسل الوجه فقط ويتيمم مباشرة.
فنقول له يجب عليك أن تعيد التيمم والصلاة. لماذا؟ لأنه يجب قبل أن تتيمم أن تستعمل هذا الماء فيما يكفي من الأعضاء ولو كان عضوًا واحدًا.
فمذهب الحنابلة في هذه المسألة قوي.
• ثم قال ’:
ومن جرح تيمم له وغسل الباقي.
مازال المؤلف في تفاصيل الشرط الثاني: وهو عدم القدرة على استعمال الماء. فكل هذه المسائل تفصيل للشرط الثاني.
إذا جرح الإنسان فإنه يغسل عند الفقهاء على الترتيب التالي:
أولًا: إما أن يستطيع غسل الجرح بلا ضرر فيجب عليه أن يغسل الجرح فإن كان لا يستطيع غسل الجرح فينتقل إلى المسح على الجرح مباشرة بلا حائل فإن كان لا يستنطيع المسح على الجرح انتقل إلى طهارة التيمم.
[ ١ / ١٥١ ]
فكم صارت المراتب؟ الأول: الغسل. والثاني: المسح. والثالث: التيمم.
ولا ينتقل من مرتبة إلى أخرى إلا عند العجز عن المرتبة الأولى.
ما الدليل؟ الدليل: الآية السابقة: (فاتقوا الله ما استطعتم).
والدليل الثاني: حديث صاحب الشجة فإن أصحاب النبي ‘ خرجوا في غزوة وكان أحد الصحابة قد أصابة رأسه شجة - يعني جرح - فاحتلم فلما قام سأل أصحابه فقال: هل ترون لي من رخصة فقالوا: لا والله ما نجد لك رخصة وأنت واجد للماء فاغتسل فمات فلما رجعوا إلى النبي ‘ سألوه فلما عرف قال النبي ‘ قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال. إنما يكفيه أن يتيمم ثم يعصب على جرحه ثم يمسح ويغسل سائر بدنه.
فهذا الحديث نص في طهارة المسح لكن هذا الحديث الصواب فيه أنه ضعيف:
أولًا: لأن إسناده ضعيف.
وثانيًا: أنا نجل أصحاب النبي ‘ أن يفتوا هذه الفتوى وإن كان بعض المعاصرين يصحح هذا الحديث لكن الصواب أنه ضعيف.
الدليل الثاني: أن المسح على الجرح أولى من المسح على الجبيرة كما قال شيخ الاسلام بن تيمية.
مسألة: هل يجوز أن يمسح على العصابة التي يلف بها الجرح؟
الجواب: نعم إذا كان لا يستطيع مسح الجرح مباشرة. فمثلًا: لو ربط على جرحه لفافة ثم قال: هل يجوز أن أمسح؟
فالجواب: أن يقال: إن كنت تستطيع رفع هذه اللفافة والمسح على الجرح فيجب. وهذه أفتى بها الإمام أحمد: قال: إن كان يستطيع فيجب أن يرفع ويمسح.
وإن كان لا يستطيع أن يمسح لخشية تضرر الجرح فإنه يمسح على اللفافة.
وبهذا كمل تصور أحكام مسح الجروح.
نقول: أولًا: يجب أن تغسل إن استطعت.
وثانيًا: إن لم يستطع الغسل فيمسح. وثالثًا: إن لم يستطع المسح فيتيمم.
وإن كان الجرح مربوطًا يجب أن يرفع الرباط إذا كان الجرح لا يتأثر وإن كان يتأثر فإنه يمسح على اللفافة.
إذا كان الجرح مكشوفًا ولا يستطيع أن يمسح عليه فهل يلزمه أن يلف الجرح ويمسح على اللفافة؟
الجواب: فيه تفصيل:
• إن كان تغطية الجرح يؤدي إلى تأخر برئه فإنه لا يلزمه.
• وإن كان يستطيع لف الجرح بلا ضرر فنقول يجب أن يلف الجرح ويمسح. التعليل: أن طهارة المسح مقدمة على طهارة التيمم.
[ ١ / ١٥٢ ]
إذًا إذا كان الإنسان أصابه جرح وأمره الطبيب بأن يبقيه مكشوفًا لينشف مع الهواء فهل يلزمه أن يلف الجرح؟
الجواب: إن كان اللف يضر الجرح أو يؤخر برء الجرح فلا يلزمه.
وإن كان اللف وعدمه سواء فإنه يلزمه أن يلف الجرح ويمسح عليه.
وكما تعلمون هذه المسائل الحاجة إليها كثيرة.
وعرفنا من التفصيل السابق أن المؤلف نقض مسألة المسح ولو كان - ﵀ - ذكره لكان أولى لأنه طهارة أساسية في مثل هذه المسألة ولذلك عوض هذا النقص صاحب الروض وذكر طهارة السمح ونص عليها.
• قال - ﵀ -:
ويجب طلب الماء في رَحله وقربه وبدلالة.
ما زال المؤلف في تفاصيل شرط عدم القدرة على الماء فقال:
ويجب طلب الماء في رحله: القاعدة العامة: أنه يجب طلب الماء قبل أن تتيمم. الدليل قوله تعالى: فلم تجدوا ماء. ولا يسمى الإنسان غير واجد للماء إلا بعد الطلب.
أما بلا طلب فلا يسمى غير واجد للماء.
وهذا القول خلافًا لمن قال من الفقهاء أنه يجب أن يطلب الماء إن كان الماء موجودًا وإلا لا يطلبه. فإنه قول ضعيف جدًا ومخالف لظاهر النصوص.
الخلاصة: نحن لا نحتاج لهذا الخلاف لشدة ضعفه.
فنقول: أن الأصل والقاعدة أنه يجب على الإنسان أن يبحث ويطلب الماء قبل أن يتيمم لدلالة هذه الآية الصريحة لكن طلب الماء فيه تفصيل وقد ذكره - ﵀ -.
• فقال - ﵀ -:
في رحله وقربه:
فيجب أن يطلب الإنسان الماء في رحله - يعني في ما معه من أغراض فيفتش فيها تفتيشًا يبرئ الذمة.
ثم إذا لم يجد في رحله انتقل إلى المرحلة الثانية وهي ما ذكره المؤلف بقوله: وقربه.
والمؤلف - ﵀ - لم يذكر حد القرب وحده: العرف. فإذا كان في العرف قريب وجب عليه أن يبحث وإن كان في العرف بعيد فلا يجب عليه أن يبحث ولا أن يطلب ولما سأل الإمام أحمد عن هذه المسألة قال: في ميل أو ميلين أو ثلاثة.
وهذا على سبيل التقريب بمعنى: ما يقرب من هذه المسافة. والأعراف تختلف من بلد لبلد ومن زمن لزمن.
فإذا كان في العرف قريب وجب عليه أن يطلبه وإذا كان في العرف بعيد فلا يجب عليه أن يطلبه وجاز له التيمم فورًا وقد ثبت في الأثر الذي علقه الإمام البخاري أن ابن عمر تيمم وهو يرى منازل المدينة.
[ ١ / ١٥٣ ]
لكن ربما كانت بعيدة وإنما يراها عن بعد لأنه في القديم لا توجد حواجز بين المسافر والمدينة فاليوم نقول إذا كان الإنسان في بر ويحتاج لتحصيل الماء والدخول إلى داخل المدينة يقطع فيه عشرة أو خمسة كيلوات فإنه لا يلزمه وله أن يتيمم لكن إذا كان بجواره مزرعة قريبة يستطيع أن يذهب إليها بكل يسر وسهولة وتعتبر في العرف قريبة وجب عليه أن يذهب إليها بالسيارة أو برجله.
قال: وبدلاله: يعني يجب عليه أن يطلب الماء بدلاله فإذا قال له شخص ثقة الماء في المكان الفلاني فيجب عليه أن يطلب هذا الماء بشرط أن يكون الدال ثقة.
ولا يجوز أن يقول طلبت الماء فلم أجده بل يجب أن يذهب إلى المكان الذي أرشده إليه هذا الثقة بشرط أن يكون قريبًا عرفًا.
• قال ’:
فإن نسي قدرته عليه وتيمم: أعاد.
في الحقيقة هذه المسألة مشكلة ولذلك فيها عن الإمام أحمد ثلاث روايات ومن شدة إشكال المسألة احدى الروايات عن الإمام أحمد التوقف.
فإذا روي عن الإمام أحمد ثلاث روايات إحداها توقف دل ذلك على أن المسألة فيها إشكال.
إذًا نقول مذهب الحنابلة أن من نسي الماء وصلى ثم ذكره فإنه يعيد وهذا نص الماتن.
أولًا: لأن النسيان لا يرفع عنه أنه واجد.
ثانيًا: لأن الواجبات لا تسقط بالنسيان.
الرواية الثانية: أنه لا يلزمه الإاعادة
١. لقوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
٢. وقوله ‘ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.
٣. ولدليل ثالث قوي وهو أنه صلى صلاة مأمورًا بها في وقتها فلا يعيد فما كان يلزمه شي حين كان لا يذكر غير أن يتيمم ويصلي
فلما صلى فقد صلى صلاة مشروعة مطلوبة منه والشرع لا يلزم الإنسان أن يصلي مرتين.
والرواية الثالثة: التوقف: ما هو دليل هذه الرواية؟
هناك قاعدة موجودة في جميع التوقفات: تعارض الأدلة - تكافؤ الأدلة هو الذي يجعل المجتهد يتوقف.
وكما ترون لكل واحد من الروايات حظ ونصيب ولا شك أن الأحوط الإعادة بلا إشكال لكن أي الأقوال أرجح الأول لأن الواجب لا يسقط بالنسيان.
الثاني: لماذا؟
[ ١ / ١٥٤ ]
في الحقيقة كما ترون فيها إشكال ومن وجهة نظري لا أقول الراجح لكن الأقرب عدم الإعادة. لأن هذا الإنسان فعل ما أمر به والشارع لا يأمر بالصلاة مرتين وليس منه تفريط وإن كان بعض الفقهاء يقول بلى منه تفريط لأنه نسي لكن في الحقيقة النسيان لا ينسب إلى صاحبه التفريط لأنه يعرض للذهن من غير إرادة صاحبه. فهذا ترك العبادة أصلًا لكن هنا فعل ما عليه.
• ثم قال - ﵀ -:
وإن نوى بتيممه أحداثًا.
• إن نوى بالتيمم أحداثًا أجزأه. فمثلًا لو فرضنا أن إنسانًا أكل لحم الجزور وبال ونام. كم حصل منه حدث؟ ثلاثة أحداث. فإذا نوى هذه الأحداث أجزأة.
• وإن نوى أحد هذه الأحداث أيضًا أجزأه.
• وإن نوى أحد الحدثين لم يجزأه = مالمقصود بالحدثين؟ الأكبر والأصغر.
• فإن نوى الأكبر لم يرتفع الأصغر.
• وإن نوى الأصغر لم يرتفع الأكبر.
إذًا فرق بين أن ينوي حدثًا واحدًا من بين عدة أحداث من جنس واحد وبين أن ينوي حدثًا أصغر دون الأكبر أو الأكبر دون الأصغر.
تقدم معنا في الغسل أن نية الغسل تكفي عن نية الوضوء فكذلك هنا نية التيمم عن الجنابة تكفي عن نية التيمم عن الوضوء.
كما قلنا في تلك المسألة تمامًا.
إذًا الصواب أنه إذا نوى الحدث الأكبر ارتفع فإن نوى الحدث الأصغر لم يرتفع لأن الحدث الأصغر يدخل في الحدث الأكبر ولكن الأكبر لا يدخل في الحدث الأصغر.
• قال - ﵀ -:
أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها.
إذا نوى نجاسة أجزأه أيضًا فهم من هذه العبارة أنه يشرع للإنسان أن يتيمم عن النجاسة وهذا من مفردات مذهب الحنابلة.
فإذا كان - مثلًا - على بدنه نجاسة ولا يملك ماء يزيل به هذه النجاسة شرع له عند الحنابلة أن يتيمم عن هذه النجاسة.
والقول الثاني: أن التيمم مشروع لرفع الحدث فقط دون رفع النجاسة بدليل أنه لم يأت في الشرع رفع للنجاسة وإنما النصوص جاءت في رفع الحدث فقط وهذا القول - الثاني: هو الصواب. أنه لا يشرع للإنسان أن يتيمم للنجاسة إذا لم يستطع أن يزيلها بالماء.
• ثم قال - ﵀ -:
أو خاف بردًا أو حُبس في مصر فتيمم.
يعني إذا حبس في مدينة من المدن ولم يستطع داخل الحبس أن يتوضأ أو يغتسل بالماء شرع له التيمم.
[ ١ / ١٥٥ ]
أو عدم ما يزيلها: كما قلت هي نفس مسألة أو عدم ما يزيلها نفس مسألة إذا كانت النجاسة على بدنه وتضره إزالتها.
لكن لم نذكر في الحقيقة مثالًا على نجاسة تضر إزالتها كالنجاسة التي على الجروح لو قشعت لتضرر الجرح فهذه تبقى أما إذا عدم ما يزيلها فالأمر واضح.
أو خاف بردًا: فيس الحقيقة هذه المسألة داخلة في قول المؤلف أو ضرر في بدنه. قال بعطش أو مرض فهذا تكرار. فيكتفي بما قيل في الموع الأول عند قوله أو خاف بردًا.
أو حبس في مصر فتيمم.
في هذه العبارة دليل على أن التيمم يشرع في السفر والحضر وأنه لا يختص بالسفر خلافًا للظاهرية الذين يرون أن التيمم خاص بالسفر لقوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر فنص في الآية على السفر والجواب أن الآية خرجت مخرج الغالب إذ أن الغالب أن المسافر هو الذي يحتاج إلى التيمم دون من كان في داخل المدينة والقيد إذا خرج مخرج الغالب لا يعني التقييد إذًا هل يجوز أن يتيمم الإنسان في داخل بلد؟
الجواب: نعم. يجوز وهو مذهب الجمهور خلافًا للظاهرية الذين يقصرون التيمم على السفر.
أو عدم الماء والتراب: صلى ولم يعد.
إذا عدم الماء والتراب هذه تسمى - إذا عدم الطهارتين - طهارة الماء والتراب. وهذه الصورة - إذا عدم الطهارتين - لها أحكام خاصة عند الحنابلة
تتلخص في أن من عدم الطهارتين لا يجوز له إلا أن يصلي الفريضة ولا يزيد فيها عن الواجب في القراءة والتسبيح والتشهد وكل الصلاة.
فمثلًا: لا يقرأ أكثر من الفاتحة لأن قراءة سورة أخرى سنة ولا يزيد على تسبيحة واحدة لأن الزيادة سنة.
الدليل: قالوا: إنما أجزنا له الصلاة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها. وهي الأشياء الواجبة.
القول الثاني في هذه المسألة: أنه له أن يصلي ما شاء ويزيد في داخل الصلاة على الواجب ويأتي بالسنن وبما شاء مما هو مشروع لأن هذه الطهارة بالنسبة له طهارة كاملة في حقه لأنه لم يتمكن من الطهارتين لا التراب ولا الماء.
وهذا القول اختاره شيخ الاسلام وغيره من المحققين كالسعدي وغيره من أهل العلم.
إذًا فالقول الصواب إن شاء الله أن له أن يصلي ما شاء ويزيد في داخل الصلاة ماشاء.
نقف عند هذا ونكون قد وقفنا على صفات التراب
[ ١ / ١٥٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحنابلة يرون أنه إذا احتاج إلى أن يتيمم عن عضو من الأعضاء لوجود جرح أو نحوه فإنه يلزمه في هذه الصورة الترتيب والموالاة فإذا كان الجرح في اليد فيجب بعد غسل الوجه أن يتيمم ثم ينتقل إلى مسح الرأس فيرتب ويلزمه أيضًا الموالاة بحيث لا يؤخر التيمم عن العضو المجروح إلى أن ينشف العضو الذي غسل قبله.
والقول الثاني في هذه المسألة أنه لا يلزمه لا الترتيب ولا الموالاة. بل يؤخر التيمم إلى نهاية الوضوء بل ذهب شيخ الاسلام إلى أن التيمم في وسط الوضوء بدعة لا أصل له.
وهذا القول هو الراجح لأن في القول الأول شدة وحرج على المسلم المجروح الذي يريد أن يتيمم ولأنه لم ينقل عن السلف أنهم كانوا يتيممون في وسط الوضوء مع وجود الجراح في أجسامهم.
إذًا هذه مسألة تحلق بهذا الموضع.
ثم ننتقل إلى الموضع الذي توقفنا عنده.
• قال - ﵀ -:
ويجب التيمم: بتراب طهور غير محترق له غُبار.
بدء المؤلف - ﵀ - تعالى بالكلام عن شروط ما يتيمم به وهو التراب فقال:
ويجب التيمم: بتراب.
يرى الحنابلة أنه لا يصح التيمم إلا بالتراب دون غيره من بقية أجزاء الأرض فلا يصح التيمم على الرمل ولا على الحصى مثلًا إنما يصح التيمم فقط بالتراب ويستدل الحنابلة على هذا القول بقول النبي - ﷺ - جعلت لي الأرض مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا. فخص التراب بالتطهير.
القول الثاني أنه يجوز أن يتيمم المسلم بكل ما على سطح الأرض مما هو من جنسها.
واستدلوا بأدلة كثيرة:
أولًا: قوله تعالى: فتيمموا صعيدًا طيبًا. قال الخليل والزجاج وهما من أئمة اللغة الصعيد كل ما على وجه الأرض. لا يختص بالتراب.
والدليل الثاني: قول النبي - ﷺ - أيما مسلم أدركته الصلاة فليصل فإن عنده مسجده وطهوره وهذا الحديث عام في كل أجزاء الأرض.
الدليل الثالث: من المعلوم أن النبي - ﷺ - لم يكن يتيمم بالتراب فقط ففي أسفاره كان يمر بالرمال وفي الغالب سيتيمم منها ولم ينقل أنه يحمل معه التراب.
وأما الحديث الذي استدل به الحنابلة فإنه صحيح ولكن لا دليل فيه لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يعني تخصيصه إذا ذكر بحكم يوافق حكم العام.
[ ١ / ١٥٧ ]
فالأحاديث دلت على أن الأرض كلها طهور ثم هذا الحديث الذي ذكره الحنابلة خص التراب بأنه طهور وتخصيص بعض أفراد الحكم العام بحكم يوافق الحكم العام لا يعني تخصيصه.
وهذا القول - الثاني: هو الصواب. وعليه عمل المسلمين.
• قال ’:
طهور:
الحنابلة يرون أن التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طاهر وطهور ونجس.
كتقسيمهم المياه.
فإذا وجدنا ترابًا قد تيمم به فإنه يعتبر تراب طاهر لأنه استعمل في رفع حدث وتقدم الكلام عن هذه المسألة وبيان أن الراجح أن المياه طاهر ونجس فقط كذلك التراب طاهر ونجس فقط.
وما قيل من أدلة ومناقشات في تلك المسألة هو نفسه هنا.
فإذًا هذا الشرط وهو أن يكون طهورًا محل نظر لأن التراب لا يكون إلا طاهرًا أو نجسًا فقط ولا يصح تقسيمه إلى ثلاثة أقسام.
• قال ’: له غبار:
أيضًا من شروط المتيمم به أن يكون ترابًا وأن يكون هذا التراب له غبار.
هل اشتراط التراب يغني عن اشتراط أن يكون له غبار؟ أو كب منهما شرط مستقل.
الجواب: أنه يغني.
وإذا جاءنا تراب مبتل ليس له غبار. فهل يكون شرط مستقل أو يغني عنه الشرط الأول؟
يكون شرط مستقل.
إذًا الشرط الآن أن يكون له غبار.
الدليل: قوله تعالى: في آية المائدة فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه.
قالوا من: في قوله منه للتبعيض ولا يكون له أبعاض إلا إذا كان له غبار.
والقول الثاني: أنه لا يشترط أن يكون له غبار لأن النصوص عامة لم يشترط فيها وجود الغبار.
يبقى الجواب عن الآية: الجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن من في الآية ليست للتبعيض وإنما هي لابتداء الغاية ولكن هذا الجواب ضعفه الزمخشري ’ وكلامه صحيح.
فهذا الجواب ليس وجيهًا.
الوجه الثاني: أن السنة بينت جواز التيمم بما ليس له غبار وهذ القول هو الراجح - أنه لا يشترط أن يكون له غبار.
إذًا صارت شروط ما يتيمم به ثلاثة:
١. أن يكون ترابًا.
٢. أن يكون طهورًا.
٣. أن يكون له غبار.
إذا تخلف أحد الشروط الثلاثة لم يصح التيمم عند الحنابلة وقد عرفت وسمعت الخلاف في كل شرط من هذه الشروط وأن الشروط جميعًا ليست صحيحة وأن التيمم طهارة للتخفيف ولا يناسب فيها هذا التشديد في شروط التراب.
• ثم قال ’:
وفروضه:
[ ١ / ١٥٨ ]
انتقل المؤلف ’ إلى بيان الفروض وهي إجمالًا أربعة:
١ - مسح الوجه واليدين وهذا أعظم الفروض.
٢ - الترتيب.
٣ - الموالاة.
٤ - تعيين النية. وسيأتي معنى تعيين النية.
وقد ذكر المؤلف هذه الفروض مرتبة.
• قال ’:
مسح وجهه.
مسح الوجه فرض باتفاق الأئمة. للآية فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.
ولحديث عمار ابن ياسر أن النبي ‘ أرشده إلى كيفية التيمم فقال إنما يكفيك أن تضرب بيديك ضربة واحدة ثم تقول هكذا فمسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه.
هذا اللفظ أحد ألفاظ البخاري واللفظ الآخر المتفق عليه فضرب ضربة ومسح وجهه ويديه بدون تفصيل.
إذًا مسح الوجه لا إشكال فيه فهو فرض باتفاق الائمة والدليل عليه من الكتاب والسنة.
أما كيفية مسح الوجه فستأتينا في آخر الباب والمقصود الآن أن نعرف أنه فرض.
• ثم قال ’:
ويديه إلى كوعيه.
الكوع هو العظم الذي يلي الإبهام ومسح اليدين أيضًا فرض بالاتفاق من حيث الجملة بدليل الآية والحديثين السابقين.
وكونه كما يقول المؤلف إلى كوعيه هذا مذهب الحنابلة بدليل:
١. أن اليد عند الاطلاق تنصرف إلى الكف فقط دون الذراعين.
٢. والدليل الثاني: وهو أصرح وأقوى أنه في حديث عمار لم يمسح إلا الكفين: ومسح كفيه:.
القول الثاني: أن المسح إلى المرفقين واستدلوا بأنه روي في التيمم أن النبي ‘ مسح إلى المرفقين.
والراجح مذهب الحنابلة.
والجواب عن استدلال القول الثاني: بقاعدة: وهي: أن كل حديث فيه المسح إلى ما بعد الكف إلى المرفقين فهو ضعيف.
وكل حديث فيه أكثر من ضربه فهو ضعيف.
وهذه قاعدة تريح طالب العلم.
فالمشروع إذًا مسح الكفين فقط.
• ثم قال ’
والترتيب، والموالاة في حدث أصغر.
الترتيب واجب في التيمم بدليل الآية فإن الله تعالى بدء بالوجه ثم عقب باليدين وبدليل حديث عمار - ففي لفظه المتفق عليه البدء بالوجه قبل اليدين: فمسح وجهه ويديه.
فإذا ضرب الإنسان ضربة ومسح يديه ثم مسح وجهه فإن التيمم يكون (غير مجزئ) وعليه أن يمسح يديه. ليتم الترتيب.
وهذا يبين أن الترتيب مسألة مهمة جدًا لأن كثيرا من الناس اليوم يضرب ضربه ويبدأ باليدين قبل الوجه فعند الحنابلة الترتيب في التيمم حكمه فرض.
[ ١ / ١٥٩ ]
والقول الثاني أن الترتيب سنة لأنه في بعض ألفاظ البخاري البدء باليدين قبل الوجه.
واختار هذا القول شيخ الاسلام.
والأقرب الأول أنه فرض. وأما الرواية فالرد عليها أن هذا اللفظ لا يثبت والحديث المشهور في البخاري ومسلم - فيما عدا هذه الرواية - البدء بالوجه كما أنه هذه الرواية التي فيها البدء بالوجه مع أنها متفق عليها توافق ظاهر القرآن.
فإن صحت هذه الرواية فالقول بأنه سنة هو الراجح. لكن الأقرب أنها لا تصح.
• ثم قال - ﵀ -:
والموالاة في حدث أصغر.
الموالاة: أن لا يؤخر مسح اليدين بزمن يقدر فيه جفاف الوجه لو غسل بالماء.
والموالاة صحيح أنها فرض ولو فصل الإنسان هذا الفاصل لا يدق عليه أنه تيمم تيممًا مكتملًا لكن خص المؤلف هذا الفرض - الترتيب والموالاة - بالحدث الأصغر فيفهم منه أن الإنسان إذا تيمم عن جنابة فإنه لا يشترط الترتيب ولا الموالاة.
والصواب أنه يشترط الترتيب والموالاة حتى في التيمم عن الحدث الأكبر لأن التيمم يختلف عن الاغتسال فا لاغتسال يكون الغسل فيه لعضو واحد وهو البدن بينما التيمم للجنابة يكون في عضوين ولذلك لابد فيهما من الترتيب والموالاة.
وفي هذه النقطة فقط من بين سائر مسائل الوضوء والتيمم - التيمم أضيق من الاغتسال لأن الاغتسال لا تشترط فيه الموالاة ولا الترتيب.
بينما يشترط في الحدث الأكبر - أي الجنابة - إذا كان سيتيمم.
الخلاصة: أن الترتيب والموالاة عند الحنابلة فرض في الحدث الأصغر وهو الصواب.
وهما سنة في الحدث الأكبر عند الحنابلة والصواب أنهما فرض حتى في الحدث الأكبر. وذكرنا وجه التفريق بين الجنابة عند رفعها بالماء ورفعها بالتيمم.
• ثم قال - ﵀ -:
وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره. فإن نوى أحدها: لم يجزئه عن الآخر. وإن نوى نفلًا أو أطلق: لم يصل به فرضًا. وإن نواه: صلى كل وقته فروضًا ونوافل.
هذا هو الفرض الرابع ويسمى تعيين النية:
قال: وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره: في التيمم لابد من تعيين النية.
ومعنى تعيين النية: أن يعين ما يتيمم له وما يتيمم عنه.
مثال ذلك: إذا أراد أن يتيمم ليصلي فيجب أن ينوي أنه يتيمم لصلاة الظهر عن حدث النوم إذا كان حدثه بالنوم.
[ ١ / ١٦٠ ]
فينوي ما يتيمم له وهو في المثال صلاة الظهر وما يتيمم عنه وهو في المثال النوم.
فإن نوى رفع حدث النوم دون الصلاة. فهو سيصلي ولكن لم يخطر بباله أثناء التيمم أن هذا التيمم ليصلي الظهر مثلًا وإنما خطر بباله رفع الحدث وهو النوم. فإن تيممه غير صحيح لأنه فقد شرط تعيين النية.
وإن نوى بتيممه صلاة الظهر ولم ينو رفع الحدث المعين فإن التيمم يصبح غير صحيح لأنه لم يعين الحدث المرفوع.
ما دليل الحنابلة؟ قالوا: أن التيمم شرع ضرورة فهو ضعيف يحتاج إلى التقوية بالتعيين أي أننا إذا عينا فقد قوينا من أمر التيمم بتخصيص النية.
والقول الثاني: أنه لا يشترط تعيين النية بل لو نوى الصلاة أو رفع الحدث أحدهما أو كلاهما فإن تيممه صحيح لأن التيمم رافع وليس مبيحًا.
وإذا كان التيمم رافع فإنه إذا تيمم ارتفع الحدث بأي نية نواها.
هذا معنى قوله: وتشترط النية: لما يتيمم له من حدث أو غيره.
والنية التي يتيمم عنها لا تخرج عن ثلاثة أشياء:
١. إما أن ينوي حدثًا أصغر.
٢. أو حدثًا أكبر.
٣. أو عن إزالة النجاسة في البدن - كما سبق معنا أن الحنابلة يرون مشروعية التيمم عن النجاسة التي لم يتمكن من إزالتها.
إذًا التيمم عن الاحداث ينحصر في ثلاثة حدث أصغر وحدث أكبر وإزالة النجاسة.
أما ما يتيمم له فهو كثير فقد يتيمم لفريضة وقد يتيمم لطواف وقد يتيمم لقراءة القرآن وقد يتيمم لأداء نذر وقد يتيمم لصلاة فرض كفاية.
فإذًا المنوي من العبادات كثير ومتنوع وهذه المسألة من أضيق ما يكون في فقه التيمم عند الحنابلة وكثير من الناس لا يخطر على باله عند التيمم أن ينوي بدقة عن ماذا ولماذا؟
ثم قال: فإن نوى أحدها: لم يجزئه عن الآخر.
لو فرضنا أن إنسانًا عليه حدث أصغر وأكبر ونوى الحدث الأكبر فقط لم يرتفع الاصغر.
وإن نوى الأصغر فقط لم يرتفع الأكبر.
لأنه يجب إذا أراد أن يتيمم أن يعين وينوي الحدث الذي يريد أن يرفعه.
وتقدم معنا الصواب في هذه المسألة وهو أن نية الحدث الأكبر ترفع الأصغر أما نية الحدث الأصغر فإنها لا ترفع الأكبر.
قال: وإن نوى نفلًا أو أطلق: لم يصل به فرضًا. وإن نواه: صلى كل وقته فروضًا ونوافل.
[ ١ / ١٦١ ]
القاعدة التي تجمع هذه المسائل عند قوله وإن نوى نفلًا أو أطلق: لم يصل به فرضًا: أنه إذا نوى الادنى فإنه لا يستبيح به الأعلى.
وإن نوى الأعلى استباح به الادنى.
مثال ذلك: إذا نوى بالتيمم صلاة فريضة فهل يجوز أن يصلي صلاة الضحى بهذا التيمم؟
نعم لأنه نوى الأعلى.
وإن نوى التيمم ليقرأ القرآن فهل يجوز أن يلبث في المسجد؟
ينبني على أيهما أعلى هل قراءة القرآن أعلى أم اللبث في المسجد؟
الجواب: قراءة القرآن.
فإذا تيمم لقراءة القرآن جاز له اللبث. وإذا تيمم للبث في المسجد فلا يفعل أي شيء من العبادات إلا اللبث في المسجد لأن اللبث أدنى مراتب النية.
ثم بدء المؤلف ’ بعد نهاية الفروض بالكلام عن مبطلات التيمم.
• فقال ’:
ويبطل التيمم: بخروج الوقت.
يبطل التيمم بخروج الوقت فإذا تيمم الإنسان لصلاة الظهر فبمجرد خروج وقت صلاة الظهر بطلت طهارة التيمم ووجب عليه أن يتيمم مرة أخرى لصلاة العصر.
دليل الحنابلة: قالوا: أن التيمم شرع ضرورة فتقيد بالوقت كالاستحاضة.
واستدلوا بدليل آخر قوي إن ثبت ذكروا آثارًا عن عدد من الصحابة أن الإنسان لا يصلي فرضين بتيمم واحد.
ولم يتسن لي النظر في أسانيد هذه الآثار. هل هي صحيحة أو ليست كذلك؟ إن صحت فهذا القول يكون متوجهًا جدًا لكثرة الآثار وإن لم تصح فإن هذا القول ليس بمتوجه.
والقول الثاني: أن خروج الوقت لا يبطل التيمم لأن مجرد خروج الوقت لا يعتبر من نواقض الطهارة ولأن طهارة التيمم طهارة كاملة إلى أن يوجد الماء.
وهذا القول هو القول الراجح. فإذا تيمم الإنسان فإنه يظل على طهارة إلى أن يوجد منه إحدى نواقض الوضوء.
• ثم قال ’:
وبمبطلات الوضوء.
مبطلات الوضوء بالإجماع تبطل التيمم لأنها إذا كانت تبطل الطهارة الأعلى وهي طهارة الماء فمن باب أولى أن تبطل طهارة التيمم.
وكذلك موجبات الغسل فإنها تبطل التيمم.
فإذا تيمم الجنب ليقرأ القرآن ثم أحدث حدثًا أصغر فهل يجب عليه أن يتيمم مرة أخرى ليقرأ القرآن؟
لا يلزمه إلا إذا أراد أن يمس المصحف. الآن هل يجوز للمحدث أن يقرأ القرآن؟
بالإجماع جائز - فنحن لا نتكلم عن مس المصحف - فهذا إنسان جنب والجنب هل يجوز له أن يقرأ القرآن؟
[ ١ / ١٦٢ ]
فيه خلاف ولكن المشهور عند الفقهاء أنه لا يجوز له وهذا الجنب تيمم فارتفع الحدث الأكبر ثم أحدث حدثًا أصغر فلا يلزمه أن يعيد التيمم لقراءة القرآن لأن الحدث الأكبر ارتفع ولا يشترط أن يرتفع الحدث الأصغر.
إذًا فيه فائدة من قول الفقهاء: نواقض الوضوء وموجبات الغسل فلكل منهما حكم.
• ثم قال ’:
وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدها.
وجود الماء مبطل من مبطلات التيمم بالإجماع للآية فلم تجدوا ماء فتيمموا ولحديث أبي ذر فليتق الله وليمسه بشرته فإذا وجد الماء بطل التيمم تلقائيًا. ووجب عليه أن: يتوضأ للحدث الأصغر. ويغتسل للحدث الأكبر.
وهذا بالإجماع.
قال: ولو في الصلاة: هذه المسألة محل إشكال. فإذا تيمم الإنسان ودخل في الصلاة ثم حضر الماء في أثناء الصلاة فعند الحنابلة تبطل صلاته ويجب أن ينصرف ويتوضأ ويعيد الصلاة:
الدليل: قالوا الدليل الأحاديث الكثيرة الدالة على أن وجود الماء من مبطلات التيمم وإذا كان مبطلًا للتيمم قبل الصلاة فهو مبطل للتيمم أثناء الصلاة.
وهذا القول استقر عليه رأي الإمام أحمد رحمه فقد كان يقول لا يلزمه ثم رجع إلى هذا القول.
القول الثاني: أنه إذا حضر الماء أثناء الصلاة بالنسبة لمن تيمم فإن صلات صحيحة ويستمر فيها ولا يلزمه أن يخرج منها ويتوضأ بالماء.
قالوا: لأنه تطهر طهارة شرعية مأذون فيها ودخل في الصلاة دخولًا صحيحًا فلا يجوز له بعد ذلك أن يقطع الصلاة لقوله تعالى: ولا تبطلوا أعمالكم.
ممن رجح القول الأول: وهو مذهب الحنابلة: ابن القيم ’.
وهو القول الصواب. أنه إذا حضر الماء أثناء الصلاة فإن الصلاة تبطل وينصرف ويتوضأ ويعيد الصلاة.
أما الجواب عن الآية ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فهو أن هذا المكلف لم يبطل عمله إنما بطل عمله شرعًا بوجود هذا الناقض من نواقض التيمم.
وبهذا تبين أن الإنسان إذا تيمم ودخل في الصلاة وشعر بحضور الماء أو سمعهم يتحدثون عن وجود الماء أو حضوره فإنه ينفتل عن صلاته ويعيد من جديد.
قال: لا بعدها: إذا تيمم الإنسان وصلى ثم بعد أن انتهى من الصلاة حضر الماء.
فهو على قسمين:
القسم الأول: أن يكون ذلك قبل خروج الوقت والقسم الثاني: أن يكون بعد خروج الوقت:
[ ١ / ١٦٣ ]
فإن كان بعد خروج الوقت فبإجماع العلماء لا يلزمه إعادة الصلاة.
وإذا حضر الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت ففيه خلاف والراجح أنه لا يلزمه أيضًا أن يعيد الصلاة لأن اثنين من الصحابة كما في حديث أبي سعيد الخدري تيمموا وصلوا ثم حضر الماء قبل خروج الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فقال النبي - ﷺ - لمن أعاد لك الأجر مرتين وقال لمن لم يعد أصبت السنة.
هذا الحديث الصواب أنه مرسل فهو من رواية التابعي ولا يصح ذكر أبي سعيد فيه. لكنه يصلح للإستدلال لأن قاعدة الإمام أحمد أن المراسيل خير من أقوال الرجال. فالأخذ بالمراسيل إذا لم تكن شديدة الضعف خير من الأخذ بأقوال وآراء الرجال.
فصارت النتيجة أنه إذا حضر الماء بعد الصلاة فلا يجب عليه أن يعيد على القول الراجح سواء كان قبل خروج الوقت أو بعده.
• ثم قال - ﵀ -:
والتيمم آخر الوقت لراجي الماء: أولى.
أي أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لمن كان يرجو وجود الماء أولى من الصلاة بالتيمم أول الوقت.
الدليل: أن الصلاة بالماء فرض والصلاة أول الوقت فضيلة والفرائض مقدمة على الفضائل وهذا القول اختاره شيخ الاسلام.
وإذا كان التأخير مندوبا ومستحبًا لمن كان يرجو فمن باب أولى أن يستحب لمن كان يعلم أنه سيجد الماء.
وفي الصورتين لايجب التأخير ويجوز له أن يصلي بالتيمم خلافًا لما يظنه بعض العوام أنه إذا كان سيجد الماء قطعًا بعد ساعة أنه يجب أن ينتظر فهذا ليس بصحيح بل يجوز له أن يتيمم وإن علم أنه سيجد الماء بعد وقت قصير أو طويل.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى الصفة فقال:
وصفته:
صفة الشيء كيفيته في كل العلوم.
• قال:
أن ينوي، ثم يسمي.
النية والتسمية تقدم الكلام عليهما وتقدم معنا أن النية بالذات بالنسبة للتيمم فيها تفصيل فيجب أن يراعى التفصيل الذي ذكره الحنابلة عند من يرجح مذهبهم.
وعلى القول الآخر النية في التيمم والغسل والوضوء واحدة ولا خلاف وهذا كما سبق هو الراجح.
• ثم قال - ﵀ -:
ويضرب التراب بيديه.
[ ١ / ١٦٤ ]
ظاهره أنه يضرب ضربه واحدة وهذا هومذهب الحنابلة بدليل مافي حديث عمار السابق أنه قال ثم ضرب الأرض بيده ضربة واحدة لكن كلمة واحدة هذه تفرد بها مسلم. وإلا الحديث المتفق عليه ليس فيه هذه الكلمة وإنما في مسلم فقط.
مع ذلك إذا كانت هذه اللفظة ثابتة في مسلم فهي صحيحة ويستدل بها.
ثم لو فرضنا أن لفظ الحديث ثم ضرب الأرض بيده ضربه بدون كلمة واحدة فيفهم منه أنها واحدة.
والقول الثاني: أنه يضرب ضربتين واحدة للوجه والأخرى لليدين. والراجح مذهب الجمهور.
والجواب على القول الثاني أن كل حديث فيه ضربتين كحديث جابر وحديث ابن عمر فهي أحاديث ضعيفة.
وإن كان القول بوجوب الضربتين نسب إلى الجمهور لكن في الحقيقة هو قول ضعيف والراجح بوضوح الذي يتوافق مع ظواهر النصوص من الكتاب ومن السنة أن الضربة تكون واحدة فقط للوجه واليدين.
• ثم قال ’:
مفرجتي الأصابع.
هذه كيفية الضربة وهي أن يقصد الإنسان إلى تفريج أصابعه قبل أن يضرب الضربة الأولى.
التعليل: ليصل التراب إلى ما بين أصابعه والصواب أن تفريج الأصابع لا يسن ولا يشرع لأنه لم يذكر في النصوص الصحيحة.
واعلم أنه لم يثبت في كيفية التيمم إلا حديثان حديث عمار السابق وحديث تيمم النبي ‘ لما أراد أن يرد السلام.
وفيه فضرب بيده ومسح وجهه ويديه.
قال ابن حجر ولا يصح في الباب أي في كيفية التيمم إلا هذان الحديثان.
• ثم قال ’
يمسح وجهه بباطنهما.
هذه صفة مسح الوجه بعد الضربة الأولى.
الحنابلة يرون أنه إذا ضرب الإنسان الأرض فإنه يمسح وجهه بباطن الأصابع فقط دون باطن راحة اليد.
لماذا؟ قالوا: لأنه لو مسح بجميع اليد على جميع الوجه صار التراب مستعملًا كله ومن شروط ما يتيمم به عند الحنابلة أن يكون طهورًا وإذا استعمل كله في الطهارة لم يبق طهورٌ يستعمل للكفين.
فهذا معنى عبارة المؤلف أنه يمسح بباطن الأصابع: لكي لا يصبح جميع التراب العالق باليد مستعملًا فلا يبقى شيء لليدين.
وتقدم معنا أن تقسيم التراب إلى طاهر وطهور ونجس مرجوح وأن الصواب أن التراب وإن استعمل في رفع حدث فإنه يبقى طهورًا.
• ثم قال ’ - تكملة لهذا المعنى:
وكفيه براحتيه.
[ ١ / ١٦٥ ]
يعني أنه إذا مسح الوجه بباطن الأصابع بقي باطن الكف لراحتيه فيمسح بهما اليدين.
وما قيل في مناقشة مسح الوجه بباطن الأصابع يقال في مسح اليدين بباطن الكف.
إذًا ما هي الصفة الصحيحة؟
الصفة الصحيحة: أن يضرب الإنسان بيديه الأرض ولا يقصد لا تفريج الأصابع ولا ضمها وإنما يتركهما كما هما ثم إذا ضرب مسح وجهه مسحًا عاديًا لا يراعي فيه أن يمسح بباطن الأصابع أو بباطن الكف ثم كما في حديث عمار يمسح الشمال باليمين ثم يمسح بباطنهما ظاهر كفيه فيكون المسح شمل الكفين باطنًا وظاهرًا والوجه بضربة واحدة.
وهذه هي الكيفية المسنونة للتيمم بكل بساطة.
وما ذكره الحنابلة من التفاصيل في كيفية مسح الوجه وكيفية تعني الأصابع وباطن راحة اليد فهو أمر مرجوح.
• ثم قال - ﵀ -:
ويخلل أصابعه.
يعني أنه يشرع عن الحنابلة إذا أراد الإنسان أن يتيمم ومسح وجهه وكفيه أن يخلل أصابعه والتعليل عندهم: ليصل التراب إلى ما بين الأصابع.
والقول الثاني أن تخليل الأصابع في التيمم لا يسن ولا يشرع. والتعليل: لعدم وروده في الأحاديث الصحيحة.
والراجح هو القول الثاني.
وبهذا نكون انتهينا من باب التيمم ووقفنا على باب إزالة النجاسة.
انتهى الدرس،،،
[ ١ / ١٦٦ ]