- قال - ﵀ -:
- باب الحجر.
الحجر في اللغة: المنع والتضييق.
وغالب استخدامات الحجر عند الفقهاء في الحجر الحسي كما سيأتينا وهو المنع من البيع والشراء.
والعوام اليوم يستخدمون الحجر في الحجر المعنوي. وفي الحقيقة لم يتبين لي هل لغة تستخدم في الحجر الحسي والمعنوي. يعني: في المنع سواء كان منعًا حسيًا أو معنويًا. أو لا تستخدم إلا في الحسي. لم يتبين لي من كتب اللغة ما يفيد هذا الأمر إنما العوام يستخدمونها اليوم.
فإذا حصل نقاش ومناظرة يستخدمون كلمة حجره. يعني: منعه وضيق عليه. فهي من جهة المعنى صحيحة لكن هل تستخدم أو لا.
وشرعًا: الحجر هو منع الإنسان من التصرف بماله.
وأصل المشروعية: قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء ..﴾ [النساء/٥].
وينقسم الحجر إلى قسمين:
- لحظ النفس. كالحجر على الصغير أو السفيه أو المجنون.
- والحجر لحظ الغير. كالحجر على المفلس أو على المريض إذا تبرع بأكثر من الثلث وهو لحظ الورثة.
نكتفي بهذا .. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
[ ٤ / ١٦٧ ]
الدرس: (٢٨) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا أن الحجر له قسمان:
- محجور لحظ نفسه.
- ومحجور لحظ غيره.
فالمؤلف - ﵀ - بدأ بالكلام عن المحجور لحظ غيره: لأنه الأكثر وقوعًا والحاجة إليه أكثر. كما أن ضياع الأموال بالنسبة للمحجور عليه لحظ غيره أكثر منها بالنسبة للمحجور عليه لحظ نفسه.
وسيبين المؤلف - ﵀ - أنواع المدين المحجور عليه لحظ نفسه.
وسيأتينا اقتصارًا حتى تتصور المسأة أنها ثلاثة أقسام. وأن الذي يحجر عليه منها قسم واحد - سيأتينا:
- فالقسم الأول: - إجمالًا -: هو الذي لا يستطيع أن يوفي الدين.
- القسم الثاني: هو الذي يستطيع أن يوفي الدين.
- القسم الثالث: هو الذي يستطيع أن يوفي بعض الدين.
فقسمة المدين هنا ثلاثية. وسيأتينا الآن حكم كل واحد من هؤلاء الأقسام.
فالقسم الأول:
- يقول المؤلف - ﵀ -:
- ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه: لم يطالب به.
هذا هو القسم الأول: الذي لا يقدر على وفاء شيء من دينه وهو المسمى عند الفقهاء بالمعسر.
فهذا لا يملك ما يؤدي به أي شيء من الدين.
ولاحظ عبارة المؤلف - ﵀ -: (على وفاء شيء من دينه) يعني: لا يستطيع أن يوفي أي شيء من دينه فهو معسر وحكمه في الشرع: أنه لا يطالب.
ولهذا قال المؤلف - ﵀ -: (لم يطالب به). إذًا المعسر لا يجوز أن نطالبه.
- لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة/٢٨٠] فأمر الله بإنظاره إلى أنى يتيسر له ما يسد به الدين.
وحكم مطالبته وهو معسر: محرم. والطالب: آثم. لأمرين:
- أولًا: لأنه خالف الآية.
- وثانيًا: لأنه آذى أخاه المسلم فإن هذا الشخص لا يستطيع أن يسدد فلا تزيده المطالبة إلا إحراجًا ومضرة.
ولا يجوز أن يحجر عليه: وهذا الذي يهمنا - ولهذا:
- يقول المؤلف - ﵀ -:
- وحرم حبسه.
فلا يطالب ولا يحبس ولا يحجر عليه.
وكل هذه المسائل مبنية على المسألة الأولى وهي: أنه لا يجوز أن يطالب. فمن لا يجوز أن يطالب لا يجوز أن يحبس ولا يجوز تبعًا لهذا أن يحجر عليه.
لأن أول مراحل المعاملة مع المدين: الطلب.
فإذا لم يجز أن نطلب: سقط كل ما بعد الطلب من الحبس والحجر.
إذًا: المعسر لا يطالب ولا يحجر عليه ولا يحبس.
[ ٤ / ١٦٨ ]
ومن وجهة نظري لو أن المؤلف - ﵀ - صرح أنه لا يحجر عليه وإن كان مفهومًا من كلامه لكن لما كان الباب مخصص للحجر وهو لبيان حكم الحجر بالذات كان من امناسب أن يقول ولا يحجر عليه. وهو أهم من الحبس في مثل هذا السياق لأنه إذا لم يحجر عليه فمن باب أولى: لم يحبس.
ثم انتقل إلى القسم الثاني:
- فقال - ﵀ -:
- ومن ماله قدر دينه ..
إذا كان عنده من المال ما يفي بالدين أو عنده ما يزيد عن الدين فهذا هو القسم الثاني وسيبين المؤلف - ﵀ - الأحكام التي تترتب على مقدرة الإنسان على وفاء الدين.
- فيقول - ﵀ -:
- لم يحجر عليه.
هنا صرح بالحكم: فقال: (لم يحجر عليه).
والدليل أنه لا يحجر عليه:
- أنه لا حاجة للحجر لأنه يستطيع وفاء الدين بما عنده من مال. - (أنه لا حاجة للحجر في مثل صورة هذا المدين لأنه يستطيع أن يوفي بما عنده من مال.
فلا يجوز أن نحجر عليه ولو بطلب الغرماء.
لكن سيبين المؤلف - ﵀ - الأحكام التي تترتب على القدرة:
- فيقول - ﵀ -:
- وأمر بوفائه.
- المرحلة الأولى للمدين القادر على الإيفاء: ليس أن يؤمر بوفائه: المرحلة الأولى: أن يوفي هو وجوبًا. فإن لم يفعل فإنه آثم.
- المرحلة الثانية: أن يأمره الحاكم بوفاء الدين. فحينئذ يجب عليه هو أن يمتثل ويجب على الحاكم أن يأمره بالوفاء.
ودليل هذين الحكمين: يعني: أنه يجب أن يبادر بالوفاء وأنه يجب أن يأمره الحاكم إذا لم يفي:
- قوله - ﷺ -: (مطل الغني ظلم). والظلم محرم في جميع الشرائع السماوية وبالأخص في شريعتنا فهو من الأخلاق المحرمة بالإجماع.
المهم هذا هو الدليل على أنه يجب أن يفي ثم إذا لم يفعل فيجب على الحاكم أن يطلبه. وأفاد الحديث أن مطل الغني محرم: لأنه ظلم.
بقينا في:
* * مسألة/ وهي مهمة: متى يعتبر من يستطيع أداء الدين مماطل:
= عند الحنابلة: يعتبر مماطلًاَ إذا طولب بالدين ولم يسدد فحينئذ نعتبره مماطلًا. فبمجرد ما يمتنع عن سداد الدين فنقول: أنت مماطل. لأنك تستطيع ولم تفعل وهذا حقيقة المماطلة.
[ ٤ / ١٦٩ ]
ويحتمل أن نقول: أن المماطلة يرجع فيها إلى العرف: فالانتظار يوم أو يومين أو الانتظار إلى مجيء مبلغ مالي للمدين معين سياتي بعد فترة لا يعتبر من المماطلة.
لكن إذا طالت القضية وأعطى موعدًا أكثر من مرة فمع أنه يستطيع أن يوفي في المرة الأولى فحينئذ نعتبره مماطل.
الذي يريد أن أقوله: أنه لا نعتبره مماطل من أول مرة كما هو رأي الحنابلة: أنه إذا طولب ولم يسدد فهو مماطل. أقول أنه لو رجع في تحديد المماطل إلى العرف لكان أولى فإن الناس لا يعتبرون الإنسان مماطلًا بالرفض من أول مرة لا سيما إذا كان عنده سبب وجيه. ثم انتقل إلى المرحلة الأخرى: إذا لم يفي.
- فقال - ﵀ -:
- فإن أبى: حبس بطلب ربه.
إن أبى هذا المستطيع وفاء الدين فإنه يحبس. لكنه لا يحبس إلا بطلب صاحب الدين لأنه من حقوق صاحب الدين وليس من الولايات العامة التي يفعلها الحاكم بلا طلب من صاحب الحق بل هو حق خاص إنما يحبس إذا طلب.
وحبس المدين إذا لم يوف ما عليه: مذهب الجماهير من السلف والخلف.
وأول من حبس على الدين شريح - ﵀ - ولم يكن النبي - ﷺ - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي يحبسون وإنما كانت الطريقة في العهد النبوي والقرون المفضلة أن يلازم الدائن المدين إلى أن يفي بما عليه ولم يكونوا يحبسون.
لكن من المعلوم أنه بعدما كثرت أقضية الناس وخف دينهم في وقت شريح وهو في وقت مبكر احتاج الحاكم أن يحبس وأصبح أداء الحقوق يكاد يتعذر عند المماطلين بدون الحبس. فالحبس مشروع.
والدليل على مشروعيته مع عمل السلف الصالح به:
- قوله - ﷺ -: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته).
فالعقوبة هي الحبس ونحوه.
وأما العرض: فهو أنه يجوز للدائن إذا ماطله المدين - يجوز له ولا حرج عليه أن يقول للمدين الواجد: يا ظالم يا باغي يا معتدي ولا حرج عليه. لأن هذا الذي امتنع من أداء الدين أحل عرضه الدائن بمقتضى الشرع.
- ثم قال - ﵀ -:
- فإن أصر.
أي فغن أصر بعد الحبس فإنه يعزر إما بالضرب أو بالتشهير أو بما يراه الحاكم مناسبًا لحال هذا المعتدي.
[ ٤ / ١٧٠ ]
وظاهر ترتيب المؤلف - ﵀ - أن الحاكم ينبغي أن يبدأ أول ما يبدأ بالحبس ثم بعد ذلك تتدرج العقوبات.
والصحيح أن للحاكم أن يبدأ بغير عقوبة الحبس: إذا رأى أن غير عقوبة الحبس كالتشهير أبلغ وأزجر لهذا المدين المماطل فيبدأ مباشرة بالتشهير.
وإن رأى أن الضرب أبلغ في حقه ضربه ولم يحبسه.
وإن رأى أن الحبس هو المفيد في مثل حاله.
وإن رأى أن يجمع عليه بين الحبس والضرب والتشهير وغيرها من العقوبات التعزيرية فله ذلك.
إذًا: ما هي القاعدة؟ القاعدة: «أن يعزره بما يجعل هذا المدين يسدد ما عليه» حسب ما يرى من مصلحة.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولم يبع ماله: باعه الحاكم وقضاه.
فإن لم تنفع تلك العقوبات فإنه يقوم الحاكم ببيع مال المدين وإيفاء الدائن حقه.
وتولي الحاكم بيع ما للمدين الغني: مذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا بعدة أدلة:
- الدليل الأول: أن النبي - ﷺ - لما كثر الدين على معاذ حجر عليه وباع ماله.
- والدليل الثاني: أن عمر بن الخطاب لما كثرت الدون على أحد الحجاج من الصحابة خطب في الناس وقال من كان له دين على فلان فليبكر غدًا فإنا بائعوا متاعه.
وهذان الأثران المرفوع والموقوف ضعيفان لا يصح عن النبي - ﷺ - ولا عن عمر - ﵁ -.
- الدليل الثالث: أن بيع المدين ماله ليوفي الدائن واجب عليه. وتقدمت معنا قاعدة: (أنه إذا وجب على الإنسان واجب ولم يقم به قام به الحاكم» تقدمتن معنا مرارًا فهنا كذلك نقول: هذا واجب على المدين لم يقم به قام به الحاكم مكانه.
- والدليل الرابع: لأن لا تضيع أموال الناس.
فإذًا إذا لم يمتثل المدين بعد هذه العقوبات التعزيرية قام الحاكم ببيع المال ووفاء الدين.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز للحاكم أن يبيع المال بل يجبر مالك السلعة على أن يبيعها هو ويسدد الدائن.
- لأنه ليس للحاكم أن يتصرف في ملك غيره بغير إذنه.
[ ٤ / ١٧١ ]
وهذا القول غاية في الضعف من وجهة نظري أنه يؤدي إلى ضياع حقوق الناس ثم إن هذه القاعدة العامة لا يصلح الاستدلال بها على مسألة خاصة وهي في المماطل لأن المماطل حكم النبي - ﷺ - عليه أنه ظالم فلا يمكن ان ننزل عليه قاعدة حفظ المال الخاص للمسلم.
فالراجح وهو مذهب عامة الأمة أن الحاكم يتولى البيع إذا لم يوف المدين الغني.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يطالب بمؤجل.
يعني: ولا يطالب المدين بدين مؤجل. وعلة ذلك:
- أن الدين المؤجل لا يلزمه أدائه فكيف نطالبه بما لا يلزمه أدائه. فالإنسان لا يطالب بما لم يلزمه إنما يطالب بما لزمه. وهذا لا إشكال فيه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن ماله لا يفي بما عليه حالًا: وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم.
بدأ المؤلف - ﵀ - بالقسم الثالث وهو كما قلت: من ماله يفي ببعض دينه.
وهذا القسم في الحقيقة هو المقصود بالباب. وإنما ذكر المؤلف - ﵀ - القسم الأول والثاني لكتمل صور الأحكام.
فمن لا يفي ماله بكل دينه وجب على الحاكم أن يحجر عليه لكن لا يجوز أن يحجر عليه إلا بطلب الغرماء أو بطلب بعضهم.
فإن لم يطلب أحد من الغرماء حرم على الحاكم أن يحجر عليه لأن هذا الحجر لحق خاص وليس لسلطة عامة فيتوقف على مطالبة صاحب الحق الخاص. فإن لم يطالبوا فإنه لا يجوز أن يحجر عليه.
والقول بوجوب الحجر على المدبن الذي يفي ماله ببعض الدين أيضًا مذهب الجماهير.
واستدلوا على هذا بثلاثة أمور:
- الأمر الأول: حديث معاذ السابق.
- والأمر الثاني: حديث عمر السابق.
- والأمر الثالث: أن ترك الحجر عليه يؤدي إلى ضياع أموال الناس إذ قد يتصرف فيها بما يفوت الحظ على الدائنين.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن يحجر عليه.
- لأنه رجل بالغ مكلف جائز التصرف فلا يجوز أن يحجر عليه وإنما يطالب بالسداد كما يطالب من ماله يفي بالدين كالقسم الثاني.
= والقول الثالث: أن من كان ماله ينقص عن الدين فإنه يعتبر في حكم المحجور عليع من حين ينقص المال ولو بلا حكم حاكم.
بناء عليه: لا تنفذ تصرفاته كما سياتينا.
[ ٤ / ١٧٢ ]
إذًا: القول الثالث: أن من نقص ماله عن دينه أصبح في حكم المحجور عليه ولو بلا حكم حاكم مباشرة من حين ينقص لا تنظر تصرفاته. وهذا رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام بن تيمية.
واستدل على هذا:
- بأن تمكينه في مثل هذه الحالة من التصرف يؤدي إلى الإضرار بالمدين. والشرع جاء بقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار).
أما العمل فهو على المذهب الأول ولا أحد يبطل تصرفات الناس بدون حكم الحاكم.
وأما من حيث النظر والتأمل ففي الحقيقة القول الثالث هو الصحيح.
وسبب الترجيح: أن هذا القول يتوافق مع مقصود الشارع من الحجر. لأن مقصود الشارع من الحجر تمكين المدين من أداء الديون لأصحابها بلا تفريط ولا إضاعه وهذا يتحقق أكثر مع القول الثالث.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويستحب إظهاره.
يعني: ويستحب إظهار وإشهار أن هذا المدين محجور عليه.
- ليمتنع الناس من معاملته. لئلا تؤدي المعاملة إلى ضياع أموالهم.
ويستحب أيضًا: الإشهاد. فيشهد عليه أنه محجور عليه.
والحكمة في ذلك: أنه لو تغير القاضي فإن القاضي الآخر لا يحتاج إلى حكم جديد وليعرف الدائن القاضي الجديد بالشهود أن هذا المدين محجور عليه.
وهذا كله لا نحتاج إليه في وقتنا لأن الحجر على الإنسان يثبت الآن بالأوراق. لكن الإشهار مهم وضروري حتى لو كان عن طريق إشهاره في وسائل الإعلام العامة كالجرائد إلا أنه ينبغي للقاضي أن يعتبر حال المدين.
فإن ظن أنه مماطل ومسرف ولا يحسن التصرف وربما دخل في معاملات جديدة بادر في الإشهار.
وإن علم أنه رجل أمين لكن ظروف التجارة هي التي أدت به إلى الإفلاس فإنه ينبغي أن يرفق به إلى ان يتمكن من سداد الدين.
فالقاضي في الحقيقة له مجال واسع في النظر واعتبار حال المدين.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا ينفذ تصرفه في ماله: بعد الحجر ولا إقراره عليه.
هذه الأحكام هي في الحقيقة ثمرة للحجر.
فمن أعظم ثمرات الحجر بل هي المقصودة منه: أن لا ينفذ تصرفه في ماله. فلا يبيع ولا يشتري ولا يرهن ولا يتصرف أي تصرف في ماله.
واستدل الحنابلة على منعه من تصرفه بدليلين:
[ ٤ / ١٧٣ ]
- الدليل الأول: القياس على الرهن. لأنه في الرهن يمنه الراهن من التصرف بالرهن ليضمن الدائن حقه من الرهن فنقيس عليه أموال المحجور عليه وهو قياس صحيح ووجيه.
- الدليل الثاني: أنه بالحجر على أموال المدين تعلق حق الغرماء بها - يعني: بأعيانها. وإذا تعلق حق الغرماء بها لم يجز التصرف بها.
وهذا صحيح بل هو ثمرة الحجر - فثمرة احجر أن لا يتصرف في ماله.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا إقراره عليه.
يعني: ولا يقبل إقراره على ماله الحاضر المشاهد.
فلو أقر أنه وهب هذه السيارة لزيد لم يقبل.
ولو أقر أنه أعطى ثمرة هذا العام لعمرو لم يقبل.
ويصبح إقراره ملغيًا.
* * مسألة/ ظاهركلام المؤلف - ﵀ - أنه لا يقبل إقراره حتى لو أقر بالدين.
يعني: حتى لو أقرل بدين لشخص آخر.
= وهذا هو المذهب: أنه إذا أقر بدين لشخص آخر فإنه لا يقبل.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
- بالأدلة السابقة.
= والقول الثاني: أنه إذا أقر بدين فإنه يقبل ويشارك المقر له الغرماء بمال المدين.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأن هذا الدين دين ثبت بإقرار فيقاس على ما لو ثبت ببينه. والدين إذا ثبت ببينة دخل في مال المدين وشارك الغرماء بلا إشكال.
إذًا: نقيس الدين الذي ثبت بالإقرار على الدين الذي ثبت ببينة.
ورجح هذا القول: ابن المنذر. وانتصر له.
والراجح والله أعلم: أنه يقبل إقراره ويدخل المقر له مع الغرماء بشرط: أن لا تدل القرائن والأحوال على أنه أرد الإضرار بالغرماء والهروب من سداد الدين. وبهذا نجمع بين القول الثاني والقول الأول.
* * / فإذا قال المدين أن هذه الآصع الموجودة في مخزني دين سلم لزيد.
= فعند الحنابلة: الحكم أن زيد لا يدخل مع الغرماء أصلًا وإنما يقتسم الغرماء جميع المال.
= وعند ابن المنذر: يدخل معهم ولا يأخذ هذا المال لكن يكون أسوة الغرماء.
= وعلى القول الثالث: كذلك كما قال ابن المنذر إلا إذا تبين أنه أراد الهروب من سداد الدين كاملًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن باعه أو أقرضه شيئًا بعده: رجع فيه إن جهل حجره وإلاّ فلا.
يقول: (ومن باعه أو أقرضه شيئًا بعده: رجع فيه)
[ ٤ / ١٧٤ ]
إذا باعه أو أقرضه شيئًا بعد الحجر رجع فيه. يعني: رجع بعين ماله. ولا يكون أسوة الغرماء بل يرجع بعين ماله يأخذه.
واستدل الحنابلة على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: قوله - ﷺ -: (من وجد عين ماله فهو أحق به).
- والدليل الثاني: أن هذه المعاملة لا تصح أنا نقول: أن المجور عليه بعد الحجر لا تنفذ تصرفاته فهذه السلعة في الحقيقة لا زالت ملكًا للبائع. إذًا لا إشكال.
مفهوم قول المؤلف - ﵀ -: (بعده) أنه إذا كان قبله فإنه لا يرجع.
وهذا المفهوم غير مراد بل إذا كان قبله أو بعده فإنه يرجع.
فإذا باع زيد على عمرو سيارة قبل الحجر ثم بعد مضي خمسة أيام من البيع حجر عليه فإن صاحب السيارة يعني: البائع له أن يأخذ هذه السيارة بذاتها.
الدليل: (من وجد عين ماله فهو أحق به).والحديث عام. سواء كان العقد تم قبل الحجر أو بعد الحجر.
إذًا لماذا نص المؤلف - ﵀ - على قوله: (بعده). الجواب: ليبين فقط أن العقد إذا تم بعد الحجر فإنه لا يرجع إلا إذا كان جاهل لأن هذا الشرط يختص بما إذا كان بعد العقد أما قبل العقد فلا يتصور أن نقول هل هو جاهل بكونه محجورًا عليه أو عالم بكونه محجور عليه.
إذًا: الخلاصة: أن وجد عين متاعه الذي باعه قبل الحجر رجع مطلقًا.
والذي وجد عين متاعه الذي باعه بعد الحجر رجع بشرط أن يجهل أن هذا الرجل محجور عليه. فإن كان يعلم أنه محجور عليه فإنه لا يرجع.
والتعليل: أنه دخل على بصيرة وبينه وعلم بحال هذا المحجور عليه.
لهذا نص المؤلف - ﵀ - على قوله: (بعده).
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن تصرف في ذمته .. صح.
يعني: إذا تصرف هذا المحجور عليه في ذمته لا بعين ماله: صح.
تصرفه في ذمته: كأن يشتري بثمن مؤجل. فالثمن المؤجل ثابت في ذمته.
المثال الثاني: أن يضمن دينًا لشخص آخر فهذا الضمان في ذمته.
فتصرف المحجور عليه لحق غيره في ذمته: صحيح.
وعرفنا الآن ما معنى في ذمته؟ وما صورة في ذمته؟
التعليل: - عللوا ذلك: بأن الحجر يتعلق بماله لا بذمته.
- ولأنه رجل رشيد جائز التصرف فجاز له أن يتصرف في ذمته.
وهذا صحيح: أن له أن يتصرف في ذمته كيف شاء.
[ ٤ / ١٧٥ ]
بناء على هذا: إذا تصرف المدين في ذمته فإن الشخص الدائن الجديد لا يدخل مع الغرماء سواء كان يعلم أن هذا الرجل محجور عليه أو لا يعلم أنه محجور عليه. - علم أو لم يعلم.
لأنه إن علم فقد فرط وإن لم يعلم فقد جهل شيئًا مشهورًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو أقر بدين.
يعني: أنه إذا أقر بدين في ذمته فإنه يصح.
إذًا ما الفرق بين إذا أقر بدين هنا وإذا أقر في المسألة السابقة؟
هذا الذي صححوه في ذمته. والذي منعوه في عينه المشاهد المعلوم الموجود.
إذًا إذا أقر بدين صحوأصبحت ذمته مشغولة بهذا الدين. وإقراره صحيح. وسيأتينا ماذا يصنع بعد ذلك.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو جناية توجب قودًا أو مالًا: صح.
الجناية: إما أن توجب قودًا أو توجب مالًا.
فهي توجب القود: إذا أمكن الاقتصاص. - إذا أمكن أن يقتص منه بلا زيادة: صار المصير إلى الجناية.
وإذا لم يمكن أن يقتص منه إلا مع حيف وزيادة فإنه ينتقل إلى المال.
وينتقل إلى المال في صورة ثالثة وهي/ إذا وجبت عليه الجناية لكن اختار المجني عليه الدية - دية العضو فحينئذ يصبح انتقلت المسألة من القصاص إلى الدية يعني: إلى مال.
إذًا: المؤلف - ﵀ - يقول: (إذا أقر بجناية توجب القود أو توجب المال) صح اعترافه وأخذ بهذا الإقرار.
لكن عند الحنابلة إذا أقر لا يكون أسوة الغرماء.
= والقول الثاني: أن المدين المحجور عليه إذا جنى جناية توجب دية فإن المجني عليه يدخل مع الغرماء.
- لأنه لا تهمة في مثل هذه الصورة إذ ليس من المعقول أن يذهب ويقطع يد رجل آخر ليقر بأنه جنى عليه لينقص الغرماء فهذا غير معقول.
فإذًا يدخل المجني عليه مع الغرماء ولو كانت الجناية بعد الحجر.
وعلل أصحاب هذا القل قولهم:
- بأن هذا حق ثابت لا تهمة فيه ولم يؤخره مستحقه.
وهذا صحيح والكلام سليم جدًا.
فإذًا لا نؤخر المجني عليه ونقول أنت لا تدخل مع الغرماء بل يدخل معهم ويكون أسوة الغرماء.
- يقول - ﵀ -:
- ويطالب به بعد فك الحجر عنه.
يطالب بما التزمه في ذمته بعد فك الحجر عنه.
تعليل هذا: - أنه حق ثابت. وإنما أخر للحجر. فإذا زال الحجر طولب بهذا الدين.
وهذا صحيح بلا إشكال.
- ثم قال - ﵀ -:
[ ٤ / ١٧٦ ]
- ويبيع الحاكم ماله. ويقسم ثمنه.
وهذا = مذهب الحنابلة: أن المحجور عليه يقوم الحاكم ببيع ماله وتقسيمه على الغرماء ستأتينا كيفية التقسيم.
استدل الجمهور على هذا الحكم:
- أنه يباع ويقسم بالأدلة السابقة.: أولًا: حديث معاذ. وثانيًا: أثر عمر - ﵁ -.
- وثالثًا: وهو المهم: أن هذا هو الغرض وهو المقصود من الحجر. إذ لم يحجر عليه إلا ليباع ويوفى الدائنون حقهم.
إذًا استدلوا يثلاثة أشياء: الأثرين والمعنى: وهو: أنه إنما يقصد ويراد الحجر هذا الأمر.
فيقوم الحاكم ببيع ماله.
* * مسألة/ قال شيخ الإسلام: ولا يجوز أن يبيع الحاكم متاع المدين إلا بثمن المثل أو أكثر وإلا فإنه لا يباع.
بناء عليه: لا يجوز أن يستعجل وأن يجلب السلعة في أي سوق مهما كانت جودة السوق ويبيع بثمن أقل من المثل. فحينئذ يكون التصرف غير صحيح.
وما ذكره شيخ الإسلام وغيره من الحنابلة صحيح وفيه من العدل ما لا يخفى.
فنقول: يجب أن يجتهد في بيعه بثمن المثل.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه.
إذا باع وحصل المال فإنه يجب أن يقسم بقدر الديون.
لكن يجل قبل ذلك: قبل أن يقسم المال: يجب أن يعطي صاحب الرهن قيمة الرهن إذا كانت أقل من الدين أو قيمة الدين.
فصاحب الرهن يقدم على باقي الغرماء.
مثال ذلك/ إذا كان المدين عنده سيارة وبيت ومزرعة وأرض هذه أربعة أشياء .. «الأذان» ..
إذا كان عنده - كما قلت - سيارة ومزرعة وأرض مثلًا وأحد الدائنين رهن السيارة. فباع القاضي جميع الأملاك وقيمة السيارة مائة ألف. ودين هذا الرجل الذي هو المرتهن مائة ألف: وقيمة جميع السلع مجتمعة خمسمائة ألف فأول ما نبدأ: نعطي هذا المرتهن كم؟ «مائة ألف» ولايشترك مع باقي الغرماء.
فإن كانت قيمة السيارة في هذا المثال تسعين ألف فماذا نصنع؟ نعطية التسعين ألفًا ويدخل بالعشرة أسوة الغرماء.
فإن كانت قيمة السيارة مائة وعشرة: يأخذ المائة والعشرة ترجع إلى الغرماء.
إذًا: يقدم صاحب الرهن.
ثم بعد ذلك نقسم المال على باقي الغرماء.
وطريقة القسم:
أن ننسب قيمة المال المباع إلى الدين. وهل سيكون الدين أكثر أو المال المباع؟
[ ٤ / ١٧٧ ]
دائمًا الدين أكثر لأنا نحن نتكلم عن القسم الثالث.
ننسبها فنعطي كل واحد بقدر نسبته - فنعطي كل واحد بقدر هذه النسبة.
مثال ذلك: رجل بيع متاعه كله فصار المتاع بعشرة آلاف ريال. ويطلب هذا الرجل اثنان واحد منهما يطلبه ستة عشر ألف ريال. وواحد يطلبه أربعة آلاف ريال. كم الدين؟ عشرين. ننسب المال إلى الدين: عشرة إلى عشرين: النصف. فكم نعطي صاحب الستة عشر ألف؟ «ثمانية» والأربعة: «ألفين».
إذًا كل واحد يدخل عليه النقص بمقدار دينه. وفي هذا عدل عظيم.
إذًا هكذا طريق قسمة التركة.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يحل مؤجل بفلس.
يعني إذا كان على هذا المفلس دين مؤجل فإنه إذا حكم بإفلاسه لا يحل الدين.
لماذا؟ لأن التأجيل حق من حقوقه لا يسقط بفلس إذ الفلس ليس من مسقطات الأجل فيبقى المؤجل مؤجلًا. وليس للدائن صاحب الدين المؤجل إذا رأى أنه أفلس أن يأتي ويطالب بتعجيل دفع الدين له خشية أن تنتهي أموال هذا المدين. وهذا واضح لا إشكال فيه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا بموت: إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء.
يعني: ولا يحل الدين إذا مات المدين.
فإذا مات المدين فإن الدين يبقى مؤجلًا.
وعلة ذلك:
- أن الدين من جملة الحقوق التي تورث فالورثة ورثوا عن واىلدهم المدين المتوفى حق التأجيل.
= والقول الثاني: أنه يحل الأجل بمجرد الموت.
والقول بعدم حلوله - الأول الذي هو المذهب - من المفردات.
وهذا القول الثاني: هو قول الجمهور أنه بمجرد الموت يحل الأجل.
استدلوا على هذا:
- بأنه في العادة الغالبة إذا مات المدين اقتسم الورثة الدين وبقي الدائن بلا مال.
يقول المؤلف - ﵀ -:
إن وثق ورثته برهن أو كفيل مليء.
يشرط لعدم تعجيل الدين أن يوثق الرهن فيقوم الورثة بتوثيق الدين برهن أوكفيل.
فإن لم يوثقوه تعجل الدين.
نكتفي بهذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٤ / ١٧٨ ]
الدرس: (٢٩) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس أن المفلس الذي عليه دين مؤجل لا يسقط الأجل بالفلس ومعنى هذا أن حقه بالتأجيل يبقى.
وعللنا ذلك: - بأن الفلس ليس من مسقطات الأجل.
- الصورة الثانية/ موت المدين. فإذا مات المدين الذي دينه مؤجل فإنه لا يسقط الأجل بموته عند الحنابلة.
وذكرنا القول الثاني: وهو أنه يسقط بموته.
وعلل الذين أسقطوه إسقاطه: - بخشية ضياع حقوقه بسبب توزيع التركة.
إلى هنا توقفنا بالأمس.
وبهذا عرفنا أن مذهب الحنابلة أنه لا يسقط إلا أنهم اشترطوا لهذا شرطًا فقالوا: إن وثق ورثته برهن أو كفيل ملئ.
يعني: إن وثق الورثة الدين برهن أو كفيل مليء لم يسقط الأجل وإلا فإنه يسقط.
ويشترط في الرهن - في هذا الرهن الذي يوثقون به الدين -: أن يكون بقدر أقل من الدين أو التركة.
فإذا افترضنا أن التركة كلها: خمسين ألف ريال وأبوهم مدين بمائة ألف ريال. كم يجب أن يكون قيمة الرهن؟ خمسين. لأنا نحن نقول بالأقل من قيمة الدين أو التركة.
بمعنى: أنه لا يجب على الورثة أن يقيموا رهنًا بجميع الدين إذا كان الدين أكثر من التركة. فإن كان الدين أقل من التركة فيلزمهم أن يقيموا رهنًا بجميع الدين. فإذا حققوا هذا الشرط فإن الأجل لا يسقط. وإن فات الشرط سقط وحل الأجل.
فإذا رفض الورثة إقامة الرهن أو الكفيل المليء حل الأجل ووجب عليهم دفع الدين مباشرة.
وفي هذه الحالة تأتينا مسألة وهي: إذا افترضنا أنهم لم يوفوا بالشرط - أو لم يقوموا بالشرط - وحل الأجل فهل يأخذ الدائن كامل المبلغ ولو كان فيه زيادة بسبب التأجيل؟ أو نخصم منخ بقدر التأجيل الذي سقط؟
صورة المسألة/ إذا كان المورث اشترى سيارة قيمتها حالة بمائة: اشتراها بمائة وخمسين بسبب التأجيل ثم مات. ولم يأت الورثة برهن ولا بكفيل مليء قلنا أنه يحل الدين. فهل على الورثة أن يعطوه كامل المبلغ: مائة وخمسين أو يعطوه قيمة السيارة بثمنها الحال لأن الأجل سقط؟
= عند الحنابلة: يعطونه كامل المبلغ ولا يسقطون من قيمة الثمن ما يقابل الأجل.
= والقول الثاني: أنه يسقط بقدر الأجل. وإلى هذا ذهب عدد من محققي الحنابلة المتقدمين وهو مقتضى العدل.
- لأنه لما سقط الأجل يقتضي أن يخصم من الثمن ما يقابل هذا الأجل.
[ ٤ / ١٧٩ ]
هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى سبقت معنا: وهي: ضع وتعجل.
فمن يرجح في مسألة ضع وتعجل أنها تصح ينبغي هنا أن يضع من الدين ما يقابل التعجيل.
وإذا كانت مبنية على هذه المسألة فتقدم معنا أن الراجح إن شاء الله أن ضع وتعجل: صحيح ومشروع وليس في ربا.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن ظهر غريم بعد القسمة: رجع على الغرماء بقسطه.
إذا ظهر غريم لم يكن موجودًا أثناء القسمة فإنه يرجع على الغرماء بقسمه كأنه موجود حال القسمة.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأنه لو وجد حال القسم لأخذ معهم فكذلك إذا جاء بعد القسم. لأن حقه لا يسقط بتغيبه.
= والقول الثاني: أنه يسقط وينتظر أن يوفيه الورثة ولا يدخل مع الغرماء فيما اقتسموه.
- لأنه لم يحضر.
والصواب القول الأول وهو المذهب. لأن تعغيب الرجل لا يعني سقوط حقه. سواء تغيب بعذر أو بغير عذر.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يفك حجره إلاّ حاكم.
معنى هذه العبارة: أن المحجور عليه لا فيك حجره بمجرد قسمة المال. وإنما لابد من أن يفك الحجر الحاكم.
وعلل الحنابلة هذا: - بأنه حجر تم بأمر الحاكم فلا يفك إلا بأمره.
= والقول الثاني: أنه بمجرد قسمة المال يفك الحجر.
وعللوا هذا:
- بأن الحجر إنما وقع لغرض قسمة ماله بين الغرماء. فإذا قسم زال سبب الحجر فزال معه الحجر. لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
والراجح هو القول الأول وهو المذهب وممن رجحه من المحققين الشيخ الفقيه ابن قدامة.
وسبب الترجيح: أن فك الحجر عن المفلس يحتاج إلى نظر وتأمل من الحاكم ليتأكد من أن ماله فرغ ولم يبق من ماله ما يمكن أن يباع.
وهذه القضية تحتاج إلى نظر واجتهاد والحاكم هو أهل هذا النظر والاجتهاد.
فالصواب أنه لا يفك بمجرد بيع المال وإنما ينتظر إلى أن يصدر الحاكم أمرًا بفك الحجر عنه بعد أن يتأكد من أنه لا مال زائد عنده.
فصل
[في المحجور عليه لحَظِّه]
- ثم قال - ﵀ -:
- فصل.
هذا الفصل خصصه المؤلف - ﵀ - للكلام عن المحجور عليه لحظ نفسه.
وكما تقدم أخره لأن المحجور عليه لحق غيره أكثر الأحكام تتعلق به وهو الأهم.
والمحجور عليه لحظ نفسه ثلاثة:
- الصغير.
- والمجنون.
- والسفيه.
[ ٤ / ١٨٠ ]
هؤلاء هم من يحجر عليهم لحق أنفسهم.
- قال - ﵀ -:
- ويحجر على السفيه.
فالسفيه هو: من يسيء تدبير المال.
وسيأتينا بالتفصيل في كلام المؤلف - ﵀ - كتى يرتفع وصف السفه عن من لا يجيد تصريف المال لكن هذا هو تعريفه العام. كل شخص لا يحسن تصريف ماله فهو سفيه.
* * مسألة/ وذهب الأئمة الأربعة كلهم إلى من ينفق ماله في المعاصي والمحرمات فهو سفيه يحجر عليه.
وذهب الأئمة الثلاثة: مالك وأحمد والشافعي إلا أن من أنفق ماله في الطاعات كالصدقات والقربات فإنه ليس من السفه ولا يحجر عليه مهما أنفق.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أنفق في وجوه البر ما يخرج به عن الإنفاق المعهود المعروف فإنه يعتبر سفه.
والصواب أنه ليس بسفه: يعني: الصواب مع الأئمة الثلاثة إن شاء الله.
- ثم قال - ﵀ -:
- والصغير.
الصغير هو من لم يبغ. وسيأتينا أيضًا في كلام المؤلف - ﵀ - متى يبلغ الإنسان.
- يقول - ﵀ -:
- والمجنون.
المجنون هو فاقد العقل. هؤلاء الثلاثة يحجر عليهم لحظ أنفسهم.
- ثم قال - ﵀ -:
- لحظهم.
قوله: (لحظهم) يعني أنه يحجر عليهم لمصلحتهم. والدليل على أنه يحجر عليهم:
- قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء/٥].
- والدليل الثاني: أن تركهم وما يشاؤون من التصرف فيه إضاعة لأموالهم. ولا يجوز للمسلم أن يمكن موليه من إضاعة المال.
فهذا هو الدليل على أنه يحجر على الصغير. ونحن نحتاج دائمًا في مثل هذه الأحكام إلى أدلة ليس من السهل أن تحجر على رجل بالغ رشيد إلا بدليل واضح إذا كان سفيهًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا: رجع بعينه.
إذا عامل هؤلاء الثلاثة رجل ببيعهم أو إقرارهم فإنه إذا بقيت العين كما هي لم تتلف يرجع بعين ماله.
والسبب في ذلك:
- أن ماله ما زال على ملكه لأن تصرفاتهم فاسده. فيرجع بعين ماله.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن أتلفوه لم يضمنوا.
يعني: وإن أتلف السفيه أو الصغير أو المجنون المال الذي أعطاهم إياه هذا الرجل الراشد ولو هلى سبيل السبيل فإنه يضمن هو ولا يضمنون. فيكون الضمان عليه فتذهب هذه العين المتلفة سدى عليه.
[ ٤ / ١٨١ ]
وعلل الحنابلة هذا:
- بأنه هو سلطهم على ماله برضاه فضمن ولم يضمنوا.
= والقول الثاني: أنهم جميعًا يضمنون السفيه والمجنون والصبي.
- لأنهم أتلفوا ماله فوجب عليهم الضمان.
والصواب مع الحنابلة. وأنه هو الذي فرط إذ عامل من يوصف بالجنون أو بالصغر أو بالسفه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويلزمهم: أرش الجناية.
يعني: أن هؤلاء إذا جنوا جناية على نفس أو طرف فإنهم يضمنون.
وعلل الحنابلة ذلك:
- بأن المجني عليه لا خيار له ولا تفريط منه فلزم هؤلاء أن يضمنوا.
وهذا صحيح ولا أظن أن فيه خلافًاَ.
- ثم قال - ﵀ -:
- وضمان مال من لم يدفعه إليهم.
يعني وعليهم أن يضمنوا المال الذي لم يدفع إليهم. كأن يأخذوه غصبًا أو اختلاسًا أو من غير علم المالك أو عبثًا ففي هذه الحال يضمن هؤلاء - الأطفال أو المجانين أو السفهاء - المال.
- لأنهم أخذوا مال المسلم بغير رضاه ولا تفريط منه فوجب أن يضمنوا.
بناء على هذه المسألة: ما يتلفه الصبيان في المحلات أو في الولائم أو في الأماكن العامة فهو مضمون عليهم. ما دام صاحب الملك لم يمكنهم منه.
أما إذا مكنهم منه بأن قال صاحب المحل للطفل خذ هذا الشيء وانظر إليه أو إلعب به ما دمت في المحل ثم تلف فلا ضمان.
لأن هذا المالك مكنه من المال برضاه وسلطهم عليه بإرادته.
أما إن أخذ الطفل شيئًا يعبث به فانكسر منه فهو مضمون لأن صاحب المال لم يمكن هذا الطفل من هذه الأموال.
بل إنا نلحظ دائمًا أن أصحاب المحلات إما بمنطوقهم أو بمكتوبهم أنهم لا يسمحون للأطفال بالعبث في الأشياء الموجودة داخل المحل.
فهذا يرفع الضمان عن صاحب المحل مطلقًا ويجعله على الطفل دائمًا.
والضامن في هذا الاتلاف هو الطفل لا الأب لأن الطفل له ذمة مستقلة ولأنه هو المتلف وليس الأب. ولكل واحد من الأب والطفل ذمة مستقلة.
لكن من المعروف وحسن التصرف أن يضمن الأب المال. باعبار أن هذا الطفل ليس له من المال ما يؤدي به هذا الضمان.
فإن لم يضمن الأب بقيت القيمة في ذمة الصبي إلى أن يحصل المال. فعليه أن ينتبه إذا بلغ ليسدد ما عليه من إتلافات.
[ ٤ / ١٨٢ ]
ولهذا نقول: من الخطأ البين أن يترك الأب الطفل بدون سداد لهذه الأموال ويجعل ذمته مشغوله إلى البلوغ وغالبًا سوف ينسى الطفل ما عليه.
وليعلم أنه إذا بلغ فإن ذمته الآن مشغولة.
نعم إذا كان ناسيًا فلا إثم عليه لكن الذمة مشغولة. فينبغي أن لا يتساهل أولياء الأطفال في مسألة الاتلافات لا في زيارة الأقارب ولا في دخول المحلات ولا في المكث في الأماكن العامة.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن تم لصغير خمس عشرة سنة.
بدأ المؤلف - ﵀ - في بيان االأشياء التي يتم بها بلوغ الطفل.
- فقال: - ﵀ -:
- وإن تم لصغير خمس عشرة سنة.
حكم ببلوغه. فيصبح بالغًا. والدليل على أن بلوغ هذا السن يصبح به الطفل بالغًا:
- الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر - ﵁ - أنه عرض على النبي - ﷺ - وله أربع عشرة سنة فلم يره - أو فلم يجزه - وعرض عليه وله خمس عشرة سنة فأجازه - ﷺ -.
فتفريقه - ﷺ - بين سنين دليل على أنه انتقل من مرحلة إلى مرحلة.
= وذهب بعض العلماء إلى أن سن البلوغ سبع عشرة سنة.
= وبعضهم قال: ثمانية عشرة سنة.
= وبعضهم قال: تسع عشرة سنة.
وهذه الأقوال الثلاثة للمذاهب الفقهية عدا الحنابلة. وهذه الأقوال ضعيفة جدًا.
ولا تعتمد إلى أي تحديد منقول عن النبي - ﷺ - وإنما هي محض تخمينات ومن العجائب أن القول الثالث: وهو تسع عشرة سنة مذهب الظاهرية. الظاهرية دائمًا مع النصوص وفي هذه المسألة اخترعوا هذا القول الذي ليس له زمام ولا خطام إذ لا يقوم على أي دليل منقول ولا معقول وإنما زعم ابن حزم أن هذا أكثر ما قيل وهذا التعليل لا يصح للتمسك.
فالراجح بإذن الله والواضح الرجحان هو مذهب الحنابلة ولو لم يكن معنا إلا أنه تقدير عن التبي - ﷺ -. فهذه هي العلامة الأولى للبلوغ.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو نبت حول قبله شعر خشن.
العلامة الثانية للبلوغ أن ينبت في قبله شعر خشن.
فاشترط المؤلف - ﵀ - شروطًا:
[ ٤ / ١٨٣ ]
- أولًا: أن يكون هذا النابت في القبل فإن نبتت له لحية قبل ذلك فما يزال صغيرًا لم يبلغ. ولا ينظر لنبات الشعور الأخرى كشعر الإبط. إنما يعول فقط على شعر العانة.
- ثانيًا: أن يكون هذا الشعر الذي نبت على العانة خشنًا. فإن كان ناعمًا فليس من علامات البلوغ.
واستدل الحنابلة على كون هذا من علامات البلوغ:
- بحديث سعد بن معاذ - ﵁ - أنه حكم على بني قريظة بأن يقتلوا وتسبى ذراريهم ثم أمر بالكشف عن ذراريهم فمن أنبت قتل ومن لا لم يقتل. فجعل - ﵁ - الضابط في بلوغ الذراري وعدمه هو الإنبات.
ولما حكم صدقه النبي - ﷺ - فقال: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أر «»).
فدل هذا الحديث على أن هذه من علامات البلوغ التي تنقل الإنسان من الذراري والصغار إلى الكبار الذين يقتلون في هذا الحكم.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو أنزل.
هذه العلامة الثالثة.
والإنزال هو خروج المني بشهوة من نائم أو مستيقظ ذكرًا كان أو أنثى متزوجًا أو لم يتزوج.
وكون الإنزال من علامات البلوغ: محل إجماع.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو عقل مجنون ورشدا.
لما بين علامات البلوغ وهي التي تنقل الطفل من الصغر إلى أن يكون بالغًا ذكر المسألة الثانية وهي: (عقل مجنون).
يعني: رجع إليه عقله.
اشترط للبلوغ والعقل شرطًا آخر فقال - ﵀ -: (ورشدا). أي: أنته لابد مع البلوغ والعقل من الرشد والرشد هو حسن التصرف بالمال عكس السفه.
وكما قلت سيخصص المؤلف - ﵀ - كلامًا طويلًا عن حد الرشد.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو رشد سفيه: زال حجرهم بلا قضاء.
إذًا اشترط المؤلف - ﵀ -: البلوغ والعقل مع الرشد.
فإذا توفرت هذه الأمور/ البلوغ والعقل مع الرشد فقد خرج عن الحجر.
والمؤلف - ﵀ - يريد أن يبين أنهم ينفكون عن الحجر بلا حكم حاكم.
- ولهذا: يقول - ﵀ -:
- زال حجرهم بلا قضاء.
يعني: بلا حكم حاكم.
نأخذ هؤلاء واحدًا واحدًا:
- بالنسبة للأول وهو الصبي إذا بلغ: فإنه يرفع عنه الحجر بلا حكم حاكم.
= وهذا مذهب الحنابلة.
- لأنه حجر عليه بسبب الصغر وقد زال فيزول الحجر.
وهذا لا إشكال فيه.
[ ٤ / ١٨٤ ]
- الثاني: المجنون. فالمجنون أيضًا الحنابلة يرون أنه يزول الحجر عنه بمجرد رجوع العقلب إليه.
واستدلوا:
- بجنس الدليل السابق. وهو أنه إنما حجر عليه لجنونه فلما زال الجنون زال الحجر.
= والقول الثاني: أن المجنون لا يزال حجره بمجرد العقل.
- لأن بلوغه الرشد يحتاج إلى اجتهاد من الحاكم فلا يفك إلا به أي: بالحاكم.
والراجح: مذهب الحنابلة وهو: أنه يزول الحجر بمجرد العقل ولا نحتاج إلى حكم حاكم.
- الثالث: والأخير هو: من حجر عليه لسفهه.
فإذا رشد وزال السفه انفك عنه الحجر بلا قضاء: عند الحنابلة.
= والقول الثاني: أن السفيه لا يفك عنه الحجر إلا بحكم حاكم.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أنه حكم عليه بالحجر بحكم حاكم فلا يرفع إلا بحكم حاكم.
- الثاني: أن انتقال الرجل من السفاهة إلى الرشد يحتاج إلى نظر وتأمل وتحقق. ولا يكتفى فيه بظاهر أعماله وأقواله وتصرفاته.
وهذا هو الصحيح إن شاء الله بالنسبة للسفيه فلا ينفك إلا بحكم حاكم لأنه لا يحجر عليه إلا بحكم حاكم.
فتلخص معنا أنهم ثلاثة: اثنان بمجرد البلوغ والعقل ينفك عنهما الحجر. والثالث هو السفيه لا ينفك إلا بحكم حاكم.
- ثم قال - ﵀ -:
- وتزيد الجارية في البلوغ: بالحيض.
وتزيد على الصبي بالحيض. فإذا حاضت فقد بلغت.
وهذا بالإجماع: - لقول النبي - ﷺ - لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار. فربط التكليف بالحيض. فدل على أنه علامة عليه.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن حملت: حكم ببلوغها.
وإن حملت حكم ببلوغها ولو لم يسقط حيض.
واستدلوا على هذا:
- بأن الحمل علامة على الإنزال ونحن نقول الإنزال من علامات البلوغ.
ودليل أنه علامة على الإنزال أي الحمل:
- أن النبي - ﷺ - أخبر أن المولود يخلف من ماء الرجل وماء المرأة.
فإذًا لم يوجد إلا بعد وجود ماء المرأة وهو الإنزال.
فإذا حملت فقد ببلغت ولو لم يتقدم ذلك حيض ولا إنزال.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا ينفك قبل شروطه.
لا ينفك الحجر. أي: في الحجر لحظ نفسه. إلا بعد اكتمال الشروط. والشروط هي البلوغ والعقل مع الرشد.
[ ٤ / ١٨٥ ]
هذه هي الشروط فكل إنسان بالغ عاقل راشد ليس بسفيه فإنه لا حجر عليه ولا نفك الحجر إلا بتحقق هذه الشروط ولو كبر سنه. ولو أصبح شيخًا كبيرًا. ولو كان من أعقل الناس فيما عدا الأموات لأن الحجر هنا يتعلق بالمال.
فما دام سفيهًا لا يحسن التصرف في أمواله فإنه يحجر عليه مهما بلغ لأن الشرط لم يتحقق وهو: الرشد.
وهذه السألة نظرية جدًا يعني: أن يكون عاقلًا من أحسن الناس تصرفًا في كل شيء إلا المال فهذا لا يكاد يقع لكن لو وقع فهذا حكمه.
- ثم قال - ﵀ -:
- والرشد: الصلاح في المال.
بدأ المؤلف - ﵀ - في بيان حد الرشد النافي للسفاهة فيقول: (هو الصلاح في المال) فمن أصلح ماله وأجاد التصرف فيه فهو رشيد.
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن الرشد هو الصلاح في المال دون الدين. فلو كان من الصالحين في المال دون الدين فهو رشيد في هذا الباب. وإن لم يكن رشيدًا في حقيقة أمره.
لكن نحن الآن يعنينا مسألة/ حكم الأموال.
فإذا وجد رجل سفيه في الدين يتساهل في الصلاة وفي الزكاة وفي الصيام وفي بر الوالدين لكنه حسن التصرف في المال فهو عند الحنابلة في هذا الباب رشيد - فهو رشيد.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بقوله: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء/٦] وأن ابن عباس فسر هذا بحسن التصرف في المال. فنص ابن عباس على المال. وهذا الأثر فيه ضعف.
= القول الثاني: أن الرشد لا يكون إلا بالصلاح في المال والدين.
- لأن السفيه في الدين لا يؤمن أن يبذر في المعاصي.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة وهو أنه لا يشترط الصلاح لافي الدين لأن المقصود هنا بحث الصلاح في المال وأما فساد دينه فيعاقب ويزجر من باب آخر. أما أن يحجر عليه فليس في الأدلة ما يدل عليه.
ثم ما زال عمل المسلمين على وجود سفهاء في الدين لكنهم من الراشدين في المال. ومع ذلك لم يحجر عليهم على مر العصور واختلاف القضاة والحكام فالأدلة الشرعية مع الاستئناس بعمل المسلمين يدل على رجحان القول الأول.
إذًا نقول أن الراجح هو أن الصلاح هو الرشد في المال فقط لا في الدين.
ثم مع كون المؤلف - ﵀ - بين الصلاح والرشد بماذا يكون فصل نوعًا ما في هذه المسألة:
[ ٤ / ١٨٦ ]
- فيقول - ﵀ -:
- بأن يتصرف مرارًا: فلا يغبن غالبًا ولا يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة.
الصلاح يحصل في الحقيقة بتحقق هذه الثلاثة العناصر.
ـ العنصر الأول: أن يتصرف بالمال ولا يغبن. لكن يشترط أن لا يغبن غبنًا فاحشًا. أما الغبن اليسير فلا حرج.
وفي الحقيقة كان يتعين على المؤلف - ﵀ - أن يقول: (غبنًا فاحشًا). لأن هذا من صميم الحكم وليس من الزيادات أو الشروط أو الشروح.
المهم أن العنصر الأول أن يتصرف في البيع والشراء ولا يغبن غبنًا فاحشًا.
ـ الثاني: أن يتصرف ولا يبذل ماله في المحرمات. والمحرمات: كل عمل حرمه الله. كأن يشتري الخمر أو يلعب القمار أو يشتري آلة اللهو أو يشتري ما يستمع به: آلة الغناء أو يسافر بقصد ارتكاب المحرمات أو يأخذ المال بقصد الربا به أو يستعمله في أي محرم.
وهذا معنى قول المؤلف - ﵀ -: (ولا يبذل ماله في حرام).
ـ والعنصر الثالث: أن لا يبذله في غير فائدة. فيشترط للصلاح في المال أن لا يكون من الذين يبذلون أموالهم في غير فائدة. من ذلك: أن يشتري الشيء التافه بالمال العظيم. فهذا من الذين يبذلون أموالهم في غير فائدة.
علم من كلام المؤلف - ﵀ - أن شراء الطعام والشراب والمسكن وما يتنقل عليه ليس من السفه والإسراف ولو زاد. ما لم يبلغ حدًا معينًا سيذكره المؤلف - ﵀ - لكن الأصل أن توسع الإنسان في الطيبات ليس من الإسراف ولا من الأشياء التي يحجر عليه بسببها.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يدفع إليه: حتى يختبر قبل بلوغه بما يليق به
(ولا يدفع إليه) يعني إلى الصغير ماله إلا بعد الاختبار.
فإذا اختبرناه وتبين صلاحه ورشده دفعنا إليه ماله.
والمؤلف - ﵀ -: يقول: (بما يليق به). لأن اختبار كل واحد يختلف عن الآخر: فالصبي مثلًا يختبر بأن يعطى ما يبيع ويشتري به ويقلبه في الأسواق وننظر هل يغبن غبنًا فاحشًا أو لا؟ وهل يشتري ما لا يناسب شرائه أولا؟ وينظر في تصرفه.
[ ٤ / ١٨٧ ]
ويعطى الشخص الذي ليس من عادته البيع والشراء أو من طبقة لم تعتد البيع والشراء يعطي مصروفه الخاص وينظر ماذا يعمل بهذا المصروف فإن أجاد العمل بالمصروف وأجاد توزيعه على حاجاته الأساسية حكم برشده.
وتعطى المرأة ما تعطى عادة ربة المنزل وننظر في تصرف المرأة في هذا المال في داخل المنزل وشراء حاجات المنزل وما يحتاجه وتصريف الخدم من النساء وما يتعلق بهذه الأمور.
الخلاصة: أن كل واحد يعطى بحسب طبيعة وضعه وينظر في تصرفه فإن تصرف تصرفًا حسنًا حكمنا بأنه رشيد.
- وقول المؤلف - ﵀ -:
- قبل بلوغه.
فيه دليل على أن الأختبار قبل البلوغ لا بعد البلوغ ولا ننتظر إلى أن يبلغ ثم نختبره.
والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النساء/٦] فأمر بالابتلاء وسماهم يتامى فهو ابتلاء قبل البلوغ لأنه بعد البلوغ لا يسمى يتيمًا.
- الثاني: أنه يلزم من تأخير الابتلاء الحجر على بالغ رشيد. ولا يح [كم] على بالغ رشيد. وجه ذلك: أنه إذا أخر الاختبار فسيمكث فترة من الوقت وهي مدة الاختبار والطفل محجور عليه فهو في هذا الوقت محجور عليه وهو رشيد وبالغ ونحن نقول لا يجوز الحجر على البالغ الرشيد.= والقول الثاني: أنه يختبر وهي رواية عن الإمام أحمد - يختبر بعد البلوغ.
والصواب إن شاء الله الرواية الأولى. وهي المذهب.
- ثم قال - ﵀ -:
- ووليهم حال الحجر: الأب ثم وصيه ثم الحاكم.
بدأ المؤلف - ﵀ - ببيان الأولياء فيقول - ﵀ -: ووليهم حال الحجر: الأب.
الأب هو الولي ولا ينازعه في الولاية أحد أبدًا.
والدليل على تقديم الأب من وجهين:
- الوجه الأول: كمال شفقة الأب وحسن نظره للابن.
- الوجه الثاني: القياس على النكاح.
وفهم من هذه الأدلة أن الأب إذا لم يكن كامل الشفقة فإنه لا يكون الأحق بالولاية. كأن يكون مسرفًا أو شاربًا للخمر أو صاحب قمار ويأخذ أموال اليتامى في ذلك. فحينئذ لا يكون هو صاحب ولاية لأنا نعلل تقديمه في الولاية: نعلل هذا بأنه كامل الشفقة. وهذا معدوم الشفقة.
فالولاية ليست له في هذه الحال. أما لمن تكون؟ فسيأتينا.
- ثم قال - ﵀ -:
- ثم وصيه.
[ ٤ / ١٨٨ ]
الولي في المرتبة الثانية: الوصي الذي أوصى به الأب.
واستدلوا على هذا:
- بأنه نائب الأب فهو يقاس على وكيله في الحياة.
فإذًا: الولي بالمرتبة الأولى: الأب. ثم في المرتبة الثانية: الوصي.
ثم في المرتبة الثالثة:
- قال - ﵀ -:
- ثم الحاكم.
قوله: (ثم الحاكم). فهو في المرتبة الثالثة لأن الولاية انقطعت من جهة القرابة فانتقلت إلى الحاكم.
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن الترتيب هكذا: الأب ثم الوصي ثم الحاكم. وأنه لا مدخل للجد في الولاية ولا للأم في الولاية ولا للعصبات كالأخ والعم في الولاية. هؤلاء لا مدخل لهم في الولاية مطلقًا وإنما نقول: الأب ثم الوصي ثم الحاكم.
استدل الحنابلة على هذا التريب: - بأن الجد
«الأذان».
إذًا: تبين معنا أن الجد والأقارب والعصبات لا ولاية لهم.
واستدلوا على عدم دخول الجد في الولاية:
- بأن الجد يدلي بالأب فهو كالأخ. فكل منهما يدلي بالأب والأخ لا ولاية له.
واستدلوا على عدم ولاية الأخ:
- بأن هذه الولاية مالية تحتاج إلى كمال الشفقة ويخشى فيها من الخيانة. فلا [[يسلط]] عليها الأخ.
= والقول الثاني: أن الولاية بعد الأب للجد وهو مقدم على الوصي ومقدم على الحاكم. بشرط أن يكون أهلًا للولاية أمينًا يحسن التصرف.
وهذا رواية عن الإمام أحمد - ﵀ - واختيار ابن قاضي الجبل والمرداوي وهو قول قوي.
= والقول الثالث: أن للجد والأم والعصبات ولاية كلهم. يقدم الأكثر شفقة ونصحًا وحسن تصرف.
وهذا ليس رواية عن الإمام أحمد - ﵀ - وإنما هو قول عند الحنابلة واختاره شيخ الإسلام بن تيمية.
والراجح إن شاء الله أنه بعد الأب نختار الأصلح من هؤلاء الذي يقوم بمال الصبي على الوجه الأكمل.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يتصرف لأحدهم وليه إلاّ بالأحظ.
لا يتصرف الولي إلا في حدود مصلحة مال اليتيم.
فلا يجوز له أن يهدي ولا أن يتبرع ولا أن يعطي كما لا يجوز له أن يزيد في النفقة ولو بطلب اليتيم.
- لعموم قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن).
فإذًا ليس له أن يفعل هذه الأمور.
/ فإن أهدى أو تبرع أو زاد في النفقة أو أنفق على من لا تلزم اليتيم النفقة عليه: ضمن وجوبًا.
[ ٤ / ١٨٩ ]
- لأنه وإن كان أمينًا إلا أنه تعدى. والأمين إذا تعدى يضمن.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويتجر له مجانًا.
فهم من العبارة أمرين:
- الأمر الأول: أن الأحسن والأولى أن يتجر الولي بمال اليتيم وأن لا يتركه جامدًا.
وهو مذهب الجماهير من السلف والخلف.
واستدلوا على هذا:
- بأثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: (اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة).
= وذهب الحسن البصري فقط من السلف إلى أنه ينبغي تجميد المال وأن لا يتجر به.
ولعله - ﵀ - خشي من ضياع المال.
والصواب مع الجمهور لكن يشترط أن لا يضع المال إلا في مكان أمين من حيث المتجر به وأمين من حيث المستقبل التجاري للمال. أن لا يضعه في مشاريع خاسرة.
فإذا تحققت الشروط فقولا الحنابلة: مقدم وهو الصواب إن شاء الله.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
[ ٤ / ١٩٠ ]
الدرس: (٣٠) من البيع (١)
- قال - ﵀ - (ويتجر له مجانًا).
معنى هذه العبارة، أنه إذا اتجر لمن هو وليٌ عليه، فإنّ هذا الإتجار يكون مجانًا، أي فلا يأخذ نسبة المشاعة من الربح ولايأخذ أيضًا أجرًا على عمله، بل يتجر مجانًا، واستدلوا على هذا بأنه من مهامه القيام على مال موليه ومن القيام عليه الإتجار.
القول الثاني: أنه يتجر به وله نسبة مشاعة من الربح، واستدلوا على هذا بأنه إذا أعطى غيره وأعطاه نسبة مشاعة صح، فإذا اتجر هو وأخذ نسبة مشاعة صح أيضًا.
القول الثالث: أنه لايأخذ نسبة مشاعة وإنما يأخذ أجرة واستدلوا على هذا بالقياس على أخذ عمال الزكاة الأجرة، فهم يأخذون الأجرة على تقسيم الزكاة. وهذا الأخير وهو أنه يأخذ أجرًا، ولايأخذ نسبة مشاعة من الربح. إختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهوأعدل الأقوال.
- ثم قال - ﵀ - (وله دفع ماله مضاربة بجزء من الربح).
_________________
(١) - ملاحظة: هذا الدرس قام بكتابته أحد الإخوة - جزاه الله خيرًا.
[ ٤ / ١٩١ ]
أي ولوليّ الصبيّ ونحوه أن يدفع ماله لمن يتجر به وان يعطي من اتجر به جزءًا مشاعًا معلومًا من الربح، والدليل على هذا أنّ عائشة - ﵂ - فعلت أعطت مال ابي بكر لمن يتجر به، ولأنّ هذا العمل من القيام على مال الصغير، ومن رعاية مصالحه فجاز.
وهذا لا إشكال فيه. تقدم معنا الخلاف في مسألة هل الأولى أن يتجر بمال الصبيّ ونحوه أو أن يتركه بلا اتجار تقدم معنا أنه لم يخالف من السلف إلاّ الحسن فقط. وأنّ الراجح إن شاء الله أنه يتجر بشرط أن يضعه في مجال مأمون وفي يد مأمونة.
- قال - ﵀ - (ويأكل الوليٌ الفقير من مال موليّه).
يريد المؤلف أن يبيّن حكم أخذ الولي من مال الصبي ونحوه. وهذه المسألة لها صورتان:
الصورة الأولى" أن يفرض الحاكم أجرًا معلومًا، فإذا فرض الحاكم له أجرًا معلومًا، جاز أن يأخذ بالإجماع ولو كان غنيًا، مادام أخذ بفرض الحاكم له.
الصورة الثانية" ألاّ يفرض له الحاكم فعلى المذهب لايأخذ إلاّ إذا كان فقيرًا، فإن كان غنيًا لم يجز له أن يأخذ.
والقول الثاني: أنّ له أن يأخذ وإن كان غنيًا، لأنه يأخذ مقابل عمله، ومن يأخذ مقابل عمله فإنه لايشترط أن يكون فقيرًا.
والراجح مذهب الحنابلة. لقوله تعالى ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء/١] فالآية نصّ مع الحنابلة، أنّ الغنيّ يستعفف والفقير يأكل بالمعروف ومادامت الآية فرّقت بين الغني والفقير فلا يسع الإنسان الخروج عنها. فإذا تقررّ أنّ الفقير يأخذ مع حاجته سيبيّن المؤلف ماذا يأخذ.
- قال - ﵀ - (الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا).
ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانًا، الحنابلة يرون أنه يأخذ الأقل من كفايته وأجرته فإن كان الأقل الأجرة أخذ وإن كان الأقل الكفاية أخذ، مثال ذلك /إذا كانت كفاية هذا الرجل يعني المبلغ الذي يكفيه ويكفي مؤنته مائة ريال وأجرة مثله للقيام بمال الصبي خمسين ريال، فكم سيأخذ مع أنه لاتقوم بكفايته لكن هو يأخذ الأقل من أجرته وكفايته.
[ ٤ / ١٩٢ ]
استدل الحنابلة على هذا بأنّ ولي الصغير يأخذ بسببين: العمل والحاجة، فهو لايأخذ مقابل العمل وحده، ولايأخذ مقابل الحاجة وحدها وإنما يأخذ مقابل الاثنين في آن واحد، وإذا كان كذلك فلايأخذ إلاّ إذا وجدت العمل والحاجة. وهذا يدل على أنه يأخذ الأقل من كفايته أو أجرته.
القول الثاني: أنه يأخذ أجرته كاملة، لأنّ الأخذ مقابل العمل فقط، والصحيح المذهب، وهو إختيار شيخ الإسلام. فإذا تبيّن أنه يأخذ بسببين، لابسبب واحد ولابد أن تتصور هذه المسألة، لأنه ينبني عليها مسائل أخرى فلابد أن يتضح في ذهنك الآن أنه يأخذ
بسببين لابسبب واحد، والسببان هما الحاجة والعمل.
- قال - ﵀ - (مجانًا).
يقصدون بها أنه يأخذ ثم إذا أيسر وحسن حاله ماديًا فإنه لايجب عليه أن يعيد ما أخذ من اليتيم أو من الصغير المحجور عليه.
واستدلوا على هذا بأنه يأخذ مقابل عمله ومقابل حاجته، ومن أخذ مقابل عمله فإنه لايردّ ما أخذ إذا أيسر.
والقول الثاني: أنه إذا أخذ من مال اليتيم ثم أيسر، يردّ كل ما أخذ من النفقة، لأنّ إنما أذِنّ له بالأخذ لحاجته، ومن أخذ لحاجته ردّ إذا أيسر، والراجح المذهب لايلزمه أن يرجع ما أخذه. والدليل أنّ الله سبحانه تعالى قال [فليأكل بالمعروف] ولم يذكر شرطًا سوى ذلك ولم تشر الآية من قريب أوبعيد إلى أنه إذا أيسر عاد بالمال. إذا تقرر هذا الحكم تبيّن معنا مسألة أخرى، وهي إذا كان يأخذ مقابل العمل والحاجة، أيهما أغلب على حاله؟ لأنه مارّد لو كان يأخذ مقابل الحاجة لغلبّنا قول الذين يقولون يردّ، لكن لما لم يردّ عرفنا أنّ الغالب على عقده أنه يأخذ مقابل عمله، لكن هذا لايعني أنه يأخذ مقابل العمل فقط بل هو يأخذ مقابل العمل والحاجة.
مالدليل على أنه يأخذ مقابل العمل والحاجة، وليس مقابل العمل فقط؟ لأنّ الآية اشترطت لأخذه الحاجة إذًا هو يأخذ مقابل حاجته فدلت الآية مع الأصل الأول على أنه يأخذ مقابل العمل والحاجة، ودلّت في نفس الوقت على العمل غالب على العقد.
- قال - ﵀ - (ويقبل قول الوليُ، والحاكم بعد فك الحجر في النفقة).
[ ٤ / ١٩٣ ]
هذه المسألة والمسائل التالية ترجع إلى أصل واحد، إذا عرفه الإنسان عرف حكم كل مسألة من المسائل التالية.
وهذا الأصل هو أنه إذا أدعى اليتيم على الولي ما يؤدي إلى الضمان، أو ادعى تفريطًا، فالقول قول الولي، فإن كان الولي هو الحاكم فالقول قوله بلا يمين، وإن كان الولي غير الحاكم فالقول قوله لكن مع اليمين. إذًا القاعدة أنّ اليتيم إذا ادعى على الولي ما يوجب الضمان أو ادعى عليه التعدّي والتفريط، فالقول قول من؟ الولي. فإن كان هو الحاكم فالقول قوله بلا يمين، وإن كان سواه فالقول قوله لكن مع اليمين. هذه قاعدة وكل المسائل التالية تندرج تحت هذه القاعدة، الدليل على ذلك أنّ الولي يده يد أمانة وهو محسن ومن كانت يده يد أمانة، فإنه لا يضمّن والقول قوله.
ثانيًا" أنّ القول بتضمينه يؤدي إلى إمتناع الناس الأكفاء العدول عن القيام على أموال اليتامى، وهذه مفسدة وضرر. الآن تمهدت
معنا القاعدة ننظر في الأمثلة.
- يقول الشيخ - ﵀ - (ويقبل قول الوليُ، والحاكم بعد فك الحجر في النفقة).
فإذا ادعى اليتيم أنه لم ينفق. وادعى الولي أنه أنفق، أو ادعى اليتيم أنه لم ينفق القدر الواجب، وادعى الولي أنه أنفق على الوجه المطلوب. فالقول قول الولي، ولايطالب ببيّنة، وهذا معنى قولنا القول قوله، وإنما يطالب فقط بماذا؟ باليمين. هذه هي المسألة الأولى.
- قال - ﵀ - (والضرورة).
يعني ويقبل قول الولي إذا ادعى أنه باع البيت للضرورة، فإذا اختلف هو واليتيم، وقال اليتيم بل بيع البيت بلا ضرورة، وقال الولي أن البيت لم يبع إلاّ بسبب الضرورة كالحاجة إلى النفقة الملحة فالقول قول الولي. فهمنا من هذه العبارة أنه لايجوز لولي اليتيم أن يبيع شيئًا من أملاك اليتيم إلاّ للضرورة. فإن باع بلا ضرورة ولو بثمن المثل ضمن،
[ ٤ / ١٩٤ ]
والقول الثاني: أنّ ولي اليتيم له أن يبيع بالمصلحة ولو بلا ضرورة، لأنه قائم على مال اليتيم بما يصلحه، والبيع لمصلحة مما يصلح مال اليتيم. وهذا القول الثاني لاشك إن شاء الله أنه الراجح وعليه العمل. ولايقتصر البيع على الضرورة، بل إذا رأى المصلحة بأن يباع باع. مثال ذلك/ إذا كان ترميم البيت ليصبح للآجار يستغرق أموال اليتيم، ثم بعد ذلك يؤجر بمبلغ زهيد. فالمصلحة هنا البيع ولاتوجد ضرورة، لأنّ اليتيم له أموال يمكن أن ينفق عليه منها، فإذًا في هذا المثال البيع للمصلحة وليس للضرورة ولاشك أنه الأقرب يباع، لأنّ بيعه في هذه الصورة من مصالح اليتيم. المهم الراجح إن شاء الله هو أنه يريد أن يبيع إذا وجدت المصلحة ولو لغير
ضرورة.
- يقول - ﵀ - (والغبطة).
أيضًا هذه المسألة اشتملت على مسألتين: الأولى. جواز البيع للغبطة، بخلاف المسألة السابقة. وجواز البيع مع وجود الغبطة قال عنه المرداوي بلا نزاع يعني في المذهب، وربما يكون بلا نزاع عند جميع أهل العلم، لأنّ هذا في صميم مصلحة اليتيم.
والغبطة / هي أن يبيع بأكثر من ثمن المثل بكثير، بزيادة كثيرة نحو النصف أوالثلث. ومن الغبطة أن يبيع خشية الإنهدام أو التلف.
عرفنا الآن أنّ الولي إذا باع أثاثًا أو متاعًا لليتيم غبطة جاز بلا نزاع. نأتي إلى المسألة التي هي تعنينا الآن وهي أنه إذا اختلف اليتيم والولي هل باع غبطة، أو باع بلا غبطة فالقول قول من؟ قول الولي. لأنّ قوله قول مؤتمن فيصدق بيمينه
- ثم قال - ﵀ - (والتلف).
يعني إذا تلفت العين، وتنازع اليتيم والولي، هل تلفت بتعدّي أوتفريط؟ أو اختلفوا في كون العين تلفت أو لم تتلف. فهاتان صورتان فالقول في جميع هذه قول الولي. ومن المعلوم أنه إذا ادعى أنّ العين تلفت فهو سيدعي تبعًا لذلك أنها تلفت بغير تعدّي ولاتفريط.
[ ٤ / ١٩٥ ]
لكن هاتان صورتان. فإذا قال اليتيم لم تتلف وإنما أكلها الولي وهي محسوبة عليه. أو قال لم تتلف وإنما اخذها الولي إلى حيث لايعلم وأشبه هذه الدعاوى فالقول قول الولي، كذلك إذا أقرّ اليتيم أنها تلفت لكن زعم أنه بتعدّي أوتفريط من الولي فالقول قول الولي لأنه يده يد أمانة وهو محسن كما تقدم معنا. قبل أن ننتقل إلى مسألة دفع المال لأنها تختلف نوعًا ما عن المسائل السابقة،يشترط في جميع المسائل السابقة، وهي النفقة والضرورة والغبطة والتلف. أربع أو خمس مسائل، يشترط ألاّ يدعي شيئًا يكذبه الواقع.
فإذا ادعى شيئًا لايقبل ويكذبه الواقع صار يجب عليه أن يثبت دعواه ببيّنة، ولانكتفي منه باليمين، لأنّ ظاهر الحال يكذب دعواه.
مثال/ إذا تلفت الثمار جميعًا كل ثمرة في البستان تلفت زعم الولي أنّ كل ما في البستان من ثمار تلف يقصد ثمار السنة التي انتهت.
ثم إذا قيل له كيف تم ذلك. قال أنه في السنة السابقة هجم جراد عظيم على البلد وأكل هذه الثمار، حينئذ إذا لم يكن معروفًا عند جميع الناس، أنه وجدت آفة الجراد، يلزم أن يقيم بيّنة على وجود الجراد، فإن لم يقم بيّنة على وجوده ضمن جميع الثمار، لأنّ دعواه يكذبها الواقع. من الأمثلة المعاصرة والتي قد تقع أن يحتاج الولي إلى بيع البيت، بيت اليتيم فلنقل للضرورة عند الحنابلة ثم لما باعه قيل له بكم بعت البيت فقال بعت البيت بخمسين ألف، وحرّج عليه ولم يأت أو لم يحصل البيت تحت الحراج إلاّ على هذا المقدار.
ولما نظرنا وجدنا أنّ البيت قيمته السوقية نحو مليون ريال، حينئذ نرضى أنّ هذا الحراج لم يكن موجودًا أصلًا، لأنه كيف يتم الحراج على بيت قيمته مليون ولايشترى إلاّ بخمسين ألف. لأنّ عادة التجار وأصحاب العقار أن يتنازعوا على البيوت التي فيها حراج لغلبة الظن في نزول سعرها بسبب الحراج،فأين هم عن هذا البيت الذي نقص فيه هذا الثمن العظيم من مليون إلى خمسين ألف. هنا نقول فإما أن تأتي ببيّنة أنك أقمت حراجًا معتبرًا معلنًا مع وجود أهل الإختصاص، وإلاّ فتضمن الفرق بين القيمتين. هذه الأمثلة المقصود منها أن تتصور الشرط. وإلاّ القاعدة العامة أن يدعي ما يكذبه الواقع.
[ ٤ / ١٩٦ ]
- ثم قال - ﵀ - (ودفع المال).
المقصود بدفع المال أن يتنازع اليتيم والولي، في دفع المال فيقول الولي دفعت المال إلى اليتيم كاملًا، وقبضه قبضًا صحيحًا، ويقول اليتيم لم أقبض شيئًا، ولم يدفع إليّ المال، فالقول عند الحنابلة قول من؟ الولي. لأنّ يده يد أمانة.
والقول الثاني: أنّ القول قول اليتيم في مسألة دفع المال. واستدلوا بدليلين:
الدليل الأول" أنه في هذه المسألة بالذات الأصل عدم القبض.
الدليل الثاني" أنّ الولي فرط، والمفرط يضمن، ووجه التفريط أنه لم يشهد. والله تعالى يقول ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء/٥] فأمر بالإشهاد عند دفع المال فخالف ففرط. والقول الثاني هو الصحيح. لأنه فرط في عدم الإشهاد المأمور به في الآية، وهذا الدليل هو الذي يرجح القول، وإلاّ قضية أنّ الأصل عدم الدفع دليل ضعيف لأنّ الأصل عدم التلف أيضًا. ليس الأصل في الأعيان التلف الأصل في الأعيان عدم التلف، فإذًا المرجح هو في الحقيقة التفريط.
- قال - ﵀ - (وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له).
إذا استدان العبد من الناس أموالهم، وهذا الإقتراض كان بإذن السيد. فالسيد يضمن ما على العبد، ويطالب به من الدائن، والسبب في ذلك، أنه لما أذن له غرّ الناس به، وإذا غرّهم ضمن.
- قال - ﵀ - (وإلاّ ففي رقبته).
وإلاّ يكن اقترض بإذن السيد ففي رقبة العبد. يعني تتعلّق الديون برقبة العبد ولاشأن للسيد بهذه الديون مطلقًا، فإذا تعلّقت الديون رقبة العبد فالسيد مخير بين أمرين: إما أن يبيع العبد ويقضي للناس، أو أن يفتدي العبد، فإذا اختار افتداء العبد فعليه أن يفتدي العبد بالأقل من قيمته أو الدين أو بالأكثر؟ الجواب بالأقل.
صورة ذلك / أن يكون العبد استدان مائة ألف وقيمة العبد إذا بيع خمسون ألف، فكم يجب على السيد أن يدفع؟ خمسين ألف.
إذا كانت الديون خمسين ألف، وقيمة العبد مائة ألف فكم يجب على السيد أن يدفع؟ خمسين ألف. والباقي للسيد. لاشأن للدائن به
[ ٤ / ١٩٧ ]
الصورة/ عبد استدان خمسين غألف ريال، بدون إذن السيد فتعلّق الدين برقبته، فاختار السيد أن يفتديه. فالآن قيمة العبد مائة ألف وقيمة الدين خمسين ألف، فإذا باع السيد العبد سيقضي الدائن بخمسين ألف، ويتبقى معه خمسين ألف فتكون له. المقصود أنه يفتدي العبد بالأقل من الدين أو قيمة العبد.
المثال الموضح لقضية الأقل، هو المثال الأول وإنما المثال الثاني للتوضيح ذكرته، المثال الأول وهو أن تكون قيمة العبد أقل من الدين حينئذ نقول إذا أراد السيد أن يفتدي العبد فإنه يدفع فقط قيمة العبد، وإن لم تكفي الدين.
إذًا يفتديه إذا اختار الإفتداء بالأقل من القيمة أو الدين.
القول الثاني: أنه لاشأن للسيد بدين العبد ولو بلا إذنه، ويتعلق الدين برقبة وذمة العبد، بل صواب العبارة يتعلق بذمة العبد. فإذا عتق وأيسر الزمناه بالسداد، إذًا القول الثاني أنّ العبد إذا استدان بلا إذن السيد تعلق الدين بذمته لابرقبته، فإذا عتق وأيسر الزمناه بماذا؟ بالسداد. واستدلوا على هذا بأنه تصرف من العبد لم يأذن به السيد، فيبقى في ذمته إلى أن يتمكن من السداد. وهذا القول ضعيف جدًا لأنه يؤدي إلى ضياع أموال المسلمين. إذ بناء على ذلك يقوم العبد بالإقتراض مرارًا وتكرارًا، وتكون هذه الديون معلقة بماذا؟ بذمته وينتفع السيد من هذه الأموال لأنه سيتسلط عليها، لأنّها أموال العبد وبهذا تضيع أموال الناس. ومتى يعتق العبد ثم متى يكون عنده يسار ومال حتى يسدد الناس هذا غاية في البعد، وليس الغالب على الرقيق العتق. وإنما الغالب أن يستمر، المهم هذا القول الأخير ضعيف جدًا. والمذهب هو الراجح إن شاء الله.
- قال - ﵀ - (كاستيداعه وأرش جنايته، وقيمة متلفه).
[ ٤ / ١٩٨ ]
أي أنّ هذه المسائل الثلاث حكمها ما إذا استدان بلا إذن السيد، فتتعلق الجنايات والأروش والودائع برقبة العبد، ونفعل فيها كما فعلنا في المسألة السابقة تمامًا، نخيِر السيد بين البيع والإفتداء على ماتقدم بنفس التفصيل تمامًا، إذًا هذه المسائل الثلاث استيداعه وأرش جنايته وقيمة متلفه. حكمها حكم ماذا؟ حكم القروض التي تمت بلا إذن السيد. فالحكم متفق لما تقدم ذكره، وتقدم معنا أن قوله كا استيداعه مبني على أنّ الحنابلة يرون الوديعة مضمونة، وسيأتينا في باب الوديعة حكم ضمان الوديعة. وبهذا انتهينا من الحجر.