- قال - ﵀ -:
- باب الحوالة.
الحوالة: مشتقة في لغة العرب من النقل والتحويل. وهي في اصطلاح الفقهاء نقل الحق من ذمة إلى ذمة أخرى.
والحوالة مشروعة بالسنة والإجماع.
ـ أما السنة فما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي - ﷺ - قال: (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع). وهذا الحديث صريح في الحوالة.
[ ٤ / ١٣٣ ]
ودلت عليه الآثار فإن عددًا من أصحاب النبي - ﷺ - عامل بالحوالة منهم أمير المؤمنين علي - ﵁ -. وغيره من الصحابة. وإنما ذكرته لأنه من الخلفاء الراشدين.
وأما الإجماع فقد أجمعوا في الجملة على مشروعية الحوالة وإن اختلفوا في بعض الصور لكن في الجملة هي مشروعة بإجماع الفقهاء.
* * مسألة/ والصواب أن الحوالة ليست من بيع الدين بالدين وإنما هي من جنس استيفاء الحق فهي بذلك من عقود الإرفاق وليست من عقود المعاوضات.
والقول بأنها من البيوع قول ضعيف: يعني: من المعاوضات، بل هي من عقود الإرفاق إن شاء الله والمقصود منها استيفاء الحق فقط فليس موضوع الحوالة الربح ولا المعاوضة ولا الاستزادة إنما فقط استيفاء الحق.
وهذه القاعدة مهمة جدًا لأنا سنحتاج إليها في كثير من مسائل الترجيح لأن الإنسان إذا أراد أن يرجح يحتاج أن يرجع إلى أصل ينطلق و[] منه في مسائل الفقه. فالأصل في هذا الباب هو كما قلت لكم أنه استفياء الحق.
- يقول - ﵀ -:
- لا تصح.
مقصوده: لا تصح الحوالة إلى بثلاثة شروط، إن فقد شرط منها بطلت الحوالة.
وربما لو صرح الشيخ بهذا المعنى لكان أوضح فلو قال: لا تصح إلا بثلاثة شروط لكان أوضح.
- قال - ﵀ -:
- إلاّ على دين مستقر.
هذا هو الشرط الأول: أن الحوالة لا تصح إلا على دين مستقر.
واستدلوا على هذا:
- بأن موضوع الحوالة نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فإذا لم يكن الدين ثابتًا في ذمة المحال عليه لم تصح الحوالة أن المحال عليه ربما أبطل الدين.
ومثلوا على هذا: بدين المكاتبة. فإن المكاتب له أن يبطل المكاتبة فلا يصح أن نحيل على دين المكاتبة.
ومثلوا على ذلك: أيضًا: بثمن المبيع في زمن الخيار فهذا أيضًا غير مستقر إذ ربما اختار الفسخ أحدهما أو كلاهما.
فإذًا: الدين المستقر هو الدين الذي لا يكون عرضة للسقوط بل هو ثابت وكل دين عرضة للسقوط فهو دين غير مستقر. وهذا الشرط صحيح. فلا يصح أن نحيل إلا على دين ثابت مستقر.
- يقول - ﵀ -:
- ولا يعتبر استقرار المحال فيه.
[ ٤ / ١٣٤ ]
يعني لا يعتبر أن يكون الدين المحال مستقرًا. فإذا اشترى شخص من آخر سلعة بثمن معين واشترط الخيار فله أن يحيل بهذا الدين على دين آخر ثابت. (أن يحيل بثمن هذه السلعة التي هي في زمن الخيار على دين آخر مستقر).
لأن الدين المحال لا يشترط أن يكون مستقرًا.
واستدلوا على هذا:
- أن المدين له أن يدفع هذا الدين ابتداء فله أن يحيل به.
ومعنى: (له أن يدفع هذا الدين ابتداء) أن هذا الثمن غير المستقر يملك المشتري أن يدفعه وإن كان في زمن الخيار.
فإذا كان يملك أن يدفعه في زمن الخيار فيملك أن يحيل به على دين آخر مستقر. وهذا أيضًا حكم صحيح.
ثم بدأ - ﵀ - بالشرط الثاني:
- فقال - ﵀ -:
- ويشترط: اتفاق الدينين.
يشترط اتفاق الدينين. ودليل ذلك في الجملة:
- أن موضوع الحوالة نقل الحق من ذمة إلى ذمة ولنقل هذا الحق من ذمة إلى ذمة لابد أن يتساوى الحقان في الصفات.
والمؤلف - ﵀ - فصَّل في هذا الشرط:
- فقال - ﵀ -:
- ويشترط اتفاق الدينين جنسًا.
يشترط أن يكون جنس الدين المحال والمحال عليه: واحدًا.
فلا يجوز أن نحيل بالذهب على الفضة.
ولا بالفضة على الذهب.
ولا بالقمح على الشعير.
وبالشعير على التمر.
وهكذا. يجب أن يكون الجنس متحدًا.
دليل هذا الشرط:
- أنه إذا اختلف الجنس خرج عن كونه من عقود الإرفاق إلى عقود المعاوضات لأنه إذا اختلف الجنس لابد أن نراعي الثمن فصارت معاوضة ونحن نقول أن الحوالة من عقود الإرفاق.
فهذا الشرط وهو اشتراط اتفاق الجنس: صحيح.
- يقول - ﵀ -:
- ووصفًا.
يعني: ويشترط أن يكون وصف كلٍ من الدين المحال والمحال عليه: متحدًا.
والمقصود بالوصف هنا: كما صرح كثير من الحنابلة: الجودة والرداءة وهو في الحقيقة معنىً أعم من الجودة والرداءة لكن الغالب أن يكون هذا المقصود.
بناء على هذا: لا يجوز أن نحيل بصحاح على مكسة.
فإذا كان مطلوب من الشخص مائة درهم صحيحة لا يجوز أن نحيل هذا الدين على شخص آخر يطلب منه مائة درهم مكسرة.
ولا يجوز أن نحيل مغشوش على سليم ولا بسليم على مغشوش.
ولا يجوز أن نحيل قمحًا سليمًا جيدًا من إنتاج هذه السنة على قمح قديم فاسد.
وهكذا.
[ ٤ / ١٣٥ ]
= والقول الثاني: أنه يجوز اختلاف الصفة إذا كان المحال عليه أجود.
يعني: إذا كان من صالح المحال.
استدلوا على هذا:
- أن هذا لا يعدو أن يكون تبرعًا من المحيل. والتبرع إنما هو بالزيادة. بزيادة الحسن في الصفة.
= والقول الثالث: الجواز مطلقًا. سواء كان الدين المحال أو المحال عليه أجود أو أردأ فالجميع جائز. بشرط رضا الجميع: المحيل والمحال عليه.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأنه لا حرج ولا ضرر شرعي من إحالة الرديء على الجيد أو الجيد على الرديء ما دام المحال رضي والمحيل رضي. فإنه ليس في هذا العقد جهالة ولا ضرر ولا ربا ولا قمار ولا أي مانع شرعي.
والقول الأخير أجود لأن المنع من المعاملات يحتاج إلى دليل واضح. فالأصل فيه الحل.
ثم الناس قد يحتاجون إلى هذا العمل بكثرة بأن نحيل شيئًا جيدًا على رديء أو رديء على جيد لغرض أو لآخر.
فالأقرب إن شاء الله الجواز.
- ثم قال - ﵀ -:
- ووقتًا.
المقصود بالوقت: أن يستويا في التأجيل والتعجيل.
وذلك بأن يكون الدين المحال والدين المحال عليه كلاهما مؤجل أو كلاهما معجل.
= والقول الثاني: الجواز إذا كان الدين المحال عليه معجل.
فيجوز للإنسان أن يحيل دينًا مؤجلًا على دين معجل.
= والقول الثالث: الجواز مطلقًا.
وإذا تأملت فستجد أن اخلاف في هذه المسألة قريب من الخلاف من مسألة الصفة.
لماذا؟ لأن التأجيل والتعجيل من جملة الصفات وإنما نصوا عليه لأنه مهم.
ولهذا تجد أن الخلاف متقارب جدًا.
قبل أن نتجاوز مسألة التأجيل هو كما قلت لكم والقول في الخلاف في المسألتين واحد والأقرب القول الأخير.
إلا أنه فقط من خلال البحث لم أجد من العلماء المتقدمين سوى المعاصرين من قال بالجواز مطلقًا في مسألة التأجيل والتعجيل.
بحثت عن قائل من المتقدمين - حسب ما تيسر من الوقت - ولم أجد هذا القول إلا للمعاصرين.
فيحتاج فقط أن يتثبت الإنسان أن لا تكون المسألة محل اتفاق فإن كان فيه هناك خلاف فالراجح القول الأخير.
- يقول - ﵀ -:
- وقدرًا.
يعني: ويشترط لصحة الحوالة اتفاق الدينين في القدر فلا يجوز أن نحيل بخمسة على ستة.
[ ٤ / ١٣٦ ]
- لأنا إذا أحلنا خمسة على ستة صارت المسألة معاوضة وصار المحال يكسب على المحيل وموضوع الحوالة أن لا كسب فيها إنما استيفاء فقط.
وهذا القول صحيح أو وهذا الشرط صحيح. أنه يجب أن يتساوى [].
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يؤثر الفاضل.
مقصود المؤلف - ﵀ - بهذه العبارة أنه لا يؤثر أن:
ـ تحيل بعض الدين على دين مساوي.
ـ أو تحيل الدين على بعض الدين الذي في ذمة الآخر.
مثال الصورة الأولى: أن يحيل الإنسان بخمسة على خمسة من عشرة.
فإذا كان زيد مطلوب خمسة آلاف وهو يطلب عمرو عشرة آلاف فأحال الشخص الذي يطلبه خمسة آلاف على خمسة من العشرة التي عند زيد فلا بأس.
- لأن الفاضل وهي الخمسة الأخرى لا تؤثر في العقد.
كذلك العكس/ لو أحال بخمسة من عشرة على خمسة.
بأن يكزم زيد مطلوبًا عشرة آلاف وهو يطلب عمرو خمسة آلاف فأحال الدائن بخمسة من العشرة على الخمسة التي عند زيد فلا حرج.
- لأن زيادة الدين لا تؤثر أيضًا في صحة الحوالة.
وهذا معلوم لكن المؤلف - ﵀ - أراد أن يبين أن الفاضل لا يؤثر على الباقي.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإذا صحت: نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبريء المحيل.
إذا استوفت الحوالة الشروط اللازمة للصحة نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه لاولا يرجع الحق مطلقًا ولو تعذر إيفاء المحال عليه بالدين أو أفلس أو مات أو ماطل. فإنه لا يرجع المحال على المحيل مطلقًا متى استوفت الشروط.
وإلى هذا القول ذهب الجماهير - الجماهير من الفقهاء ذهبوا إلى أنه إذا استوفت الشروط فإنه ليس للمحال أن يرجع على المحيل مطلقًا ولو تعذر استيفاء الحق.
واستدلوا على هذا بأدلة:
من أقواها:
- الحديث: فقالوا النبي - ﷺ - أمره فقال: (إذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل).
والأمر في (فليحتل) للوجوب. وهذه خارج الصحيحين.
وفي اللفظ الآخر - في الصحيحين -: (من أتبع على مليء فليتبع).
هذا الدليل الأول.
- الدليل الثاني: أنه روي عن علي بن أبي طالب أنه رأى أن لا يرجع المحال على المحال عليه.
[ ٤ / ١٣٧ ]
فقد أحال رجلًا - هو - ﵁ - يطلبه على رجل آخر فمات المحال عليه فرجع الدائن إلى علي فلم يقبل رجوعه - ﵁ -.
- الثالث: قالوا: أن الحوالة مشتقة من النقل فهي تنقل الحق من ذمة إلى ذمة. والمنقول لا يعود.
= القول الثاني: أن المحال له أن يرجع إذا تعذر استيفاء الحق بإعسار أو موت. وهذا مذهب الأحناف.
واستدلوا على هذا:
- بأن المقصود من الحوالة الإرفاق بالاستيفاء فإذا لم يحصل الاستيفاء بموت أو إفلاس أو مماطلة لم يحصل الغرض من الحوالة وجاز له الرجوع.
هذه المسألة من مهمات الباب - من أهم مسائل الباب.
= القول الثالث: أن له الرجوع مطلقًا.
واستدل أصحاب هذا القول:
- بأن الحوالة ليست إلا إذن بالاستيفاء من المحال عليه فقط ولذا فللمحال أن يرجع على المحيل.
فكأنه أذن له بأن يستوفي حقه من المحال عليه فإذا أراد أن يرجع: يرجع.
والأصل أن ذمة المحيل ما زالت مشغولة بالدين.
أي الأقوال أرجح؟ (مناقشة مع الطلاب في أيه القول الراجح ) شيخ الإسلام يرجح القول الثالث. وهو في الحقيقة عند التأمل والتأني أقرب.
لماذا؟ لأنا نحمل الحديث على أن الأمر فيه للإستحباب وإلا لم يكن هناك في الحقيقة جواب واضح على الحديث إلا أن نحمله على الاستحباب. فإذا حملناه على الاستحباب جاز لنا أن نقول فعلًا الحوالة ليست إلا إذنٌ في الاستيفاء.
وحمل الحديث على الاستحباب مذهب الجماهير بل حكي إجماعًا ولكن الإجماع ليس بصحيح فإن الإمام أحمد - ﵀ - والإمام ابن حزم - ﵀ - حملوه على الوجوب.
لكن يبدو أن الأقرب حمله على الاستحباب وأن هذا الأمر إنما هو لبيان أنه ينبغي للمحال إذا كان المحال عليه [مريض أن يحتل] «هكذا فهمتها من التسجيل».
أما أثر علي - ﵁ - يحتاج أولًا إلى التثبت من صحته.
ثانيًا: أثر علي هنا يصطدم مع الأصول العامة والأصول العامة هي أن الأصل بقاء الدين في ذمة المدين وأن مال الإنسان محفوظ.
والأصول العامة التي تدل على أن مال الإنسان محفوظ تدل على رجحان هذا القول [الثاني] لأنا نرجح بأصول دلت عليها النصوص.
[ ٤ / ١٣٨ ]
وطريقة الإمام أحمد - ﵀ - أن الأصل الثابت الذي دل عليه نص لا يترك لفتوى صحابي على أني أكاد أقطع أن بين الصحابة خلاف في هذه المسألة لكن يحتاج ربما الإنسان إلى توسع في البحث لننظر هل خالف الإمام علي أحد أو لا؟
وإلا كما ذكرت يتحرج الإنسان في الحقيقة من مخالفة هذا الأثر لولا وجود هذه الملابسات.
- يقول - ﵀ -:
- ويعتبر رضاه.
هذا هو الشرط الثالث.
يعني: رضا المحيل.
- لأن المحيل لا يلزم بقضاء الدين الذي عليه من دين آخر له إلا برضاه.
وإذا كان هذا هو الشرط الثالث علمت أن المؤلف في الحقيقة قدم وأخر. لأنه يقول: (وإذا صحت) وهذه العبارة يؤتى بها بعد إتمام الشروط. فلو أخر قوله وإذا صحت إلى بعد (ويعتبر رضاه) لكان من حيث الترتيب الفقهي أوجه.
- قال - ﵀ -:
- لا رضى المحال عليه.
يعني: لا يشترط رضى المحال عليه.
وهذا مذهب الجماهير.
- لأن النبي - ﷺ - لم يشترط في الحديث رضى المحال عليه.
- ولأن المحيل إذا أحال على المحال عليه فكأنه وكَّل شخصًا ليقبض دينه وهذا جائز بالإجماع بلى رضى المحال عليه.
=والقول الثاني: أنه يشترط رضى المحال عليه.
- لئلا يحيل عليه رجلًا رجلًا شرسًا سيء الأخلاق صعب المطالبة.
فيقول المحال عليه للمحيل لا أرضى أن تحيل علي فلانًا فإنه صعب والمعاملة معه عسرة وقد أتأذى من مطالبته إلى آخره. وهذا مذهب الأحناف. وهذا القول ضعيف. لأنا نقول للمحال عليه لئلا تتأذى أدِّ ما عليك لأن ذمته مشغولة بالحق فلا يعتذر بسوء المعاملة.
- قال - ﵀ -:
- ولا رضى المحتال على مليء.
يعني: لا يشترط رضى المحتال بشرط أن تكون الحوالة على مليء.
فإذا أحيل على مليء وجب عليه أن يحتال. وانتقل الحق بغير إرادته من ذمة المدين الأصلي إلى ذمة المحال عليه.
استدب الحنابلة والجمهور على هذا:
- بالحديث. وهو أن النبي - ﷺ - قال: (وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) والأمر في الحديث للوجوب عند الحنابلة.
واستدلوا على هذا أيضًا:
- بأن للمحيل أن يوكل من يقبض عنه بلا رضاه وله أن يوكل من يسدد عنه بلا رضاه فكأنه وكل المحال عليه بسداد الدين.
[ ٤ / ١٣٩ ]
= والقول الثاني: أنه يشترط رضى المحال. وأنه إذا أحيل على رجل لا يرضاه ولو كان مليئًا فإنه لا يلزمه.
- لأن الإحالة قد تدخل الضرر على المحال وإن كان المحال عليه مليء.
فبعض الناس قد يسدد مباشرة ولكن مع الإيذاء فهو إذا سدد بلا تأخير فهو مليء لكن قد يؤذي مع هذا التسديد يؤذي كما هو معلوم من أمثلة كثيرة.
وهذا القول الثاني في الحقيقة هو الصحيح والدائن محسن فكيف نلزم الدائن بأن يحتال أو بأن يذهب ويحال إلى رجل سيء الأخلاق وإن كان مليئًا.
لاشك في ما يظهر لي بعد التأمل أنه لا يلزمه ولا يجب عليه وله أن يمتنع من الإحالة.
وإن كان عامة العلماء والجمع الغفير منهم على القول الأول.
لكن هذا القول الثاني في الحقيقة وجيه وقوي.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن بان مفلسًا ولم يكن رضي: رجع به.
مقصود المؤلف - ﵀ - إذا لم يرض المحال بالحوالة ثم بعد أن أحيل تبين أن المحال عليه مفلس: رجع على المحيل. وهذا الحكم بالإجماع.
إذا لم يرض ثم تبين أن المحال عليه مفلس رجع بالإجماع.
وهذا الحكم في هذه المسألة هو حكم لصورة من هذه المسألة.
فهذه المسألة لها صور:
ـ الصورة الأولى: هي التي ذكرها المؤلف - ﵀ - وذكرتها لك.
ـ الصورة الثانية: أن يحال برضاه - أن يرضى بالحوالة - ولكنه لم يشترط أن يكون المحال عليه مليئًا ثم تبين أنه معسر.
«الأذان».
إذًا: الصورة الثانية إذا رضي المحال بالإحالة ولم يشترط أن يكون المحال عليه موسرًا ثم تبين أنه معسرًا أو مماطلًا.
= فعند الحنابلة: لا يرجع. ويبرأ المحيل.
واستدلوا على هذا:
- بأن المحال فرَّط ولم يشترط الملاءة - أو الغنى أو اليسار.
= والرواية الثانية عن الإمام أحمد - ﵀ -: أنه له الرجوع إذا تبين أنه مماطل أو معسر.
- لأن النبي - ﷺ - إنما أمر بأن يتبع إذا كان مليئًا وقد تبين أنه ليس ملئيًا.
والقول الثاني هو الصحيح إن شاء الله لأنه هو الذي يدل عليه الحديث.
ـ الصورة الثالثة والأخيرة: أن يحال بالدين مع اشتراط المحيل غنى المحال عليه.
الذي اشترط هو المحيل. يعني: قال أحيلك على زيد وأشرط لك أنه مليء.
[ ٤ / ١٤٠ ]
ثم إذا تبين أنه ليس بمليء رجع: عند الحنابلة وعند غيرهم.
- لأن الشرط تخلف. والمسلمون على شروطهم.
- يقول - ﵀ -:
- ومن أُحيل بثمن مبيع فبان البيع باطلًا: فلا حوالة.
إذا أحيل بثمن مبيع ثم بان البيع باطلًا فلا حوالة. صورة المسألة/
أن يحيل المشتري البائع بقيمة الثمن على شخص ثالث. مدين للمشتري ثم تبين أن البيع باطل بأن كان المبيع ملكًا لشخص آخر غير البائع أو تبين أن المبيع - أنه خمر أو خنزير أو كل عين لا يصح العقد عليها حينئذ لا حوالة.
يعني: تبطل الحوالة.
وعللوا ذلك: - بأن الحوالة تمت على ثمن المبيع وهنا لا يوجد ثمن للمبيع لأنه لا يوجد بيع أصلًا.
- يقول - ﵀ -:
- أو أُحيل به عليه.
صورة المسألة/ أن يحيل البائع على المشتري بثمن السلعة بدين سابق عليه.
في الصورة الأولى: من المحيل؟ المشتري.
في الصورة الثانية: المحيل من؟ البائع.
والإحالة في الصورتين على ثمن السلعة.
ثم إذا تبين أن البيع باطل للأسباب السابقة فلا حوالة.
وهذا الحكم صحيح.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإذا فسخ البيع: لم تبطل.
إذا فسخ البيع: يعني: لخيار أو لعيب أو لتدليس فإن الحوالة لا تبطل بل تبقى صحيحة.
وظاهر كلام الشيخ المؤلف - ﵀ - أن الحوالة إذا فسد البيع صحيحة قبل القبض وبعد القبض.
والصواب أن في المسألة تفصيلًا.
في الصورة الأولى أن يحيل «أقيمت الصلاة انتهى الدرس».
[ ٤ / ١٤١ ]
الدرس: (٢٦) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا في الدرس السابق في الكلام عن الحوالة إذا أحال البائع المشتري وتبين أن البيع باطل ورأي الحنابلة في هذه المسألة وكنا توقفنا على المسألة الأخرى وهي: إذا تبين أن البيع فاسد وليس بباطل والحنابلة يفرقون بين أن يتبين أن البيع باطل أو يتبين أنه فسخ بالفساد.
فيما يتعلق بالبطلان: تقدم معنا.
- يقول المؤلف - ﵀ -:
- وإذا فسخ البيع: لم تبطل.
[ ٤ / ١٤٢ ]
يعني: وإذا فسخ البيع بسبب من الأسباب الموجبة للفسخ: كالعيب أو الخيار أو أي سبب يوجب الفسخ وأشهرها العيب والخيار.
فإذا فسخ البائع والمشتري العقد وقد أحال المشتري البائع بالثمن فإنه عند الحنابلة: تصح الحوالة مطلقًا.
ومعنى: (مطلقًا) أي: قبل وبعد القبض.
وفي الحقيقة المسألة فيها تفصيل.
وللمسألة صورتان:
- الصورة الأولى: أن يكون بعد القبض. صورة المسألة: أن يحيل المشتري البائع بالثمن على طرف ثالث ويقبض البائع الثمن من المحال عليه. فيتم القبض ففي هذه الصورة: الحوالة صحيحة قولًا واحدًا عند الحنابلة بلا خلاف لأن القبض تم وصح.
وإذا صح القبض وتم ترتبت عليه آثاره.
- الصورة الثانية: أن يكون ذلك أي: الفسخ قبل القبض. مثل/ أن يحيل البائع أم أن يحيل المشتري البائع بالثمن وقبل أن يقبض البائع من المحال إليه الثمن: انفسخ العقد بعيب أو بخيار أو لأس سبب من أيباب الفسخ.
فالحنابلة يصححون الحوالة حتى قبل القبض. فالحكم عند الحنابلة قبل وبعد واحد.
ويستدل الحنابلة على هذا: أي تصحيح الحوالة ولو قبل القبض:
- بأن هذه الحوالة: حوالة صحيحة استوفت الشروط فصحت ولزمت وانتقل الحق تمامًا من ذمة المشتري إلى ذمة المحال عليه. وصار المشتري بريء الذمة والمسألة بين البائع والمحال عليه.
= القول الثاني: أن الحوالة قبل القبض لا تصح. وعلى هذا لا يبرأ المحيل وهو المشتري. ويخرج البائع لا دائنًا ولا مدينًا لأن العقد انفسخ ورجع الثمن.
ويرجع المشتري يطالب المحال عليه كما كان قبل العقد.
وإلى هذا ذهب عدد من المحققين من الحنابلة وهذا القول هو الصحيح: أنه قبل القبض لا تصح الحوالة لأنا تبينا أن لا ثمن ولا عقد.
وإذا كانت العلة في بطلال الحوالة في مسألة بطلان البيع أنه تبينا أن لا ثمن على المشتري كذلك هنا تبينا أن لا ثمن وإن اختلف السبب إلا أن النتيجة واحدة وهي أنه لا ثمن.
فتلخص معنا الآن:
أن الحوالة تصح في صورة واحدة وهي ما إذا قبض الثمن.
- يقول - ﵀ -:
- ولهما أن يحيلا.
يعني: وللمحال أن يرجع فيحيل مرة أخرى لتبرأ ذمته.
فإذا أحال المشتري البائع ثم تبينا البطلان فللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه.
[ ٤ / ١٤٣ ]
يعني: يرجع الوضع كما كان.
وهذا التقرير من الحنابلة يدل على رجحان القول بأنه إذا انفسخ البيع فلا حوالة وإلا ما معنى أن نصحح الحوالة ثم نقول: يرجع كل ما كان على وضعه الأول بأن يحيل من أحيل عليه مرة أخرى.
إذًا صارت النتيجة واحدة سيقوم البائع بإحالة المشتري على من أحاله المشتري عليه.
إذًا النتيجة واحدة.
وهذا يدل كما قلت - إن شاء الله - على رجحان بطلان الحوالة فيما إذا لم يقبض الثمن.
وبهذا انتهى باب الحوالة وننتقل إن شاء الله إلى باب الصلح.