قال المؤلف ﵀:
(باب الخلع)
هذا الباب من الأبواب المهمة، لأنّ حاجة الناس إليه كثيرة.
ووضع المؤلف باب الخلع بعد النشوز من الترتيب الحسن، لأنه إذا لم ينفع العلاج القرآني في النشوز، فإن الحل سيكون إما بالطلاق أو بالخلع، وقدّم الخلع هنا لأنّ الطلاق له كتاب خاص.
الخلع في لغة العرب هو: النزع والتجريد، ووجه التسمية أنّ كلًا من الرجل والمرأة إذا حصل بينهما عقد النكاح صار لباسًا للآخر فإذا خالعته كأنها نزعت هذا اللباس.
[ ٥ / ٢٨٢ ]
وأما في الشرع: فالخلع فراق الزوج زوجته بعوض، هذا حقيقة الخلع.
والخلع مشروع بالكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [النساء/٣] ورفع الجناح يدل على الجواز.
وأما السنة فحديث ابن عباس - ﵁ - وما فيه من قصة ثابت، وستأتينا لأنّ هذا الحديث هو أصل الباب.
وأيضًا أجمعت الأمة على مشروعية الخلع، ولم يخالف في هذا إلاّ بكر المزني وهو تابعي مشهور - ﵁ ورحمه - ولكن استقرّ الأمر على أنّ الخلع مشروع جائز.
بهذا عرفنا تعريف الخلع لغة وإصطلاحًا وأنه مشروع.
قال المؤلف ﵀:
(من صح تبرعه من زوجة، وأجنبيّ صحّ بذله لعوضه)
ذكر المؤلف هنا الضابط فيما يصح أن يبذل العوض، فالضابط أنّ كل من صح تبرعه صح أن يبذل العوض، وخرج بهذا من لايصح تبرعه، ومن أمثلته: المحجور عليه لسفه، لا يجوز له ولا يصح من أن يبذل العوض في الخلع، لأنّ الخلع فيه تبرع ولا يجوز له أن يتبرع، فإذا كانت المرأة سفيهة محجور عليها لسفهها فلا تستطيع أن تخالع.
مسألة/ لا تسطيع أن تخالع ولو أذِن لها الولي، لأنّ الولي ليس له الحق فالإذن بالتبرعات.
والقول الثاني: أنها إذا خالعت بإذن الولي وكان في هذا الخلع مصلحة لها جاز وإلاّ فلا، فإذا أذن لها الولي لأنّ مصلحتها في المخالعة فحينئذ يصح الخلع، ويصح بذل هذه المرأة للعوض، وهذا القول الأخير إن شاء الله أقرب وهو إختيار العلامة المر داوي - ﵀ -.
مسألة /ذكرنا حكم المحجور عليها لسفه، أما المحجور عليها لفلس فهذه يصح تصرفها في الذمة، ولهذا يصح أن تخالع، ويثبت العوض في ذمتها، لأنّ لها تصرفًا صحيحًا في الذمة.
قال المؤلف ﵀:
(من زوجة، وأجنبيّ (
[ ٥ / ٢٨٣ ]
أخذنا التفصيل في الزوجة، نأتي إلى الأجنبي يصح عند الأئمة الأربعة، أن يبذل عوض الخلع رجل أجنبي أو إمرأة أجنبية، ولو بغير رضا الزوجة، واستدل الأئمة على هذا بأنّ هذه معاضة فجازت من الأجنبي.
القول الثاني: أنّ الأجنبي لا يصح أن يبذل عوض الخلع، وهذا مذهب الفقيه الكبير أبي ثور - ﵀ -.
واستدل على هذا بأنّ بذل العوض لمخالعة زوجة الغير سفه، لأنه لا فائدة للباذل من هذا البذل، إذ ماذا ينتفع الإنسان من بذله عوضًا لخلع زوجة الآخر.
القول الثالث: أنه يصح للأجنبي بشرط أن يكون القصد من المخالعة تخليص الزوجة من رقّ الزوج لمصلحتها، يعني وإلاّ فلا يجوز، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام - ﵀ - وهو قول قوي، فإذا بذل العوض بقصد مصلحة الزوجة، فهو جائز وهو إن شاء الله مثاب على هذا العمل.
قال المؤلف ﵀:
(فإذا كرهت خُلُق زوجها، أو خَلقهُ، أو نقص دينه، أوخافت إثمًا بترك حقِّهِ أُبيح الخل)
انتقل المؤلف لبيان متى يجوز للمرأة أن تطلب الخلع، وذكر أربعة أمثلة، يجوز فيها للمرأة أن تطلب الخلع.
المثال الأول: إذا كرهت خُلُق الرجل، يعني كرهت أخلاقه وتصرفه معها وفي البيت.
الثاني: إذا كرهت خَلقَه، فإذا صارت تكره خلقه وترى أنه لايعجبها، فلها حينئذ أن تطالب بالخلع.
الثالث: نقص دينه، إذا كرهت منه نقص دينه، بأن لا يأتي بالفرائض على وجهها، أو ألاّ يصلي مع الجماعة، أو أن يتعاطى الذنوب أياّ كان نوعها، فإن هذا من الأسباب المسوغة لطلب الخلع.
الأخير: خافت إثمًا بترك حقه، إذا خافت إثما بترك حقه جاز لها أن تخالع، ولو كانت لا تعيب خلَقه ولا خُلُقه ولا دينه فإنه أحيانًا تكره المرأة الرجل بلا سبب، وتكون هذه الكراهة من أسباب عدم قيامها بالواجب عليها، حينئذ يجوز لها أن تخالع، الدليل على جواز الخلع في هذه الصورة الآية والحديث:
أما الآية فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [النساء/٣] فنصت على أنه إذا خافت ألاّ تقيم حدود الله أي ألاّ تؤدي الواجب عليها جاز لها أن تخالع.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
وأما الحديث فهو حديث ابن عباس الذي أشارت إليه، فإنّ زوجة ثابت بن قيس أتت النبي - ﷺ - وقالت يارسول الله لا أنا ولا ثابت. وفي رواية في الصحيح، قالت لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، ولكني أكره الكفر، ومقصودها بالكفر أي كفران العشير، والنبي - ﷺ - لما سمعها تقول لا أعيب خلق ولا دين، أقرّها على أنها لو كانت تعيب عليه خلق أو دِين جاز أن تخالعه، فأخذنا من مجموع الآية والحديث، أنه إذا وجدت هذه الأسباب ونظائرها جاز للمرأة أن تطلب الخلع.
قال المؤلف ﵀:
(وإلاّ كره ووقع)
مقصود المؤلف بقوله وإلاّ كره ووقع يعني أنه مع استقامة الحال يكره للمرأة أن تطلب الخلع، واستدلوا على الجواز بقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ [النساء/٤] فدلت الآية على أنّ المرأة إذا طابت نفسها بشيء من المهر عوضًا جاز مطلقًا، وإلى هذا ذهب الجماهير يعني ذهبوا إلى الجواز مع الكراهة.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد - ﵀ - ومذهب داود الظاهري واختاره من المحققين ابن المنذر - ﵀ - أنه لا يجوز في هذه الحالة الخلع، واستدلوا بثلاثة أدلة:
الدليل الأول: أنّ الآية إنما أباحت الخلع إذا خافوا ألاّ يقيموا حدود الله، ومع استقامة الحال، لا يتحقق الشرط.
الدليل الثاني: قول النبي - ﷺ - (أيما امرأة طلبت الطلاق من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة) والخلع نوع من الفراق فيقاس على الطلاق.
الدليل الثالث: قول النبي - ﷺ - (المختلعات والمتبرجات هنّ المنافقات)، وحملوا الحديث على المختلعات بغير سبب لأنّ النبي - ﷺ - أقرّ إمرأة ثابت على طلب الخلع، لكن هذا الحديث الأخير ضعيف.
والراجح والله أعلم القول الثاني، وفي ظنيّ أنّ هذه المسألة نظرية، لأنّ المرأة لماذا تطلب الخلع مع استقامة الحال، يعني يبعد أن تطلب الخلع مع استقامة الحال، لكن لو فرض أنّ إمرأة مستقيمة الحال مع زوجها وأرادت أن تخالع هكذا، فإنّ الحكم أنّ الجمهور يرون أنّ عملها مكروه، والصحيح أنّ عملها محرم.
قال المؤلف ﵀:
(فإن عضلها ظلمًا للافتداء)
[ ٥ / ٢٨٥ ]
إذا عضلها ظلما للافتداء فإنّ الخلع لا يصح، لقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [البقرة/٢٢٩] فالآية نصّت أنه لا يحل للإنسان أن يعضل المرأة لتفتدي منه.
وعضل المرأة يكون بالتضييق عليها أو بالضرب أو بمنع الحقوق أو بمنع النفقة.
القول الثاني: أنه إذا عضلها لتفتدي ظلمًا، فإنّ الخلع صحيح والعوض حق يكون للزوج لكن مع الإثم، وهذا مذهب الأحناف.
القول الثالث: أنه إذا عضلها لتفتدي منه، فافتدت منه فإنّ الخلع صحيح ولكن مجانًا فيرد العوض، وهذا مذهب للإمام مالك - ﵀ - معاملة له بنقيض قصده، فالإمام مالك ألزمه بالخلع يعني بالبينونة الصغرى مع عدم أخذ العوض، كأنه أراد أن يعاقبه على قصده السيئ، انظر الفرق بين مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة، تمامًا هذا في أقصى الشمال وهذا في أقصى اليمين، وتوّسط بينهما الإمام أحمد، والأقرب والله أعلم مذهب مالك، لأنه عهد في الشرع معاقبة الإنسان بنقيض قصده، فهذا الغال يحرق رحله، ومن امتنع من الزكاة أخذت شطر ماله، فإذا نرى أن الشارع قد يعاقب الإنسان بنقيض قصده، كما أنّ في هذا ردعًا للأزواج الظلمة وإغلاقًا لباب مضايقة المرأة لتفتدي منه بغير حق، فإنّ بعض الأزواج إذا كره زوجته ولم يجد عليها أي خطأ ويريد استرداد المهر صار يظلمها ويعضلها ويضايقها حتى تفتدي، ولاشك أنّ هذا ظلم، لأنه إذا أراد هو أن يطلق فليطلق وليبقى المهر عند الزوجة، لكن بعضهم يتخذ هذا الأسلوب حيلة لاسترداد المهر، وهو مردود عليه.
قال المؤلف ﵀:
(ولم يكن لزناها)
هذه العبارة استثناء من العبارة السابقة، يعني إن عضلها لزناها صح لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [النساء/١٩] والآية نصّ في أنّ إذا أتت المرأة بفاحشة جاز للرجل أن يعضلها وأن يضايقها بمختلف التصرفات حتى تفتدي منه، لأنّ هذه المضايقات والعضل بحق، فهذه الصورة المستثنى من الأول.
[ ٥ / ٢٨٦ ]
المستثنى الثاني قوله (أونشوزها أو تركها فرضًا ففعلت) يعني إذا عضلها لأنها نشزت عليه بترك الطاعة أو بترك الفرائض، فإنه يجوز له أن يعضلها، وأن يضايقها لتفتدي منه، لأنّ العضل بالضرب ومنع الحقوق حينئذ بحق، وإذا كان بحق جاز له أن يأخذ العوض المترتب عليه، فاستثنى المؤلف من العضل هاتين الصورتين فقط، إذا أتت بفاحشة أوكان العضل بسبب النشوز.
قال المؤلف ﵀:
(أو خالعت الصغيرة، والسفيهة، والمجنونة، والأمة بغير إذن سيدها لم يصح)
إذا خالعت الصغيرة والمجنونة والسفيهة لم يصح، وهذا تأكيد لما سبق لأنه تقدم معنا أنّ من لا يصح تبرعه لا يصح بذله للعوض في الخلع، وهؤلاء المجنونة والصغيرة والسفيهة لا يصح أن يتبرعوا فلا يصح أيضًا أن يبذلوا العوض في الخلع، ويأتي معنا الخلاف السابق إذا بذلوه بإذن الولي، على المذهب لا يصح وعلى القول الثاني يصح، وتقدمت هذه المسألة.
قال المؤلف ﵀:
(والأمة بغير إذن سيدهالم يصح)
يعني ولا يصح للأمة أن تخالع بغير إذن سيدها، تعليل ذلك: أنّ التصرف في الشرع فرع عن الملك، والأمة لا تملك فلا تتصرف، لهذا نقول لا يصح تصرفها وهو باطل إلاّ في حالة واحدة إذا أذن لها السيد.
القول الثاني: أنه يصح للأمة أن تخالع إذا خالعت في ذمتها، ولا يصح أن تخالع إذا خالعت بمعيّن، لأنه إذا خالعت بذمتها فإنّ هذا لايضر السيد وبإمكانها إذا عتقت أن تؤدي ما عليها لأنه في ذمتها والصواب إن شاء الله أنّ الأمة لاتخالع إلاّ بإذن السيد مطلقًا، لأنها في ملكه وتصرفها يجب أن يكون تحت إمرته وإذنه.
قال المؤلف ﵀:
(ووقع الطلاق رجعيًا إن كان بلفظه، أو نيته)
[ ٥ / ٢٨٧ ]
هذا الحكم راجع لجميع المسائل التي ابتدأها بقوله (فإن عضلها ظلمًا لتفتدي) بمعنى أنه لما بيّن مجموعة من المسائل لايصح فيها الخلع أراد أن يبيّن ماذا يكون حكمه إذا لم يصح الخلع، فذكر أنه إن خالع بلفظ صريح الطلاق أو بكنايته مع النية، فهو طلاق رجعي، وإن كان بغير لفظ صريح الطلاق ولابنيته فهو لاشيء، إذا عرفنا الآن فهذه المسائل التي حكمنا عليها أنّ الخلع لايصح ماذا يكون بعد ذلك؟ فعند الحنابلة أنّ هذا الخلع الذي لايصح إن كان بلفظ الطلاق الصريح أو بكنايته مع نيته فهو طلاق، وإن كان بغيرهما فهو؟ لاشيء، ولا يعتبر شيئًا، وسيأتينا مسألة هذا الطلاق، هل الخلع بلفظ الطلاق طلاقًا أو فسخًا؟
فصل
قال المؤلف ﵀:
(والخلع بلفظ صريح الطلاق، أو كنايته. وقصده طلاق بائن)
هذه المسألة التي ابتدأ فيها المؤلف هذا الفصل من أهم المسائل، يقول المؤلف ﵀ (والخلع بلفظ صريح الطلاق بائن (
ذكر الشيخ صورتين يكون الخلع فيهما طلاق بائن ومقصوده بكلمة بائن أي بينونة صغرى
الصورة الأولى: إذا كان بصريح لفظ الطلاق أو بكنايته مع النية، وإلى هذا القول ذهب الأئمة الأربعة، بل ابن قدامه هو إجماع أنّ الخلع إذا كان بهذا اللفظ فهو طلاق بائن، استدلوا على هذا الحكم الجماهير بأدلة:
الدليل الأول: قول النبي - ﷺ - في صحيح البخاري لثابت: خذ الحديقة وطلقها تطليقه، فقالوا النبي - ﷺ - إنما يتكلم باللفظ الشرعي فقوله طلقها تطليقه، يعني أنّ هذا الفسخ يكون طلاقًا لكنه بائن بسبب وجود ماذا؟ العوض.
الدليل الثاني: أنّ هذا مروي عن ثلاثة من الصحابة عثمان وعلي وابن مسعود - ﵃ -.
الدليل الثالث: أنّ الفرقة التي يملكها الرجل إنما هي الطلاق فإذا فارق زوجته فقد طلقها، هذه أدلة الجماهير.
نأتي الجواب على الأدلة أما الجواب عن الدليل الأول: فإنّ هذا اللفظ وإن كان في صحيح البخاري إلاّ أنه معلول ولايثبت وهو شاذ، بل من جملة من أشار إلى ضعفها الإمام البخاري في الصحيح فهذا اللفظ لا يثبت إنما اللفظ الصحيح أنه قال - ﷺ - خذ الحديقة وفارقها.
[ ٥ / ٢٨٨ ]
الدليل الثاني: الآثار المروية عن الصحابة وقد نصّ الإمام أحمد أنه لا يثبت منها شيء، هي ضعيفة ولا تثبت عن أحد من أصحاب النبي ﷺ.
أما الدليل الثالث: فهو استدلال بمحل النزاع هو يقول لاتوجد فرقة إلاّ طلاق، ونحن نقول توجد فرقة هي فسخ وليست طلاق، فليس له أن يستدل بمحل النزاع.
القول الثاني: ولاشك أنه لايغيب عن ذهنك أنّ القول حكي إجماعًا، القول الثاني رواية عن الإمام أحمد وهي مذهب قدماء أصحابه كما يقول شيخ الإسلام وهو إختيار ابن القيم وإختيار شيخ الإسلام - رحمهما الله - ولما رأيت أنّ شيخ الإسلام يقول أنّ هذا رواية عن الإمام أحمد واختيار قدماء أصحابه تعجبت من حكاية ابن قدامة الإجماع، لو أنّ شخصًا آخر غير ابن قدامة حكى الإجماع لكان الأمر قريب لكن ابن قدامة أحد المخالفين في الرواية، كما أنّ قدماء الأصحاب وهو يعرفهم اختاروا هذا القول فلا أدري ما وجه حكاية الإجماع هل هو لم يقف على أقوالهم أو يرى أنهم رجعوا، هو في الحقيقة محل إشكال كيف يحكي الإجماع.
أدلة القول الثاني الدليل الأول: أنّ هذا ثابت بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه يعتبر هذه الصيغة فسخًا وليست طلاقًا.
الثاني: أنّ الله تعالى ذكر في القرآن الطلاق ثم الطلاق يعني ذكر التطليقتين ثم الخلع ثم الطلاق، قال ابن عباس ولو كان الخلع طلاقًا لكان الطلاق في كتاب الله أربعة، والأمة أجمعت أنّ الطلاق ثلاث مرات، الراجح إن شاء الله القول الثاني وضابط هذا القول أنّ أي فرقة تمت بعوض فهي فسخ وليست طلاق مهما كانت صيغة الفراق هذا هو الضابط للقول الثاني، إذا عرفنا الآن الحكم فيما إذا خالع بلفظ صريح الطلاق أوبكنايته مع النية.
قال المؤلف ﵀:
(وإن وقع بلفظ الخلع، أو الفسخ، أو الفداء ولم ينوه طلاقًا كان فسخًا لاينقص عدد الطلاق)
[ ٥ / ٢٨٩ ]
إذا خالع بغير اللفظين السابقين، لا بصريح الطلاق ولا بكنايته مع النية، وإنما خالع بألفاظ أخرى، كلفظ الخلع أو الفسخ فإنّ الحكم عند الحنابلة أنه فسخ وليس بطلاق، ولا ينقص به عدد الطلاق، وهذا القول من مفردات الحنابلة، والجماهير أيضًا حتى في هذه المسألة على أنه طلاق، واستدلوا بالآثار المروية عن عثمان وعلي وابن مسعود، فإنها عامة تشمل الخلع الذي يكون بلفظ الطلاق أو بلفظ الفسخ، واستدل الحنابلة بأثر ابن عباس حيث اعتبر هذا فسخًا ولم يعتبره طلاقًا، وإذا كنّا نرجح أنّ الخلع بلفظ صريح الطلاق فسخ فإذا بلفظ الفسخ أو الخلع فمن باب أولى سيكون ماذا؟ فسخًا وليس طلاقًا ولاينقص به عدد الطلاق.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يقع بمعتدة من خلع طلاق ولو واجهها به)
معنى ولو واجهها به يعني ولو قال لها في وجهها أنت طالق، ذهب الحنابلة إلى أنّ المختلعة في عدة الخلع لا يلحقها طلاق، واستدلوا بدليلين:
الدليل الأول: أنّ هذا مروي عن ابن عباس وعن ابن الزبير - ﵄ -.
الثاني: القياس على المطلقة إذا انقضت العدة، والجامع ما هو الجامع في هذا القياس؟ عدم إمكانية المراجعة في الصورتين هذا هو الجامع، وهو جامع صحيح.
القول الثاني: للأحناف أنّ الطلاق يقع عليها إذا واجهها به، واستدلوا بقول النبي - ﷺ - إذا قال للمختلعة في عدتها أنت طالق فقد طلقت، فالحديث فيه قيد أن تكون في عدتها وفيه قيد أن يواجهها به، يعني بلفظ الطلاق
والجواب: أنّ هذا الحديث لا أصل له أشد من أن يكون ضعيفًا لا أصل له، والراجح إن شاء الله أنه لايقع عليها طلاق في زمن العدة.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يصح شرط الرجعة فيه)
اشتمل كلام المؤلف على مسألتين:
المسألة الأولى: أنه لا رجعة في الخلع سواء قلنا هو فسخ أو طلاق، لأنّ الله ﷾ سمى العوض فداء، ولا يكون فداء إلاّ بذلك، يعني بأن لا يملك المراجعة، وهذا واضح.
[ ٥ / ٢٩٠ ]
المسألة الثانية: أنه لو شرط المراجعة، فلا يصح أيضًا ويكون الخلع صحيحًا والشرط فاسدًا، استدلوا على هذا بأنّ هذا الشرط منافي مقتضى العقد والمقصود منه، فإنّ مقصود المرأة من بذل العوض هو ماذا؟ ألاّ ترجع إليه، ولهذا صححنا العقد وأبطلنا الشرط هذا مذهب الحنابلة وهو واضح.
القول الثاني: أناّ نصحح الشرط ولكن يرد الزوج العوض ويكون طلاقًا رجعيًا، واستدل هؤلاء بأنّ شرط الرجعة لا يجتمع مع العوض فيتساقطان ويبقى أصل الطلاق.
القول الثالث: أنّ الشرط صحيح والعقد صحيح، فيملك الزوج العوض ويملك أن يراجع، لأنّ المرأة رضيت بالشرط بطوعها، ولأنّ الشروط في المعاوضات صحيحة، وشيخ الإسلام يميل لهذا القول، تصحيح الشرط والعقد، والصحيح إن الله المذهب، لأنّ أصل الخلع والمقصود منه أن تملك المرأة نفسها، وأن لا يتمكن الزوج من مراجعتها، فاشتراط ما يسقط هذا المقصود هو في الحقيقة اشتراط اسقاط المقصود بالخلع، والشارع الحكيم إنما شرع عقود المعيّنة لتحقيق المقاصد منها، ولهذا البيع لما كان المقصود منه تلبية حاجات بعض الناس من بعض، لما فقد هذا القصد في الربا أبطله الشارع، كذلك نقول نحن هنا المقصود الشرعي في الخلع لا يجوز شرط اشتراط ما يسقطه.
قال المؤلف ﵀:
(إن خالعها بغير عوض، أو بمحرم لم يصح)
ذكر الشيخ مسألتين:
الأولى: إذا خالعها بغير عوض، هذه المسألة أيضًا مسألة ينبني عليها عدة فروع إذا خالعها بغير عوض لم يصح
الخلع والسبب في هذا أنّ الله تعالى علّق في القرآن الخلع عل وجود الفدية، فإذا لم توجد الفدية لم يصح الخلع، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام.
القول الثاني: أنّ الخلع بغير عوض صحيح، ويكون طلاقًا بائنًا واستدل أصحاب هذا القول بالقياس على الطلاق بجامع أنّ في كل من الصورتين مفارقة يعني في كل من الصورتين قصد المفارقة، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام، فيكون للشيخ في هذه المسألة قولان.
[ ٥ / ٢٩١ ]
تنبيه!!! على القول الثاني إذا صححنا الخلع بغير عوض يجب أن يكون طلاقًا بائنًا ولايكون فسخ، والسبب في ذلك أننا لو صححناه فسخًا لا أمكن للإنسان أن يطلق بلا عدد كما كان في الجاهلية، والطلاق بلا عدد منسوخ في الشرع، ولأجل أن نجعله مغلق نقول هو طلاق بائن ويحسب من الثلاث ولا يكون فسخًا، الأقرب والله أعلم أنّ الخلع لايصح بلا عوض. وإذا أراد أن يفارق زوجته فليكن بالطلاق، لكن أصحاب القول الثاني إنما صححوا الخلع بلا عوض لأنه قد يكون مقصود الزوج أن يقطع الطريق على نفسه في مراجعة زوجته ولا يريد أن يأخذ عوض، وهذا لا يكون إلاّ بالخلع بلا عوض واضح، بعض الناس الآن يعلم أنّ بقاء زوجته معه مضر عليه في دينه ولكن نفسه تتوق إلى هذه الزوجة، ولا يريد أن يأخذ منها مال فالطريقة لكي يتخلص من هذه الزوجة أن يطلقها طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه، ولا يريد هو أن يطلق بالثلاث لأنه لايريد أن يستنفذ الطلقات، حينئذ ليس أمامه إلاّ الخلع بشرط عدم العوض وهذا الذي جعل شيخ الإسلام في الاختيار الثاني يصحح الخلع بلا عوض.
نأتي إلى المسألة الثانية وهي إذا كان الخلع محرمًا، الخلع المحرم على قسمين:
القسم الأول: أن يكون محرمًا بعلم الزوجين يعني أن يعلم الزوجان أنه محرم، فإذا علم الزوجان أنه محرم فالخلع باطل لأنّ العوض محرم.
القول الثاني: أنه صحيح وللزوج مهر المثل، وهذا القول الثاني هو الصحيح، ولو قيل أنّ للزوج قيمة هذا العوض المحرم لكان وجيهًا جدًا لا نقول له مهر المثل، بل نقول له قيمة هذا العوض المحرم.
القسم الثاني: إذا كانا لا يعلمان أنّ العوض محرمًا، فحينئذ يصح الخلع حتى عند الحنابلة، وله بدله، له بدل هذا العوض المحرم.
قال المؤلف ﵀:
(ويقع الطلاق رجعيًا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته)
[ ٥ / ٢٩٢ ]
هذه العبارة تعود للمسألتين السابقتين، وهي الطلاق بغير عوض، والثانية بعوض محرم، فلما قرر المؤلف أنّ الطلاق بغير عوض أو على عوض محرم لا يصح، أراد كذلك أن يبيّن ماحكم هذا الخلع، والحكم عند الحنابلة أنه إن كان بلفظ صريح الطلاق أو بنيته، فله طلاق رجعي، وإن كان بغير لفظ صريح الطلاق ولا بنيته فهو لا شيء بناء على أنّ الحنابلة يرون أنّ الطلاق بغير عوض لا يصح.
إذًا سيكون القول الثاني بناء على تصحيح الطلاق بغير عوض سيكون حكمه في هاتين الصورتين طلاق بائن بينونة صغرى ويحسب من عدد الطلقات، إذًا الآن نرجع لمسألتنا، الشيخ يقول هنا (ويقع الطلاق رجعيًا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) وإن كان بغير لفظ الطلاق ولا نيته فهو عند الحنابلة لاشيء بناء على أنّ الطلاق بغير عوض لايصح عند الحنابلة، وعلى القول بأنّ الطلاق بغير عوض يصح ويكون طلاقًا بائنًا يحسب من الثلاث يكون طلاقًا بائنًا يحسب من الثلاث، واضح وهذا كله مفرع على قضية أنّ الخلع بلفظ صريح الطلاق أو بنيته يكون طلاقًا.
قال المؤلف ﵀:
(وما صح مهرا صح الخلع به)
لإطلاق الآية ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾ [البقرة/٢٢٩] فأيّ شيء تفتدي به فهو صحيح.
قال المؤلف ﵀:
(ويكره بأكثر مما أعطاها)
هذه المسألة في حكم أخذ الزوج أكثر من المهر الذي بذله في العقد، فالحنابلة يرون أنه يجوز للإنسان أن يأخذ أكثر مما أعطى، لكن مع الكراهة، دليل الحنابلة على أنه يجوز مع الكراهة الجمع بين أدلة الأقوال التي ستأتي.
القول الثاني: وهو مذهب الجمهور الجواز بلا كراهة، واستدل الجمهور على الجواز بلا كراهة بأمرين:
الأمر الأول: إطلاق الآية فإنّ الله شرع الافتداء ولم يقيّد هذا الافتداء بشيء.
الثاني: أنه صح عن الصحابة جواز الخلع بكل شيء، حتى خلعت المرأة في زمن الصحابة بكل شيء حتى ما تربط به رأسها، كل شيء، كل ما تملك ومع ذلك صححه بعض الصحابة، وهو صحيح وثابت عنهم.
القول الثالث: عكس الحنابلة أو عكس الجمهور أنه لا يجوز الزيادة مطلقًا، بل لا يأخذ إلاّ ما أعطى، واستدلوا على هذا بدليلين:.
الدليل الأول: أنّ هذا مقتضى العدل، فتفتدي نفسها منه بما ملكها به أليس كذلك؟
[ ٥ / ٢٩٣ ]
الثاني: قالوا أنّ النبي - ﷺ - قال لثابت خذ الحديقة ولا تزداد، فنهاه عن الزيادة وهذا اللفظ لايصح.
الراجح مذهب الجمهور وهو الجواز بلا كراهة لأنّ هذا دلّ عليه الأثر وظاهر القرآن.
مع هذا المحاكم يعملون بعمل جيد في الحقيقة، سألت أنا بعض القضاة ماذا تصنعون إذا طلب الزوج مبلغًا كبيرًا، فهم في الحقيقة يتوسطون وهو قول نحن انتهينا من المسألة العلمية والترجيح، لكن من حيث تأديب الناس والتعامل معهم قول ممتاز جدًا، وهو أنهم يسمحون بالزيادة غير المفرطة، يعني له أن يزيد لكن بلا مبالغة، فهو قول يعني من حيث العمل جيد جدًا، نقول خذ لكن بلا مبالغة لاسيما إذا كان من الزوج شيء من التفريط والخطأ وهذا من السياسة الشرعية المحمودة في الواقع.
قال المؤلف ﵀:
(وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح)
الزوج إذا طلق زوجته وهي حامل، فيجب عليه أن ينفق عليها كما سيأتينا في كتاب النفقات، سواء قلنا أنّ النفقة للحمل كما هو مذهب الحنابلة، أو النفقة لها بسبب الحمل، على أي من القولين يصح أن تخالع بهذه النفقة، فتقول النفقة التي تجب عليك لزمن العدة هي عوض الخلع فيصح والمؤلف يريد أن يشير إلى مسألة، وهي أنّ هذا يصح وإن كنا لا نعلم مقدار النفقة، فقد تكون نفقة كبيرة وقد تكون قليلة، ومع ذلك يصح، وهذه المسألة في الحقيقة ترجع إلى المسألة التالية.
قال المؤلف ﵀:
(ويصح بالمجهول)
يعني وبالمعدوم الذي ينتظر وجوده، أما المعدوم الذي لا ينتظر وجوده فلا يصح، ذهب الحنابلة إلى أنه يصح الخلع بالعوض المجهول واستدلوا على هذا بأدلة:
الدليل الأول: القياس على الوصية.
الدليل الثاني: أنّ الخلع هو عبارة عن إسقاط، فالزوج يسقط حقه من البضع، ونحن مرّ معنا مرارًا أنّ الإسقاطات فيها تسامح، وهذا قاعدة في الفقه أنّ ما يكون من باب الإسقاطات فيه تسامح.
القول الثاني: أنّ الخلع بالمجهول يصح، لكن يجب عليها مهر المثل، نحن نقول القول الثاني يصح ويجب عليها مهر المثل، والقول الأول يصح وللزوج ما أعطت، أي شيء تعطيه هو العوض لأنّا نصحح العوض المجهول.
[ ٥ / ٢٩٤ ]
القول الثالث: أنّ الخلع بالمجهول لا يصح، لأنّ الخلع وإن كان فيه شائبة التبرع، إلاّ أنه في الأصل معاوضة، والجهالة لا تصح في المعاوضات، يبدوا لي أنّ شيخ الإسلام يرى المذهب، والسبب في هذا أنّ الشيخ - ﵀ - صرّح بصحة الخلع الذي فيه غرر، والغرر والجهالة شيء واحد في الفقه، هو لم يصرح فيما وقفت عليه صحة الخلع بالمجهول لكن صرّح بصحة الخلع مع وجود الغرر، فينبغي أن يصحح هذا على كل حال الراجح أنه لا يصح إلاّ أن يكون العوض معلومًا وهو القول الثالث، لأنّ تصحيح الخلع بعوض مجهول يفضي غالبًا إلى الشقاق والنزاع، لاسيما وأنّ الخلع يحصل عادة مع الوفاق أو مع النزاع؟ مع النزاع فإنه يندر أن يكون الخلع مع الوفاق فغالبًا ما يكون مع النزاع، فإذا زاد هذا النزاع نزاعًا آخر بسبب الجهالة استحكمت العداوة والفرقة، ولهذا نقول إن شاء الله الأصح أنه لابد أن يكون معلومًا.
قال المؤلف ﵀:
(فإن خالعته على حمل شجرتها، أو أمتها، أو ما في يدها، أو بيتها من دراهم أو متاع، أو على عبد صح)
هذه المسائل هي تفريع على القاعدة أو على الضابط وهو تصحيح الخلع بالمجهول، لما صحح الخلع بالمجهول أراد أن يذكر مسائل تنبني على هذا الضابط، وذكر ثلاث نماذج من المسائل، المسألة الأولى: (إذا خالعته على حمل شجرتها أو أمتها)
المسألة الثانية: (إذا خالعته على ما في يدها أو ما في بيتها من دراهم أو متاع)
المسألة الأخيرة: (إذا خالعته على عبد وأطلقت ولم تبيّن) ففي الصور الثلاث الخلع صحيح، فإذا خالعته على حمل شجرتها أو أمتها فليس له إلاّ ما تحمل الشجرة وكذلك إذا خالعته على حمل الشاة فليس له إلاّ ما تحمل هذه الشاة، ولو حملت الشاة ومات الولد الذي في بطنها ليس له إلاّ هذا الذي في بطنها، لأنها خالعته على الذي في بطنها، كذلك إذا خالعته على ما في يدها أو ما في بيتها من الدراهم ليس له إلاّ ما في يدها وليس له إلاّ ما في بيتها، ولو كانت الدراهم أقل من ثلاث، التعليل أنها خالعته على ما في يدها وهذا ما في يدها ليس في يدها إلاّ درهم واحد، وهو رضي بأن تخالعه على ما في يدها.
[ ٥ / ٢٩٥ ]
القول الثاني: أنه إذا خالعها على ما في يدها أو ما في الدار من دراهم، ثم تبيّن أنه أقل من ثلاث فله ثلاث يعني دراهم، لأنّ كلمة دراهم لا تصدق على أقل من ثلاث، والراجح المذهب ليس له إلاّ ما في يدها، لأنه رضي بما في يدها وهذا ما في يدها.
وأنا أقول هذا الراجح بناء على جواز الخلع بالمجهول، أو متاع إذا خالعته على ما في بيتها من متاع فله ما في البيت من متاع سواء كان المتاع قليل جدًا أو كان المتاع كثير جدًا له ما في البيت من متاع أيًّا كان قدره.
أو على عبد إذا خالعته على عبد ليس له إلاّ عبد لكن كيف نحدد هذا العبد، بالنسبة لمتاع البيت وما في يدها واضح.
لكن إذا خالعته على عبد وأطلقت فله أقل ما يصدق عليه مسمى العبد، وليس له أن يعترض لأنها خالعته على عبد وأطلقت ورضي.
قال المؤلف ﵀:
(وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقلّ مسماه، وعدم الدراهم ثلاثة)
له مع عدم الحمل يعني إذا خالعته على حمل أمتها ولم تحمل، أو خالعته على المتاع فلما دخلنا البيت لم نجد فيه متاعًا مطلقًا، أو خالعته على عبد ووجدنا أنها لا تملك أيّ عبد كان، حينئذ له أقل المسمى من الحمل والمتاع والعبد، فإذا خالعته على حمل شاة فله أقل ما يسمى حملًا سواء كان ذكر أو أنثى أو كبير أو صغير أو أي من نوع من أنواع الشياه، وكذلك العبد وكذلك الحمل، لأنّ الذمة تبرأ بأقل مسمى العوض المذكور.
قال المؤلف ﵀:
(ومع عدم الدراهم ثلاثة)
لأنّ أقل مايسمى دراهم ثلاثة، إذًا الآن إذا خالعته على ما في يدها فإن كانت اليد فارغة كم له؟ وإن كان في اليد درهم واحد فصار أنفع له أن تكون اليد فارغة أو مليئة؟ الأنفع له أن تكون فارغة، لأنها إذا كانت واحدة فليس له على المذهب إلاّ هذا الدرهم وإذا كانت فارغة فسيكون له ثلاثة.
فصل
قال المؤلف ﵀:
(وإذا قال: متى، أو إذا، أو إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق طلقت بعطيته)
[ ٥ / ٢٩٦ ]
هذا الفصل المؤلف أراد منه بيان مسألة مهمة، عقد الفصل لتحقيق هذا المقصد وهو أنّ الطلاق على عوض كالخلع في أنّ الزوج لا يملك مراجعة زوجته، لأنّ المقصود من الطلاق على عوض أن تفتدي نفسها وأن تتخلص من ضرره وإذا مكناه من المراجعة ذهب هذا الغرض، إذًا مرة أخرى مقصود المؤلف من هذا الفصل بيان أنّ الطلاق سواء كان معلق أو منجز إذا كان على عوض فهو كالخلع في ماذا؟ في عدم جواز المراجعة، وذكرت التعليل على هذا.
قال المؤلف ﵀:
(وإن تراخى)
أفادنا المؤلف - رحمه الله تعالى - مسألتين:
المسألة الأولى: أنّ الزوج إذا استخدم هذه الألفاظ صار التعليق لازمًا من جهته وليس له الرجوع فإذا قال متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أصبح لازمًا ولا يملك الرجوع ولا فسخ التعليق، واضح. فيبقى الأمر بيد المرأة إلى ما لا نهاية تعليل هذا قالوا أنّ هذه الصيغة اشتملت على تعليق وعوض، أليس كذلك لأنه يقول متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق اشتملت
على التعليق والعوض لأنه يقول متى أعطيتني كم؟ ألفًا قالوا والمرجح والمغلب في هذه الصيغة هو التعليق لا العوض ولهذا يكون التعليق لازما في حق الزوج، وهذا مذهب الجمهور.
القول الثاني: أنّ هذا التعليق ليس بلازم بل للزوج فسخه متى شاء، واستدل أصحاب هذا القول بأنّ حقيقة هذا التعليق أنه تعليق مقابل بعوض فهو بالبيع أشبه منه بالتعليق، وهو يفارق التعليق المحض، التعليق المحض كأن يقول إذا دخل زيد فأنت طالق هذا تعليق محض، هل يوجد عوض في هذا التعليق، إذًا هو تعليق محض فالتعليق المربوط بعوض يفارق التعليق المحض لأنّ التعليق المحض هو في الواقع ايقاع للطلاق وغاية ماهنالك أنه مؤخر، بخلاف التعليق الذي معلق بعوض فالمقصود منه المعاوضة وبهذا أصبح بين الصورتين فرق، وهذا الفرق البديع في الحقيقة ذكره شيخ الإسلام وانتصر لهذا القول الثاني وقوله وجيه وقوي، وعلمنا من هذا التفريق أنّ هناك فرق بين أن يقول الرجل لزوجته إن أعطيتني ألف فأنت طالق وبين أن يقول إن خرجت من هذا الباب فأنت طالق.
ففي الصورة الأولى يملك الفسخ وفي الصورة الثانية لا يملك الفسخ. انتهينا من المسألة الأولى التي دلت عليها عبارة المؤلف.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
المسألة الثانية: أنّ هذا الحق يثبت على التراخي، فهو مطلق وليس على الفور بل على التراخي متى أعطته الألف في أيّ وقت طلقت.
القول الثاني: أنه إن استخدم متى فهو على التراخي، وإن استخدم إذا وإن فهو على الفور، واستدلوا على هذا بأنّ متى موضوعة للتراخي فأفادت التراخي وأما إذا وإن فإنها لا تدل على التراخي والأصل في العقود والمعاوضات الفور أوالتراخي؟ الفور، وعلى هذا القول إذا قال لها إذا أعطيتني ألفًا فأنت طالق وانقضى المجلس ولم تعطيه ألفًا ثم أعطته بعد يوم فإنها لا تطلق وعلى المذهب تطلق، إذًا اشتمل هذا الكلام على مسألتين مهمتين للغاية، وقد يفعل كثير من الرجال هذا التطليق، فيقول لها إن أعطيتني المهر فأنت طالق، فعلى المذهب أشبه مايكون أنّ المرأة ملكت أمر نفسها، فتستطيع متى شاءت أن تعطيه الألف وتصبح طالق، لأنّ هذا الحق لازم وعلى التراخي، فهي مسألة مهمة وأخذنا الآن التفصيل فيها.
قال المؤلف ﵀:
(وإن قالت إخلعني على ألف، أو بألف، ففعل بانت واستحقها)
هذه المسائل تختلف عن المسائل السابقة في أمرين: ما هي المسائل السابقة؟ إذا قال متى أعطيتني ألف فأنت طالق وما معها من المسائل، هذه المسائل تختلف عنها بأمرين: الأمر الأول أنّ هذا التعليق تعليق جائز وليس بلازم، فللمرأة الفسخ متى شاءت.
«الآذان»
الأولى: أنها تملك الفسخ متى شاءت المرأة فسخت هذا العقد لأنه معاوضة والمعاوضات تفسخ.
والثانية: أنه على الفور وليس على التراخي لما تقدم وذكرته الآن، إذًا بين المسألتين فرق، الشيخ يقول هنا - ﵀ - (وإن قالت إخلعني على ألف) وكذلك إذا قالت طلقني على ألف الحكم واحد.
قال المؤلف ﵀:
(واستحقها)
[ ٥ / ٢٩٨ ]
يعني إذا أعطاها الألف، في مسألة المرأة وإن قالت إخلعني على ألف ففعلت، يعني إذا قالت إخلعني على ألف وأعطته الألف استحقها وطلقت، ومقصود المؤلف أنها إذا قالت إخلعني على ألف وأعطته الألف فقد خلعت ولا يشترط أن يقول الزوج خالعتك أو طلقتك مقابل الألف لا يشترط، لأنّ الجواب معاد فيه السؤال، فإذا قالت طلقني على ألف وأخذ الألف. وقال أنت طالق، فكأنه قال أنت طالق على هذه الألف، إذًا يستحق العوض بمجرد ما يأخذه ويطلق.
قال المؤلف ﵀:
(وطلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثًا استحقها)
إذا قالت طلقني واحدة فطلقها ثلاثًا، استحق الألف لماذا؟ لأنه أعطاها ما تريد وزيادة.
القول الثاني: أنه لا يستحق العوض لأنّها طلبت واحدة ولم تطلب ثلاثة، وقد يكون للمرأة غرض في الطلقة الواحدة لا في الثلاث، لأنّ الطلقة الواحدة بالإمكان المراجعة، بينما الثلاث لا تراجع إلاّ بعد زوج آخر وفي قول ثالث وسط: بين القولين وهو قول جميل وهو أنه إن رضيت المرأة فله العوض وإن لم ترض فليس له العوض. فإذا قالت طلقني واحدة فطلقها ثلاثًا، نقول للمرأة هل ترضين في الطلاق؟ فإذا رضيت أخذ العوض وإذا لم ترضى لم يأخذ العوض.
قال المؤلف ﵀:
(وعكسه بعكسه)
يعني إذا قالت طلقني ثلاثًا، وطلقها واحدة، فإنه لا يستحق العوض، لأنها طلبت ماذا؟ ثلاث وهو أعطاها واحدة، ولأنّ المرأة قد يكون لها قصد أن لا ترجع إليه إلاّ بعد زوج آخر.
القول الثاني: أنها إذا طلبت ثلاث وطلقها واحدة فله ثلث العوض، لأنه أعطاها بعض ما طلبت فاستحق بعض العوض وهذا القول وإن كان ظاهره قوي ويتوافق مع المنطق، إلاّ أنّ الراجح المذهب، لأنّ المرأة لم تطلب الثلاث إلاّ وهي تريد الثلاث والواحدة لا تحقق لها الغرض المقصود من طلبها للخلع.
«انتهى الدرس».
[ ٥ / ٢٩٩ ]
الدرس: (١٧) من النكاح
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
(وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها)
يعني أن الأب لا يملك أن يخالع مع زوجة ابنه الصغير ولا يملك أيضا أن يطلقها .. هذا مذهب الحنابلة ..
واستدلوا بأدلة منها:
١ - قوله ﷺ (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، ومن أخذ بالساق هو الزوج.
٢ - أن هذا مروي عن أمير المؤمنين عمر الخطاب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵄.
٣ - أن في هذا التصرف من الأب إسقاطا لحق الابن وليس له أن يسقط حق ابنه.
القول الثاني: أن الأب له أن يفعل ذلك، أي للأب أن يفعل ذلك.
واستدلوا على جوازه بأن الأب إذا كان يملك أن يزوج ابنه فيملك أن يفسخ النكاح بخلع أو طلاق.
والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، إلا أنه يستثنى ما إذا كان الخلع في مصلحة الابن مصلحة ظاهرة واضحة لا تردد فيها حينئذ يجوز للأب أن يخالع ابنه لتحقيق هذه المصلحة وإلا فإنّ الأصل أنه لا يجوز له أن يخالع، وهذا هو الأقرب المتوافق مع فتاوى الصحابة.
قبل أن ننتقل عن هذه المسألة حديث (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) حديث إسناده فيه ضعف وضعفه البيهقي وابن الجوزي ولكن معناه إن شاء الله صحيح.
قال المؤلف ﵀:
(ولا خلع ابنته الصغيرة بشيء من مالها)
يعني ولا يملك الأب أن يخالع ابنته الصغيرة بشيء من مالها، وتقدمت هذه المسألة عند قول المؤلف (كل من صح تبرعه صح بذله للخلع) ذكرنا هل للأب أن يخالع عن ابنته أو لا.؟ ذكرنا الراجح أن له ذلك إذا كانت المصلحة في المخالعة .. وأن هذا اختيار الشيخ المرداوي.
قبل أن ننتقل أيضا للمسالة الثالثة، بالنسبة للأب مع الابن ذكرنا أنه لا يملك أن يخالع ولا أن يطلق .. هذا الحديث يتعلق بالأب أما غيره من الأولياء فإنهم لا يخالعون ولا يطلقون .. حكي إجماعا .. لكن هذا الإجماع ليس بتام فإن بعض الحنابلة يرى أن من كان له حق التزويج فإن له حق المخالعة، لكن الصواب أن غير الأب ليس له علاقة ولا يملك أن يخالع أو يطلق.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق)
[ ٥ / ٣٠٠ ]
يعني إذا خالعت المرأة زوجها على مال معين فإن هذا الخلع لا يسقط غيره من الحقوق كأن يكون على الزوج نفقة أو يكون على الزوج مهر مؤخر هذه الحقوق وغيرها من الحقوق تبقى لأنه لا علاقة للخلع بغيره من الحقوق الواجبة للمرأة أو للزوجة في ذمة الزوج.
قال المؤلف ﵀:
(وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوجدت ثم نكحها فوجدت بعده طلقت)
صورة هذه المسألة: أن يقول الزوج لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق فهنا علق الطلاق على صفة وهي دخول الدار، ثم لما علق الطلاق على هذه الصفة أبانها بخلع أو طلاق أو بأي طريقة للإبانة، ثم لما أبانها دخلت الدار، ثم لما تزوجها مرة أخرى ودخلت الدار مرة أخرى حينئذ يقع الطلاق عند الحنابلة، وعللوا هذا بأن المرأة وجد منها الصفة المعلق عليها الطلاق في نكاح صحيح فاجتمع وجود الصفة والنكاح الصحيح فوقع الطلاق وهذا تعليل واضح.
القول الثاني: وهو مذهب الجماهير وأكثر أهل العلم أنه في هذا المثال لا يقع الطلاق.
واستدلوا على هذا بأن التعليق انحل بدخول الدار في المرة الأولى واليمين إذا انحلت لا تعود، فإذا دخلت الدار مرة اخرى في النكاح الثاني فإنها لا تطلق وهذا القول واضح القوة وهو الراجح بلا تردد إن شاء الله فإذا دخلت مرة أخرى لم تطلق.
مسألة:
إن علق الطلاق على صفة ثم أبانها ثم رجعت ولم توقع هذه الصفة حال الإبانة ثم لما ردّها في النكاح الثاني أوقعت الصفة هذه المسألة فيها خلاف أيضًا، لكن الخلاف في هذه المسألة عكس الخلاف في المسألة السابقة ففي هذه المسألة وقوع الطلاق هو مذهب الجمهور لأن اليمين لم تنحل، وقد وجدت الصفة في نكاح صحيح فوقع الطلاق.
القول الثاني: أن اليمين تنحل بمجرد الطلاق، وأنها إذا فعلت الصفة لا تطلق ويبدوا والله أعلم أن مذهب الجمهور أقرب وهو وقوع الطلاق.
قال المؤلف ﵀:
(كعتق وإلا فلا)
[ ٥ / ٣٠١ ]
الخلاف في العتق كالخلاف في الطلاق تمامًا، إلا أنه يوجد بينهما فرق واحد وهو أنه في العتق عن الإمام أحمد رواية ثانية عدم الوقوع، بينما في الطلاق لا يوجد عنه رواية بعدم الوقوع، وهذا غريب يعني عن الإمام أحمد في المسألة الأولى رواية واحدة خالف فيها الجماهير، بل خالف فيها ما اعتبره بعضهم إجماعًا.
وعادة الإمام أحمد في مثل هذه المسائل أن يكون له رواية أخرى لكن لم ينقل عنه - ﵀ - وغفر له وأسكنه فسيح جناته إلا هذه الرواية.
وبهذا يكون انتهى كتاب النكاح ولله الحمد وهذا بتوفيق الله وإعانته وننتقل إلى كتاب الطلاق.
«انتهى الدرس».
[ ٥ / ٣٠٢ ]
الدرس: (١) من الطلاق
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀: