قوله باب الشك في الطلاق، المقصود بالشك هنا /مطلق التردد بين أمرين سواء كان راجحًا أو مرجوحًا، فمطلق التردد يعتبر شك عند الفقهاء.
يقول - ﵀ - (من شك في طلاق، أو شرطه لم يلزمه)
إذا شك في الطلاق يعني أنه شك هل أوقع الطلاق أو لم يوقع الطلاق، وقوله شك في الشرط يعني شك في تحقق الشرط أو عدم تحقق الشرط، فالأصل في جميع هذه الصور عدم وقوع الطلاق وعدم وجود الشرط، ودليل هذه الأحكام كلها القاعدة المشهورة [أنّ اليقين لا يزول بالشك] ودليل هذه القاعدة قول النبي - ﷺ - (إذا شك أحدكم هل خرج منه شيء فلا ينصرف حتى يسمع أو يجد ريحًا) والمقصود من الحديث حتى يتيّقن لا كما يفهم بعض الناس أنه لا ينصرف ولو تيّقن إلاّ إذا سمع صوتًا أو وجد ريحًا، هذا ليس بمقصود في الحديث، المقصود في الحديث لا ينصرف حتى يتيّقن. وهذا الحديث يستعمل عند الشك لأنه يقول إذا شك أحدكم أو إذا لم يعلم أحدكم أخرج منه شيء أو لا، أما إذا علم أنه خرج منه شيء فإنّ الحديث لا يتناوله ولا يذهب ينتظر أن يجد صوتًا أو ريحًا.
قال - ﵀ - (وإن شك في عدده فطلقة، وتباح له)
[ ٥ / ٣٩٤ ]
مقصوده وإن شك في عدده فطلقة وتباح له يعني إذا تيّقن الطلاق وشك في العدد، فحينئذ تعتبر طلقة واحدة، لأنّ الزائد عنها مشكوك فيه ودائمًا المشكوك فيه ملغى لأنه في مقابل اليقين، فيعتبر طلقها طلقة واحدة رجعية وله أن يعود إليها إذا لم تكن الثالثة، وهذه الأحكام التي نقررها الآن تتناول الشخص العادي، أما من ابتلي بالوسواس في الطلاق فهذا له أحكام أخرى. فهذا يعذر أكثر من الشخص الطبيعي في مسألة الشك في عدد الطلاق أو الشك في وقوع الطلاق أصلًا، إذا الكلام الآن ليس عن من عنده وساوس
وشكوك وإنما عن الشخص الذي لم يبتلى بالوساوس.
قال - ﵀ - (فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق طلقت المنوية وإلاّ من قرعت)
إذا قال رجل لامرأته إحداكما طالق،فينقسم الحكم إلى قسمين: -
القسم الأول: أن ينوي إحداهما فإذا نوى إحداهما فهي التي تطلق بلا خلاف ولا نزاع وأمرها واضح، ولو قال إحداكما لكنه بالنية عيّن المرادة.
القسم الثاني: أن لا ينوي إحداهما، يقول إحداكما طالق ولم ينوي أيًاّ منهما فالحكم عند الحنابلة أن تحدد المطلقة بالقرعة.
واستدلوا على هذا بدليلين: -
الدليل الأول: أنّ القرعة طريق شرعي لتحديد الحكم الواقع على المتساويين.
الدليل الثاني: أنّ الصحابة حكموا على من طلق ومات قبل أن يعيّن أنه يقرع، فقاسوا عليها هذه المسألة ومن ظن أنّ الفتاوى المنقولة عن الصحابة هي في هذه المسألة فليس كذلك. فالفتاوى المنقولة فيمن طلق ولم يعيّن ثم مات. فهذا أفتى الصحابة بالقرعة لكن نقيس على فتاوى الصحابة صورتنا التي معنا وهي ما إذا قال إحداكما طالق ولم يعيّن.
القول الثاني: أنه إذا قال إحداكما أو إحداكن ولم يعيّن، طلق الجميع وهو قول غاية في الضعف وسببه ضعفه أنّ الزوج لم يطلق إلاّ واحدة فكيف يقع الطلاق على الباقيات.
القول الثالث: في هذه المسألة أنه يوكل إلى الزوج تحديد المطلقة،وإن لم ينوي عند قوله الطلاق أيًاّ منهما وعلل هؤلاء قولهم بأنّ الزوج إذا ملك إنشاء الطلاق ابتداء فأن يملك تعيينه انتهاء من باب أولى. لأنّ من ملك الأصل ملك الفرع. والتعيين فرع الطلاق.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
والطلاق ملك للرجل فالتعيين أيضًا يكون ملكًا له. وهذا القول كما ترى وجيه في الحقيقة وقوي ونقول للرجل عيّن التي تريد أن يقع عليها طلاقك السابق. وهذا القول قوي ويليه في الرجحان القرعة لمجيء نظيره عن أصحاب النبي - ﷺ -
قال - ﵀ - (كمن طلق إحداهما بائنًا وأنسيها)
إذا طلق إحداهما بائنًا وأنسيها فعند الحنابلة الحكم في هذه المسألة كالحكم تمامًا في المسألة السابقة، فيكون الحكم ماذا؟ القرعة.
والقول الثاني: أنّ هذه المسألة تختلف تمامًا عن المسألة السابقة، ووجه الاختلاف أنّ المطلق الآن طلقّ معينة لا محالة، إنما الذي صار أنه ماذا؟ أنسيها. فالحكم عند هؤلاء أن تبقى الزوجات معلقّات إلى أن يتبيّن أيّهن وقع عليها الطلاق. وفي هذه المدة تكون النفقة على الزوج في جميع الزوجات لأنهن محبوسات بسببه ولا يجوز أن يطأ لأنه ربما يطأ ماذا؟ التي وقع عليها الطلاق
وهذا القول قوي جدًا لماذا؟ لأنه يوجد فرق بين أن يطلق واحدة ثم ينساها، وبين أن يقول إحداكن طالق ولم يعيّن أصلًا. ففي المسألة الأولى إذا طلق ونسي فقطعًا إحدى الزوجات وقع عليها ماذا؟ الطلاق فكيف نعيّن بالقرعة ونحن نعلم أنّ إحدى الزوجات وقع عليها الطلاق هذا القول قوي جدًا كما ترى ونصره ابن قدامة - ﵀ - لكن يشكل عليه مسألة واحدة وهي ماذا؟ صعوبة التطبيق هذا القول فيه مشقة بالتطبيق كبيرة لأنه ظاهر اختيار هؤلاء أنّا ننتظر ولو طال الوقت حتى يتبيّن أيّهما، وإذا لم يتمكن من أن يتذكر أيّهما التي وقع عليها الطلاق بقيت الزوجات كلهن معلقات، وهذا فيه مشقة في التطبيق ومشقة التطبيق أحيانًا تكون سببًا في تضعيف القول. لأنّ الله ﷾ ما جعل علينا في الدين من حرج وفي هذا القول شيء من الحرج مع قوة دليله لكن فيه حرج لذلك نقول إنشاء الله الراجح أنه يقرع حتى تأخذ الزوجة طريقها ويأخذ الزوج طريقه.
قال - ﵀ - (وإن تبيّن أنّ المطلقة غير التي ردت إليه)
[ ٥ / ٣٩٦ ]
إذا تبيّن بعد القرعة أنّ التي طلقت هي فلانة بأن يجد كتب المطلقة ونسي مكان المكتوب، أو يتذكر بقرينة أو بعلامة أنّ التي طلقت هي فلانة وحينئذ يتبّين أنّ التي وقعت عليها القرعة لم تطلق وأنها مازالت زوجة،فحينئذ يقبل قوله في الحكم وترجع إليه الزوجة، لأنّ هذا الأمر أمر لا يمكن أن يعرف إلى من قبل الزوج، فإذا قال تبيّن لي أو تذكرت أنّ المطلقة هي غير التي وقعت عليها القرعة قبل منه ورجعت التي وقع عليها القرعة إلى عصمة الزوج. لأنّا تبيّنا أنها لم تطلق.
يقول - ﵀ - (ما لم تتزوج)
فإن تزوجت فإنها لا ترد ولو تذكر أنّها لم تطلق لماذا؟ لأنها بعد التزوج تعلق بها حق زوج آخر ولا يملك الإنسان أن يسقط حق غيره بقوله. والغير هنا هو الزوج الأول أو الثاني؟ الثاني. وهذا صحيح لا يملك هذا وتبقى مع الزوج الثاني.
قال - ﵀ - (أو تكن القرعة بحاكم)
يعني إذا صنعت القرعة عن طريق الحاكم وتولاها الحاكم فإنّ تذكره بعد ذلك لا ينفع لماذا؟ لأنّ قرعة الحاكم تعتبر حكم، وحكم الحاكم لا يمكن أن يرفع بدعوى الزوج، إذا بيّن الشيخ المستثنى والمستثنى من المستثنى.
فالمستثنى من المسألة السابقة ما هو؟ الآن هو بيّن المستثنى والمستثنى من المستثنى أليس كذلك؟
فالمستثنى هو إذا تبيّن أنّ التي قرعت ليست هي. هذا مستثنى من الحكم السابق. ويستثنى من هذا الحكم ما إذا تزوجت أو قام الحاكم بأداء القرعة.
قال - ﵀ - (وإن قال إن كان هذا الطائر غرابًا ففلانة طالق، وإن كان حمامًا ففلانة، وجهل لم تطلقا)
هذه الصورة إذا قالها الزوج إن كان هذا الطائر غراب ففلانة طالق ) ثم لم يتبيّن بأن ذهب الطير ولم نتبيّن فحينئذ لا يقع الطلاق عند الحنابلة. واستدلوا على عدم وقوعه بدليلين: -
الأول: الإجماع فإنه بلا خلاف لا يقع.
الثاني: ما تقدم وهي القاعدة المشهورة إذا شككنا في وجود الطلاق أو في وقوع الطلاق وعدمه فالأصل عدم وقوع الطلاق ووجه الشك هنا أنّ هذا الطائر ربما لا يكون غرابًا ولا حمامًا حينئذ لا تطلق ولا تلك. فمع وجود هذا الشك لا يقع الطلاق وهذا صحيح ولهذا صار محل إجماع.
[ ٥ / ٣٩٧ ]
قال - ﵀ - (وإن قال لزوجته وأجنبية اسمهما هند: إحداكما أو هند طالق طلقت امرأته)
إذا قال رجل لهند زوجته وهند أخرى أجنبية، إحداكما طالق مباشرة تطلق زوجته ولا ننتظر منه تفسيرًا ولا تأويلًا، والسبب أنه لا يملك إيقاع الطلاق إلاّ على هند التي هي زوجته دون الأخرى فإذا تطلق مباشرة لأنه يملك أن يطلق إلاّ هي. لكن أيضًا استثنى الشيخ:
فقال - ﵀ - (أردت الأجنبية لم يقبل حكمًا إلاّ بقرينة)
إن قال أردت الأجنبية ولم أرد زوجتي لم يقبل منه في الحكم في مجلس الحكم لا يقبل لأنه يدعي خلاف لفظه. ونحن قلنا أنّ أيّ إنسان يدعي خلاف لفظه لا يقبل في مجلس الحكم وإن كان الأمر ديانة بينه وبين زوجته فإنه يقبل لماذا؟ لأنّ هذا اللفظ يحتمل. ألا يحتمل أن يكون مقصوده الأخرى بلى! اللفظ يحتمل فإذا كان محتملًا دُيِّن وقبل فيما بينه وبين الله، وجاز لزوجته أن تبقى معه.
يقول الشيخ - ﵀ - (إلاّ بقرينة)
إلاّ إن دلت القرينة فإنه يقبل ديانة وحكمًا، مثال القرينة أن يجبره ظالم على التطليق فيقول هند طالق يقصد ماذا؟ الأجنبية فمع وجود هذه القرينة وهي إجبار الظالم علمنا أنه أراد الأخرى وساغ للحاكم أن يقبل قوله الذي يخالف ظاهر لفظه. وهذا صحيح.
قال - ﵀ - (وإن قال لمن ظن أنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة)
يعني إن قال لمن أنها زوجته وتبيّن أنها أجنبية أنت طالق طلقت زوجته، مثال هذه المسألة أن يقابل الإنسان في الشارع امرأة فيظن أنها زوجته فيقول أنت طالق فيتبيّن أنها أجنبية فالحكم أنّ زوجته التي في البيت تطلق، السبب في هذا أنه طلقّ زوجته قصدًا وكون اللفظ
وقع على أجنبية لا يغيّر الحكم لأنه زوج في نكاح صحيح طلقّ زوجته المعصومة فتطلق.
قال - ﵀ - (وكذا عكسها)
إذا قابل في الشارع امرأة يظن أنها ليست امرأته فطلقها على أساس أنها الأجنبية ففوجأ أنها زوجته فعند الحنابلة يقع الطلاق، السبب في ذلك أنه يقع قالوا أنه طلق ماذا؟ طلق بلفظ صريح موجه مخاطب به زوجته فوقع أليس كذلك فهذا الزوج خاطب زوجته بطلاق صريح وهذا هو الطلاق الذي يقع في الشرع.
[ ٥ / ٣٩٨ ]
القول الثاني: أنه لا يقع الطلاق على زوجته لأنه لم يقصد تطليق زوجته وإذا لم يقصد لم يكن مريدًا للطلاق فلا يقع، وهذا صحيح
القول الثاني هو الصحيح أنها لا تطلق لأنه ما أراد أن يطلق زوجته وإنما أراد أن يطلق ماذا؟ الأجنبية وليس له طلاق على الأجنبية.