- قال - ﵀ -:
- باب الضمان.
الضمان مشتق في لغة العرب من الضم. لأن ذمة الضامن تضم إلى ذمة المضمون عنه في الوفاء بالدين.
وقيل مشتق من التضمين. لأن الدين ضمن في ذمة الضامن.
وأما في الاصطلاح: فهو التزام جائز التصرف ما وجب على غيره في ذمته.
مع بقائه في ذمة المضمون عنه. هذه عبارة ذكرها بعضهم وهي توضح وإن كانت مفهومة. من المعلوم أن الدين لم ينتقل من ذمة إلى ذمة وإنما اشتركت ذمتان في تحمله.
[ ٤ / ١٢١ ]
إذًا: عرفنا الآن معنى الضمان. الضمان هو: أن يتحمل الإنسان في ذمته ما على غيره من المال وتصبح ذمة الضامن والمضمون عنه مشغولة بالدين.
والضمان مشروع ولله الحمد بالكتاب والسنة والإجماع وحاجة الناس إليه ماسة.
ـ أما الكتاب فقوله: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم). والزعيم هو الغارم كما قال ابن عباس.
ـ وأما من السنة فما صح في البخاري وله ألفاظ في السنن والمسانيد أن رجلًا مات في عهد النبي - ﷺ - فغسلوه وكفنوه وأتوا به النبي - ﷺ - ليصلي عليه فقام ليصلي عليه فلما هم بالصلاة قال هل عليه من دين قالوا: نعم. قال - ﷺ -: صلوا على صاحبكم. فقام أبو قتادة وقال: الدين علي يا رسول الله. فقام النبي - ﷺ - وصلى. وله ألفاظ كثيرة في السنة. لكن هذا اللفظ الذي ذكرت هو أقرب الألفاز إلى لفظ الإمام البخاري إذ ليس فيه زيادات وإنما فيه فقط أن أبا قتادة تحمل الدين في ذمته.
ـ وأما الإجماع فأجمعوا في الجملة على مشروعية الضمان.
- يقول المؤلف - ﵀ -:
- لا يصح إلاّ من جائز التصرف.
يعني: الضمان من العقود التي لا تصح إلا من جائز التصرف.
وعلة ذلك:
- أنه من جملة التبرعات المالية والتبرعات المالية لا تصح إلا من جائز التصرف.
ولهذا نقول ليس لغير المكلف أن يضمن دينًا لأحد مطلقًا وضمانه باطل.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولرب الحق: مطالبة من شاء منهما في الحياة.
(لرب الحق) يعني: الدائن. أن يطالب الضامن أو المضمون عنه. هو بالخيار ويستطيع أن يطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه. واستدل الحنابلة على هذا الحكم:
- بحديث وتعليل.
ـ أما الحديث: فقوله - ﷺ -: (الزعيم غارم) هذا الحديث إسناده جيد إن شاء الله.
ـ وأما التعليل فقالوا: أن حقيقة الضمان إشغال ذمة الضامن والمضمون عنه بالدين وإذا كانت ذمته مشغولة بالدين جازت مطالبته.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز أن نطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
واستدلوا على هذا:
[ ٤ / ١٢٢ ]
- بأن المقصود من الضمان لا إشغال ذمة الضمان في الحقيقة وإنما توثقة الدين. وإذا كان المقصود توثقة الدين فإنه بناء على ذلك لا يجوز أن يطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
واستدلوا على هذا أيضًا: - بأن الضامن محسن ومتبرع وليس من المناسب أن نجازي المحسن بمطالبته وإشغاله.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله ومال إليه ابن القيم وهو كما ترى قوي ووجيه. فلا يجوز للدائن أن يطالب - على هذا القول - يحرم عليه أن يطالب الضامن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
وأما عند الحنابلة فله أن يطالب من شاء منهما.
ومن المعلوم الآن أن عمل الناس على عدم مطالبة الضامن إذا أمكنه أن يطالب المضمون عنه - معلوم هذا - كما أنه من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال أن لا يطالب الضامن المتبرع المحسن مع إمكانية مطالبة المضمون عنه.
- قال - ﵀ -:
- والموت.
يعني: أنه يجوز أن يطال بالدين في الحياة وبعد الممات وله أن يطالب الضامن والمضمون عنه.
والمضمون عنه هو: المدين الأصلي.
واستدلوا على هذا: - بالأدلة السابقة.
= والقول الثاني: أن الضامن إذا ضمن ميتًا فإن الدائن ليس له أن يطالب إلا الحي دون الميت - يعني: إلا الضامن دون المضون عنه. ومن المعلوم أن المقصود بمطالبة الميت يعني مطالبته في التركة.
واستدلوا على هذا:
- بأنه في مسند الإمام أحمد في ألفاظ حديث أبي قتادة أنه قال - ﷺ -: (وبرئ منهما). يعني: الميت.
فقالوا: إذا برئ الميت فإن البرئ لا يجوز أن يطالب.
وفي الحقيقة لم أجد وقتًا لمراجعة إسناد الزيادة التي في مسند الإمام أحمد - ﵀ - وإن كان يغلب على ظني أنها ضعيفة.
والسبب في ذلك: أن هذه اللفظة تحمل حكمًا فقهيًا مهمًا والغالب أن البخاري لا يدع الألفاظ المهمة مع صحتها وإنما يدعها: إما لأنها شاذة أو منكرة.
لكن هذا القدر الذي ذكرت لا يكفي لتضعيف الحديث لكنه إشارة وعلامة وقرينة مع البحث في إسناده ورجاله.
على كل حال لم أجد وقتًا لمراجعة هذه اللفظة ولكن يغلب على ظني أنها ضعيفة.
[ ٤ / ١٢٣ ]
ولذلك أنا أرى أن الراجح القول الأول وهو مذهب الحنابلة وأنه للضامن أن يطالب من التركة بما سدده عن الميت وهذا من مكافأته على إحسانه ولا نقول للدائن ليس له أن يطالب أصحاب التركة بل نقول له أن يطالب أصحاب التركة وأما الضامن فهو ضمن الدين عن الميت إما بتحقيق مصلحة معينة مثل قصة النبي - ﷺ - أو لغيرها من المصالح.
المهم أنه محسن ولا نجعل إحسانه سببًا في انتقال الدين من ذمة المدين إلى ذمة الضامن بسبب أنه ضمن رجلًا ميتًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- فإن برئت ذمة المضمون عنه: برئ ذمة الضامن.
هذا الحكم بالإجماع. إذا برئت ذمة المضمون عنه وهو المدين الأصلي برئت ذمة الضامن بلا إشكال.
وأما التعليل الفقهي لهذا فهو:
- أن الضامن فرع عن أصل فإذا برئ الأصل أيضًا برئ الفرع.
وهذا صحيح ولا يستقل الفرع بحكم.
- ثم قال - ﵀ -:
- لا عكسه.
فإذا برئت ذمة الضامن لم تبرأ ذمة المضمون عنه.
لماذا؟
- لأنه إذا سقط الفرع فإنه لا يلزم من ذلك سقوط الأصل. هذا من حيث التعليل.
- ولأن ذمة المدين ما زالت مشغولة لأن الدين لم يقض.
وأما لاصورة براءة الضامن/ فهي الصورة القريبة: أن يقول الدائن سامحتك في الضمان وأسقطته عنك. لأن الضمان من حقوق: الدائن. والإنسان له أن يسقط حقه. فإذا أسقط حقه عن الضامن فيبقى الدين في ذمة المدين الذي هو المضمون عنه.
وهذا معنى قول المؤلف - ﵀ -: (لا عكسه).
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا تعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه.
- وهذا مذهب الجماهير: فللإنسان أن يضمن شخصًا لا يعرفه مطلقًا ولا يعرف أمانته ولا سداده ولا يعرف عنه أي شيء. وضمانه صحيح ومعتبر شرعًا وتصبح ذمته مشغولة بالدين كما أن ذمة المدين مشغولة بالدين.
واستدل الجمهور على هذا:
- بأنه في حديث أبي قتادة لم يذكر أنه - ﵁ - كان يعرف الميت لأن الميت جاء ملفوفًا ولم يذكر في الحديث أنه - ﵁ - كان يعرف هذا الميت. وضمنه وأقر النبي - ﷺ - ضمانه.
= والقول الثاني: أنه لا بد من معرفة المضمون عنه - يعني: لابد أن يعرف الضامن الضمون عنه ليرى إن كان أهلًا للضمان أو لا.
[ ٤ / ١٢٤ ]
أي القولين أليق بحقيقة الضمان؟
ـ القول: (.. الأول) لأنه تبرع. لأن هذا العقد من عقود التبرعات وطبيعة عقود التبرعات لا يلزم فيها معرفة المتبرَعْ له. لأنه تبرع. فإذًا: قول الجماهير في هذه المسألة هو الصحيح.
* * مسألة/ لا يشترط رضا المضمون عنه بالإجماع.
فإذا قال شخص: أنا ضمنت فلان فليس له أن يقول: لا أسمح لك أن تضمن لي. فليس له ذلك: بالإجماع: لأن في هذا الضمان توثقة دين بلا مضرة ولا عتب على المدين.
وهنا لا نجد الفقهاء يذكرون مسألة: المنة. لم يذكروا مسألة المنة. إما لأنهم لا يرون أن في الضمان منة أو لم يتبين لي لماذا لم يذكروا مسألة المنة في هذه المسألة - في مسألة أنه لا يشترط رضا المضمون عنه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا له.
يعني: ولا يشترط معرفة المضمون له.
وحديث أبي قتادة - ﵁ - في الدلالة على عدم معرفة المضمون له أقوى أو في الدلالة على عدم معرفة المضمون عنه؟ - يظهر لي: له. لأنه لم يذكر من هو الدائن مطلقًاَ في الحديث بينما ربما يكون أبو قتادة يعرف هذا الميت باعتبار أن المدينة صغيرة والأموات فيها يعرفون لكن أن لا يعرف من المضمون له فهذا أقوى في الحديث.
وهذا أيضًا مذهب الجماهير.
= والقول الثاني: أن معرفة المضمون له شرط.
وتعليل ذلك: - أنه لن يتمكن من الوفاء إلا إذا عرف المضمون له.
والراجح القول الأول. فنقول: إذا أجري عقد الضمان وهو لا يعرف الآن المضمون له فالعقد صحيح. ثم بعد ذلك يبحث عن المضمون له. لكن بالعقد عند إنشائه صحيح ولازم وتام وأصبحت ذمته مشغولة.
- ثم قال - ﵀ -:
- بل رضى الضامن.
الضامن متبرع ونحن نقول أنه لا يمكن أن نأخذ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه فلابد لنأخذ الضمان أو لنوجب الضمان على شخص أن يرضى.
وأنتم تعلمون أن الضمان من العقود التي تؤول للمال. ما معنى تؤول للمال؟ يعني: إذا لم يتمكن الضمون عنه من السداد من الذي سيسدد؟ الضامن.
فإذًا: هو يؤول لمال. فلابد من رضا الضامن وهذا أيضًا محل إجماع.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويصح ضمان المجهول: إذا آل إلى العلم.
وهنا نرى أن الحنابلة توسعوا في الضمان: لا يعرف الضمون عنه ولا المضمون له ولا المضمون.
[ ٤ / ١٢٥ ]
إذًا: لا يشترط أن يكون المضمون معلومًا بل يجوز أن تضمن دينًا مجهولًا.
واستدلوا على هذا - الجماهير:
- بالآية: (ولمن جاء به حمل بعير) وحمل البعير مجهول. ووجه الجهالة: أن حمل البعير يختلف باختلاف البعير. فبعضها تحمل حملًا كثيرًا وبعضها تحمل حملًا قليلًا.
إذًا: حمل البعير يختلف باختلاف البعير والإبل تختلف اختلافًا كثيرًا.
فدلت الآية على أنه لا يشترط أن يكون معلومًا.
لكن اشترط الحنابلة: أن يؤول إلى علم. بأن يسأل عن قدر الدين بعد ذلك. بأن يتمكن الضامن من معرفة قدر الدين. أما أن يضمن دينًا «لن) (لم» يتمكن من معرفته فهذا لا يجوز وهو في صميم الغرر والجهالة.
لكن إذا تمكن بعد ذلك من معرفته فهو جائز.
ومن المعلوم أن غالب الديون يتمكن الإنسان من معرفتها بعد إجراء عقد الضمان.
= والقول الثاني: أنه لا يجوز ضمان المجهول مطلقًا.
- لأن ضمان المجهول فيه غرر وجهالة ويفضي إلى النزاع والاختلاف إذا تبين أن الدين قيمته مرتفعة.
- ولأن الضامن قد يضمن دينًا هو لا يستطيع سداده. - الضامن نفسه لا يستطيع سداده.
والراجح: في الحقيقة فيه إشكال.
أصحاب القول الأول معهم الآية والآية ظاهرة في الجهالة. فعلًا حمل البعير غير معلوم مطلقًا ولا نقول: إن جهالته يسيرة لا سيما في القديم لأنه قد يحمل آصع كثيرة وقد يحمل آصع قليلة.
من جهة أخرى من حيث الواقع العملي: إقرار الضمان بالمجهولات أمر يفضي غالبًا إلى الشقاق والنزاع الكثير.
ولكن ولله الحمد قد لا نحتاج إلى الترجيح كثيرًا في هذه المسألة لأنه قلَّ أن يضمن شخص دينًا لا يعرفه.
- ثم قال - ﵀ -:
- والعواري والمغصوب والمقبوض بسوم.
هذه الأعيان الثلاثة يجمعها وصف واحد وهي التي يسميها الفقهاء الأعيان المضمونة.
ولذلك كان من الأنسب فيما أرى أن يقول المؤلف - ﵀ -: (ويضح ضمان الأعيان المضمونة) حتى يشمل ما ذكره وغيره.
فإذا هذه الأشياء تسمى الأعيان المضمونة ويصح أن يضمن الإنسان الأعيان المضمونة.
فإذا ضمن الأعيان المضمونة فهو بالخيار: إما أن يحضر العين أو يحضر قيمة العين إذا تلفت.
لكن نحتاج إلى أن نقف مع الأعيان المضمونة التي مثل بها المؤلف - ﵀ -:
[ ٤ / ١٢٦ ]
المثال الأول/ (العواري). العارية مضمونة مطلقًا عند الحنابلة. ولهذا صح أن يمثل بها المؤلف. وصح أن تسمى من الأعيان المضمونة.
وستأتينا هذه المسألة وهي: هل العارية مضمونة مطلقًا أو بالتعدي والتفريط؟ في باب العارية وسيخصص المؤلف - ﵀ - بابًا كاملًا لأحكام العارية.
/ وقوله - ﵀ -: (والمغصوب). المغصوب: مضمون مطلقًا. وسيخصص المؤلف - ﵀ - بابًا للغصب وهو من أهم الكتب لا سيما في وقتنا هذا - سيأتينا الكلام لماذا هو مهم؟
المهم أن المغصوب مضمون مطلقًا: وهذا بالإجماع. وستأتينا المسألة في باب الغصب.
/ وقوله - ﵀ -: (والمقبوض بسوم) المقبوض بسوم أطلق المؤلف - ﵀ - أنه من الأعيان المضمونة وهو في الحقيقة فيه تفصيل حتى عند الحنابلة. فنقول: المقبوض بسوم له ثلاثة صور:
ـ الصورة الأولى: المقبوض بعد السوم والقطع بالثمن.
يعني: ساومه وانتهوا إلى ثمن معين اتفقوا عليه. فإذا قبضه على هذا الأساس ليريه أهله أو ليريه من أراد ممن سيستفيد فهو مضمون عند الحنابلة.
ـ الصورة الثانية: أن يقبضه بعد السوم بلا قطع للثمن - يعني: ساومه ولم ينتهوا إلى ثمن معين يتفقوا عليه.
فقال: سأقبضه - لنفس الشيء - لعرضه على أهله أو على من سيشاوره في السلعة.
في هذه الصورة أيضًا هو مضمون عند الحنابلة.
ومعنى أنه: (مضمون) يعني: انه من الأعيان المضمونة والأعيان المضمونة هي التي تضمن ولو بلا تعد ولا تفريط.
ـ الصورة الثالثة: أن يقبضه بلا سوم ولا قطع.
يعني: بمجرد ما رأى السلعة وقبل أن يساومه بالثمن طلب منه أن يقبضها ليريها أهله أو من يريد أن يشاوره.
ففي الصورة الثالثة: لا ضمان حتى عند الحنابلة.
= والقول الثاني: في المقبوض بسوم في صوره الثلاث أنه لا يضمن مطلقًا.
- أولًا: لأن هذه السلعة ما زالت في ملك البائع ولو انقطع الثمن ما دام العقد لم يتم.
- ثانيًا: لأن يد القابض على وجه السوم يد أمانة فهو مؤتمن على هذه العين. والمؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
بناء على هذا: إذا أخذ الإنسان سلعة داخل المحل ليقلبها وينظر فيها وسقطت من يده وانكسرت. فهل هي مضمونة عند الحنابلة؟
غير مضمونة.
[ ٤ / ١٢٧ ]
لماذا؟ - لأنه لم يحصل لا سوم ولا قطع.
أما إذا أخذها - وهذه الصورة تحصل كثيرًا ويظن كثير من الناس أنها من ضمان المشتري لأنها سقطت من يده وهي في الحقيقة ليست من ضمان المشتري إلا إذا فرط أو تعدى.
إذا دخلت أنت وأولادك إلى محل فيه زجاج فقام أحد الأطفال بكسر أحد الزجاجات فهل هي من ضمان البائع أو المشتري؟
- المشتري. لماذا؟ لأنه فرط.
كذلك في الصورة الأولى: إذا أخذ الإنسان شيئًا ثمينًا وصار يعبث به ويحركه يمينًا وشمالًا كما يفعل بعض السفهاء ويلقيه في الهواء ثم يقبضه ثم سقط فهو من ضمان من؟
فهو من ضمان هذا المتلاعب.
- ثم قال - ﵀ -:
- وعهدة المبيع.
(عهدة المبيع) يقصد بها: ضمان الثمن للبائع أو المشتري.
«الأذان».
(عهدة المبيع) هو ضمان الثمن للبائع وللمشتري. أو للبائع أو المشتري.
ـ فأما ضمانه للبائع: ففيما إذا تبين أن السلعة معيبة. فحينئذ يضمن الثمن للمشتري فيما إذا تبين أن السلعة معيبة.
ـ وأما ضمان الثمن للبائع فهو فيما إذا لم يقبضه أو قبضه وتبين أنه مغشوش فإذًا عهدة المبيع تتصور بالنسبة للبائع وأيضًا بالنسبة للمشتري وهي تتعلق كما قال الفقهاء بالثمن.
- قال - ﵀ -:
- لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها.
أي: لا يجوز ولا يصح ضمان الأمانات. بل يضمن التعدي فيها.
فلا يجوز ولا يصح أن نضمن الأمانات.
- لأن الأمانة في الوضع الشرعي غير مضمونة على صاحبها الأصلي وهو الذي وضع يده عليها فكيف تكون مضمونة للضامن الفرعي إذا كانت ليست مضمونة على الأصل فكيف تكون مضمونة على الفرع.
ولذلك نقول: لا يصح الضمان ولا يلزم منه أن يؤدي الامن شيئًا للمضمون عنه لأنه فاسد شرعًا.
يقول - ﵀ -: (بل التعدي) يعني: بل يجوز أن يضمن التعدي في الأمانات.
فإذا قال: أنا أضمن فلان أنه إن تعدى في هذه الأمانة فأنا ضامن قيمة هذا الذي تعدى عليه.
فهذا صحيح لأن التعدي في الأمانات يوجب انشغال الذمة بقيمة الذي تعدى عليه فصح حينئذ أن يضمن.
إذًا: الأمانات لا يجوز أن تضمن هي بنفسها لكن يضمن التعدي.
فصل
- قال - ﵀ -:
- (فصل) وتصح الكفالة.
[ ٤ / ١٢٨ ]
تميز فقهاء الحنابلة بأنهم فرقوا بين الكفالة والضمان وأما في غالب المذاهب الفقهية فالضمان والكفالة شيء واحد لكن الحنابلة فرقوا بينهما.
وجعلوا الضمان يتعلق بالذمة المالية والكفالة تتعلق ببدن المدين.
لذلك نحن نقول تعريف الكفالة عند الحنابلة: هي التزام الرشيد إحضار بدن من عليه دين أو الأعيان المضمونة.
يعني: يلتزم إحضار بدن من عليه دين أو إحضار الأعيان المضمونة.
وهو مشروع وحكي فيه الإجماع.
ودليل المشروعية:
- أن حاجة الناس تمس إليه فإن كثيرًا من الناس لا يريد أن يضمن ضمانًا ماليًا لكن تطيب نفسه بالضمان البدني. فلما صارت حاجة الناس مشتدة إليه أجازه الشارع وإذن به.
ولا يوجد فيما أعلم دليل صحيح يدل على مشروعيته من الكتاب والسنة لكن جميع أدلة الضمان استدل بها الفقهاء على مشروعية الكفالة من حيث أن كلًا منهما عقد توثيق.
ذاك بالمال وهذا بالبدن.
- يقول - ﵀ -:
- بكل عين مضمونة.
يعني: يجوز الكفالة بكل عين مضمونة.
ونحن الآن تقدم معنى قريبًا الأعيان المضمونة. وما هي؟ وذكر بعض الأمثلة لها.
لكن هل مقصود المؤلف - ﵀ - بقوله: الأعيان (المضمونة) أو بعبارة: (بكل عين مضمونة) يعني: ببدن كل من يده على العين المضمونة أو بالعين الضمونة نفسها.
هذا فيه خلاف عند الحنابلة:
= فصاحب منتهى الإرادات - كما ترون: يرى أن صواب العبارة: (ببدن من يده على العين المضمونة) وأن الكفالة لا تتعلق بنفس العين المضمونة وإنما تتعلق بالبدن.
= والقول الثاني: أن عبارة المؤلف - ﵀ - صحيحة وأن الكفالة ترد على بدن المدين وعلى الأعيان المضمونة. فإن استطاع أن يأتي بالعين المضمونة أو يأتي بثمنها إذا تلفت. وبهذا القول الثاني نعلم أن مفهوم الكفالة قربت جدًا من مفهوم الضمان.
وإلى هذا القول ذهب عدد من فقهاء الحنابلة وهو أن عبارة المؤلف صحيحة وأنه عليه ان يحضر الأعيان المضمونة نفسها.
وهذا القول أرجح فيما أرى.
وسيأتينا إن شاء الله سبب الرجحان في الدرس القادم والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد
[ ٤ / ١٢٩ ]
الدرس: (٢٥) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنا في الدرس السابق أخذنا بداية الفصل المتعلق بالكفالة وتقدم معنا تعريف الكفالة وأنها التزام رشيد إحضار بدن من عليه دين أو الأعيان المضمونة. وبينا أيضًا مشروعية الكفالة.
- وتوقفنا عند قول المؤلف - ﵀ -:
- بكل عين مضمونة.
وقلت إن الشارح - ﵀ - الشيخ منصور أدخل على عبارة الماتن كلمة: إحضار بدن من بيده الأعيان الضمونة.
وعلل ذلك:
- بأن الواجب هو إحضار بدن من عليه الأعيان الضمونة لا ذات الأعيان المضمونة وأنه يحكم بناء على هذا على عبارة المؤلف - ﵀ - بالقصور.
وقلت إن القول الثاني: أن عبارة المؤلف صحيحة ولا قصور فيها وأن الكفيل عليه أن يحضر الأعيان المضمونة ذاتها وصرح بهذا المعنى الثاني وهو أنه يحضر ذات الأعيان المضمونة لا بدن من هي بيده عدد من الحنابلة.
وقال بعض الحنابلة مستدلًا لهذا القول:
- أن إحضار الأعيان الضمونة أولى بالجواز والمشروعية من إحضار بدن من عليه دين.
وعلل ذلك بقوله: أن إحضار بدن من عليه دين هو ذريعة للوصول للحق يعني: وسيلة - بينما الكفالة بذات الأعيان المضمونة هو في الحقيقة إحضار لذات الحق وإحضار المقصود أولى بالجواز من إحضار ذريعة المقصود.
وهذا القول الثاني وهو أن قول المؤلف - ﵀ -:: (وتصح الكفالة بكل عين مضمونة) أنه على ظاهره وأنه يكفل إحضار ذوات الأعيان المضمونة.
هذا القول هو الصحيح. وكما قلت لك صرح به عدد من الحنابلة.
فإن استطاع أن يحضر الأعيان المضمونة فهذا المطلوب وإلا فعليه أن يحضر قيمة هذه الأعيان المضمونة.
وبذلك عرفنا أن عبارة المؤلف - ﵀ - إن شاء الله صحيحة ولا غبار عليها وهي أقرب إلى التعليل الفقهي من حملها على البدن.
وسيأتينا في نفس هذا الباب من المسائل ما يؤكد أن المعنى المقصود هو إحضار الأعيان المضمونة لابدن من بيده الأعيان المضمونة.
- يقول - ﵀ -:
- وببدن من عليه دين.
[ ٤ / ١٣٠ ]
يعني: وتصح وتشرع الكفالة بإحضار بدن من عليه دين.
- لأن الدين حق مالي واجب فجازت الكفالة على إحضار بدن من هو عليه. قياسًا على الضمان.
وتقدم معنا أن كثيرًا من العلماء يستدلون بأدلة الضمان على مسئل الكفالة لأن المعنى واحد إلا أن هذا يضمن المال وهذا يضمن البدن.
وإحضار بدن من عليه الحق هو المقصود الأصلي للكفالة.
- ثم قال - ﵀ -:
- لا حد.
أي: لا تصلح ولا تشرع الكفالة بإحضار بدن من عليه حد.
ـ سواء كان هذا الحد لله: كإقامة الحد على شارب الخمر.
ـ أو كانت حدًا لحق الآدمي: كحد القذف.
الجميع لا يجوز الكفالة به.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - قال: لا كفالة في حد.
وهذا الحديث حديث منكر وممن حكم بنكارته الإمام الحافظ البيهقي وهو كذلك فإن في إسناده رجلًا كثير المنكرات.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا قصاص.
يعني: ولا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص.
واستدل أيضًا الحنابلة على هذا الحكم:
- بأن الكفيل إذا تخلف من عليه القصاص لن يفي بما عليه فإن الحدود لا تقام إلا على من اقترف الجريمة
إذًا: لن ننتفع من كفالته بشيء جيث لن يقام الحد إلا على من تعدى حدود الله.
وإذا كانا لن ننتفع من الكفالة بشيء فهي لا تشرع.
= والقول الثاني: - في مسألة الحد والقصاص:
أنه يشرع الكفالة بالحد والقصاص مطلقًا. والغرض منها هو إحضار بدن من عليه الحد والقصاص.
= والقول الثالث: أن الكفالة تشرع في القصاص وفي الحد الذي هو حق الآدمي فقط دون الحد الذي هو لحق الله.
والأقرب إن شاء اله المذهب أنه لا تشرع الكفالة لا بحد ولا بقصاص.
- قال - ﵀ -:
- ويعتبر رضى الكفيل.
يعني: ويشترط لصحة لكفالة أن يرضى الكفيل.
وهذا بالاتفاق.
- لأنه لا يلزم الإنسان حقًا إلا برضاه.
- ولأنه لا يمكن إلزام أحد بكفالة أحد وتحمل تبعت إحضار بدنه إلا وقد رضي بذلك.
ولوضوح هذه المسألة اتفقوا عليها.
- قال - ﵀ -:
- لا مكفول به.
في هذه العبارة مسألتان:
ـ المسألة الأولى: أن بعض أهل العلم انتقد عبارة المؤلف: (لا مكفول به) وقال الكفول به هو الدين وصواب العبارة: (لا مكفول). يعني: لا يشترط رضى المكفول.
[ ٤ / ١٣١ ]
والصواب أن العبارة صحيحة ولم أقف على أحد من الحنابلة عبَّر بغير هذا التعبير فكلهم يعبر بالمكفول به. هذا من جهة.
من جهة أخرى: كلمة المكفول به: صحيحة. لأن المكفول به في الواقع في الكفالة هو بدن من عليه دين لا الدين نفسه.
إذًا: المكفول به: إذا تأملت فستجد أنه فعلًا هو البدن وهو المكفول.
فإذًا كلمة المكفول به: تساوي كلمة المكفول والمعنى صحيح التعبيرين. وبهذا التعبير عبر كل الحنابلة.
فهو تعبير صحيح من حيث النقل عن الحنابلة ومن حيث المعنى.
ـ المسألة الثانية: أنه لا يشترط رضى المكفول.
فإذا كفل شخص شخصًا عند آخر فالكفالة صحيحة ولو سخط المكفول.
واستدلوا على هذا:
- بالقياس على الضمان.
= والقول الثاني: أنه يشترط رضى المكفول فإن لم يرض لم تصح الكفالة.
واستدل أصحاب هذا القول على قوهم:
- بأن موضوع الكفالة إحضار بدن المكفول فإذا لم يرض المكفول لن يتمكن الكافل من إحضاره فإذا لم يحضره لم يحصل المقصود.
والصواب أنه لا يشترط رضاه ما دام الكافل رضي أن كفل مع علمه بعدم رضى المكفول وإلتزامه إحضاره فهذا شيء إليه وعليه إما أن يحضر المكفول أو إذا عجز - كما سيأتينا - يضمن الدين.
فما دام رضي بهذا الحكم فليس للمكفول حق أن يرضى أن يسخط.
- قال - ﵀ -:
- فإن مات.
يعني: المكفول. قال في آخر العبارة: بريء الكفيل. ولن يلزمه بعد ذلك شيء لاضمان البدن ولا ضمان المال.
واستدل الحنابلة على هذا: - بأن المكفول لا يستطيع الحضور وحضوره متعذر فإذا سقط حضور الأصل فكيف بالفرع الذي يلوم بإحضار هذا الأصل الذي لا يستطيع الحضور. فالميت لا يمكن لأحد أن يلزمه بالحضور في مجلس الحكم أو الحضور لأداء الدين لأنه ميت. وإذا كان لا نلزم المكفول فكيف نلزم الكافل.
= والقول الثاني: التفصيل:
ـ إن كان الكافل توانى وتساهل إلى أن مات المكفول وجب عليه أن يلتزم الحق ولا يسقط ولا يبرأ.
ـ وإلا فإنه يبرأ.
= والقول الثالث: أن الكافل إذا مات المكفول لا يبرأ مطلقًا بل عايه أن يلتزم الحق.
[ ٤ / ١٣٢ ]
وعللوا هذا: - بأن الدائن إنما رضي بأن يقرض هذا الشخص لوجود الكفيل فإذا مات الكفيل لا يذهب حق الدائن وإنما يلزم الكافل بأداء الحق لأن الدين بني عليه. يعني: لأن المقرض إنما أقرض بناء على وجود الكفيل.
وهذا القول الأخير هو الصحيح وممن اختاره من المحققين شيخ الإسلام بن تيمية - ﵀ -. وهو قول عند التأمل تجد أنه قول قوي.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو تلفت العين بفعل اللَّه تعالى.
يقصد المؤلف - ﵀ - بقوله: (تلفت العين) يعني: العين المضمونة.
فإذا تلفت العين المضمونة بفعل الله فحكم المسألة كحكم لو مات المكفول تمامًا خلافًا وأدلة وترجيح.
وهذه هي المسألة التي قلت لك أنها تؤكد أن المؤلف - ﵀ - أراد في صدر اباب الكفالة بذات الأعيان لا ببدن من عليه أعيان مضمونة. لأنه الآن هنا أوجب إحضار نفس العين إذا تلفت بغير فعل الله كما هو مفهوم العبارة فدلت هذه العبارة على أنه يريد ذات الأعيان المضمونة لا بدن من عليه ضمان الأعيان المضمونة. فهذا يؤكد صحة ما تقدم إن شاء الله.
وقوله - ﵀ -: (أو تفلت العين بفعل الله) مفهوم العبارة أنها إذا تلفت فعل الآدمي فإن الكافل لا يبرأ. - لأنه إنما أقيم لمثل هذا. يعني طلب كافل لمثل هذا: حتى لا يذهب حق المكفول له.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو سلم نفسه: بريء الكفيل.
يعني: أو سلم المكفول نفسه للمكفول له فحينئذ يبرأ الكفيل.
- كما أنه لو سدد المدين الدين بريء الضامن فكذلك هنا لأن موضوع الكفالة هنا البدن فإذا سُلِّم بريء الكفيل.
وبهذا انتهى الفصل الخاص بالكفالة وننتقل إلى باب الحوالة.