- قال - ﵀ -:
- باب اللقطة.
اللقطة: لغة اسم لما يؤخذ من الأرض.
وتعريفه بأنه اسم لما يؤخذ من الأرض أحسن من تعريفه بأنه اسم لما يلقط من الأرض.
حتى لا نعرف الشيء بنفسه. هذا تعريفه لغة:
وأما اصطلاحًا: فاللقطة: هو المال الضائع عن ربه إذا أخذه عن غيره.
فهذا تعريف اللقطة في اللغة وفي الشرع. والمؤلف - ﵀ - عرَّف أيضًا اللقطة وإنما ذكرت التعريف الذي قلته شرعًا لأنه أوضح على في تعريف المؤلف - ﵀ - مزية وهي: التنويه إلى بعض الأحكام الخاصة باللقطة.
- يقول - ﵀ -:
- وهي: مال.
المال في الشرع هو: كل عين جاز الانتفاع بها بلا حاجة. وتقدم معنا في البيوع تفصيل هذا التعريف وبيان محترزات التعريف فلسنا بحاجة إلى إعادته الآن. إذًا عرفنا ما هو المال في الشرع.
- يقول - ﵀ -:
- أو مختص.
المختص: أو المختصات في الشرع هي: كل عين لا يجوز أن يقع عليها عقد البيع وصاحبها أحق بها.
كالكلب المعلم. فهو من أبرز أمثلة المختصات.
فلابد لكي نعتبر العين لقطة أن تكون مال أو تكون مختص.
[ ٤ / ٤٣٦ ]
فإذا وجد الإنسان جرة خمر فإنها ليست لقطة بل يجب عليه أن يتلفها لأنها ليست مال شرعًا ولا مختص.
- قال - ﵀ -:
- ضل عن ربه.
معنى قوله: (ضل) يعني ضاع عن ربه. والحكم لا يختص بالضياع بل ما يشابه الضياع يأخذ حكم الضياع.
مثل: أن يدفن الإنسان ماله وينسى أين دفنه ويجده غيره.
فإذا وجده غيره فهو لقطة. وذلك إذا كان الدفن قريبًا وطريًا فحينئذ يكون لقطة.
فإذًا: عبَّر المؤلف - ﵀ - بقوله: (الضال) لأن الغالب في اللقطة أن تكون بسبب الضياع لا بسبب الدفن ونسيان مكان الدفن.
- ثم يقول - ﵀ -:
- وتتبعه همة أوساط الناس.
معنى: (تتبعه همة أوساط الناس) يعني: يهتمون في طلبه.
فالشيء الذي لا تهتم أنت في طلبه فليس مما تبعه همة أوساط الناس.
وقوله: (تتبعه أوساط الناس يعني: دون المتساهلين منهم ودون المتشددين وإنما الوسط.
فمن الناس من لا قيمة للمال الكثير في نظره.
ومن الناس من يكون المال القليل جدًا عظيم في نظره فلا هذا يعتبر ولا هذا يعتبر وإنما ننظر إلى أوساط الناس وعامتهم في تقدير هل هذا المال تتبعه الهمة أو لا تببعه الهمة.
هذا شيء والشيء الثاني: أشار الشيخ منصور - ﵀ - في الشرح: إلى أن هذا ليس من حقيقة اللقطة وإنما هو شرط في التعريف.
فكأنه يقول: إيراده في التعريف غير مناسب. لأنه من شروط التشييد وليس من حقيقة تعريف اللقطة.
وإشارته - ﵀ - صحيحة.
فإن الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس هو أيضًا لقطة.
بينما يفهم من تعريف الشيخ إخراج الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس عن مدلول كلمة اللقطة. وهذا ليس بصحيح.
فإذًا: يكون التعريف فقط: هي مالٌ أو مختص ضل عن ربه.
هذا هو التعريف.
وأما: (وتتبعه همة أوساط الناس) فهو من شروط التشييد وليس من حقيقة التعريف.
اللقطة في الشرع تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
وهذا التقسيم باعتبار أمرين:
ـ الأمر الأول: شرط التملك.
ـ والأمر الثاني: جواز اللقطة. - أو جواز اللقط يعني: جواز الأخذ. هل يجوز أن نأخذ أو أن لا نأخذ.
فالأقسام باعتبار هذين الأمرين.
ـ القسم الأول: أشار إليه المؤلف - ﵀ -:
- فقال - ﵀ -:
[ ٤ / ٤٣٧ ]
- فأما الرغيف والسوط ونحوهما: فيملك بلا تعريف.
ـ القسم الأول: هو ما لا تتبعه همة أوساط الناس.
فإذا كان المال الملقى لا تتبعه همة أوساط الناس فإنه يجوز أن يلقط: هذا الشيء الأول. ويملك بلا تعريف. وهذا الشيء الثاني.
إذًا: يجوز أن يلقط. ويجوز أن يملك. وأيضًا بلا تعريف.
استدل الحنابلة على جواز أخذه وعلى جواز تملكه بلا تعريف بدليلين:
- الدليل الأول: أن النبي - ﷺ - كما في الصحيح مرَّ على تمرة فقال لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها. ولم يشر النبي - ﷺ - في الحديث إلى التعريف وذلك لأن التمرة مما لا تتبعه همة أوساط الناس.
- الدليل الثاني: الإجماع فإن أهل العلم أجمعوا على أن المال الذي لا تتبعه همة أوساط الناس يملك بمجرد الالتقاط ولا يشترط فيه التعريف.
* * مسألة/ فإذا التقطه وأكله ثم جاء صاحبه فإنه لا يضمن له لأنه إنما أخذه بموجب الشرع فلا ضمان عليه ولو جاء صاحبه بعد ذلك. أما إن جاء صاحبه قبل أن ينتفع به فإنه يجب أن يرده إليه. لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. وهذا المال: مال هذا الذي جاء فيجب أن يدفع له.
وبهذا انتهى القسم الأول من اللقطة.
- ثم قال - ﵀ -:
- وما امتنع من سبع صغير كثور وجمل ونحوهما: حرم أخذه.
هذا هو القسم الثاني من أقسام اللقطة وهو: القسم الذي لا يجوز أن يؤخذ أصلًا. وإذا كان لا يجوز أن يؤخذ فمن باب أولى لا يجوز أن يملك.
إذًا: القسم الثاني: هو الذي لا يجوز أن يؤخذ ولا يجوز بطبيعة الحال أن يملك. وهو: ما يمتنع بنفسه من صغار السبُع. لكن في الواقع ليس هذا هو الشرط الوحيد بل يضاف إليه شرطان:
ـ الشرط الأول: أن يتمكن من ورود الماء والشرب.
ـ الشرط الثاني: أن يصبر عن شرب الماء مدة طويلة.
فصار الشيء الذي لا يجوز أن يلقط هو الذي اتصف بثلاث صفات:
١ - أن يمتنع من صغار السبع.
٢ - وأن يتمكن من ورود الماء.
٣ - وأن يكون من اللاتي يصبرن عن الماء وقتًا طويلًا.
وهذا النوع يتعلق بالحيوان فقط ويسمى الضوال. فالضوال عند الفقهاء مصطلح خاص بالحيوان الضائع ولا يطلق على غيره من أنواع اللقطة.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
(وصغار السبع) هي: السباع الصغيرة التي لا تفترس الحيوانات الكبيرة. ومثلوا لها بثلاثة أمثلة: - الأول: الذئب. واعتبروه من صغار السباع. - والثعلب. - والأسد الصغير. فالأسد الصغير يعتبر من صغار السباع والثعلب والذئب ولو كان كبيرًا فهو يأخذ حكم صغار السباع.
ومثل المؤلف - ﵀ - لهذه الحيوانات التي لا يجوز أن تؤخذ بقوله: (كثور وجمل).
تختلف الأسباب التي من أجلها يمتنع الحيوان عن صغار السباع:
ـ فقد يمتنع عن صغار السباع لكونه كبيرًا. كما مثل المؤلف - ﵀ -: (كالجمل). فالجمل يمتنع بجسمه.
ـ وقد يمتنع عن صغار السباع لشدة عدوه كالظباء مثلًا. فإنه لا يمكن لصغار السبع أن يصطاد الظباء لسرعتها.
ـ وقد يمتنع لكونه يطير كالطيور كلها. لأن هذه تمتنع عن صغار السباع.
وألحق الحنابلة بما يمتنع بحجمه - ألحق بالجمل: الحمير. فقالوا: إنها تمتنع بحجمها كما يمتنع الجمل.
= والقول الثاني: أنها لا تمتنع.
- أولًا: لأن صغار السباع يتمكن من افتراس الحمار.
- ثانيًا: لأنه لا يصبر عن الماء.
- ثالثًا: لأنه لا يحسن الوصول إلى الماء.
فهو في الحقيقة أشبه بالشاة منه بالبعير.
وهذا القول نصره جدًا الشيخ الفقيه ابن قدامة وهو كما قال - ﵀ -. قول وجيه وصحيح.
فجنس الحمير لا يلحق بكبار الأجسام كالجمل.
ويلحق بهذا القسم: الذي لا يجوز أخذه - كل ما لا يتلف ببقائه كالقدور الكبيرة والطاحون الكبير فإن هذه الأشياء لو بقيت في الصحراء فإنه لا يضرها وتبقى إلى أن يأتي صاحبها ويأخذها.
فهي تشبه ما يمتنع من صغار السبع من حيث أنها لا تنظر ببقائها وقتًا طويلًا ملقاة على الأرض ولهذا لا يجوز للإنسان أن يأخذها بل تبقى في مكانها إلى أن يأتي صاحبها لأخذها.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
وعلم من هذا البحث كله أنه إذا تبين للإنسان أن هذه الأشياء التي ذكرها الفقهاء في مكان تتلف لو تركت ولو كانت كبيرة أو تعدو أو تطير بأن كان في المنطقة سباع صغيرة لكنها عرفت بأكل كبار الأجسام أو كانت في مكان لا يوجد فيه ماء أصلًا أو كان القدر الكبير في مكان فيه قطاع طرق بكثرة. حينئذٍ يجوز أن تؤخذ. وذلك استنباطًا من تعليلات الفقهاء لأنهم يرون عدم جواز أخذها لا متناعها بنفسها ونحن الآن تبين لنا أنها في مثل هذه الأمثلة لا تمتنع بنفسها فجاز حينئذ أن تؤخذ.
ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لتعليلات الفقهاء حتى يدور الحكم مع هذه العلة وجودًا وعدمًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- وله إلتقاط غير ذلك.
هذا هو القسم الثالث: وهو القسم الأكبر من أنواع اللقطة وحكمه أنه يجوز أن يؤخذ ولا يملك إلا بالتعريف.
وهذا القسم يشمل كل ما عدا القسم الأول والثاني.
فكل عين سقطت على الأرض لا تدخل في القسم الأول ولا في الثاني فهي من القسم الثاني.
ولذلك نقول في تعريفه: هو كل ما لا يدخل في القسم الأول والثاني.
والدليل على حكم هذا النوع من اللقطة:
- حديث زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أن النبي - ﷺ - سئل عن لقطة الذهب والفضة فقال النبي - ﷺ - (إعرف عفاصها ووكائها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فشأنك بها وهي وديعة عندك فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه). وهذا اللفظ في الصحيح.
وهو من أهم أحاديث اللقطة لكونه يشتمل على مجموعة من المسائل.
وستلاحظ أن مفردات المسائل التي ذكرها المؤلف - ﵀ - تعتمد على هذا الحديث.
إذًا عرفنا الآن الدليل حيث نص النبي - ﷺ - على أنها تعرف لمدة سنة ثم تملك بعد ذلك.
- يقول - ﵀ -:
- إن أمن نفسه على ذلك.
بدأ بشروط القسم الثالث:
ـ فالشرط الأول: أن يأمن نفسه على اللقطة يعني: أن لا يخون فيها. فإن لم يأمن نفسه وظن أنه لو أخذها ملكها بلا تعريف حرم عليه الأخذ أصلًا وهذا بالإجماع.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
ـ الشرط الثاني: أن يقوى على التعريف. أن يتمكن من التعريف. فإن ظن من نفسه أنه لا يستطيع أن يعرف هذه اللقطة إما لضعفه أو لفقره أو لانشغاله أو لأي سبب من الأسباب فإنه لا يجوز له ولو أمن نفسه عليها أن يأخذها إذ مالفائدة من أخذ اللقطة وهو بعلم من نفسه أنه لن يتمكن من التعريف بها.
فهذان شرطان لا يجوز الإلتقاط إلا بهما.
ثم لما بين المؤلف - ﵀ - شرط إلتقاط اللقطة في القسم الثالث بين ماذا يترتب على من خالف والتقط مع عدم توفر الشروط.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإلاّ فهو كغاصب.
أي أن حكمه حكم الغاصب.
ويندرج تحت هذا مسألتان:
ـ الأولى: أنه يضمن هذه العين مطلقًا فرَّط أو لم يُفَرِّط. لأنا نعامله معاملة الغاصب وهذا حكم الغاصب.
ـ المسألة الثانية: أنه لو أخذها بنية الخيانة ثم عرفها تائبًا أو غير تائب. فإنها لا تملك بعد السنة. لأن يده يد غصب.
إذًا: الحكم الثاني: أنه إذا أخذها ثم عرفها سواء عرفها بعد التوبة أو عرفها بدون توبة وإنما عرفها هكذا فإنها لا تملك. لأنه أخذها بغير إذن شرعي فلا يستحق التملك.
= والقول الثاني: في هذه المسألة الثانية: أنه إذا أخذها وعرفها فإنه يملك هذه العين.
واستدل أصحاب هذا القول على قولهم:
- بأن الشارع رتب ملك العين الملتقطة على التعريف فإذا وجد السبب وجد الحكم فما دام عرفها فهي ملك له.
والأقرب والله أعلم المذهب: فإذا عرفها ولم يجد صاحبها فإنه يدفعها إلى بيت المال إن تمكن وإن لم يتمكن فإنه يتصدق بها عن صاحبها ولا يملكها أبدًا ما دام أخذها بنية الخيانة فإنه ليس من أهل التملك.
وإن كان القول الثاني فيه قوة من حيث التعليل إلا أنه يظهر لي أن المذهب أقوى.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويعرف الجميع بالنداء.
أيك أنه يجب على ملتقط اللقطة أن يبدأ بالنداء فورًا وهو التعريف.
والدليل على هذا ظاهر:
- لقوله - ﷺ -: (عرفها). وهذا الأمر للوجوب. والأمر الذي للوجوب هو على الفور في أصح قولي الفقهاء.
إذًا: إذا كان الحديث أمر فهو للوجوب وعلى الفور. فيجب عليه أن يبادر بالتعريف.
وهذا معنى قول المؤلف - ﵀ - هنا: (ويعرف الجميع بالنداء في مجامع الناس غير المساجد).
[ ٤ / ٤٤١ ]
إذًا: يجب عليه أن يعرف مباشرة لحديث زيد السابق.
- يقول - ﵀ -:
- في مجامع الناس.
المقصود من هذه الجملة: أن يتحرى الأماكن التي يظن أن وصول الخبر إلى صاحب اللقطة فيها أكبر.
وليس مقصود المؤلف - ﵀ - هنا بقوله: (في مجامع الناس) أنه يجب دائمًا أن يعرف في مجامع الناس.
هذا ليس مقصودًا.
لكن مقصوده أن الغالب أنه إذا عرف في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد فإن صاحب اللقطة سيعرف خبر هذه اللقطة.
لكن لو افترضنا أن تعريفه اللقطة في مكان آخر وليس من مجامع الناس يظن أن وصول الخبر إلى صاحبها أكبر فيجب أن يترك مجامع الناس وأن يعرفها في هذا المكان الذي يظن أن وصول الخبر فيه إلى صاحبها أكبر.
من أمثلة هذا: أن يجد معاملة سقطت تختص بدائرة حكومية معينة وهي في طور الإعداد من المعلوم أن أنسب مكان للتعريف بهذه المعاملة أين؟ في مدخل هذه الدائرة.
لأنه لن يذهب صاحب هذا الشيء إلى أماكن تجمع الناس .. إلى آخره.
وهكذا يجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا التقط اللقطة فهو أمين ومحاسب فعليه أن يعرف اللقطة في المكان الذي يظن أنه في الغالب أنها ستكون فيه.
فإذا كانت اللقطة يغلب على الظن أنها لشخص يعمل في سوق التمر من خلال ملابسات أو قرائن فيجب أن يعرفها في سوق التمر.
وإذا كان يغلب على الظن أن صاحب هذه اللقطة من خلال ملابسات وقرائن من تجار الذهب فإنه من الخطأ أن يذهب إلى سوق التمر ليعرف لقطة يغلب على الظن أنها لتاجر من تجار الذهب.
وهكذا يجتهد في معرفة المكان المناسب فإن لم توجد قرائن ولا دلائل فغنه يعرف في مجامع الناس.
- يقول - ﵀ -:
- غير المساجد.
يعني: فإنه لا يجوز له أن يعرف فيها.
وذلك:
- لأن النبي - ﷺ - قال: (من رأيتموه ينشد ضالة في مسجد فقولوا: لا ردها الله عليك).
وهذا الحديث دليل واضح على التحريم. وذلك: لأن المساجد لم تبن لذلك وإنما بنيت لذكر الله والعبادة لا ليبحث الناس فيها عن ما سقط منهم من أمتعة.
فإذًا: لا يجوز في المساجد.
لكن عند أبواب المساجد لا حرج في ذلك.
- يقول - ﵀ -:
- حولًا.
يعني: أن مدة التعريف سنة كاملة هجرية قمرية.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
تبدأ من اليوم الذي وجد فيه اللقطة وتنتهي في نفس اليوم من العام التالي.
والدليل على ذلك:
- الحديث السابق: فأنه قال: (عرفها سنة).
- كذلك: الآثار عن أصحاب النبي - ﷺ -: عمر وغيره - ﵁ -. أفتوا بالتعريف لمدة سنة.
واختلفوا: أي واختلف الفقهاء في كيفية التعريف:
= فالقول الأول: أنه يعرفها في الأسبوع الأول في كل يوم. ثم بعد نهاية الأسبوع الأول يرجع إلى أعراف الناس في تعريفها.
= والقول الثاني: أنه يعرفها في الأسبوع الأول في كل يوم ثم في الشهر الأول في كل أسبوع ثم باقي السنة في كل شهر مرة.
والراجح إن شاء الله القول الأول. وأنتم علمتم الآن من سياق الخلاف أن جميع العلماء يرون وجوب التعريف في الأسبوع الأول في كل يوم.
ثم اختلفوا إذا انتهى الأسبوع الأول وذلك لأن الأسبوع الأول مظنة بحث صاحبها عنها أكبر بكثير من الأسبوع الثاني ثم تنقص هذه المظنة كلما ذهب الوقت.
على أنه في القول الثاني فيه ضعف في الحقيقة لأن الاكتفاء في ما بعد الشهر الأول بالتعريف مرةواحدة في الشهر فيه إجحاف في الحقيقة لأن هذا التعريف قليل جدًا سيبقى أكثر السنة يعرف في الشهر كم؟ مرة.
وإن كان عرف في الشهر الأول في الأسبوع الأول منه في كل يوم وفي باقي الأسابيع مرة في كل أسبوع لكن يداية من الشهر الثاني سيكون التعريف في كل شهر مرة. وهذا قليل جدًا.
ولذلك أنا أرى أن هذا القول فيه إجحاف بصاحب اللقطة لا سيما إذا كانت مهمة وضرورية ومرتفعة القيمة. كونه يعرف في كل شهر مرة متى يصادف صاحب اللقطة؟
ولذلك نقول: الراجح إن شاء الله القول الأول ويرجع في تعريفها إلى العرف بحسب الأهمية وبحسب الملابسات.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويملكه بعده حكمًا.
يعني: ويملك اللقطة بعد اتعريف السنوي حكمًا.
الدليل أنه يملكه: - الأحاديث: فالنبي - ﷺ - قال: (فهي لك) وفي لفظ: (فشأنك بها).
والأحاديث كثيرة في ملك المعرف للقطة بعد سنة.
وقوله (يملكها حكمًا) يعني: قهرًا من غير اختيار. كدخول الميراث في ملك صاحبه.
إذًا: الحنابلة يرون أن دخول اللقطة بعد التعريف لمدة سنة في ملك الملتقط دخولًا إجباريًا.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
وعللوا هذا: - بأن الأحاديث فيها إفادة الملك فهو يقول: (فهي لك).
- ثم إن الشارع رتب ملك على التعريف سنة فإذا انتهى تعريف السنة حصل الملك باختياره أو بغير اختياره.
ويترتب على هذا القول: أن الملتقط بعد سنة إذا تلفت اللقطة فهي مضمونة عليه مطلقًا.
لماذا مضمونة عليه مطلقًا؟ - لأنها أصبحت من أملاكه. وإذا دخل الشيء في ملكك ثم تلف فهو مضمون عليك مطلقًا لا نقول فرَّط أو لم يُفَرِّط لأنها أصبحت من أملاكه.
إذًا: عرفنا مذهب الحنابلة وعرفنا ماذا يترتب على هذا القول ويكاد يكون ما يترتب على القول أهم من القول.
= القول الثاني: أن اللقطة لا تدخل في ملكه إلا باختياره فإن اختار أن لا يتملك فإن اللقطة تصبح وديعة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
وهذا القول اختيار أبي الخطاب من الحنابلة وقول لبعض الشافعية وقيل إنه هو المذهب الاصطلاحي.
= القول الثالث: أن اللقطة بعد السنة تدخل في ملك الملتقط قهرًا ولا يضمنها.
ففيه الجمع بين القولين. وجه ذلك:
- وجهه: أن الملتقط إنما التقطها بإذن الشارع وعرفها بإذن الشارع وملكها بإذن الشارع ولا يترتب على الإذن الضمان.
فإذا أخذها والتقطها وعرفها سنة وتملكها ثم تلفت أو انتفع منها فإنه إذا جاء صاحبها لا يضمنها له.
وهذا القول قوي ووجيه لولا اللفظ السابق لحديث زيد.
ففي اللفظ السابق يقول: (فإذا جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه). هذا لحديث يكاد يكون نص في المسألة.
وليس في الحديث أنه إذا جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه إلا إن كنت انتفعت بها. ليس في هذا القيد.
ولذلك الراجح إن شاء الله القول الثاني. فهو إن شاء تملك وإن شاء لم يتملك.
فإن لم يتملك فهي وديعة وأمانة تبقى عنده.
وإن شاء إذا مرت السنة ولم يرد أن يتملك إن شاء أن يدفعها إلى الإمام تخلصًا منها فهذا أمر مشروع وذكره بعض الفقهاء.
إذًا هو مخير بين أن تبقى عنده وديعة وبين أن يدفعها إلى بيت المال.
- ثم قال - ﵀ -:
- لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها.
لا يجوز له أن يتصرف في الوديعة إلا بعد أن يضبط صفات الوديعة.
- لقول النبي - ﷺ -: (اعرف عفاصها ووكائها).
[ ٤ / ٤٤٤ ]
فهذا أمر من النبي - ﷺ -.
والوكاء هو: ما يربط به الإناء سواء كان من جلد أو من قماش.
والعفاص: هو الإناء الذي يتخذ لتخزين الأشياء وأيضًا سواء كان من جلد أو من شيء آخر.
فالحديث نص على أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في اللقطة إلا بعد أن يضبط صفاتها.
ويستحب له أن يشهد على هذه الصفات كما يستحب له أن يكتب هذه الصفات لأن لا ينسى أو يهم.
- ثم قال - ﵀ -:
- فمتى جاء طالبها فوصفها: لزم دفعها إليه.
- لقول النبي - ﷺ -: (فإذا جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه).
- ولقوله: (فعرفها سنة فإن لم تعرف فشأنك بها).
فمفهوم الحديث أنها إذا عرفت فهي ليست من أملاكه بل تدفع إلى صاحبها.
- ثم قال - ﵀ -:
- والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما.
المؤلف - ﵀ - يريد بهذا أن يبين من الذي يملك الإلتقاط والتملك بعد التعريف.
= فالحنابلة يرون: أن كل إنسان مكلفًا كان أو غير مكلف صغيرًا أو كبيرًا مسلمًا أو كافرًا فإنه يملك بالالتقاط ولا نشترط أن يكون بالغًا عاقلًا مكلفًا.
واستدلوا على هذا:
- بأن الالتقاط وسيلة من وسائل التملك فهي كالاحتطاب والاصطياد. والاحتطاب والاصطياد لا يشترط له أن يكون المحتطب بالغًا يعني: مكلفًا.
= والقول الثاني: أنه يشترط في الملتقط أن يكون من المكلفين.
واستدلوا على هذا:
- بأن الالتقاط فيها نوع ولاية على اللقطة والولايات لا تكون إلا للمكلفين.
والراجح: المذهب. لأن شبه الالتقاط بالاحتطاب أكبر من شبهها فيما يحتاج إلى ولاية.
بناءً على هذا: يقول - ﵀ - إذا قررنا أن لكل واحد الإلتقاط صغيرًا كان أو كبيرًا:
- يقول - ﵀ -:
- (والسفيه والصبي يعرف لقطتهما وليهما).
أي: أن الولي يجب عليه أولًا: أن يأخذ اللقطة من السفيه والصبي.
ثم إذا أخذها يجب عليه أن يعرفها نيابة عنهما.
فإن لم يأخذ اللقطة وأتلفها الصبي فإن وليهما يضمن هذه اللقطة: لأنه فرط.
ووجه التفريط: أنه ترك واجبًا من واجباته وهو أخذ اللقطة والتعريف بها.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن ترك حيوانًا بفلاة لانقطاعه أو عجز ربه عنه: ملكه آخذه.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
إذا ترك الإنسان الحيوان رغبةً عنه فإنه يملك من آخذه.
استدل الحنابلة على هذا بدليلين:
- الأول: أن جابر - ﵁ - أراد أن يسيب جمله وهو مع النبي - ﷺ - ولم ينكر عليه ذلك النبي - ﷺ -.
- الثاني: أنه تركه رغبة عنه فخرج عن ملكه وكأنه أجاز لغيره أن يأخذه.
وهذا الحكم عند الحنابلة يختص بالحيوان.
أما العبد والحجر ونحوهما فإنه لا يلتقط ولو تركه رغبة عنه.
عللزا هذا:
- بأن العبد يستطيع أن يصل إلى سيده فهو يحسن التصرف.
- وأما الحجر فإنه يبقى بلا ضرر إلى أن يرجع إليه سيده.
وهنا أيضًا نقول: أنه إذا عرفنا أن سيد العبد تركه لا يريه ولو رجع إليه وأنه ترك الحجر والقدر الكبير رغبةً عنه ولا يريده أصلًا فإنه يجوز للإنسان أن يأخذه.
وإنما يترك فيما إذا علمنا أن لسيده رغبة فيه.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن أخذ نعله ونحوه ووجد موضعه غيره: فلقطة.
إذا أخذ نعل الإنسان ونحوه كثيابه ووجد مكانها غيرها فحكمها عند الحنابلة أنها كاللقطة. يعني: تعامل معاملة اللقطة. فعليه ان يعرفها سنة ثم إذا عرفها سنة فإنه يأخذ منها حقه ويتصدق بالباقي. هذا حكم هذه المسألة عند الحنابلة.
في الحقيقة فيها إشكال: ووجه الإشكال: كيف يحكم الحنابلة على مثل هذه الصورة بأنها لقطة ثم يقولون أنه بعد مرور الحول يأخذ منها حقه فقط ويتصدق بالباقي؟ وقد قرروا في السابق أن اللقطة حكمها بعد التعريف أنها تملك: كلها.
ولذلك كأن الحنابلة يرون أنها لقطة من وجه وليست لقطة من وجه. وإلا ففي تقريرهم نوع تعاض واختلاف.
الدليل على هذا الحكم: - قالوا: أن في هذه الصورة لم يجر بين السارق الذي أخذ النعل وبين صاحب المتاع الذي أخذ متاعه معاوضة حتى نقول خذ متاع السارق مكان متاعك. إذًا: لم تجر بينهما مبايعة ولا معاوضة.
- الدليل الثاني: أنه ربما أخذت من غير صاحب التي بقيت.
فإذا أخذت نعلك ولم يبق في المسجد إلا نعل واحدة احتمال أنة يكون صاحب هذه النعل هو الذي أخذ نعلك وهو الاحتمال الأكبر ولكن يبقى أنه يوجد احتمال أن تكون هذه النعل لشخص آخر غير الذي أخذ نعلك.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
لهذين الدليلين قالوا: لا يجوز أن يتملكها مباشرة بل عليه أن يعرفها سنة ثم بعد ذلك يأخذ حقه منها.
= القول الثاني: أن لا نحتاج إلى الانتظار لمدة سنة بل مباشرة تؤخذ وتباع ويأخذ البائع حقه منها والباقي يتصدق به.
واستدلوا على هذا: - بأن ظاهر الحال ودلالة القرينة على أن هذا الباقي هو متاع الذي أخذ - أن الحذاء الباقي إنما هو للشخص الذي أخذ الحذاء الذي ذهب. والشرع مبني على الأخذ بالظواهر.
هذا القول الثاني وهو أنه لا يشترط أن نبقى سنة اختاره الشيخ المرداوي واختاره أيضًا الحارثي وهو كما ترى وجيه.
كما عللوا ذلك: - بأن في هذا القول رفقًا بالناس. لأنه إذا أخذت نعل الإنسان وقيل له انتظر لمدة سنة ففي الغالب سيعرض عن هذا النعل الموجود ويشتري مكانه آخر.
إذًا: هذا القول الثاني هو الصحيح فنقول: إذا وجدت نعلًا وغلب على ظنك أنه لمن أخذ نعلك فخذه وبعه وخذ نصيبك منه والباقي تتصدق به. والغالب: سيبقى باقي؟ أو لن يبقى باقي؟ لن يبقى باقي. لماذا؟ لأنه لو كانت نعل السارق خير من نعلك لماذا يتركها لك ويأخذ نعلك؟! فإذًا: المأخوذة غالبًا ستكون خير من الموجودة.
فلماذا إذًا قال الحنابلة: ويتصدق بالباقي؟ احتياطًا لإكمال الحكم وإلا في الغالب لن يتبقى شيء.
/ ما الحكم إذا كان ثمن المبيع أقل من نعلك؟ إذا كان أكثر عرفنا الحكم.
وإذا كان أقل: .. «.. ليس لك إلا هذا .. لأنه مسروق» ..
وبهذا انتهينا من باب اللقطة وننتقل إلى باب اللقيط.