- قال - ﵀ -:
- باب المساقاة.
المساقاة في لغة العرب: مشتقة من السقي.
وسميت هذه المعاملة بهذا الاسم لأن أشق أعمال المساقي في الحجاز السقي لكثرة حاجة الشجر إلى الماء وصعوبة تحصيل الماء.
وهذا المعنى يختص بالحجار.
وفي غيره من الأماكن قد لا يكون سقي الشجر هو أصعب الأعمال. قد يكون هو أسهل الأعمال وفي صور كثيرة لا يسقس أصلًا وإنمات يتكفل المطر بسقي النبات ويكون عمله في جانب آخر.
وهذا لا يعنينا في الأحكام الشرعية ولكن نحن نتحدث الآن من الاشتقاق وأن هذا الاشتقاق شيء أو معنى يختص بأهل الحجاز.
- يقول - ﵀ -:
- باب المساقاة.
المساقاة هي: دفع شجر لمن يقوم عليه بجزء من الثمر.
وله صور ولكن هذا معناه العام.
إذًا صورة المساقاة - حتى تتصور هذه المعاملة قبل أن ندخل في الأحكام - هي أن يعطي الإنسان الذي يملك البستان الشجر كالنخل - مثلًا - إلى شخص آخر ليقوم هذا الشخص بسقي النخل والقيام عليه ومراعاته وإصلاحه إلى أن يثمر فتكون الثمرة بينهما حسب الاتفاق.
يعني: بجزء من الثمر متفق عليه.
إذًا هذه هي المساقاة وما زال الناس من القديم إلى يومنا هذا يعملون بها وإن كانت في هذه الأيام خفت باعتبار أن الإنسان أصبح يستطيع أن يستأجر عمالًا بدل أن يساقي على جزء من الثمرة.
لكن في القديم كانت الحاجة إليها ماسة جدًا وعمل الناس عليها كثير.
- يقول - ﵀ -:
- تصح.
أفادنا المؤلف - ﵀ - أن المساقاة صحيحة وجائزة ومشروعة.
وإلى هذا ذهب الجماهير من السلف والتابعين وتابعوهم والفقهاء السبعة وعامة علماء الأمة. بل حكي إجماعًا. على أنها معاملة مشروعة صحيحة.
واستدلوا - ﵏ -:
- بما ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
واستدلوا أيضًا:
- بأن الخلفاء الراشدين - ﵃ - عملوا بها. وكذلك عامة الصحابة.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بأن الحاجة تدعو إليها.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
= والقول الثاني: وهو للأحناف فقط: أن هذه المعاملة لا تصح. فذهبوا إلى إبطال المساقاة.
واستدلوا على هذا:
- بحديث رافع - ﵁ - وهو صحيح - أن النبي - ﷺ - قال: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكريها على الربع أو الثلث). قالوا: والحديث صريح في النهي عن المساقاة والمزارعة.
ولو كانت نسبة الربح مشاعة لقوا في الحديث: (الربع أو الثلث).
والراجح إن شاء الله مذهب الجماهير بلا إشكال مطلقًا إن شاء الله. وسبب الترجيح أن هذا الحديث بينت الروايات الأخرى له وأحاديث أخرى ختلف في المخرج عن هذا الحديث كل هذه الروايات والأحاديث بينت أن النهي في هذه الحديث إنما هو نهي خاص وهو عن أن يشترط لنفسه جزءًا معينًا من البستان.
كأن يشترط أن له ما على الجداول لجودة ما يخرج فيه أو ما يخرج في المكان المشمس لجودة ما يخرج فيه أو أي بقعة من البستان.
فنحمل هذا الحديث على هذا المعنى والذي سوغ حمله على ذلك أن الروايات الأخرى لنفس الحديث تبين هذا المعنى.
إذًا الراجح إن شاء الله هو القول الأول.
- يقول - ﵀ -:
- على شجر له ثمر.
يعني: تجوز المساقاة لكن لابد أن تكون على شجر ولابد أن يكون هذا الشجر له ثمر.
فهم من كلام المؤلف - ﵀ -: أن الشجر الذي ليس له ثمر لا تصح المساقاة فيه.
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ -: أن غير الشجر كالمقاثي والخضروات لا تجوز المساقاة عليها.
وإنما فقط الشجر الذي له ثمر.
فالشجر يخرج ما عداه.
والثمر يخرج الشجر الذي ليس له ثمر.
وهذا هو مذهب الحنابلة. واستدلوا على هذا:
- بأن الدليل الدال على الجواز جاء في النخل فقط وهو شجر وله ثمر فنبقى مع هذا الحديث ولا نتجاوزه إلى أنواع أخرى من النباتات.
هكذا قرر الحنابلة.
= والقول الثاني: أن المساقاة تجوز على كل ما فيه منفعة للمتعاملين من شجر له ثمر أو ليس له ثمر أو من نباتات لا تعتبر من الأشجار كالمقاثي ونحوها.
واستدل أصحاب هذا القول على قولهم:
[ ٤ / ٢٤٥ ]
- بأن الشارع الحكيم إنما أجاز للمساقاة نظرًا لحاجة الناس والحاجة موجودة في الشجر الذي لا يثمر والحكم في الشرع يدور نع علته وجودًا وعدمًا. فما دامت الحاجة موجود فالحكم موجود.
واستدلوا على ذلك:
- بأن تخصيص بعض أفراد العام بحكم لا يقتضي تخصيصه بالحكم.
فكون حديث خيبر نص على جواز المساقاة في النخل لا يعني منع المساقاة في غيره من الأشجار.
وهذا القول الثاني هو الراجح وهو إن شاء الله المتوافق مع قواعد الشرع والمقاصد العامة.
- قال - ﵀ -:
- وعلى ثمرة موجودة.
يعني: وتجوز المساقاة على الثمرة بعد طلوعها ويكون المقصود بالمساقاة رعاية الثمرة والقيام عليها وتنميتها وحفظها من الآفات.
واستدلوا على جواز المساقاة على الثمر الموجود:
- بأنه إذا جازت المساقاة على الثمر المعدوم كما في قصة خيبر ففي الموجود من باب أولى.
وهذا صحيح.
- قال - ﵀ -:
- وعلى شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر: بجزء من الثمرة.
ذكر المؤلف - ﵀ - الشجر قبل أن يغرس: ليغرس. وبعد أن غرس قبل أن يثمر. وبعد أن غرس وبعد أن يثمر.
فذكر المراحل الثلاث للشجرة.
المرحلة الأخيرة هيي أن: يساقي على شجر لم يغرس فيقوم بغرسه والعناية به إلى أن يثمر بجزء معلوم مشاع من الثمرة.
استدلوا على الجواز بدليلين:
- الدليل الأول: أن هذا العمل عمل معلوم مباح فجاز العقد عليه.
- الدليل الثاني: القياس على الشجر المغروس الذي يساقى عليه إلى أن يثمر.
سؤال: لماذا نقيس على الشجر المغروس. لماذا أصبحت أولى. فكأنها هي الأصل؟
لأنها المذكورة في الحديث - لأن هذه الصورة دل النص على جوازها فنحن نقيس على حكم دل النص على جوازه.
ولهذا السبب ذاته قدم المؤلف - ﵀ - الحكم على الشجر الذي يساقى إلى أن يثمر وإلا فإن المنطق أن تكون أول مسألة الذي لم يغرس ثم الذي غرس ولم يثمر ثم الذي غرس وأثمر.
لكنه خالف هذا الترتيب ليقدم ما ذكر في الحديث.
إذًا تجوز هذه المعاملة.
لكن اشترط الحنابلة لجواز هذه المعاملة أن يكون الشجر من رب الأرض.
فإن كان من العامل فإنه لا يجوز.
= والقول الثاني: جواز أن يكون الشجر من العامل.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
وهذا القول الثاني هو الراجح واختصرنا في هذه المسألة لأنها ستأتينا في المزارعة وهي أصلًا في المزارعة.
إنما يعنينا الآن أن نعرف أنه عند الحنابلة: يشترط أن يكون الغرس - يعني الشجر - من رب الأرض لا من العامل. والقول الثاني أنه يجوز من العامل.
وهذا القول الثاني هو الصحيح.
من المعلوم أن غالب عمل الناس على المذهب. [بمعنى] هل صاحب الأرض سيكلف العامل بأن يأتي بالنخل؟ أو هو الذي يعطيه النخل ويقول له: اغرس النخل؟ حتى يبقى النخل ملكًا لصاحب الأرض.
إذًا: هذا الخلاف الفقهي قد لا يكون له رصيد كبير في الواقع. في الواقع دائمًا يكون الغرس من رب الأرض حتى يبقى الشجر في الأرض ملكًا له.
- قال - ﵀ -:
- وهي عقد جائز.
هذه المسألة انفرد بها الحنابلة: أن المساقاة من العقود الجائزة.
ولا أظن اني بحاجة إلى بيان ما معنى أن يكون العقد جائز؟ يعني: أنه له الفسخ متى شاء.
= الحنابلة يرون: أن عقد المساقاة من العقود الجائزة وهو من مفردات الحنابلة. ﵏.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بأن النبي - ﷺ - قال ليهود خيبر نقركم فيها ما نشاء.
يعني: نبقيكم في خيبر إلى الوقت الذي ناء ثم نخرجكم منها.
وجه الاستدلال؟ وجه الاستدلال من هذا الحديث أن المساقاة لو كانت من العقود اللازمة لم يطلق النبي - ﷺ - لهم العقد ولوقته بوقت محدد. لأن العقود اللازمة تحتاج إلى تحديد فلما لم يحدد عرفنا أن المساقاة من العقود الجائزة.
ويصدق هذا ويؤكده أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - أخرجهم. كأنه فسخ المساقاة وأخرجهم وهذا يدل أيضًا على أنها من العقود الجائزة.
- الدليل الثاني: قالوا: أن المساقاة أشبه ما تكون بالمضاربة وإذا كانت تشبه المضاربة تأخذ حكمها من حيث الجواز.
= القول الثاني: وهو مذهب الجماهير أن عقد المساقاة من العقود اللازمة.
واستدلوا أيضًا بدليلين:
- الدليل الأول: القياس على عقد الإيجار. كأن رب الأرض استأجر العامل وإذا كان عقد المساقاة يشبه الإجارة فالإجارة من العقود اللازمة - كما سيأتينا.
واستدلوا على هذا:
[ ٤ / ٢٤٧ ]
- بأن القول بأن المساقاة من العقود الجائزة يفضي إلى مفسدة وهذه المفسدة هي أن يفسخ رب الأرض المعاملة قبيل أخذ الثمرة فيذهب نصيب العامل من الثمرة.
هذه المسألة لاشك أنها من المسائل المشكلة والمهمة جدًا وعمل الناس على أنها من العقود اللازمة لأن المزارع والعامل كل منهما يتضرر لو قيل بأنه جائز.
هذا من حيث الواقع.
نأتي إلى الترجيح. الترجيح بين القولين: فأيهما أرجح؟
في الحقيقة المسألة فيها إشكال. لكن يظهر لي مع ذلك مع شيء من الوضوح أنها: جائزة وليست لازمة.
والدليل المرجح: النص والتعليل فكل من الدليلين المذكورين للحنابلة في الحقيقة قوي: لأنك إذا تأملت ستجد أن هذا العقد أقرب إلى المضاربة منه إلى الإيجار.
ما هو الدليل على أن هذا العقد أقرب إلى المضاربة من الإيجار؟
الدليل على هذا: أن من الأمور الحاكمة في العقود والموضحة لحقيقتها بالدرجة الأولى: كيفية توزيع الأرباح - ولا يحسن أن نقول أرباح يعني: - كيفية الحصول على مقابل العوض. تجد أن كيفية الحصول على المقابل يتشابه مع المضاربة. لأنها نسبة مشاعة من الأرباح بينهما الإجارة مبلغ مقطوع.
وهذا التشابه في الوارد مقابل العمل يجعل المساقاة أقرب إلى المضاربة.
وفي الحقيقة هذا هو الذي أوجد بالنسبة لي أنا الترجيح أنه جائز وأن قول الإمام أحمد - ﵀ - هذا أرجح.
- قال - ﵀ -:
- فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة: فللعامل الأُجرة.
بين المؤلف - ﵀ - حكم الفسخ قبل ظهور الثمرة. ولم يبين حكم القفسخ بعد ظهور الثمرة.
فحكم الفسخ بعد ظهور الثمرة أنه لا فسخ بل يلزم العامل بالاتمام ورب الأرض أيضًا بالإتمام.
وظاهر كلام بعض الحنابلة - ألسنا نقول أن عقد المساقاة من العقود الجائزة فكيف يقول الحنابلة أنه بعد ظهور الثمرة لا فسخ.؟ ظاهر كلام بعض الحنابلة: أن الفسخ صحيح فإذا فسخا انفسخ العقد لكن مع الفسخ نلزم العامل بالاتمام ورب الأرض بالصبر.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
وفي الحقيقة إذا قلنا بالفسخ مع الإلزام بالاتمام أصبح الفسخ لا معنى له. (إذًا أصبح الفسخ لا معنى له إذا كنت ستلزم العامل بالاتمام ورب الأرض) لكن من وجهى نظري أن المخرج من هذا أن نقول أن عقد المساقاة عقد جائز لكن قد يعرض للجائز ما يجعله لازمًا.
كما تقدم معنا في الوكالة فالوكالة عقد جائز لكن لا تنفسخ قبل علم الموكل بسبب عارض وهذا العارض هو الضرر الداخل على الموكل والمشتري.
كذلك نحن نقول هنا الأصل في المساقاة كما أنه بالاتفاق عقد الوكالة عقد الوكالة جائز مع ذلك في بعض الصور صار لازم فكذلك هنا نقول هو جائز لكن العكس يصبح في بعض الصور لازم.
هذا الذي يظهر لي من وجه الجواب.
أما كونه يصبح لازمًا بعد ظهور الثمرة فهذا صحيح ولا أظن عالمًا يخالف في هذا لأنه بعد ظهور الثمرة تعلق حق العامل بها ورب الأرض بها. كلاهما: لا العامل يجوز له أن ينصرف ولا رب الأرض.
فإذا قال العامل أنا لا أريد جزئي من الثمرة نقول ولو كنت لا تريد جزئك من الثمرة يجب أن تبقى وأن تكمل عملك إلى أن يحصل لرب الأرض جزئه من الثمرة. وكذلك يقال لرب الأرض.
- قال - ﵀ -:
- فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة: فللعامل الأُجرة.
تبين معنا حكم بعد.
والآن نبين الحكم قبل:
إذا فسخ رب الأرض قبل فعليه أجرة عمل العامل من حين تم العقد إلى أن تم الفسخ.
تعليل ذلك:
- أن رب الأرض هو الذي تسبب في فسخ العقد ولولاه لاستحق العامل الثمرة. هذا الوجه الأول.
- الوجه الثاني: أنه مهما يكن من أمر فإن ظهور الثمرة بعد ذلك للعامل فيه دور. فاستحق العوض على هذا الدور.
إذًا استدلوا بدليلين وكلامهم صحيح.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن فسخها هو: فلا شيء له؟
يعني: وإن فسخ العامل المساقاة فلا شيء له.
- لأنه رضي بإسقاط حقه.
وهذه العبارة تحمل على قبل أو بعد ظهور الثمرة؟
قبل. أما بعد فتبين معنا أنه لا يجوز له أصلًا أن يترك العمل.
وقولنا: أن يترك العمل أدق من أن نقول لا يجوز أن يفسخ.
- قال - ﵀ -:
- ويلزم العامل كل ما فيه صلاح الثمرة.
انتقل المؤلف - ﵀ - إلى بيان عمل كل واحد من رب الأرض والعامل وبدأ بالعامل لأن عمله هو الأكثر.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
والعامل عليه جل العمل.
وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن العمل كله المحدد من نصيب العامل وأنه لا يجوز أن يشترط على رب الأرض أي عمل.
إذًا: اتفق الأئمة الأربعة على أن العمل يلزم به من؟ العامل وأنه لا يجوز أن نشترط على رب الأرض أي نوع من أنواع العمل.
والسبب في ذلك: أن اشتراط جزءًا من العمل على رب الأرض ينافي موضوع المساقاة فإن موضوع المساقاة أن تكون الأرض من رب الأرض وأن يكون العمل من العامل.
لكن المؤلف - ﵀ - يريد بعد أن قرر أن العمل على العامل يريد أن يضبط ما هي الأعمال التني تجب على العامل.
- يقول - ﵀ -:
- كل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها.
كل ما فيه صلاح الثمرة وزيادة الثمرة فهو من مهام العامل.
وهذا ضابط مريح.
هناك ضابط آخر: يقرب أكثر. يقول: كل ما يتكرر كل سنة فهو من مهمام العامل وما يعمل مرة واحدة فهو من مهام رب الأرض.
وهذا يعطي انطباعًا وتصورًا أوضح عن أعمال العامل.
وهناك ضابط ثالث يقول: أنه كل ما دل العرف على أنه من أعمال العامل فهو من أعماله. وإلا فهو على رب الأرض.
وهذه الأقوال ليست أقوالًا متناقضة بل أقوال متقابة ويصدق بعضها بعضًا وتكمل المعنى.
فالذي يتكرر كل سنة هو نفسه الذي يعرف في العرف أو وجد العرف على أنه من أعمال العامل.
ومع ذلك أرلد المؤلف - ﵀ - أن يزيد الأمر وضوحًا بالتعداد:
- فقال - ﵀ -:
- من حرث.
الحرث من مهام العامل بلا إشكال. وبالإجماع.
والبقر الذي يحرث به عند الحنابلة على العامل.
- لأن الحرث وآلته من مهام العامل.
وهذا يقتضي اليوم أن آلات الحرث على العامل.
لكن العرف اليوم أن السيارة الكبيرة التي تحرث الأرض تكون عادة موجودة في المزرعة.
فإن تقبل العامل أرض المساقاة وليس فيها آلة حرث: فعند الحنابلة: الملزم بآلة الحرث هو العامل لأن هذا من مهامة الأساسية.
- يقول - ﵀ -:
- وسقي.
يعني: وعليه أن يسقي الشجر وهذا واضح.
- يقول - ﵀ -:
- وزِبار.
الزبار هو: تقليم الأغصان الميتة بالنسبة للعنب والسعف الميت بالنسبة للشجر.
وهو بقاعدة عامة: أخذ ما يحسن أخذه من الشجر. سواء كانت عنبًا أو كان نخلًا.
- قال - ﵀ -:
- وتلقيح.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
التلقيح على العامل: عليه هو أن يلقح الشجر.
إذا كانت من الأنواع التي تلقح وإذا كانت من الأنواع التي لا تلقح فليس من عمل لا رب الأرض ولا العامل لكن تلاحظ أن اتجاه المؤلف - ﵀ - في الكلام عن النخيل. كأنه يغلب عليه الكلام عن النخيل لأن غالب المساقاة على النخيل ولأن النص إنما جاء في النخيل.
- قال - ﵀ -:
- وتشميس. وإصلاح موضعه.
يعني: عليه أن يشمس ما يناسب تشميسه.
وعليه أن يصلح موضع التشميس بأن يمنع الآفات عنه والدواب وأن يجعله في مكان ظاهر للشمس إلى آخره.
- قال - ﵀ -:
- وطرق الماء.
يعني وعليه إصلاح طرق الماء.
يجب على العامل إصلاح طرق الماء بأن يسهل وصول الماء إلى أماكنه من الشجر.
اليوم التمديدات التي تعمل في المزارع تكلف مبالغ طائلة في الحقيقة ولا أعرف العرف في هذا: هل إذا استأجر الإنسان مزرعة عليه هو أن ياتي بالتمديدات أو على رب الأرض أن تكون موجودة يعني لا أعرف العرف لكن يبدو لي أن مثل هذا الأمر لما كان باهض الثمن أصبح اليوم لابد من الاتفاق المسبق عليه.
وهذا يؤكد القول الثالث: وهو أن المسألة ترجع إلى أعراف الناس ونما يتعارفوه بينهم في الأعمال المنوطة بكل من العامل ورب الأرض.
- يقول - ﵀ -:
- وحصاد.
عليه الحصاد.
عليه أن يحصد ما يناسب الحصاد وعليه أن ينقي أخواض الجر من النباتات الصغيرة التي تفسد على الشجرةو طلعها وثمرتها.
- قال - ﵀ -:
- ونحوه.
يعني ونحو هذه الأعمال اتي جرى العرف بأنها من العامل.
من أبرز الأعمال التي تكون على العامل: - حفظ الثمرة بعد مزجها إلى أوان التقسيم فهذا من أعمال العامل. وإن أخل أو فرط أو تعدى فيضمن.
فلا تنتهي مهمة العامل بنضج الثمرة وصلاحيتها للأكل أو للبيع بل مهامه تستمر إلى أن يتم التقسيم.
* * مسألة/ لم يذكر المؤلف - ﵀ - الجذاذ وهو أمر مهم جدًا.
= عند الحنابلة: أن الجذاذ ليس على العامل وليس على رب الأرض بل على كل منهما أن يجذ نصيبه.
فمعنى هذا: أن العلاقة انتهت إذا حان أوان الجذاذ. فيمكن رب الأرض ويقول هذا لك وهذا لي وانتهت مهمة العامل.
فعلى كل منهما أن يحذ نصيبه.
[ ٤ / ٢٥١ ]
= والقول الثاني: أنها من مهام العامل وأنه لا يترك العمل إلا بعد إيصال الثمرة إلى رب الأرض. مجنية من الشجرة.
من حيث الدليل والتعليل والنظرة الفقهية الراجح مذهب الحنابلة.
وجه ذلك: أن مهمام العامل تتعلق بتنمية الثمرة وإصلاحها إذا تم هذا الهدف انتهت مهمة العامل. والجذاذ ليس من إصلاح الشجرة ولا من القيام عليها ولا من تنمية الثمرة وإنما هو أخذ للثمرة فقط.
فمن حيث الدليل الأقرب مذهب الحنابلة وهو أنه ليس من أعمال العامل بل كل واحد منهما يأخذ نصيبه.
لكن بالنسبة للواقع فإني أرى أنه يجب - يكاد يقرب من الوجوب - الاتفاق المسبق على جني الثمر.
وجه ذلك: أن تحصيل التمر من الشجر اليوم أصبح يكلف مبالغ طائلة جدًا وإذا كان يكلف هذه المبالغ فيجب أن يكون هناك اتفاق مسبق على هذا القضية حتى لا يكون هناك اختلاف فإن لم يكن اتفاق فكما قلت لكم أرى أن مذهب الحنابلة أرجح.
انتهى المؤلف - ﵀ - من بيان ما يلزم العامل ولاحظت أنه ختم الأعمال بقوله: (ونحوها) فإذًا هو لا يريد الحصر وإنما يريد التمثيل.
- قال - ﵀ -:
- وعلى رب المال ما يصلحه: كسد حائط وإجراء الأنهار والدولاب ونحوه.
أيضًا أعمال رب الأرض لها ضابط ولو أنه ذكره - ﵀ - كما ذكر ضابط العامل لكان أحسن وأوضح.
الضابط بالنسبة لرب الأرض: أن عليه كل ما فيه حفظ الأصل. فأي عمل يتعلق بحفظ الأصل فهو من أعمال فما ذكره المؤلف - ﵀ - من سد الحائط فهذه من اعمال رب الأرض لأن هذا يتعلق بحفظ الأصل. - أصل الملك.
- قال - ﵀ -:
- وإجراء الأنهار والدولاب.
يعني أن على رب الأرض كل آلة تأتي بالماء.
أو بعبارة أخرى: على رب الأرض تحصيل الماء.
ولذلك كمل قلنا أن الحرث يقتضي أن البقر على العامل هنا نقول أن الحيوانات التي تدير الدولاب من مهام رب الأرض.
قياسًا عليه نقول: الآلات الحديثة لإخراج الماء - الدينمو والمواطير والمكائن التي تخرج الماء وما يتبعها من مواسير ونحوه هو من مهام رب الأرض وهذا لا إشكال فيه لا من حيث العرق ولا من حيث النظرة الفقهية لأن العامل لا مصلحة له بأن يؤسس في تامزرعة لإخراج الماء وهو سيمكث فيها سنة.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
إذًا كل ما من أنه تحصيل الماء فهو من مهام رب الأرض.
والقاعدة العامة هي التي ذكرت لك وهي: أن عليه كل ما فيه حفظ الأصل.
فصل
[في أحكام المزارعة]
- فقال - ﵀ -:
- (فصل)
انتهى المؤلف - ﵀ - من المساقاة وانتقل لقرينتها وهي المزارعة.
والمزارعة هي دفع الأرض لمن يزرعها بجزء مشاع من الزرع.
فيقول رب الأرض للعامل: دونك هذه الأرض ازرعها قمحًا أو شعيرًا أو غيره. وما يخرج من هذا الزرع فهو بيني وبينك مناصفة.
= ذهب الجماعير إلى مشروعية المزارعة.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - عامل أهل خيبر - كما تقدم معنا - بشطر ما يخرج منها - من ثمر أو زرع.
فهو أيضًا ساقاهم وزارعهم - ﷺ -.
واستدلوا على هذا:
- بما أثر عن غير واحد من السلف أنهم قالوا: ما من بيت في المدينة المنورة إلى وزارع أهله.
واستدلوا على هذا أيضًا:
- بأن عمر - ﵁ - وعلي وابن مسعود وغيرهم تعاملوا بالمزارعة.
= والقول الثاني: ان المزارعة لا تشرع.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: ما جاء في الصحيح: ان النبي - ﷺ - نهى عن المحاقلة. والمحاقلة هي المزارعة.
- والدليل الثاني: الحديث الذي تقدم معنا: من كان له أرض فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكريها أخاه بالثلث أو بالربع.
والراجح في هذه المسألة هو الراجح في المسألة السابقة وهو أن المعاملة مشروعة عمل بها النبي - ﷺ - وأصحابه.
وأما الأحاديث الناهية فتحمل على صورة خاصة منهي عنها وهي المزارعة على جزء معلوم من الأرض.
- قال - ﵀ -:
- وتصح المزارعة: بجزء معلوم النسبة مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل، والباقي للآخر.
قوله - ﵀ -: (بجزء معلوم النسبة) يعني: مشاعًا. بجزء مشاع معلوم النسبة. وكأنه - ﵀ - اكتفى ببيان أن هذه الأجزاء تكون دائمًا مشاعة وإلا لابد أن يعلم أن الجزء المعلوم النسبة لابد أن يكون مشاعًا.
فلو أخذ ربع الأرض المحدد لبطلت بالإجماع. لو أخذ الربع الشمالي أو الشرقي أو الربع الذي في الوسط وعينه وحدده لبطلت.
لكن يجب أن يأخذ جزءًا مشاعًا.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
لكن المؤلف - ﵀ - ترك كلمة مشاع لأنه بيينها في المعاملات السابقة.
قوله - ﵀ -: (مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر) يعني أنه إذا شرط لأحدهما فالباقي للآخر ولا نحتاج إلى تسميته.
ودليل ذلك:
- أن الحق لا يخرج عنهما فإذا حدد نصيب أحدهما فالباقي للآخر.
- قال - ﵀ -:
- ولا يشترط: كون البذر والغراس من رب الأرض، وعليه عمل الناس.
= ذهب الحنابلة إلى أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض بل يجوز أن يكون من العامل.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الدليل الأول: أن النبي - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من الزرع ولم يذكر اشتراط أن يكون البذر منه - ﷺ -.
- الدليل الثاني: أنه جاء في النص ما يدل على أن البذر من اليهود - وهو قول الراوي: عن عمله - ﷺ -: بشطر ما يخرج منها يعتملوها بأموالهم.
فدل هذا على أنهم زرعوها بأموالهم.
- الدليل [الثاني]: ما صح عن عمر - ﵁ - أنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر وإن جاءوا هم بالبذر فله كذا كذا.
فدل الحديث على جواز أن يكون البذر من رب الأرض أو من العامل لأن عمر - ﵁ - جوَّز الأمرين.
- الدليل [الثالث]: أن الحاجة تدعو إلى ذلك. إذ يكون العامل لديه البذر ورب الأرض ليس لديه بذر.
= القول الثاني: أنه يشترط لصحة المزارعة أن يكون البذر من رب الأرض.
واستدلوا على هذا:
- بأن المزارعة والمساقاة تشبه المضاربه ونحن نشترط في المضاربة أن يكون المال من رب المال. فكذلك في المزارعة تكون الأرض والبذر من رب الأرض وإنما يكون من العامل شيء واحد فقط وهو العمل.
والجواب على هذا الدليل: أن هناك فرقًا واضحًا بين المال في المضاربة والبذر في المزارعة لأن المال في المضاربة يعود إلى صاحبه وهو رب المال بينما البذر لا يعود إلى صاحبه. والراجح القول الأول
«الأذان»
- قوله - ﵀ -:
- والغراس.
الغراس هو دفع شجر لمن يغرسه بجزء من الشجر لا من الثمر.
وهذا هو الفرق بين الغراس والمساقاة.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
الخلاف في الغراس كالخلاف في المزارعة تمامًا من حيث اشتراط كون الغرس من رب الأرض أو العامل.
وتقدم أن الراجح أنه يجوز أن يكون البذر من أيهما فكذلك يجوز أن يكون الغراس من رب الأرض أو من العامل.
إذًا لا نحتاج إلى إعادة الخلاف في الغراس بعد أن عرفنا ماهو.