- قال - ﵀ -:
باب المواقيت.
المؤلف - ﵀ - خصص هذا الباب لبيان مواقيت الحج.
والميقات في لغة العرب هو: الحد.
فالموقت هو: المحدد.
والأصل في لغة العرب: أن المواقيت تتعلق بالزمان لكن اتسع الاصطلاح ليشمل المواقيت المكانية، وإلا فالأصل أن الميقات يتعلق فقط بالزمان.
ومواقيت الحج تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: المواقيت الزمانية.
- والقسم الثاني: المواقيت المكانية.
والمواقيت الزمانية ستأتينا.
والمواقيت المكانية تنقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: من كان سكنه دون الميقات.
- والقسم الثاني: من كان سكنه قبل الميقات.
وسيأتينا في كلام المؤلف حكم كل واحد من النوعين.
والمؤلف - ﵀ - بدأ بالمواقيت المكانية والسبب - والله أعلم - في أنه - ﵀ - بدأ بها:
- أن الأحكام التي تعلق بالمواقيت المكانية أكثر والحاجة إليها أمس.
- قال - رحمه الله تعالى -:
ميقات أهل المدينة ذو الحليفة.
ميقات أهل المدينة: ذو الحليفة. وسيأتينا النص الدال على أن هذا هو ميقات أهل المدينة.
وذو الحليفة هو أبعد المواقيت من مكة. ويسمى الآن: أبيار علي، وسمي بهذا الاسم: لأنه واد تكثر فيه أشجار الحلفة.
ويبعد عن مكة نحو: ٤٢٠ كيلو، ولذلك اعتبر أبعد المواقيت من مكة.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة.
الجحفة هو ميقات: أهل الشام.
والجحفة في الأصل قرية كبيرة عامرة في طريق الحجاج من الشام إلى مكة لكنها الآن قرية خربة. وسبب خراب هذه القرية: أن السيول اجتحفتها فأصبحت خرابة ولذلك سميت الجحفة، ولما صارت خرابًا انتقل الناس إلى الإحرام من رابغ.
- وقول المؤلف - ﵀ -:
أهل مصر والمغرب.
[ ٣ / ٥٧ ]
لأن أهل مصر والمغرب كانوا يأتون إلى الحرمين عن طريق البر وذلك قبل حفر قناة السويس، فكانوا هم وأهل الشام يلتقون في هذا الميقات.
ويقصد بالمغرب: لا يقصد البلد وإنما يقصد جميع الدول التي في جهة المغرب، فمصر ودول المغرب كانت كلها تحرم من الجحفة، والجحفة تلي ذي الحليفة في البعد، فأبعد المواقيت ذو الحليفة ثم يليه الجحفة. وتبعد نحو ١٩٠ كيلًا.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
وأهل اليمن يلملم.
يلملم: وادي في طريق القادم من اليمن إلى مكة.
ويبعد عن مكة نحو ١٢٠ كيلًا.
وفي هذا الوادي بئر يسمى السعدية كانوا يحرمون منه قديمًا وهو يقع على الخط القديم الذي يصل ما بين الجنوب ومكة، وأما الآن فقد وضعت الدولة خطًا جديدًا مهيئًا وهو أحسن من الخط الأول فصار الميقات على الخط الجديد بدل الخط القديم، فقد أوجدوا مسجدًا على الخط الجديد محاذٍ ليلملم وصار الناس يحرمون من هذا الميقات الذي هو على الخط الجديد بدل السعدية الموجودة على الخط القديم.
ثم قال - رحمه الله تعالى -:
وأهل نجد قرن.
القرن في لغة العرب: هو الجبل الصغير المنفصل عن الجبال الكبيرة القريبة منه.
وقرن المنازل وادٍ معروف يسمى الآن: السيل الكبير، وهو: أقرب المواقيت إلى مكة إذ يبعد نحوًا من ٧٥ كيلًا تقريبًا، وهو ميقات لأهل نجد، وذكر بعض الفقهاء أن الحكمة من كونه قريبًا من مكة: أن أهله بعيدين عن مكة فإن نجدًا بعيدة عن مكة.
[ ٣ / ٥٨ ]
* * مسألة/ الميقات الذي يوجد الآن على طريق النازل من الطائف على طريق الهدى والذي يسمى وادي محرم هو نفسه السيل الكبير لأن هذا الوادي يمتد إلى أن يصل إلى تلك المنطقة فهو أعلى هذا الوادي الذي ينزل إلى قرن المنازل - المعروف الآن - ولذلك فإن أهل نجد مخيرون في إحرامهم سواء كان من السيل الكبير أو من وادي محرم فهم بالخيار، فإذا كانت طائرة الإنسان مثلًا: تأتي من الرياض إلى الطائف مباشرة فلا شك أن وادي محرم أهيأ له وأقرب ليحرم منه أثناء نزوله من الطائف إلى مكة، والذي يعنينا الآن أن نعرف أن وادي محرم هو امتداد لهذا الوادي الذي جعله النبي - ﷺ - محرمًا والإحرام منه يجوز أو من السيل الكبير الذي هو قرن المنازل فالأمر فيه سعة.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
وأهل المشرق ذات عرق.
العرق: هو الجبل الصغير.
وذات عرق: هي ميقات لأهل العراق، وهي محاذية للجحفة، وكانت مكانًا عامرًا يحرم منه أهل العراق ثم لما وجدت الطرق السريعة المعاصرة لم يكن هذا الميقات على أحد من هذه الطرق فأصبح الآن مهجورًا لا قيمة له بسبب عدم مرور أي من الطرق السريعة على هذا الميقات.
فهذه المواقيت هي المواقيت التي حددها النبي - ﷺ -.
والدليل على هذه المواقيت - ولله الحمد - صحيح صريح وهو:
- ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - "وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم".
فالترتيب الموجود في الحديث يخالف الترتيب الموجود عند المؤلف فإنه ذكر ميقات أهل المدينة ثم ميقات أهل الشام ثم ميقات أهل اليمن ثم ميقات أهل نجد ولو أنه قدم ميقات أهل نجد على ميقات أهل اليمن لكان كلامه متوافق مع ترتيب الحديث.
قال النبي - ﷺ -: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة).
وقوله: (هن لهن) أي: لمن سكن في هذه البلدان، يعني: لأهل هذه البلدان.
ففي هذا الحديث: التوقيت لأهل الشام واليمن ونجد والشام ومصر وليس فيه التوقيت لأهل العراق.
[ ٣ / ٥٩ ]
واختلف العلماء: من هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق؟ على قولين:
= القول الأول: أنه النبي - ﷺ -.
واستدلوا على هذا:
- بما أخرجه أصحاب السنن أن النبي - ﷺ - وقت لأهل العراق ذات عرق.
=والقول الثاني: أن الذي وقت لهم هذا الميقات هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -
* * والصواب * * مع القول الثاني:
- لأن الحديث المرفوع الذي فيه أن النبي - ﷺ - هو الذي وقت ذات عرق: حديث ضعيف معلول ولا يثبت مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، ولذلك ذكر البخاري هذا الحديث موقوفًا عن عمر وأعرض عن الحديث المرفوع إلى النبي - ﷺ -، فإذًا صار الذي وقته هو عمر ب الخطاب - ﵁ -.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
وهي لأهلها ولمن مرّ عليها من غيرهم.
أي: أن هذه المواقيت لمن حددت له من الأمصار، وهي ميقات لمن مر عليها ولو من غير أهل تلك الأمصار، وهذه العبارة من المؤلف فيها عدة مسائل مهمة:
o المسألة الأولى: هل يجوز الإحرام قبل المواقيت المكانية؟
كما لو أحرم أهل العراق من البصرة - مثلًا - أو من بغداد قبل أن يصلوا إلى ميقاتهم، أو لو أحرم أهل الشام من دمشق أو من عمان قبل أن يصلوا إلى الجحفة إلخ ..
الجواب: أجمع أهل العلم أنه يجوز أن يحرم قبل الميقات المكاني وأنه ينعقد لكن مع الكراهة - ونحن نتكلم في المواقيت المكانية وسيأتينا الحديث عن الإحرام قبل الموقيت الزمانية -.
إلا أن ابن حجر ذكر أن إسحاق بن راهويه وداود الظاهري خالفوا الجماهير وحرموا ومنعوا أن يحرم الإنسان قبل الميقات المكاني.
* * والصواب * *: مع قول الجماهير والذي حكي إجماعًا.
والسبب في ترجيح مذهب الجماهير:
- أنه مروي عن أصحاب النبي - ﷺ - أن بعضهم أحرم قبل الميقات المكاني، فإذا كان هذا القول مروي عن أصحاب النبي - ﷺ - ومحكي إجماعًا وهو مذهب الجماهير ولم يخالف إلا داود وإسحاق فلاشك - إن شاء الله - أن الراجح مع الجماهير وهو: الجواز مع الكراهة، وأن من فعل ذلك فقد خالف السنة.
[ ٣ / ٦٠ ]
o المسألة الثانية: من كان في طريقه إلى مكة ميقاتان: فهل يجب أن يحرم من الميقات الأول؟ أو يجوز أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الثاني؟ إذا كان الميقات الثاني هو الميقات الأصلي له.
إذًا المسألة مفروضة فيمن مر على ميقاتين الثاني هو الميقات الأصلي له.
مثاله: كأن يسافر رجل من أهل نجد إلى مكة ويمر بميقات أهل المدينة فأمامه ميقات أهل نجد وهو الآن مر بميقات أهل المدينة فهل يجب عليه أن يحرم من هذا أو ذاك؟ فيه خلاف:
= القول الأول: للجماهير والجم الغفير من أهل العلم - أنه يجب أن يحرم من أول ميقات يمر عليه ولا يجوز أن يؤخر إلى الميقات الثاني ولو كان هو ميقاته الأصلي.
واستدلوا على هذا القول:
- بأن النبي - ﷺ - في حديث ابن عباس - ﵄ - بين هذه المسألة فقال: (هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن).
ويكاد يكون الحديث نص في المسألة، أن الميقات الأول هو ميقات له، وإذا كان ميقات لهذا الذي مر فالميقات لا يجوز لإنسان أن يتجاوزه بلا إحرام.
= القول الثاني: - لبعض المالكية واختاره شيخ الإسلام - أنه يجوز أن يؤخر الإحرام إلى الميقات الثاني إذا كان هو ميقاته الأصلي.
واستدلوا أيضًا بأدلة فيا وجاهة:
- الدليل الأول: أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه لما أرادوا أن يحرموا من ميقات أهل المدينة: (من أراد أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل).
فالنبي - ﷺ - أذن لهم أن يؤخروا الإحرام إلى الميقات الثاني.
والجواب عليه: أن هذا لحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - لكنه يصح مرسلًا إلى محمد بن علي - ﵁ -، فهو صحيح مرسلًا ضعيف مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.
- الدليل الثاني: روي أن عائشة - ﵂ - أحرمت مرة من ذي الحليفة ومرة من الجحفة وهي من أهل المدينة فأخرت إحرامها إلى الجحفة.
والجواب عليه: أن هذا الأثر فهم من عائشة - ﵂ - وهو يخالف منطوق حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٣ / ٦١ ]
- الدليل الثالث - والأخير -:أن النبي - ﷺ - قال: (ميقات أهل الشام الجحفة) فالحديث جعل الجحفة ميقاتًا للشام سواء مر قبل ذلك بذي الحليفة أو لم يمر.
والجواب عليه: أن آخر الحديث ينقض الاستدلال بأوله فإن آخر الحديث بين أن هذه المواقيت مواقيت لأهل تلك الأمصار ولمن مر عليها من غير أهل تلك الأمصار.
وهذه المسألة: أصبحت في وقتنا المعاصر غاية في الأهمية لسهولة السفر وكثرة الذين يمرون بالمواقيت القريبة من الحرم.
فصار سؤال الناس عن هذه المسألة كثير جدًا لأنه يسهل عليهم أن يمروا بالميقات القريب من مكة وهو كما تقدم معنا: السيل.
* * الراجح * * في هذه المسألة إشكال - وقلت لكم أن القول الثاني هو لبعض المالكية وأيضًا اختاره شيخ الإسلام بن تيمية، لكن يظهر لي أن هذا القول ضعيف وأن الأقرب - إن شاء الله - مذهب الجماهير وهو: أنه يجب أن يحرم من أول ميقات.
على أني أقول كما نبهت مرارًا إلى أن المسألة الخلاف فيها قوي وأدلة أصحاب القول الثاني فيها وجاهة وتحتمل القبول وأن يرجح القول لأجلها.
لكن لما كان الجمهور معهم نص صريح صحيح وواضح وهو أحوط فرأيي أن هذا القول أوفق للحديث وأحوط لدين الإنسان.
o المسألة الأخيرة: حكم تجاوز الميقات بدون إحرام لمن أراد الحج أو العمرة.
- أجمع أهل العلم بلا خلاف على:
- تحريم تجاوز الميقات بلا إحرام لمن كان مريدًا للنسك.
- وأنه إذا تجاوز الإحرام فهو آثم إذا كان عمدًا بعلم وعليه أن يتوب ويستغفر.
- ثم: إن رجع إلى الميقات قبل أن يحرم فإنه يسقط عنه الدم على الصحيح من قولي أهل العلم.
- وإن أحرم بعد أن تجاوز الميقات فإنه يثبت عليه الدم رجع أو لم يرجع لا كما يفهم بعض إخواننا أنه إذا رجع ولو بعد الإحرام سقط عنه الدم بل إذا أحرم بعد أن تجاوز الميقات فإنه يثبت عليه الدم رجع أو لم يرجع ما دام أنه أحرم.
ولا نريد الآن أن ندخل في مسألة: الدم المترتب على ترك الواجب لأنه سيأتينا في منطوق المؤلف أو نصه ونتحدث عن هذه المسألة.
المهم: أن تجاوز الميقات لمن أراد النسك محرم بالإجماع: فإن رجع قبل أن يحرم سقط عنه الدم وبقي أن يتوب. وإن رجع بعد أن يحرم فالدم يثبت في ذمته.
[ ٣ / ٦٢ ]
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
ومن حج من أهل مكة: فمنها.
تقدم معنا أن الناس على قسمين:
منهم من هو دون المواقيت. سواء كان من أهل مكة أو من غير أهل مكة ممن هو دون المواقيت كأهل جدة وبحرة وغيرهم، فهؤلاء يقول المؤلف - ﵀ - عنهم: (ومن حج من أهل مكة: فمنها) فالإحرام لأهل مكة: من مكة بالإجماع.
- لقول النبي - ﷺ -: (حتى أهل مكة من مكة). ونحن نتحدث عن الحج وسيأتينا الكلام عن العمرة.
ومقصود المؤلف - ﵀ - بقوله: (أهل مكة) من كان في مكة عند إرادة النسك سواء كان مقيمًا في مكة أو غير مقيم، فكل شخص في مكة نوى أن يحج فإنه يحرم من مكة.
- ثم قال - رحمه الله تعالى -:
وعمرته من الحل.
يعني أنه إذا أراد المكي أن يعتمر فيجب عليه وجوبًا أن يحرم من الحل ولا يجوز أن يعقد الإحرام من مكة.
وهذا القول الذي ذكره المؤلف - ﵀ - هو:
= مذهب الأئمة الأربعة. بل مذهب الجماهير من أهل العلم من فقهاء التابعين وغيرهم بل حكاه الطبري إجماع أهل العلم: أن المكي لا يجوز له أن يعقد إحرام العمرة من مكة.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أن النبي - ﷺ - أمر بالخروج بعائشة - ﵂ - إلى التنعيم لتحرم بالعمرة في قصتها المشهورة لما حاضت وفاتها أن تأخذ عمرة مع الحج - كما سيأتينا حديثها مفصلًا.
- والثاني: أنه مروي عن ابن عباس - ﵄ - أن المكي إذا أراد أن يحرم فإنه يجب أن يخرج إلى الحل.
- والدليل الثالث: أن المعهود في الشرع أن الإحرام لابد أن يجمع فيه الإنسان بين الحل والحرم. ففي الحج سيجمع الإنسان بين الحل والحرم بأن يخرج إلى عرفة وفي العمرة لن يخرج إلا إذا أحرم من خارج الحرم من الحل فوجب عليه أن يخرج.
= والقول الثاني: جواز الإحرام بالعمرة من مكة. وإلى هذا ذهب الصنعاني - ﵀ - ولا أعلم أن أحدًا من أهل العلم تابع الصنعاني على هذا القول - أعني من المتقدمين إلا أن البخاري قال: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة.
الراجح من القولين إذا اعتبرنا القول الثاني قولًا يعتد به:
[ ٣ / ٦٣ ]
الراجح هو القول الأول الذي حكي إجماعًا، بل نستطيع أن نقول أن هذا القول قول شاذ ويحكم على هذا القول بأنه من الأقوال الشاذة. فإن الإمام مالك بن أنس - ﵀ - يقول: لا أعلم أن أحدًا رأى العمرة من مكة.
وانطلاقًا من حكاية الإجماع الذي حكاه الطبري ومن هذه العبارة من الإمام مالك: نستطيع أن نقرر أن هذا القول قول شاذ مخالف لأقوال أهل العلم.
ولذلك لا ينبغي في الحقيقة - ومن وجهة نظري - التعويل عليه أو الفتوى به لمخالفته ما عليه جمهور أهل العلم أو إجماع أهل العلم.
ثم بدأ المؤلف بالمواقيت الزمانية:
- فقال - رحمه الله تعالى -:
وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
أشهر الحج:
= عند الحنابلة: هذه التي ذكرها المؤلف - ﵀ -. شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
واستدل الحنابلة:
- بأن هذا التحديد مروي عن ابن عمر - ﵁ - وليس مما يقال من قبيل الرأي.
= والقول الثاني: أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملًا.
واستدل هؤلاء بدليلين:
- الدليل الأول: أن هذا القول صح عن عمر وابنه وابن عباس - ﵃ -
- الدليل الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿الحج أشهر معلومات ..﴾ [البقرة/١٩٧] وأشهر جمع، والجمع في لغة العرب لا يصدق إلا على ثلاثة فصاعدًا.
فدل على أن المواقيت الزمانية ثلاثة أشهر.
فهذا القول هو القول الصحيح إن شاء الله، لو لم يكن في الباب إلا أن هذا رأي عمر بن الخطاب - ﵁ -، فضلًا عن أنه يتوافق مع ظاهر الآية، فضلًا عن أنه يتوافق مع فتوى اثنين من علماء الصحابة: ابن عمر وابن عباس، فإذا نظر الإنسان في هذه الأدلة تبين له بوضوح أن القول بأن أشهر الحج ثلاثة هو القول الصواب إن شاء الله.
ونختم هذا الباب بمسألة مهمة:
- وهي: حكم الإحرام بالحج قبل ميقاته الزماني:
= ذهب الحنابلة رحمهم الله تعالى إلا أنه يجوز وينعقد مع الكراهة الإحرام بالحج قبل ميقاته الزماني.
= والقول الثاني: وهو مذهب الجماهير - الأئمة الثلاثة وغيرهم أن الإحرام بالحج لا ينعقد قبل ميقاته الزماني، فإذا لبى بالحج قبل أشهره انقلب إلى عمرة.
[ ٣ / ٦٤ ]
- لأن الله تعالى وقت للحج ميقاتًا زمانيًا معينًا ولا يعلم بهذا فائدة إلا منع الإحرام في غير هذا المقت المحدد.
وكما ترون مذهب الحنابلة في هذه المسألة: ضعيف، ومذهب الأئمة الثلاثة قوي ومتوافق مع النصوص.
ويؤيد هذا: - أنه لم يرو عن أصحاب النبي - ﷺ - في هذا الباب ماروي عنهم في باب الميقات المكاني، فلم يرو عن أحد من أصحابه - ﷺ - أنه أحرم بالحج قبل ميقاته الزماني فيما أعلم.
وهناك فارق آخر بين الميقات الزماني والمكاني ذكره بعض الفقهاء - وهو حسن - فقال: مقصود النبي - ﷺ - من الميقات المكاني أن لا يتجاوز الإنسان هذا المكان إلا بعد الإحرام فإذا أحرم قبله بمراحل فهو لم يخالف هذا الغرض بل إن الأحناف بالغوا ورأوا أن الإحرام بالحج أو العمرة قبل ميقاته المكاني مستحب بينما ذهب الجمهور إلى أنه مكروه مع الجواز والصحة.
المهم أن هذا الفارق بين الميقات الزماني والمكاني يؤكد صحة ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة وهو أن الإحرام بهذه المواقيت لا ينعقد.