ثم قال - ﵀ -:
باب الموصى به.
يعني: الأحكام المتعلقة بالعين التي يوصي بها.
ما هي الأشياء التي يجوز أن يوصي بها والأشياء التي لا يجوز؟
قال - ﵀ -:
تصح بما يعجز عن تسليمه: كآبق وطير في هواء.
تصح بهذه الأعيان. لماذا؟
للقاعدة السابقة وهي أن كل ما يورث يجوز أن يوصى به فالوصية تجري مجرى الإرث.
فهذه الأعيان يجوز أن تورث فيجوز أن يوصي بها.
الدليل الثاني: أن الوصية بالمعدوم جائزة فبهذه من باب أولى.
ثم قال - ﵀ -:
وبالمعدوم.
في الحقيقة كان ينبغي أن يبدأ أول ما يبدأ بالمعدوم لأن مسائل هذا الباب كلها مقيسة على المعدوم.
سيأتينا الآن كل شيء يقاس على المعدوم فينبغي أن يبدأ به لأنه أصل الباب.
يجوز أن يوصي بالمعدوم.
واستدلوا على هذا بدليلين:
- الأول: أن المعدوم يملك بالسلم والمساقاة وهي من عقود المعاوضات فبالوصية أولى لأنها من عقود التبرعات. وعقود المعاوضات أضيق من عقود التبرعات فما يجوز فيها يجوز في التبرعات.
هذا أولًا.
[ ٥ / ٤٠ ]
ثانيًا: أن الوصية كلها شرعت رفقًا بالناس ومن الرفق بهم أن نجيز الوصية بمعدوم.
ومن هنا علمنا أنه يوجد فرق بين الوصية بالمعدوم والوصية إلى المعدوم، الوصية بالمعدوم صحيحة والوصية إلى المعدوم غير صحيحة.
يقول - ﵀ -:
كبما يحمل حيوانه وشجرته، أبدًا أو مدة معينة.
يجوز أن يوصي بما يحمل الحيوان أو الشجر إما مدة معينة كأن يقول ما تحمل به هذه النخل لمدة سنتين أو أبدًا يقول كل ما تحمل هذه النخل من ثمر فهو لفلان.
إذًا يجوز هذا وهذا، وهذا معنى قوله: (أبدًا أو مدة معينة).
ثم قال - ﵀ -:
فإن لم يحصل منه شيء: بطلت الوصية.
يعني: فإن لم تحمل الشجرة أو الحيوان بطلت الوصية.
- لأنه تبين أنه أوصى بمعدوم فصادفت محلًا معدومًا فبطلت.
وهذا البطلان لا لبطلان الوصية بالمعدوم ولكن لأنه لم تصادف محلًا أصلًا فبطلت لهذا السبب.
ثم قال - ﵀ -:
وتصح: بكلب صيد ونحوه.
يعني: لو أن المؤلف - ﵀ - وضع قاعدة وقال: وتصح بكل ما يجوز أن ينتفع به ولو لم يكن مالًا شرعًا لكان أنفع.
إذًا تصح بكل ما ينتفع به أي: بما نفعه مباح ولو لم يكن من الأموال الشرعية: كالكلب المعلم والدهن المتنجس وجلد الميتة وغيرها من الأعيان التي يعتبرها الحنابلة من الأعيان التي يجوز الانتفاع بها وإن لم يجز بيعها ولا شراؤها فيجوز الوصية بها لأن الوصية تبرع وأمرها أهون من المعاوضات فجازت بكل ما يصح الانتفاع به.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد
«انتهى الدرس».
[ ٥ / ٤١ ]
الدرس: (٣) من الوصايا
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
(وتصح بكلب صيد ونحوه، وبزيت متنجس، وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة)
آخر مسألة تكلمت عنها في الدرس السابق، هي جواز الوصية بالأموال، أو جواز الوصية بالأعيان، ولا نقول الأموال لأنها ليست أموال جواز الوصية بالأعيان التي يباح الانتفاع منها، وإن كان لا يجوز البيع والشراء بها، وذكرنا الدليل على ذلك وهو أنّ الوصية نوع من التبرعات، وليست من عقود المعاوضات، فدخلها التخفيف، ثم ذكر المؤلف - ﵀ - ما يتعلّق بتفصيل الوصية، فبيّن أنّ الإنسان إذا أوصى بهذه الأشياء فإنه لا يملك الموصى إليه إلاّ ثلث الموصى به إذا كانت من جنس هذه الأعيان.
قال المؤلف ﵀:
(وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تجز الورثة)
له يعني للموصى إليه، ثلث الكلب أو الزيت المتنجس فقط، والباقي للورثة، ليس له إلاّ ثلث هذه الوصية، إلاّ إن أجازت الورثة فله جميع الموصى به، فإذا أوصى له بكلب فله ثلث الكلب، وإذا أوصى له بزيت متنجس فله ثلث هذا الزيت المتنجس فقط.
واستدل الحنابلة على هذا الحكم، بأنه لا يوجد في المال من هذا الجنس إلاّ هذا الموصى به، فليس له إلاّ الثلث، ومعنى قوله لا يوجد في المال من هذا الجنس، السبب في ذلك ومعناه أنّ مال الميّت إذا كان فيه نحو كلب، وأموال أخرى، فهو ينقسم إلى جنسين:
الجنس الأول: الأموال الشرعية.
والجنس الثاني: المختصات: وهي التي يجوز أن ينتفع بها وليست من الأموال الشرعية.
فالمؤلف والحنابلة يقولون ليس في تركته من هذا الجنس إلاّ هذا الكلب، فليس له من هذا الجنس إلاّ الثلث واضح.
بناء عليه إذا أوصى بكلب، وعنده ثلاثة كلاب، فهل الحكم أنه له الثلث؟ أو له الكلب كاملًا؟ لماذا؟ الجواب لأنّ هذا الجنس فيه أكثر من هذا الكلب، وهذا الكلب يشّكل ثلث الجنس في المثال الذي ذكّرت هذا مذهب الحنابلة وعرفت الآن دليلهم.
والقول الثاني: أنّ له جميع الكلب بلا استثناء، لأنه أوصى له بالكلب فله الكلب تمشيًّا مع وصية الميّت.
القول الثالث: أنّ الكلب ونحوه يقدّر، فإن كانت القيمة المقدرة تبلغ ثلث المال أخذ الكلب كاملًا وإن كانت أقل أخذ الكلب كاملًا وإن كانت أكثر أخذ بمقدار الثلث من الكلب، وهذا القول اختاره الحارثي وفيه قوة وفيه إنصاف للورثة والموصى إليه فيكون إن شاء الله هو القول الراجح.
[ ٥ / ٤٢ ]
قال المؤلف ﵀:
(ولو كثر المال إن لم تجز الورثة)
قوله ولو كثر المال، يعني لا ننظر إلى جنس المال الشرعي، مادامت الوصية في جنس المختصات فقط، لا ننظر إلى كثرة المال أو قلة المال إذا كانت الوصية في جنس المختصات، بل على المذهب ليس له ولو كثر المال إلاّ ثلث الموصى به.
قال المؤلف ﵀:
(وتصح بمجهول،كعبد وشاة)
واستدل الحنابلة على صحة الوصية بالمجهول بدليلين:
الأول: الإجماع، فهي محل إجماع أنه يجوز أن يوصي بشيء مجهول، يعني مسمى ومجهول الصفة والواقع والحال.
الدليل الثاني: أنّ الوصية من باب التبرعات فيدخلها التسهيل.
الدليل الثالث: القياس قياس أولوي على المعدوم، فإذا كان يجوز أن يوصي بمعدوم فالمجهول أحسن حالًا من المعدوم، إذًا لا إشكال إن شاء الله في جواز الوصية بالمجهول، لكن لماّ ذكر المؤلف هذه المسألة، أراد أن يبيّن كيفية تحديد هذا المجهول.
قال المؤلف ﵀:
(ويعطى ما يقع عليه الاسم العرفيّ)
يعني أنّنا نحدد هذه العين المجهولة بحسب العرف، فالحاكم في تحديدها هو العرف، واستدل الحنابلة على هذا بأنّ الغالب من مقصود الموصي إرادة العرف، لأنه عرف بلده فيغلب على الظنّ أنه مقصوده.
القول الثاني: أنّ الضابط في تحديد المراد بهذه العين المجهولة اللغة، فنرجع إلى مدلول اللفظ في اللغة ونحمله عليه، واستدل هؤلاء بأنّ كلام الله ورسوله، يحمل على المعاني اللغوية، لا على العرفية فكذلك لفظ الموصي، وبين القولين فرق شاسع جدًا جدًا، في ثمرة الخلاف، المثال الموّضح لو قال كما قال هو المؤلف نفسه (كعبد وشاة) لو أوصى بشاة، الشاة معناها في العرف يختص بنوع الضأن الكبيرة، ما تطلق شاة إلاّ على ما كان من الضأن، لا من الماعز وبشرط أن يكون كبيرة
[ ٥ / ٤٣ ]
أما في لغة العرب، فالشاة تطلق على الماعز والضأن، الكبير والصغير، الذكر والأنثى، وهذا فارق عظيم جدًا، فعند الحنابلة إذا قال أوصيت بشاة، فلهم أن يعطوه سخلة صغيرة من الماعز الصغير، وعلى القول اللي مشى عليه المؤلف لا يجوز أن يعطوه إلاّ من نوع الضأن وأنثى وكبيرة، وهذا فارق عظيم جدًا، بينهما في السعر فرق كبير جدًا، الراجح إن شاء الله ما مشى عليه المؤلف، وهو قول الاسم العرفي، ولاحظ أنّ الشيخ هنا خالف المذهب، فالمذهب أنّا نمشي على العرف اللغوي لا المعنى العرفي، وهذا مما يؤكد إن شاء الله ما تقدم، أنّ هذه المخالفات عبارة عن اختيارات، إذًا الراجح إن شاء الله كما قلت أنه يرجع إلى الاسم العرفي كما قال الشيخ - ﵀ -
قال المؤلف ﵀:
(وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالًا ولو دية دخل في الوصية)
إذا أوصى بمال، إذا أوصى بالثلث ثم بعد الوصية حدث له مال، ولو كان هذا الحادث هو الدية، فإنّ الثلث يؤخذ من مجموع المال القديم والحديث، وإلى هذا ذهب الجماهير، واستدلوا على هذا بأنه أوصى بثلثه من ماله وهذا من ماله، وكونه حدث بعد الوصية لا يؤثر في دخوله فيها.
القول الثاني: أنّ الحادث لا يدخل في الثلث إلاّ إذا علمه الموصي، أو قال في وصيته ثلثي عند الموت، أوصيت بثلثي عند الموت، وإلاّ فإنه لا يدخل، والراجح أنّ الثلث يأخذ من رأس المال الحادث والقديم مطلقًا، ما لم ينصّ الموصي على أنّ هذا الثلث يؤخذ من ثلث ماله الموجود الآن، دون ما سيحدث، إذا لم ينصّ على هذا فالثلث من مجموع رأس المال القديم والجديد، لأنّ الأصل أنه أراد الثلث من المال كله، ولا نخرج عن هذا الظاهر إلاّ بدليل من لفظ الموصي، فالراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة.
قال المؤلف ﵀:
(ومن أوصي له بمعيّن فتلف بطلت)
لأنّ الوصية تعلّقت بهذه العين، فلما ذهبت العين بطلت الوصية، وهذا واضح، يعني ولا يؤخذ بدلها من التركة، بل تبقى متعلّقة بهذه العين.
قال المؤلف ﵀:
(وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة)
[ ٥ / ٤٤ ]
يعني إذا أوصى بعين، ثم بعد موت الموصي، ونحن لابد أن نحمل هذا الحكم من المؤلف على ما يكون بعد موت الموصي، ثم بعد الموصي تلف جميع المال إلاّ هذه العين، فإنها تكون من نصيب الموصى له، لأنّ حقه بعد موت الموصي تعلّق بهذه العين واستقرّ، ولاحق للورثة فيه، وهذا لا إشكال فيه، كما أنه إذا تلفت العين سقط حقه، كذلك إذا لم يبقى إلاّ هي بعد موت الموصي بقي حقه لأنه متعلّق بهذه العين، وليس للورثة مطلقًا أن يعترضوا على هذا الحكم، ولو تلف جميع المال، فهذه العين أصبحت من جملة أملاك الموصى له، بهذا انتهى باب الموصى به.