قال المؤلف ﵀:
باب الهبة والعطية.
الهبة والعطية والصدقة والهدية ألفاظ متقاربة إلا أنه بين الهبة والعطية والصدقة والهدية فرق.
والفرق هو: أن الهبة والعطية أوسع مدلولًا من الصدقة والهدية.
هذا من جهة.
[ ٤ / ٤٩١ ]
من جهة أخرى: بين الصدقة والهدية فرق والدليل على وجود الفرق بينهما: أن النبي - ﷺ - كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وكان يقبل الهدية ولو كان أصلها صدقة كما قال في بريرة: هو عليها صدقة ولنا هدية.
والفرق بين الصدقة والهدية:
ـ أن الصدقة هو ما أخرجه الإنسان لآخر محتاج تقربًا إلى الله.
ـ وأما الهدية فهي ما أخرجه الإنسان لآخر تقربًا إليه، فلا نحتاج أن نشترط التقرب إلى الله ولا أن يكون محتاجًا.
ولكن هذا التعريف للهدية لا يعني أن الهدية ليست مشروعة أو مستحبة بل هي مستحبة مع ذلك لقول النبي - ﷺ -: (تهادوا تحابوا).
ولأنها من جملة حسن الخلق: أي التهادي فهو مطلوب شرعًا ومستحب.
ولو كان مقصوده تألف أخيه والتقرب إليه فإن هذه النية لا تتعارض مع الإخلاص لأن تقرب الإنسان إلى أخيه هو أيضًا عبادة.
إذًا: عرفنا الفرق الآن بين هذه المصطلحات الأربع.
بقينا في أن العطية في الواقع من حيث اللغة والمدلول حتى الشرعي العام تعتبر شاملة لجميع الألفاظ الأربع إلا أن الفقهاء خصوها لاسيما الحنابلة بالعطية في مرض الموت، أو بالهبة في مرض الموت «حتى لا نعرف العطية بالعطية.
فنقول: العطية هي الهبة في مرض الموت. فهي مخصوصة بهذا الحال.
ومناسبة ذكر هذه المصطلحات: الهدية والهبة والصدقة والعطية في كتاب الوقف لا في كتاب البيوع: هو أنه لا يوجد معاوضة فهي أشبه بالوقف منها بالمعاوصات المذكورة في كتاب البيوع.
فذكرها هنا أنسب من ذكرها في كتاب البيوع وإن كان فيها تمليك وإعطاء للمال إلا أنها مع ذلك لما خليت من معنى المعاوضة صارت تناسب كتاب الوقف.
قال المؤلف ﵀:
وهي: التبرع بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره.
(وهي التبرع بتمليك) هذا التعريف مليء بالمحترزات.
يقول: (وهي التبرع) فيجب لكي تعتبر العطية هبة أو عطية أو صدقة أن تكون خالية من العوض هذا معنى قوله: (وهي التبرع).
فإن وجدت فبها المعاوضة خرجت عن هذا الباب.
وقوله (بتمليك ماله) المال المقصود هنا: هو المقصود في كتاب البيوع، إلا أنهم في باب الهبة أجازوا أن يهب الإنسان ما لا يجوز بيعه إذا كان فيه منفعة مباحة.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
إذًا المقصود بالمال هنا هو نفس المقصود بالمال في كتاب البيوع إلا أنهم هنا أجازوا أن يهب الإنسان ما لا يجوز أن يباع مما فيه نفعًا مباحًا.
فلا يجوز أن نبيع الكلب المعلم لكن يجوز أن نهدي وأن نهب الكلب المعلم.
والسبب في التفريق: أنه لا يوجد معاوضة ولا بيع والمنع في الكلب المعلم إنما هو من البيع والمعاوضة لا من الهبة والإعطاء.
يقول: (المعلوم الموجود) أخرج به: المجهول المعدوم. فإن الإنسان لا يصلح أن يهب المجهول ولا يصلح أن يهب المعدوم.
وسيأتينا حكم هبة المجهول.
أما المعدوم فصحيح، ما الفائدة من هبة المعدوم؟ لا يوجد أي فائدة. ولا يوجد هبة في الحقيقة مادام أنه يهب معدومًا.
فلو قال الإنسان: أنا أهديك السيارات التي تصنع في عام ١٤٥٠هـ معدوم أو موجود؟
لا فائدة من هذه الهبة المعدومة.
أو أن يهبه شيئًا احترق. المحترق معدوم فإذًا لا يجوز أن يوهب.
قال المؤلف ﵀:
(في حياته) أخرج الوصية لأن الوصية تمليك لكن بعد الموت وليست في الحياة.
هذا التعريف الطويل اختاره المؤلف أما ابن قدامة فيقول: الهبة: تمليك في الحياة بغير عوض.
وفي الحقيقة تعريف الشيخ ابن قدامة ممتاز وسهل وبسيط وخالي من الشروط الإضافية التي تعتبر إلى التفصيل أقرب منها إلى التعريف.
فقوله: (تمليك في الحياة بغير عوض) جميل جدًا وهذا تعريف الشيخ في المقنع، معناه أن الشيخ موسى عدل عن هذا التعريف واختار التعريف الذي ذكره عندنا هنا كأنه يرى أنه أوفى وأضبط في تحديد الهبة.
قال المؤلف ﵀:
وإن شرط فيها عوضًا معلومًا: فبيع.
يعني: فحكمها حكم البيع.
والسبب في ذلك:
- أنه تمليك بعوض وهذه هي حقيقة البيع.
علم من كلام المؤلف - ﵀ - أنه يصحح الهبة التي شرط فيها العوض وهذا مذهب الجمهور.
واستدلوا على هذا:
- بأن العبرة بالمقاصد لا بالألفاظ فحقيقة هذا اللفظ أنه بيع وليس هبة وما دام نستطيع تصحيح عقود المكلفين فهو أولى من إبطالها.
هذا كله مذهب الجمهور وهذا دليلهم.
= القول الثاني: وهو مذهب الشافعي أن الهبة التي شرط فيها عوض باطلة.
- لأنه اشترط فيها ما ينافي مقصودها، فإنه من المعلوم أن الركن الأساسي في الهبة هو خلوها من العوض.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
فهذا الشرط ينافي المقصود الأساسي من الهبة.
والشرط المنافي للعقد يبطل العقد.
وهذا القول يتناسب مع مبدأ عام ذكرته للشافعي وهو: أنه يأخذ بالظواهر، فظاهر هذا العقد أنه هبة فيها عوض والهبة لا يمكن أن يكون فيها عوض.
نحن نقول: هذا الظاهر غير مقصود والمقصود هو أن يكون عقد معاوضة.
والراجح: مذهب الجماهير.
فهم من كلام المؤلف - ﵀ - أيضًا أن الهبة التي يقصد منها الثواب بلا شرط لا يستحق صاحبها الثواب - عوضًا.
يعني: واحد وهب آخر وهو يريد بهذه الهبة ثوابًا يعني: عوضًا لكنه لم يشترط في العقد فعند الحنابلة الواهب لا يستحق ثوابًا وإنما الذي يستحق هو المشترط، ولهذا المؤلف - ﵀ - يقول: فإن شرط فيها عوضًا.
= والقول الثاني: أنه إذا أهدى إلى من هو أعلى منه رتبة وقصد الثواب فهو على قصده ويلزم الموهوب إما أن يعطيه ما يرضيه أو أن يرد الهبة.
واستدلوا على هذا:
- بالأثر الصحيح الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن عمر - ﵁ - أنه قال: (من وهب هبة يريد ثوابها فهو على هبته إن أرضي وإلا رجع فيها).
وبقوله - ﵁ -: (أراد) التصريح بالحكم
«الأذان».
والراجح إن شاء الله القول الثاني لوجود هذا الأثر عن أمير المؤمنين عمر - ﵁ -.
قال المؤلف ﵀:
ولا يصح: مجهولًا إلاّ ما تعذر علمه.
(ولا يصح مجهولًا) في الحقيقة يحتمل أن المؤلف - ﵀ - يقصد بقوله: (ولا يصح مجهولًا) يعني: الثواب في هبة الثواب (نقص يسير» أن مقصوده ولا يصح مجهولًا عني: ولا تصح الهبة المجهولة.
يرجح الاحتمال الأول: أن المؤلف - ﵀ - إذا أراد أن يتكلم عن الهبة استخدم الضمير المؤنث ولاحظ بعد ذلك يقول: (وهي) (وتنعقد) (وتلزم) وهنا استخدم الضمير المذكر.
ويرجح الاحتمال الثاني وهو أنه يتكلم عن الهبة المجهولة أنه قال: (إلا ما تعذر علمه) وهذا القيد يتعلق بالهبة المجهولة لا بالثواب في هبة المعاوضة.
ولذلك لعل الأقرب أنه أراد الهبة المجهولة.
كما أنه يؤيد هذا الاحتمال أنه يبعد جدًا أن يخلي الشيخ الباب من الكلام عن هبة المجهول لأنها مسألة مهمة.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
ولو حملنا هذا على الجهالة في ثواب هبة الثواب لخلي الباب من حكم الهبة المجهولة.
إذًا: إذا حملناه على هذا المحمل نقول: (ولا يصح مجهولًا) يعني: لا يصح كأن يهب الحمل الذي في البطن واللبن الذي في الضرع.
وتعليل المنع:
- أن المجهول لا يمكن تسليمه لا يمكن تسليمه لا فائدة في هبته.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن نهب أحدًا شيئًا مجهولًا.
- لأن لا الجهالة هنا لا تضر فإن الموهوب يدور بين السلامة والغنيمة. فالغرر لا يؤثر هنا.
وإلى هذا ذهب
قال شيخ الإسلام: فإذا قال: خذ من مالي ما شئت: صح. أو قال: ما أخذت من مالي فهو لك: صح
وبعد التأمل في هذه المسألة مرارًا وتكرارًا تبين لي أن اختيار الشيخ - ﵀ - ضعيف أو ضعيف جدًا
والسبب في ذلك: أن وقوع النزاع أشبه ما يكون بالمقطوع به لاسيما المثال الذي ذكره المؤلف - ﵀ -: (ما أخذت من مالي فهو لك) فيقول: إنما أردت الشيء الذي عادة يتواهبه الناس ما أردا هذا فيقول أنت قلت ما أخذت من مالي فهو لك وما هذه من ألفاظ العموم فأنا أتعجب من تصحيح هبة المجهول يعني قول من وجهة نظري بعيد جدًا ولابد أن يؤدي إلى النزاع لتفاوت الأموال
قال المؤلف ﵀:
إلا ما تعذر علمه.
فإنه يجوز تعذر العلم أن يختلط اختلاطًا غير متميز حينئذ له أن يهبه وإن كان مجهولًا لا حرج فيها
«(في التسجيل الصوتي تقطيع كثير لما بعد الأذان فأرجو ممن لديه التسجيل أن يعيننا على إكماله ليتم تنزيله فيما بعد كاملًا في المذكرة»).
«انتهى الدرس».
[ ٤ / ٤٩٥ ]
الدرس: (٤) من الوقف
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف ﵀:
(وتنعقد بالإيجاب والقبول والمعاطاة الدالة عليها)
الأمر الأول: أنّ الهبة تنعقد بصيغتين قولية وفعلية، أما القولية فبالإجماع تنعقد بها الهبة ولا إشكال فيها، وأما القولية تنعقد بها أيضًا الهبة عند جمهور أهل العلم، واستدلوا على هذا بأنّ - ﷺ - كان يهدي ويهدى، وكان يرسل السعاة فيأخذوا الصدقات ويقبضوها وكل ذلك يتم بلا قول، فهذا دليل على أنّ الهبة تنعقد بالصيغة العملية بلا قول.
قال المؤلف ﵀:
(وتنعقد)
هذه الجملة أفادت الفائدة الثانية، وهي أنّ الهبة تملك بمجرد العقد ولو قبل القبض، ولا تحتاج إلى قبض، ولكنها كما سيأتينا لا تلزم إلاّ بالقبض.
والقول الثاني: أنّ الهبة لا تملك إلاّ بالقبض.
والقول الثالث: أنّ الهبة تملك بالعقد قبل القبض، ولكنه ملكًا مراعى، فإن قبض تبيّن أنه ملكه وإلاّ فلا، وينبني على هذه المسألة فروع كثيرة جدًا، ذكرها الشيخ ابن رجب في القواعد، من أهم هذه الفروع فرعان:
الفرع الأول: ينبني على الخلاف في هذه المسألة جواز التصرف أو عدمه، فإن قلنا أنها تملك بالعقد قبل القبض جاز التصرف قبل القبض، لأنها من أملاكه وللإنسان أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.
الفرع الثاني: الذي ينبني على هذه المسألة، هو أنها تكون مملوكة من حين العقد، ويترتب على هذا أنّ له النماء المتصل والمنفصل وهذه ثمرة مهمة للخلاف في هذه المسألة، الحنابلة يرون أنها تملك بمجرد العقد كما تقدم معنا.
في الحقيقة ليس في المسألة أدلة واضحة، يمكن أن يرجح الإنسان بناء عليها، ولهذا نقول نبقى مع مذهب الحنابلة وهو مذهب الإمام أحمد أنها تملك بالعقد، ويكون التفريع على هذا القول.
قال المؤلف ﵀:
(وتلزم بالقبض بإذن واهب)
أي أنّ الهبة وإن كانت تملك بالعقد إلا أنها لا تلزم إلا بالقبض، وإلى هذا ذهب الحنابلة، أنّ الهبة لا تملك إلا بالقبض واستدلوا بدليلين:
[ ٤ / ٤٩٦ ]
الدليل الأول: ما روي عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي - ﵃ أجمعين - أنهم كانوا يرون أنّ الهبة لا تلزم إلاّ بالقبض، وهذا الأثر واستخدامه كلمة لا تلزم إلا بالقبض يرجح في المسألة السابقة مذهب الحنابلة، إذا كانت لا تلزم إلا بالقبض فاللزوم أمر زائد عن الملك، فكأنها تملك بالقول ولكن لا تلزم إلا بماذا؟ إلا بالقبض، فهذا الأثر من الأشياء التي تقوي مذهب الحنابلة، نرجع إلى مسألة اللزوم إذًا هذا هو الدليل الأول في مسألة اللزوم أنّ الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
الدليل الثاني: أنّ أبا بكر الصديق - ﵁ - أعطى عائشة جذاذ عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما أشرف وقرب موته - ﵁ - قال لها إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا، ولو كنت حزتيه لكان لك، وأما الآن فهو مال الورثة، فدّل الحديث على أنها لماّ تقبضه لم يلزم في حق أبي بكر وصار من جملة مال الورثة.
والقول الثاني: أنّ الهبة تلزم بمجرد القول، بشرط أن تتميز، يعني أن تكون متميزة عن غيرها، وهذا قول الحنابلة واختيار الظاهرية، واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة/١] فعقد الهبة من العقود التي تدخل في الآية.
والقول الثالث: أنّ الهبة تلزم مطلقًا، ولو لم تكن متميزة، لعموم قول النبي - ﷺ - (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)، والراجح في مسألة اللزوم بلا إشكال مذهب الحنابلة، لصراحة الآثار عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، يعني عن الخلفاء الأربعة ﵃ - فالأدلة التي ذكروها عامة، وهذه الأدلة التي استدّل بها الحنابلة خاصة.
قال المؤلف ﵀:
(وتلزم بالقبض بإذن واهب)
معنى أنها تلزم يعني لا يجوز الرجوع فيها، ودخلت بشكل نهائي في ملك الموهوب، وأشترط الشيخ - ﵀ - الماتن للقبض أن يكون القبض بإذن الواهب، واستدل الحنابلة على هذا بأنّ الإقباض ليس أمرًا مستحقًا على الواهب، فلا يصح إلا بإذنه، وجه ذلك أنّ له أن يقبض وله أن يمتنع، فلما صار الإقباض ليس أمرًا مستحقًا عليه، اشترطنا إذنه ورضاه.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
والقول الثاني: أنّ القبض يصح مطلقًا ولو بغير إذنه ولا علمه، مادام وهب، وهذا القول الثاني من وجهة نظري ضعيف جدًا، لأنّ الإقباض في الهبة حق من حقوق الواهب، ففي القبض بغير إذنه نوع إفتيات عليه، كما أنّ تملك المال لابد أن يكون برضى نفس ومادام لم يعطه هو المال ينبغي أن ينتظر إلى يعطه المال أو يأذن في القبض.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ ما كان في يد متهب)
يعني إذا كانت العين الموهوبة في يد الموهوب ثم وهبها إياه المالك، فحينئذ لسنا بحاجة إلى القبض، وعللوا هذا بأنّ استدامة القبض تغني عن ابتدائه، فالعين الآن في يده، فلسنا بحاجة إلى قبض جديد، بل تصبح المسألة مسألة استدامة للقبض، والاستدامة لا تحتاج إلى إذن، وهذا صحيح بالنسبة لما إذا كانت العين في يد الموهوب.
قال المؤلف ﵀:
(ووارث الواهب يقوم مقامه)
يعني فالإذن بالقبض أو الرجوع عن الهبة، وأفادنا المؤلف بهذه العبارة أنّ الهبة لا تنفسخ بالموت، بل للوارث أن يأذن ويمضي الهبة وله أن يرجع ويقبض الهبة، وذلك لأنّ الهبة،أو لأنّ كونه يهب هذا حق من حقوقه، فيبقى للورثة إن شاءوا أمضوا وإن شاءوا ردّوا.
قال المؤلف ﵀:
(ومن أبرأ غريمه من دينه بلفظ الإحلال،أو الصدقة،أو الهبة )
برئت ذمته ولو لم يقبل، هذا الإبراء يتعلق بالديون ولا يتعلق بالعين، فإذا أبرأه من الدين فإنّ الإبراء صحيح ولو لم يقبل المبرأ واستدّل الحنابلة على هذا بأنّ الإبراء مما في الذمة لا يعدوا أن يكون إسقاط، والإسقاط لا يحتاج إلى رضى المسقط عنه، كما في الشفعة وكما في القصاص، ففي الشفعة مثلًا لو أسقط المشفع حقه لا نحتاج إلى إذن المشتري، بل يسقط حقه أذن أو لم يأذن، وفي القصاص لو أسقط ولي الدم حقه في القصاص وأختار الدية لا نحتاج إلى رضى الجاني، إذن الإسقاطات لا تحتاج إلى إذن.
والقول الثاني: أنه في مثل هذه الصورة لابد من الإذن، لأنّ هذا الإسقاط في معنى الهبة، والهبة تحتاج إلى قبول، إذن لابد من القبول لأنّ هذا الإسقاط في معنى الهبة، والهبة تحتاج إلى قبول، كما أنّ الإسقاط من الدين فيه مِنّة، ويحتاج إلى قبول.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
أجاب الحنابلة عن دليل أصحاب القول الثاني بأنّ هناك فرقًا بين الهبة والإبراء، لأنّ الهبة تمليك للأعيان، بينما الإبراء إسقاط، وبين التمليك والإسقاط فرق ظاهر، والصواب مع أصحاب القول الثاني، والمذهب من وجهة نظري في هذه المسألة مرجوح، والسبب في ذلك أنّ التمليك وإن كان يختلف عن الإسقاط إلا أنه مع ذلك في هذا الإبراء شبه عظيم بالهبة، بدليل أنها تستخدم فيه، فيقول الإنسان وهبت لك ما في ذمتك لي، فاستخدام الهبة في الإسقاط دليل على أنّ معناهما متقارب جدًا، كما أنّ قول أصحاب القول الثاني أنّ فيه مِنّة صحيح، أنّ فيه مِنّة ظاهرة، إذ قد يصبح المبرِأ كل ما رأى المُبرأ، قال قد أبرأتك عن كذا من الدين، وكل مارآه ذكّره بأنه أبرأه من هذا الدين، وفي هذا مِنّة ظاهرة واضحة، على كل حال الراجح إن شاء القول الثاني.
ظاهر كلام المؤلف، أنه يجوز الإبراء من المجهول، فإذا كان الدائن نسي الدين، لا يعرف كم مقدار الدين، فقال أبرأتك من الدين الذي في ذمتك لي، فإنّ الإبراء عند الحنابلة صحيح، لأنه إسقاط فجاز في المجهول.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
والقول الثاني: أنّ الإبراء من المجهول يجوز، بشرط أن يضع له حدًا أعلى، فيقول إن كان الدين ألف فأقل فقد أبرأتك منه، يعني في المسألة إشكال، لكن الأقرب مذهب الحنابلة، لأنّ الإبراء وإن كان فيه شبه من الهبة، إلاّ أنه يبقى مع ذلك أخف منها، كما أنّ فيه إبراء لذمة مشغولة، والشارع الكريم يتشوف إلى إبراء الذمم المشغولة، ولهذا نقول إذا أبرأه من الدين وإن كان مجهولًا فلا بأس به، وإن كان القول الثاني في الحقيقة جميل جدًا وينهي النزاع، فلو تبّين فيما بعد أنّ الدين مبلغه كبير جدًا ربما ندم المبرأ، لكن لو قال إذا كان الدين ألف فأقلّ فقد أبرأتك، فينتهي الإشكال، فيكون الألف فأقلّ مبرأ وما هو زيادة على هذا باقي في ذمتّه لكن على كل حال نقول إن شاء الله، مذهب الحنابلة أحسن لمسألة رغبة الشارع في إبراء الذمم، والمقصود بالدين هنا يشمل أن يكون دين بسبب القرض أو دين بسبب ثمن المبيع الذي لم يؤديه، أو أن يكون دين بسبب جناية، أو أن يكون دين بأيّ سبب من الأسباب التي يترتب عليها انشغال الذمم، وتقدم معنا في كتاب القرض أنّ بين الدين والقرض فرق، وأنّ الدين أعّم من القرض وأنّ القرض أحد أسباب الدين، فالمؤلف يستخدم كلمة الدين ليشمل انشغال الذمة بأيّ سبب من الأسباب.
قال المؤلف ﵀:
(ويجوز هبة كل عين تباع، وكلب يقتنى)
عند الحنابلة الأصل العام أنه يجوز هبة كل عين تباع، فما جاز بيعه جازت هبته، والدليل على هذا أنّ الهبة تمليك للأعيان في الحياة فهي تشبه البيع، تقدم معنا أنّ هذا الشبه شبه جزئي وليس شبهًا كليًا، وأنّ بين البيع والهبة فارق أساسي وهو؟ العِوض لكن مع ذلك مادام في كل من البيع والهبة تمليك في الحياة، فهما من هذه الجهة يتشابهان فكل ما جاز بيعه جاز هبته، أضف إلى هذا أنّ البيع أضيق من الهبة، فإذا كانت هذه العين تباع فمن باب أولى أنها توهب.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
الأمر الثاني: يقول الشيخ - ﵀ - وكلب يقتنى، يعني وما يجوز أن يقتنى من الكلاب، ومقصود المؤلف بقوله وكلب يقتنى يعني وكل عين فيها نفع مباح، وإن كان لا يجوز أن تباع ولا أن تشترى، فالأعيان التي توصف بهذا الوصف يجوز أن توهب، وإنما ذكر الشيخ الكلب لأنه أبرز أمثلة الأعيان التي يجوز الانتفاع بها، ولا يجوز أن تباع، والمقصود بالكلب هنا كما صرّح الشيخ الكلب الذي يجوز أن يقتنى، فعرفنا من هذه العبارة أنّ الهبة أوسع من البيع، وأنّ أمرها أرحب، فإذا وهب الإنسان ما يجوز أن يباع أو ما يجوز أن ينتفع به وإن لم يجز أن يباع فهو صحيح. .
فصل
قال المؤلف ﵀:
(يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم)
هذا فصل خصصه المؤلف لمسألة مهمة مفيدة، وهي وجوب التعديل في العطية بين الأولاد، ولذلك صدّر الشيخ الفصل بحكم هذه المسألة فقال يجب التعديل في عطية أولاده، يجب التعديل في عطية الأولاد، وإلى هذا ذهب الحنابلة وذهب أيضًا الإمام البخاري وذهب إليه الإمام ابن حزم، وأضاف أنّ هذا القول ينسب لجمهور السلف، هكذا يقول، أو يقول وهذا قول عامة السلف، استدل هؤلاء - ﵏ وغفر لهم - بأدلة:
الدليل الأول: وهو عمدة الباب أنّ النعمان بن بشير - ﵁ - وهب ابنه هبة فجاء إلى النبي - ﷺ - ليشهد على هبته فقال له النبي - ﷺ - (أكُل ولدك أعطيته مثله)، فقال: لا، فقال النبي - ﷺ -: (فلا إذًا)، وقال في لفظ آخر (أني لا أشهد على جور)، وقال في لفظ آخر (أطلب الشهادة من غيري)، أو (أشهد على هذا غيري)، وقال في لفظ (لا أشهد على غير الحق)، وهذا الحديث له ألفاظ من أكثر الأحاديث ألفاظ، إلاّ أنّ جميع الألفاظ تدل على المعنى المقصود، والحديث في الصحيحين.
وجه الاستدلال أنّ النبي - ﷺ - لم يشهد وأنه سمّاه جور، وأنه سمّاه خلاف الحق، ومن المعلوم أنّ الجور، ظلم، والظلم محرم.
[ ٥ / ١ ]
الدليل الثاني: أنّ الشارع الحكيم، ينهى عن كل ما فيه بغضاء وتشاحن بين المسلمين، فضلًا عن الأخوة وتفضيل بعضهم على بعض في الأعطيات من أكبر أسباب التشاحن والفساد كما مشهور ومنظور، ويدل على هذا الأصل العظيم، أنّ الشارع حرّم أن ينكح الرجل عمة المرأة عليها، أو خالة المرأة عليها، وأجمع الفقهاء أنّ العلة في المنع من أن يجمع بين المرأة وعمتها أو بين المرأة وخالتها أن لا يقع بينهما تنافر وتباغض وتشاحن، وهما قريبتان، فهذا الأصل دّل على المنع من التفضيل في الأعطيات التي يعطى الأولاد.
والدليل الثالث والأخير: أنه صح عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - النهي عن التفضيل وإيجاب المساواة.
القول الثاني: وهو مذهب الجمهور من المتأخرين الأئمة الثلاثة - ﵏ وغفر لهم وجمعنا وإياهم في جناته - ذهبوا إلى أنّ التسوية بين الأولاد مستحبة، وأنّ التفضيل مكروه ولا يحرم، واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: أنّ النبي - ﷺ - قال (أشهد على هذا غيري)، وفي هذا التصريح بصحة العقد، لأنه إذا طلب منه أن يشهد عليه غيره، فيه التصريح بصحة العقد.
والجواب عن هذا الاستدلال أنه كما قال ابن حزم عن استدلال قريب من هذا الاستدلال في مسألة العطية، أنّ هذا من عجائب الدنيا، وهذا صحيح، الاستدلال بهذا الحديث الذي يعتبر من أقوى الأدلة على التحريم، الاستدلال به على الجواز من عجائب الدنيا، وجه ذلك أنّ قول النبي - ﷺ - (أشهد على هذا غيري) لا يؤخذ منه مطلقًا الجواز، والسبب في ذلك أنّ هذا الأسلوب من الأساليب العربية المعروفة التي لا تستخدم لبيان الجواز، كما جاء في الأثر أنهم قالوا (إذا لم تستحي فافعل ما تشاء) فهل هذا الأمر حقيقي أو يراد منه التوبيخ؟ وكما جاء في الأثر أو صح عن علي - ﵁ - أنه قال للدنيا غُري غيري، فهل مقصود علي - ﵁ - فعلًا أنه يريد أنّ الدنيا تغّر غيره، أو يريد الابتعاد عن الدنيا، فكذلك قول النبي - ﷺ - للنعمان (أشهد على هذا غيري) ما هو إلاّ من التوبيخ، وبيان أنّ هذا العمل محرم، وهو في الحقيقة استدلال غاية في البعد.
[ ٥ / ٢ ]
الدليل الثاني: للجمهور أنّ أبا بكر الصديق - ﵁ - نحل عائشة - ﵂ - عشرين وسقًا ولم يعطي غيرها بدليل أنه ردّ الهبة لما قرب من الوفاة، وهذا أقوى دليل لهم، لكن الجواب على هذا من أوجه:
الوجه الأول: أنه يحمل على أنّ باقي الورثة رضُوا وسمحوا بأن يعطي عائشة لكونها أم المؤمنين أو لأيّ سبب آخر.
الأمر الثاني: أنّ أبا بكر الصديق أعطاها لمعنى يوجب التفضيل، والإعطاء لمعنى يوجب التفضيل جائز، كأن يكون أشدّ فقرًا، أو أشدّ حاجة، وأما بالنسبة لعائشة - ﵂ - فلا نعرف ما هو المعنى الذي يوجب التفضيل، والذي يجعل الإنسان يحمل هذا الأثر على هذه المحامل، وإن كان فيها شيء من البعد، الذي يجعلنا نجزم بأنّ أحد هذه المحامل هو المراد أنه صح عن أبي بكر المنع من التفضيل، وإذا صح عن أبي بكر المنع من التفضيل، علمنا أنه لماّ فضلّ إنما فضل لسبب مبيح شرعًا.
الدليل الثاني: أنّ عمر بن الخطاب وأيضًا عبد الرحمن بن عوف، فضلوا بعض أبنائهم، والجواب على هذا، هو الجواب على أثر أبي بكر - ﵁ - تمامًا.
واستدل الجمهور بدليل آخر وهو أنّ النبي - ﷺ - قال (هل تحب أن يكونوا لك في البِرّ سواء) فقال - ﵁ – نعم، فهذا إشارة إلى المعنى الذي من أجله منع من التفضيل وهو أنه لكي يكونوا في البِرّ سواء، إذًا لم يكونوا في البر سواء فله أن يفضل، وهذا أيضًا استدلال بالأقيسة البعيدة عن روح النص، فإنّ النص واضح جدًا في المنع من ماذا؟ في المنع من التفريق وهو صريح جدًا في تحريمه، والراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، ولو لم يكن من أسباب الترجيح إلا أنه مذهب عامة السلف، يعني من الصحابة والتابعين لكان كافيًا في الترجيح، فضلا عن الحديث نص في المقصود، ولذلك ألّف عدد من الأئمة رسائل خاصة في نصرة قول السلف، منهم ابن القيم ومنهم الأمير الصنعاني - رحم الله الجميع - ألّفوا رسائل خاصة في نصرة القول الأول الدال على التحريم.
قال المؤلف ﵀:
(بقدر إرثهم (
[ ٥ / ٣ ]
لما قرر الشيخ وجوب التسوية انتقل إلى كيفية التسوية، الحنابلة يرون أنّ كيفية التسوية تكون بقدر الإرث، فللذكر مثل حظ الأنثيين واستدلوا على هذا بأدلة:
الدليل الأول: أنّ النبي - ﷺ - قال في حديث النعمان (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، وإذا كان المطلوب العدل، فإنه لا أعدل من قسمة الله، فإنه لا يوجد قسمة أعدل من قسمة الله، هذا أولًا.
ثانيًا: وهو دليل قوي جدًا أنّ عطاء بن أبي رباح - ﵁ - قال ما كانوا يعطون إلا على كتاب الله، أو ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله، ومثل عطاء من كبار التابعين إذا قال ما كانوا فهو يشير إلى أصحاب النبي - ﷺ -
القول الثاني: أنّ التعديل يكون بالتسوية، فيعطى الذكر كما تعطى الأنثى تمامًا، واستدلوا على هذا أيضًا بأدلة:
الدليل الأول: أنه في لفظ من ألفاظ حديث النعمان، أنه قال (سوي بينهم)، والجواب على هذا أنّ اللفظ الذي فيه سوي بينهم ليس في الصحيحين، وأنه ليس في الصحيحين إلا الأمر بالتعديل، اتقوا الله واعدلوا، والتعديل يفارق التسوية تمامًا، هذا دليل أول مع جوابه.
الدليل الثاني: أنه روي من حديث ابن عباس - ﵁ - أنّ النبي - ﷺ - قال (سووا بين أولادكم بالعطية فلو كنت مفضلًا لفضلت النساء) وهذا الحديث حديث منكر لا يثبت عن النبي - ﷺ -
الدليل الثالث لهم: وهو دليل وجيه، وهو من وجهة نظري أقوى دليل للجمهور الذين يرون أنّ التعديل يكون بالتسوية، قالوا إنّ المقصود في الإرث الإعطاء على وجه التعصيب، ونفع الميّت، ولذا فضّل بينهم بحسب قربهم وبعدهم.
[ ٥ / ٤ ]
أما المقصود من العطية في الحياة فهي المواساة وصلة الرحم، وإذا كان المقصود صلة الرحم فالذكر كالأنثى في ذلك، وإلى هذا يشير قوله - ﷺ - (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء)، وكونهم في البر سواء يستوي فيه الأنثى والذكر، هذا الدليل الأخير وجيه، ولولا أثر عطاء لكان قول الجمهور وجيه، أنّ التعديل يكون بالتسوية، لكن مع وجود أثر عطاء ومع المعاني التي ذكروها من أنّ قسمة الله هي أعدل القسم يكون الراجح إن شاء الله مذهب الحنابلة، وهو أنّ التعديل يكون بقسمتها على حسب ما جاء في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال المؤلف ﵀:
(فإن فضّل بعضهم سوّى برجوع، أو زيادة)
فإن فضّل بعضهم، يعني فإن خالف الأمر الشرعي وفضّل بعضهم فإنه يسوي إما برجوع بأن يأخذ العطية، أو بزيادة أي بأن يزيد الناقص إلى أن يستووا، وقوله (سوّى) يعني وجوبًا، والدليل على وجوب الرجوع ما جاء في الصحيح أنّ النبي - ﷺ - قال للنعمان (فأرجعه) أو (فأعده) وهذا نص صريح في وجوب الرجوع عن العطية أو الهبة التي فيها تفضيل.
قال المؤلف ﵀:
(فإن مات قبله ثبتت)
فإن مات الواهب قبل الرجوع والتسوية ثبتت العطية، ومعنى ثبوت العطية أنه لا يجوز لباقي الورثة أن يطالبوا المعطى، وليس لهم حق عنده، استدل الحنابلة على هذا بأنّ أبا بكر الصديق - ﵁ - قال كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا ولو كنت حزتيه لكان لك، فدّل اللفظ على أنّ عائشة لو كانت حازته لم يملك الورثة الرجوع.
والقول الثاني: أنه يجب الرجوع ولو بعد الموت، واستدلوا على هذا بأنّ هذه العطية، حكم النبي - ﷺ - عليها بأنها جور، والجور هو الظلم، والظلم لا يقرّ مهما كان الأمر، وبأن النبي - ﷺ - أمر بالرجوع في هذه العطية مطلقًا.
[ ٥ / ٥ ]
واستدلوا بدليل قوي أصحاب القول الثاني، وهو أنّ أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب أمروا قيس بن سعد أن يعود في الهبة التي أعطاهم إياها والده لماّ ولد له ولد لا يعلم به، يعني أنّ والد قيس سعد - ﵁ - أعطى أولاده هبة وقسّم أولاده، ولم يعلم أنّ إحدى النساء حامل، ثم توفيّ، فلما ولد هذا الولد، أمر أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ابنه قيس أن يرجع في الهبة، بمعنى أن يعطي هذا الابن المولود نصيبه، وفي هذا رجوع بعد الموت، والراجح إن شاء الله هو وجوب الرجوع بعد الموت، مذهب الحنابلة ضعيف وأثر أبي بكر الصديق، تقدم الجواب عنه وهو أنه عطية صحيحة لها ما يبررها شرعًا.
قال المؤلف ﵀:
(ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلاّ الأب)
ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة، لا يجوز الرجوع في الهبة لقول النبي - ﷺ - (ليس لنا مثل السوء، لا يجوز الرجوع في الهبة، والعائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) ولقول النبي - ﷺ - (لا يحل للرجل أن يهب ثم يعود في هبته) وهذا أمر واضح.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ الأب)
أي فله الرجوع، للأب الرجوع خاصة في الهبة لقول النبي - ﷺ - (لا يحل لرجل أن يهب ثم يرجع في هبته إلاّ الأب فيما يعطي ولده)، وهذا الحديث صححه عامة المتأخرين، ولم أرى للمتقدمين فيه كلام بعد مراجعة يسيرة، ربما نجد لهم كلام، لكن بعد مراجعة يسيرة، لم أجد لهم كلام في هل هذا الحديث أو الاستثناء صحيح أو معلول، على كل حال عامة المتأخرين يصححون إسناد هذا الحديث فظاهره الصحة، وهو دليل على استثناء الأب.
مسألة: رجوع الأب لابد أن يكون بالقول الصريح، وهناك فرق بين رجوع الأب في هبته التي أعطاها ابنه، وبين تملك الأب من مال ابنه، ففي التملك يكفي القبض مع النية أو القول، أما في الرجوع فلابد من الرجوع الصريح بالقول، فإذا أعطى الأب ابنه شيء ثم أخذه، ولم يصرّح بالرجوع فلا يعتبر رجوع، وتبقى العين ملك للابن، إذًا الخلاصة أنه لابد من التصريح في الرجوع بالنسبة للأب إذا أراد أن يعود في هبته.
قال المؤلف ﵀:
[ ٥ / ٦ ]
(وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضرّه ولا يحتاجه)
للأب أن يأخذ وأن يتملك من مال ابنه، وقبل أن نأتي لمسألة تملك الأب من مال الابن، في مسألة الرجوع ذكرنا حكم رجوع الأب أليس كذلك؟
نقول مسألة: الأم اختلفوا فيها هل لها أن ترجع أو ليس لها أن ترجع؟ على قولين:
الراجح إن شاء الله أنّ لها أن ترجع، وإلى هذا مال الشيخ الحارثي لعموم قول النبي - ﷺ - في الحديث المتقدم (إلاّ الوالد فيما يعطي ولده)، فالأم تدخل دخولًا أولويًا في هذا اللفظ، كما أنّ ما يثبت من الحقوق للأب فإنه يثبت للأم، لأنها أعظم حقًا من الأب.
نأتي إلى مسألة تملك الأب من مال الابن، ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ابنه ما شاء، بشروط ستأتينا.
واستدلوا على هذا بقول النبي - ﷺ - (إنّ أطيب ما أكلتم ما كسبتم، وإنّ أولادكم من كسبكم) فصرّح النبي ﷺ - أنّ الولد من جملة كسب الأب، فيجوز له أن يتملك من ماله ما شاء، بالشرط الذي سيأتينا، واستدلوا بقول النبي - ﷺ - (أنت ومالك لأبيك)
مسألة: وهل الأم مثل الأب في جواز التملك من مال الابن؟ فيه خلاف، فمن الفقهاء من قال أنه لا يجوز التملك إلاّ للأب، وعن الإمام أحمد روايات صريحة في هذا، واستدل الإمام أحمد بقول النبي - ﷺ - (أنت ومالك لأبيك) قال والأب ليس كالأم، واستدل بأنّ الأب منوط به النفقة دون الأم، واستدل بلفظ للحديث السابق (إنّ أطيب كسب الرجل) فخص الرجل.
والقول الثاني: أنّ الأم كالأب، يجوز لها أن تتملك من مال الابن لعموم (وإنّ أولادكم من كسبكم)، ولأنّ حق الأم أعظم من حق الأب، ولأنّ الأم لا يجوز لها على الصحيح، أن تفضّل في الأعطية بين أولادها، كما لا يجوز للأب تمامًا، فإذا منعناها من التفضيل فلها حق التملك، وهذا القول إن شاء الله هو الصحيح، أنّ للأم أن تتملك من مال الابن، كما أنّ للأب أن يتملك من مال الابن، وبهذا علمنا أنه على القول الصحيح، الأم تساوي الأب في جميع المسائل السابقة، ما هي المسائل؟
المسألة الأولى: تحريم التفضيل.
المسألة الثانية: جواز الرجوع في الهبة.
[ ٥ / ٧ ]
المسألة الثالثة: جواز تملك الأب من مال الابن.
فبهذا تنضبط إن شاء الله معنا المسألة، لأنّ بعض الفقهاء قد يرّجح أنّ الأم كالأب في بعض هذه المسائل دون بعض، لكن الأقرب إن شاء الله، أنها كالأب في جميع المسائل، وبهذا تنضبط وتتضح معنا مسائل الهبة.
قال المؤلف ﵀:
(من مال ولده مالا يضره ولا يحتاجه)
ظاهر عبارة المؤلف أنّ مالا يضره غير مالا يحتاجه، أنّ مالا يحتاجه شيء ومالا يضره شيء آخر، وفي الحقيقة أنّ عبارة الفقهاء ومنهم الحنابلة تدّل على أنّ الشرط هو واحد، وهذا الشرط هو أن لا يتملك من مال ابنه ما يضره، ومن أمثلة الضرر أن يتملك ما يحتاجه.
إذًا الواقع أنّ الشرط هو واحد، ولو قال الشيخ أن لا يتملك ما يضره كالمال الذي يحتاجه لكان أوضح، من أمثلة ما يضره أن يتملك الأب رأس مال الابن الذي أعدّه للتجارة، إذا لم يكن عند هذا الابن إلاّ رأس المال هذا ليتاجر به لنفقته، فإنه لا يجوز للأب أن يتملك مثل هذا المال، كذلك لا يجوز له أن يتملك ما تعلّق به حقوق للابن، كالرهن، والديون التي في الذمم، مثل هذه الأمور لا يجوز للأب أن يتعرض لها، الرهون ونحوها.
والقاعدة العامة التي تضبط معنا المسألة، والأمثلة كثيرة، هي أن لا يتملك من مال ابنه ما يضر الابن، من ذلك مثلًا لا يجوز أن يتملك الأمة التي تسرّاها الابن، وإن كانت الأمة ليست زوجة، لكن مع ذلك لاشك أنّ تملك الأب لهذه الأمة يضّر بالابن، إذًا الأمثلة كثيرة لكن الضابط هو أن لا يتملك ما يضرّ الابن.
قال المؤلف ﵀:
(فإن تصّرف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع، أو عتق،أو إبراء، أو أراد أخذه قبل رجوعه، أو تملكِهِ بقول، أو نيةٍ وقبض معتبرٍ لم يصح بل بعده)
خلاصة هذا البحث أنه لا يجوز للأب أن يتصرف في مال الابن، ولو فيما وهبه إياه إلاّ بعد القبض، ويشترط في هذا القبض، أن يكون مع نية أو قول، أما قبل القبض فإنه لا يجوز للأب أن يتصرف في مال الابن، التعليل: قالوا أنّ مال الابن قبل القبض، مال مملوك للابن ملكًا تامًا، فلا يتسلط الأب على التصرف في مال ابنه، وهذا صحيح فإذًا نقول للأب يشترط لتتصرف في مال الابن، ماذا؟ أن تقبضه.
قال المؤلف ﵀:
[ ٥ / ٨ ]
(وقبض معتبر)
القبض المعتبر هو القبض الذي تقدم معنا في البيوع، قبض كل شيء بحسبه، المنقول والعقار والمكيل والموزون، حسب ما تقدم معنا في الخلاف يتأتى هنا، فإذا أراد أن يقبض عقار من مال الابن فبالتخلية، منقول فبنقله، مكيل فبكيله، على حسب ما تقدم معنا في القبض الذي مرّ في كتاب البيوع.
قال المؤلف ﵀:
(ببيع، أو عتق)
واضح.
(أو إبراء)
يعني أو إبراء غريم الولد، أو إبراء الأب من دين الابن، كلاهما لا يجوز، لأنّ هذا الإبراء وقع قبل أن يتملك الابن المال، ولا يجوز للأب أن يتملك مال الابن، إلاّ بعد أن يتملك الابن هذا المال، ومادام المال في ذمة الغريم فإنه لم يتملكه التملك التام، فلا يجوز للأب أن يصدقه لا عن نفسه ولاعن غريمه.
قال المؤلف ﵀:
(وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه)
لا يجوز للولد أن يطالب أباه بدين، سواء كان كما تقدم سبب الدين ثمن مبيع أو كان سبب الدين قرضًا اقترضه الأب.
(ونحوه) مثل قيم المتلفات، وأروش الجنايات، فإذا أتلف الأب على الابن عينًا محترمًا بتعدّ أو تفريط، فإنّ قيمة المتلف تثبت في ذمة الأب، لكن لا يجوز للابن أن يطالبه بها، الدليل على هذا أنّ رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - بأبيه يطالبه دينًا، فقال النبي - ﷺ - (أنت ومال لأبيك)، فإذًا حديث (أنت ومالك لأبيك) جاء بسبب وهو ماذا؟ مطالبة الابن لأبيه بالدين، فأفتاه النبي - ﷺ - أنّ ليس له ذلك لأنه هو وماله للأب.
الدليل الثاني: أنّ هذا قد يكون من العقوق، وأنا أقول قد يكون، لأنه قد لا يكون من العقوق، لكن قد يكون من العقوق، وذلك فيما إذا لم يكن للابن حاجة، أو كان الأب فقيرًا.
«الآذان»
القول الثاني: أنه إذا كان في الابن حاجة للمال، والأب في غنى تجوز المطالبة.
[ ٥ / ٩ ]
والقول الثالث: أنّ المطالبة تجوز مطلقًا، لأنّ الأب مدين، والابن دائن، وللدائن أن يطلب المدين، والراجح مذهب الحنابلة للحديث، لأنه ليس في الحديث تفصيل، وإلاّ فإنّ القول الثاني وجيه جدًا، وفيه تفصيل طيّب، فمادام الابن بحاجة، والأب غني فلماذا لا يسدد ما عليه لابنه، على كل حال مادام الحديث عام فالراجح إن شاء الله هو مذهب الحنابلة، لأنّ الحديث يقوي مذهبهم.
قال المؤلف ﵀:
(إلاّ بنفقته الواجبة عليه، فإنّ له مطالبته بها، وحبسه عليها)
النفقة الواجبة، تجوز المطالبة بها، لأنّ في هذا حفاظًا على النفس المعصومة، فله أن يطالب أباه بالنفقة، كما أنّ الأب مقصّر وظالم لمنع النفقة.
وقبل أن ننهي هذا الفصل نرجع إلى قول المؤلف (وليس للولد مطالبة أبيه بدين) فقوله بدين، مفهوم العبارة أنّ للولد أن يطالب أبيه بعين، فإذا كانت العين موجودة فله أن يطالب أباه بهذه العين، بعد البحث لم أر للحنابلة دليل في التفريق بين العين والدين، لم يذكروا دليلًا، ولعلهم يستدلون بأنّ في قصة الرجل الذي جاء بأبيه إلى النبي - ﷺ - أنه كان مدينًا، وفي الحقيقة التفريق بين العين والدين في مطالبة الأب ضعيف، لأنّ المقصد الأول هو عظم حق الأب مما يمتنع معه المطالبة بالحقوق والإلزام بها، سواء كان دين أوعين، ونحن نقول إذا كان دليل الحنابلة الحديث، فالحديث قصة عين، وليس فيها ما يدل على أنه لو كان يطالبه بعين، لأذن له النبي - ﷺ - بالمطالبة، بل الظاهر من تعليل النبي بالمنع وهو قوله (أنت ومالك لأبيك) أنه يشمل ما إذا كانت المطالبة بدين أو ما إذا كانت بعين.
فصل في تصرفات المريض
المقصود بالتصرفات هنا التبرعات لا المعاوضات فقوله التصرفات لفظ عام يقصد به فقط التبرعات، أما المعاوضات كأن يبيع وأن يشتري أو أن يرهن أو أن يجري أي عقد من عقود المعاوضات فتصرفه صحيح كالسليم، إذًا الكلام في هذا الفصل عن تصرفات المريض مرض الموت المخوف فيما إذا تصرّف تصرفًا فيه تبرع.
وبدأ المؤلف بالمريض الذي مرضه غير مخوف.
قال المؤلف ﵀:
(من مرضه غير مخوف، كوجع ضرس، وعين، وصداع يسير فتصرفه لازم كالصحيح)
[ ٥ / ١٠ ]
تصرف المريض مرضًا غير مخوف، كتصرف الصحيح تمامًا، لأنّ الغالب عدم الهلاك بمثل هذا المرض، هذا من جهة من جهة أخرى، لأنّ الأصل في تصرفات المسلم العاقل الذي تصح تصرفاته، الأصل فيها الصحة، ولهذا نقول تصرفات هذا المريض صحيحة، مادام مرضه ليس مخوفًا، والمؤلف مثّل بأمثلة كوجع ضرس وعين وصداع يسير، هذه أمثلة للأمراض غير المخوفة، والمرض غير المخوف يتضح تمامًا، إذا أخذنا المرض المخوف، ووضعنا له ضابطًا ينضبط به.
«انتهى الدرس».
[ ٥ / ١١ ]
الدرس: (٥) من الوقف
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كنت تحدثت في الدرس السابق عن المرض غير المخوف وبينت الحكم الذي ذكره المؤلف عن المرض غير المخوف وتوقفنا على المرض لمخوف.
قال - ﵀ -:
وإن كان مخوفًا كبرسام
المرض المخوف عرفه المؤلف بالمثال فذكر مجموعة من الأمثلة للأمراض المخوفة.
وحده شيخ الإسلام بقوله: (المرض المخوف هو ما يكثر الموت منه) فيكون ضابط المرض المخوف هو كل مرض يغلب أن يموت المريض منه.
هذا الضابط يغني عن كثرة الأمثلة لاسيما مع اختلاف مستويات العلاج من زمن إلى آخر.
فكثير من الأمثلة التي ذكرها المؤلف قد لا تكون اليوم من الأمراض التي تقتل صاحبها غالبًا لكن نقف مع الأمراض التي ذكرها المؤلف - ﵀ -:
يقول - ﵀ -:
كبرسام.
البرسام مرض يصيب الدماغ. وربما أفقده الوعي أو أفقده الفهم والإدراك وله تأثيرات مختلفة لكن الغالب على من يصاب به الموت ولهذا مثل به - ﵀ -.
يقول - ﵀ -:
وذات الجنب.
ذات الجنب هي القرحة التي تصيب الجنب من الداخل فإذا انفجرت أدت إلى الوفاة.
ولهذا جعلها من جملة الأمراض التي تسبب الموت.
يقول - ﵀ -:
ووجع قلب.
يعني: إذا مرض القلب بوجع فإنه غالبًا ما يسبب الموت.
وبالنسبة لوقتنا هذا وجع القلب قد يكون بسبب كبير كالجلطة فهو خطير.
وقد يكون بسبب نوع من الإرهاق فلا يكون خطيرًا.
[ ٥ / ١٢ ]
ومع ذلك اليوم إذا كان الإنسان مريض بالقلب بالصمامات أو بجلطات أو بضعف العضلة في جميع الأحوال اليوم يعامل مريض القلب كالصحيح ولا يعامل كمن هو في مرض الموت لأنه ليس الغالب الموت ففي الحقيقة وجع القلب ينقسم إلى قسمين:
ـ أن يكون وجعًا طبيعيًا يعالج ويبقى المريض يتصرف في حياته كتصرف الأصحاء مع أخذ العلاج فهذا تصرفاته معتبرة وصحيحة وليست كتصرفات المريض مرضًا مخوفًا.
ـ والثاني: أن يصاب بجلطة تفقده الوعي أو تدخله العناية المركزة ويصبح في حالة حرجة فلاشك أنه لو أفاق وتكلم فإن تصرفاته تعتبر من تصرفات المريض التي سيبين لنا المؤلف - ﵀ - ما هو حكمها؟.
يقول - ﵀ -:
ودوام قيام.
يعني: دوام الإسهال.
فالإنسان إذا دام معه الإسهال أهلكه لأن الإسهال يعني عدم استمساك ما في المعدة وعدم انتفاع الجسم مما يأكله الإنسان وبهذا يهلك مع الاستمرار.
فإذا استمر الإسهال لاشك أنه مرض قاتل.
لكن اليوم ولله الحمد أمكن التحكم بمثل هذا وإيقافه.
لكن لو فرضنا أن إنسان أصيب بإسهال ولم يتمكن الأطباء من إيقافه وأشرف على الهلاك فإن تصرفاته تصرفات المريض المخوف.
يقول - ﵀ -:
ورعاف.
مقصوده: يعني: ودوام رعاف.
ولاشك أن النزيف - الرعاف إذا دام فهو من أخطر الأمراض.
أي: نزيف أي طريقة من طرق خروج الدم إذا لم يتمكن الأطباء من إيقافه فهو من أخطر الأمراض سواء كان النزيف داخلي وهو الأخطر أو كان خارجي كالرعاف والجرح.
وعلى كل حال إذا دام ولم يتمكنوا من إيقافه ووصل إلى مرحلة حرجة من المرض فهو يعتبر مريضًا مرضًا مخوفًا.
يقول - ﵀ -:
وأول فالج.
الفالج هو مرض يصيب إما الشق الأيمن أو الأيسر من الجسد أو الشق الأعلى أو الأسفل من الجسد أو يصيب كل الجسد.
فإذا أصاب الجسم أدى إلى تخدره وشلله.
فالفالج: عندهم يعتبر من الأمراض المخوفة لكن قيده المؤلف بقوله: (أول فالج).
من أشبه ما يكون من أمراضنا بأمراض الفالج الجلطات التي تؤدي إلى شلل في جسم الإنسان لاسيما إذا كانت الجلطة في الدماغ فإنها غالبًا ما تؤثر على أعصاب الإنسان.
[ ٥ / ١٣ ]
وما ذكره المؤلف من أن الفالج في أوله خطير صحيح إلى الآن إذا أصيب الإنسان بجلطة دماغية فإنه في أول الإصابة تعتبر حالته خطره ثم كل ما يتقدم الوقت يعتبر من صالح المريض وهو علامة على خروجه من مرحلة الخطورة وكل ما يتقدم الوقت يكون إشارة إلى خروجه من حالة المرض الشديد.
فقوله: (أول) صحيح. أول ما يصاب الإنسان بالجلطة ويرقد فإن تصرفاته تعتبر تصرفات مريض يحكم عليها بما سيأتي ثم إذا عتق وتعدى مرحلة الخطورة فإن تصرفاته تصرفات صحيحة.
يقول - ﵀ -:
وآخر سِل.
السل مرض يصيب الرئة فيعطل عملها على الوجه المطلوب وقد يؤدي إلى تعطليه كليًا.
والسل: آخره خطير. وأوله ليس بخطير.
بمعنى: أنه إن استمر ولم يعالج ووصل إلى مراحله الأخيرة فإنه يصبح حينئذ مرضًا خطيرًا مؤديًا إلى الوفاة.
أما إذا أصيب الإنسان بهذا المرض ثم أمكن العلاج في وقت مبكر فتصرفاته حين كان مريضًا في أوله صحيحة وليست كتصرفات المريض مرضًا مخوفًا.
يقول - ﵀ -:
والحمى المطبقة.
يعني: الحمى الدائمة التي تستمر ولا ترتفع عن بدن الإنسان.
وهذا المرض خطير بإجماع العقلاء، استمرار الحرارة خطير بإجماع العقلاء سواء كانوا من الأطباء أو من غيرهم لأن استمرار ارتفاع حرارة الإنسان دليل واضح على وجود الخلل الكبير في البدن.
فإن أمكن التحكم بالحرارة بتنزيلها كما هو المشهور الآن أية طريقة إما بالتبريد أو بعلاج كيمائي فلا يعتبر من المرض المخوف.
وأما إذا حاولوا في المريض أن تنزل حرارته ولم يتمكنوا لأي سبب واستمر فإنه كما قال الحنابلة يعتبر دخل مرحلة الخطر وتكون تصرفاته كتصرفات المريض المخوف.
يقول - ﵀ -:
والربع.
الربع هي الحرارة التي تأتي كل أربعة أيام وهي في الحقيقة نوع من دوام الحرارة، إلا أنها ترتفع ثم ترجع ترتفع ثم ترجع في اليوم الرابع.
وهذه بالتجربة عند المتقدمين تؤدي إلى الهلاك إذا استمرت.
ثم لما انتهى من تعداد الأمراض المخوفة رجع إلى شيء أعم من تعداد الأمراض المخوفة:
فقال - ﵀ -:
وما قال طبيبان مسلمان عدلان.
اليوم لو أنا نقول: أن الضابط في اعتبار المرض مخوف أو غير مخوف هو حكم الأطباء.
[ ٥ / ١٤ ]
ولسنا بحاجة إلى تعداد الأمراض ولا يمكن أن يستقل الإنسان باعتبار تصرفات هذا المريض من تصرفات المريض مرضًا مخوفًا بمجرد معرفة اسم المرض بل يجب أن نرجع في وقتنا هذا بالذات إلى حاجة الأطباء ونصدر عن قولهم هل هو: يعتبر مرضًا يؤدي إلى الوفاة أو مرض يمكن أن عالج.
وذلك بسبب التقدم المهول للطب الحديث بما يكفي في كف صفة أو حالة المريض بدقة وهل هو يعتبر في مرحلة حرجة وخطرة أو ليس كذلك.
فهذا السطر الأخير من كلام المؤلف - ﵀ - ينبغي في وقتنا أن يعتمد وأن لا ننظر إلى التسميات وإنما ننظر إلى شهادة الأطباء في كل [الأمراض] بلا استثناء.
لكن نأتي إلى مناقشة كلام المؤلف
يقول - ﵀ -:
وما قال طبيبان.
يعني:
= أن الحنابلة يرون أنه يشترط أن يشهد بذلك طبيبان فإن شهد طبيب فإنه لا عبرة بشهادته.
وعللوا هذا:
- بأن هذه الشهادة تتعلق بحق الموصي والورثة وهو حق مالي فاحتجنا إلى شهادة اثنين.
= والقول الثاني في المسألة: أنه يكتفى بشهادة الطبيب الواحد الثقة.
واستدلوا على هذا:
- بأن عمر - ﵁ - لما طعن شهد له الطبيب بأنه لا أمل للبرء في جرحه فأوصى عمر بناء على شهادة هذا الطبيب وقبل الصحابة وصية عمر المبنية على شهادة الطبيب واعتبروها صحيحة ونافذة وهذا كالإجماع على أن شهادة الطبيب الواحد تكفي.
فيما يظهر أن الراجح هو القول الثاني.
لكن لو قيل أن هذا يختلف باختلاف الأمراض فمثل جرح عمر - ﵁ - لما شرب اللبن وخرج مع العرق هذا لا يحتاج إلى دقة في الطب أنه مهلكة.
كذلك بعض الأمراض المعاصرة إذا وصلت إلى مراحلها الأخيرة لا تحتاج إلى طبيب حاذق فاهم حتى يحكم أن هذا مريض مرض الموت.
لكن في بعض الأمراض تلمس اختلافًا بين الأطباء اختلافًا كبيرًا جدًا.
وأعرف حالة لأحد المرضى أخبره الطبيب أنه لا مجال للعلاج ولا يوجد أي أمل في الشفاء وأن عليه أن يوصي وأن أيامه تتراوح بين عشرة أيام إلى أربعة عشر يومًا.
ثم ذهب من هذا الطبيب إلى طبيب آخر وأعطاه دواء مركز صار من ثمار هذا الدواء توازن بعض الأشياء .. المهم أن الرجل حي وإلى الآن موجود.
[ ٥ / ١٥ ]
وهذا المثال الذي وقفت عليه بنفسي ينبئك عن أنه في بعض الأمراض أنه يشترط أن يشهد اثنان من الأطباء أو ثلاثة حتى نتأكد أن تصرفات هذا المريض فعلًا تحمل على تصرفات المريض مرضًا مخوفًا، ولا أظن أن هذا المثال الذي ذكرت وحيد بل له أشباه ونظائر كثيرة.
لذلك نقول إذا كان المرض من الأمراض التي تختلف فيها وجهات النظر أو من الأمراض التي يسارع الأطباء بالبحث عن علاج لها وقد يكتشف في مكان لا يعلمه الطبيب الآخر حينئذ لابد من استشارة أكثر من طبيب حتى نحكم على تصرفاته المالية بأنها تصرفات مريض مريضًا مخوفًا.
يقول - ﵀ -:
مسلمان.
يعني: يشترط في الطبيب أن يكون من المسلمين ليكون عدلًا تقبل هذه الشهادة منه.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط إلا أن يكون ثقة عدلًا حاذقًا ولو لم يكن من المسلمين.
بدليل:
- أن النبي - ﷺ - اتخذ في الهجرة دليلًا من غير المسلمين، فهذا يدل على جواز الاعتماد على قول الكافر الثقة.
وأظن أن هذا الخلاف اليوم محسوم عمليًا فإن اليوم الاعتماد على خبر الطبيب غير المسلم هو عمل الناس.
لاسيما وأنه يوجد عددًا من الأطباء غير المسلمين يكون عنده من الحذق والمعرفة والخبرة ما لا يوجد عند بعض المسلمين، فلذلك استقر العمل الآن على قبول شهادته وقوله وهذا هو الأقرب إن شاء الله.
يقول - ﵀ -:
ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطلق
انتقل المؤلف - ﵀ - إلى نوع آخر من الأشخاص الذين يحكم على تصرفاتهم بأنها تصرفات المريض مرضًا مخوفًا، إلا أنهم ليسوا بمرضى.
فهم في حكم المريض مرضًا مخوفًا، ولو لاحظت فستجد أن من وقع في بلده الطاعون ومن أخذها الطلق ليست مريضة وليس مريضًا هو بحد ذاته ليس مريضًا.
وألحقوا بهذين المثالين:
ـ من حكم عليه بالقصاص، فإنه ليس مريضًا ولكنه يشبه المريض مرضًا مخوفًا.
ـ وألحقوا به: المقاتل عند التحام الصفين مع التساوي.
ـ وألحقوا به: من سقط من شاهق يموت منه غالبًا.
وإذا تأملت فستجد أمثلة كثيرة لهذه الأشياء التي ذكرها الحنابلة.
دليل الحنابلة في إلحاق هذه الأشياء بمرض الموت:
[ ٥ / ١٦ ]
- قالوا: أن الموت والعطب بهذه الأشياء أكثر منه في المريض مرضًا مخوفًا فهي أولى بالحكم.
هذا الدليل لجملة الأشياء التي ذكرت وهي أمثلة ثلاثة أو أربعة.
لكن في المسألة خلاف نأخذ المسائل التي ذكرها المؤلف - ﵀ -:
الأولى:
قال - ﵀ -:
ومن وقع الطاعون ببلده.
ذكرنا أن مذهب الحنابلة أن حكمه حكم المريض مرضًا مخوفًا وذكرنا تعليلهم.
= والقول الثاني: أن تصرفاته كتصرفات الصحيح.
- لأنه ليس بمريض بل صحيح معافى.
- ولأن الطاعون أصاب الشام في عهد الصحابة ولم ينقل أنهم أمروا من في الشام بأن لا يتصرفوا إلا كما يتصرف المريض مرضًا مخوفًا.
والراجح بلا إشكال إن شاء الله الثاني.
المسألة الثانية:
قال - ﵀ -:
ومن أخذها الطلق.
إذا أخذ المرأة الطلق فعرفنا مذهب الحنابلة ودليلهم.
= القول الثاني: أن تصرفاتها كتصرفات الصحيح، فلو تبرعت وهي تلد فتبرعها صحيح.
والسبب في ذلك:
- أن الغالب على من أخذها الطلق السلامة وليس الموت فإلحاقها بالمريض مرضًا مخوفًا فيه نظر ظاهر.
وهذا القول الثاني هو الصحيح إن شاء الله.
يبقى بعض المسائل في الحقيقة من الأمثلة التي ذكرت قد تكون أقوى من الأمثلة التي ذكرها المؤلف - ﵀ -.
ـ فالإنسان إذا قدم للقصاص:
= فمن الفقهاء كالحنابلة من ألحقه بالمريض مرضًا مخوفًا.
= ومنهم من قال: بل ربما عفا من له الحق في العفو قبل تنفيذ القصاص ولهذا فنعتبر تصرفاته تصرفات الصحيح.
وفي الحقيقة المسألة هذه محتملة [ويغلب - ويقرب] عندي أنه إذا قدم للقصاص فتصرفاته كتصرفات المريض، أما وهو في الحبس وينتظر القصاص فهذا تصرفاته تصرفات الصحيح لأن الأمل في العفو كبير.
ـ بالنسبة لمن سقط من شاهق يغلب على الظن أنه يموت فتصرفاته وهو ساقط كتصرفات المريض مرضًا مخوفًا. بل هو أولى من المريض مرضًا مخوفًا لأن نسبة الموت من السقوط من شاهق مرتفع جدًا تقرب من التسع وتسعين بالمائة، ولا ينجو إلا شيء مخالف للعادة.
إذًا: الأمثلة التي ذكرها الفقهاء تختلف قوة وضعفًا.
فالأمثلة التي ذكرها المؤلف - ﵀ - ضعيفة وبعد الأمثلة التي ذكرت القول بأنها تلحق بمرض الموت قول وجيه وقوي.
[ ٥ / ١٧ ]
ما ذكر المؤلف - ﵀ - حدود مرض الخوف وأمثلته وضوابطه ذكر الحكم:
فقال - ﵀ -:
لا يلزم تبرعه لوارث بشيء ولا بما فوق الثلث: إلاّ بإجازة الورثة لها إن مات منه.
هذا الخلاصة والأهم.
وهي أن صرفات المريض مرضًا مخوفًا حكمها حكم الوصية فلا تنفذ للوارث ولا بأكثر من الثلث للأجنبي.
فنعامل تصرفات المريض مرضًا مخوفًا كما نعامل وصيته تمامًا حكمها حكم الوصية.
وهذا كمعنى قول المؤلف - ﵀ -: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء).
وقوله: (ولا بما فوق الثلث: إلاّ بإجازة الورثة لها) أي: أن حكمها حكم الوصية.
وسيأتي في الوصية تفصيل هذين الحكمين.
والذي يعنينا الآن أن تصرفات المريض حكمها حكم الوصية.
وهذا في الحقيقة يحتاج إلى دليل لأن هذا الرجل مسلم عاقل حي كيف نحكم على تصرفاته بأنها ملغاة وأنها كتصرفاته في الوصية.
والجواب على هذا الإشكال:
أن هناك في الشرع أدلة واضحة وقوية تدل على هذا الحكم.
- الدليل الأول: والأقوى: أن رجلًا في عهد النبي - ﷺ - يملك ستة أعبد فأعتقهم في مرضه المخوف فاستدعاهم النبي - ﷺ - وجزأهم فأعتق اثنين وأرق أربعه، وذلك بالقرعة.
فالنبي - ﷺ - تعامل مع تصرف هذا المريض كما يتعامل مع الوصية أنفذ الثلث ورد الباقي. وهذا الدليل في الصحيح وهو في الحقيقة عمدة المسألة.
- الدليل الثاني: الذي يذكره الفقهاء كثيرًا هو قوله - ﷺ -: (إن الله تصدق عليكم عند موتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم) هذا الحديث فيه ضعف لكن له شواهد كثيرة.
ويقوى بالحديث السابق فهو إن شاء الله صالح للاستدلال فهذان دليلان واضحان على هذا الحكم المهم الذي يتعلق بتصرفات المريض مرضًا مخوفًا.
يقول - ﵀ -:
إذا مات منه وإن عوفي فكصحيح.
يعني أن هذا الحكم إنما هو إذا استمر به المرض إلى أن مات فحكمه حكم الوصية.
أما إذا عوفي ولو كان أصيب بمرض مخوفٍ بالإجماع ثم عوفي فإن تصرفاته تكون صحيحة وتكون من رأس المال لا من الثلث.
وذلك: - لأن تصرفه لم يصادف مانعًا شرعيًا فصح ولزم.
[ ٥ / ١٨ ]
فإذا قال الأب في مرضه المخوف لزوجتي العمارة الفلانية فحكم تصرفه الآن وهو في مرض الموت المخوف حكم الوصية.
والوصية لوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة لكن لو عوفي بعد هذا المرض وشفاه الله برحمته فإن هذا البيت يكون ملك للزوجة.
لأن هذا التصرف تصرف صحيح.
وهذا واضح.
مسألة أخرى: لو تصرف الإنسان تصرفًا ماليًا في مرض غير مخوف ثم مات من هذا المرض فإن تصرفه صحيح من رأس المال ولا يعامل كما تعامل الوصية.
إذًا: ينحصر الحكم في شخص واحد وهو من أصيب بمرض مخوف واستمر معه إلى أن مات، لابد من هذين الشرطين: - أن يصاب بمرض مخوف - وأن يستمر المرض إلى الموت، وهذا معنى قول المؤلف - ﵀ - إذا مات منه)، يعني إذا استمر إلى الموت.
ثم انتقل المؤلف - ﵀ - إلى نوع آخر من الأمراض.
فقال - ﵀ -:
ومن امتد مرضه بجذام أو سل أو فالج ولم يقطعه بفراش: فمن كل ماله والعكس بالعكس ..
المؤلف - ﵀ - يريد أن يتكلم عن الأمراض الممتدة فالأمراض الممتدة يعني: التي تطول مع صاحبها وتبقى معه زمنًا طويلًا.
حكمها: = عند الحنابلة: أنها إن ألزمته الفراش فتصرفاته كتصرفات المريض مرضًا مخوفًا.
وإن لم تلزمه الفراش فتصرفاته كتصرفات الصحيح.
هذا هو التفصيل عند الحنابلة.
الدليل:
- قالوا: الدليل على هذا أن المرض الممتد إذا ألزم صاحبه الفراش فإن الغالب منه الموت فأخذ حكم المريض مرضًا مخوفًا.
ومثل الحنابلة على هذا: بالأمراض التي ذكر.
(كالجذام)، لو ألزم صاحبه الفراش، فإن الجذام من حيث الأصل لا يعتبر مرضًا مخوفًا لكن لما ألزم صاحبه الفراش عاملناه كما نعامل المرض المخوف.
(أو سل) في ابتدائه لأنه في انتهائه يعتبر مخوفًا.
(أو فالج) في آخره لا في ابتدائه لأنه في ابتدائه يعتبر مرضًا مخوفًا ولو لم يلزم الفراش.
إذًا هذه الأمثلة التي مثل بها المؤلف - ﵀ - كأنه يقول: إذا أصيب الإنسان بمرض غير مخوف وامتد وألزمه الفراش بهذه الضوابط الثلاثة: فإنه يعامل معاملة المريض مرضًا مخوفًا.
وتقدم دليلهم.
= القول الثاني: أن المرض الممتد إذا ألزم صاحبه الفراش فإنه لا يعتبر حكمه حكم المريض مرضًا مخوفًا.
[ ٥ / ١٩ ]
- أنه لا يغلب في مثل حالتهم الهلاك، هذا أولًا.
- ثانيًا: أنا نجد الرجل الهرم الكبير يلزم الفراش ويبقى سنين في الفراش ولا نعتبره مرضًا مخوفًا.
وهذا القول الثاني هو الصواب وعليه العمل.
فإن الناس لا يتعاملون مع المريض الذي لزم الفراش بسبب شدة المرض أن تصرفاته تصرفات المريض مرضًا مخوفًا.
فالإنسان إذا أصيب بشلل مثلًا ولزم الفراش مع أن تصوره ومعرفته وعبادته كاملة، إنما أصيب بشلل بالأعضاء وألزمه الفراش عند الحنابلة يجب أن نعامله معاملة المريض مرضًا مخوفًا وعلى القول الثاني وهو الصواب أنه يعامل معاملة الأصحاء من حيث التصرفات المالية.
ثم قال - ﵀ -:
ويعتبر الثلث عند موته.
يعني: أن المعتبر في كون العطية الثلث أو أقل أو أكثر هو عند الموت.
فإن أوصى بمال هو النصف حين الوصية ثم أصبح الثلث عند الموت فيعتبر الثلث.
وإن أوصى بوصية هي الثلث عند الوصية ثم أصبحت النصف عند الموت فهي النصف وترد إلى الثلث.
إذًا المعتبر حال الموت.
إذًا: لا نعتبر لا حال التبرع ولا الحال التي قبل الموت وإنما نعتبر حال الموت.
وذلك لأنه في هذه الحال - حال الموت - ينتقل المال إلى الورثة أو المعطى.
قال - ﵀ -:
ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية
لما بين المؤلف - ﵀ - أن العطية في مرض الموت حكمها حكم الوصية أراد أن يبين الآن الفروق التي بين الوصية والعطية في مرض الموت.
وكأنه يقول: إن العطية في مرض الموت وإن شابهت الوصية في كثير من الأحكام إلا أنها تختلف عنها في باقي الأحكام فليست تتساوى معها تمامًاَ بل تشبهها في شيء وتفارقها في شيء.
يقول - ﵀ –
مبينًا الفرق الأول:
ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية.
هذا هو الفرق الأول: في العطية نبدأ بالأول فالأول وفي الوصية نساوي بين الجميع المتقدم والمتأخر.
والسبب في ذلك: - أن العطية تلزم حين صدورها فتصبح لازمه، أما الوصية فهي تبرع مضاف لما بعد الموت فيقع جملة واحدة فيتساوى أصحابه.
[ ٥ / ٢٠ ]
مثال هذا: إذا أوصى لزيد ألف ولعمرو بألف ولخالد بألف ثم مات. الوصية الأولى في السنة الأولى والوصية الثانية في السنة العاشرة والوصية الثالثة في السنة العشرين من حياته فالآن هل نعامل هؤلاء الثلاثة معاملة واحدة ويتحاصون أو نقدم الأول فالذي يليه.؟ معامله واحدة.
المثال الآخر: إذا أعطى في مرضه المخوف زيد ألف ثم بعد يوم أعطى خالدًا ألف ثم بعد يوم أعطى زيدا ألفًا ثم مات كم الآن مجموع العطايا؟ ثلاثة آلاف. لما بحثنا في تركته وجدنا أن الثلث ألف فهل نقسم الألف بين الثلاثة أو نعطيها الأول؟ نعطيه الأول. والثاني والثالث؟ يسقطان.
وهذا فارق جوهري وكبير بين العطية التي في حكم الوصية والوصية.
ولهذا بدأ به المؤلف - ﵀ -.
ثم قال - ﵀ -:
في الفرق الثاني:
ولا يملك الرجوع فيها.
يعني: لا يملك الرجوع في العطية بينما يملك الرجوع في الوصية.
ـ أما العطية فلأنها لازمة كما تقدم معنا، فلا يملك الرجوع فيها.
ـ وأما الوصية فسيأتينا أنه يجوز الرجوع فيها قولًا واحدًا، وهذا فارق أساسي بينهما.
يقول - ﵀ -:
ويعتبر القبول لها عند وجودها.
يعني: يعتبر القبول للعطية عند وجودها بينما يعتبر القبول للوصية بعد الموت.
فقبوله أو رده أي الموصى إليه قبل الموت لا عبرة به بينما في العطية وإن كانت حكمها حكم الوصية إلا أن القبول يعتبر قبل الموت وذلك لأن العطية تمليك في الحياة والوصية تمليك بعد الممات.
فهذا هو الفرق بينهما فقبول هذه يكون في الحياة وقبول تلك يكون بعد الممات.
يقول - ﵀ –
في الفارق الأخير:
ويثبت الملك إذًا.
يعني: يثبت الملك في العطية من حين القبول وهو في أثناء الحياة ويثبت الملك في الوصية بالقبول بعد الموت.
ولهذا نقول: إذا أعطى عطية في مرض الموت المخوف وقبل المعطى فإن العطية وما يترتب عليها من نماء منفصل أو متصل كله للمعطى من حين القبول في الحياة لأنه تملكها من ذلك الحين بشرط أن تخرج من الثلث.
لأن العطية في مرض الموت المخوف حكمها حكم الوصية والوصية لا تخرج إلا من الثلث.
فهذه أربعة أشياء تختلف فيها العطية مرض الموت عن الوصية وهي فروق مهمة جدًا ومؤثرة.
[ ٥ / ٢١ ]
وبهذا ولله الحمد نكون انتهينا من كتاب الوقف وننتقل إلى كتاب الوصايا.
[ ٥ / ٢٢ ]
الدرس: (١) من الوصايا