- يقول الشيخ - ﵀ - باب الوكالة.
الوكالة في اللغة العربية /اسم من التوكيل، ولها في لغة العرب معنيان لاتخرج باقي الاشتقاقات عنهما في ما يظهر لي. الأول" الحفظ فالوكيل على الشيء هو الحفيظ.
والثاني" الإعتماد والتفويض. فتوكيل شخص لشخص ما هو في الحقيقة اعتماد وتفويض إليه بالأعمال. وهي مع الله من أعظم وأجل العبادات، بل نقل عن شيخ الإسلام أنه قال تأملت فلم أرى أنفع من طلب إعانة الله على عبادته. وهذا صحيح لأنه إذا طلب الإنسان إعانة الله على رضاه وعبادته حصل المقصود، وأماّ من العبد يعني الوكيل فهي برّ وإحسان.
وإن كانت بأجرة فهي بر وإحسان من الموكّل، وإن كانت بأجرة مع حاجة الوكيل والموكّل فلا بر ولا إحسان من الجميع كل واحد بحاجة الآخر.
وأما في الشرع /فهي استنابة جائز التصرف فيما يجوز فيه التوكيل، أو فيما تجوز فيه النيابة. وبعضهم يقول استنابة الغير وهو أخصر وأوضح. لكن استخدام كلمة جائز التصرف يعطي دلالة على أنّ الوكيل لابد أن يكون جائز التصرف.
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
أماّ الكتاب فقوله ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها﴾ [التوبة/٦٠] والعامل على الزكاة موكل سواء كان بأجرة أو مجانًا. وأماّ من السنة فأحاديث كثيرة أوضحها حديث عروة بن جعد - ﵁ - في البخاري أنّ النبي - ﷺ - أعطاه دينارًا وأمره أن يشتري شاة. فهذا توكيل محض. وأماّ الإجماع فحكاه غير واحد من أهل العلم. وهو أنهم أجمعوا على مشروعيتها بالجملة.
[ ٤ / ١٩٩ ]
- قال - ﵀ - (تصح بكل قول يدل على الإذن).
أي أنّ الوكالة عقد من العقود يحتاج إلى ايجاب وقبول، ولايتم إلاّ بايجاب وقبول لكن الوكالة تصح عند الحنابلة بكل قول يدل عليه فلا يشترط أن يقول وكلتك، فلو قال اعتمد عليك في انجاز العمل أو فوضت إليك اتمام العمل، أو قم بصنع كذا وكذا، بأيّ عبارة تدل على المقصود يصح عقد الوكالة ويكون هذا ايجاب. ولماّ بيّن الشيخ الإيجاب انتقل إلى القبول.
- قال - ﵀ - (ويصح القبول على الفور والتراخي).
يجوز أن يقبل فورًا ويجوز أن يقبل متراخيًا، فإذا قبل فورًا جاز بالإجماع، كأن يقول وكلتك فيقول قبلت. أويقول وكلتك في صنع كذا وكذا فيشرع في العمل مباشرة، أما على التراخي فله صور:
الصورة الأولى" أن يقول الموكِل للموكل وكلتك وأنت غائب قبل شهر، فيقول قبلت يعني الوكيل. فالآن الإيجاب صدر قبل كم؟ شهر. والقبول بعد شهر.
الصورة الثانية" أن يقول وكلتك في بناء البيت. والوكيل حاضر ولايقبل ثم بعد سنة يقبل ويبدأ ببناء البيت. ففي الصورة الأولى لم يعلم الموكل بالإيجاب أصلًا إلاّ بعد شهر، وفي الصورة الثانية علم ولكنه لم يقبل إلاّ متراخيًا بعد سنة مثلًا. الجميع جائز عند الحنابلة. لأنّ التوكيل عبارة عن إذن في التصرف فمادام الإذن قائمًا جاز أن يقبل في أيّ وقت، والصحيح أنّ هذا يرجع للعرف فإن كان العرف يدل على أنه إن بدأ بالعمل بعد الإيجاب مباشرة، وإلاّ فهو منتقل فليس له أن يقبل بعد مدة ثم يشرع في العمل.
والعرف يدل على أنه غالبًا إذا لم يقبل مباشرة فإنه ليس له أن يقوم بما وكل به، فليس من المقبول في الأعراف المعاصرة أن أقول لشخص وكلتك في بيع هذه السيارة ثم لايبدي ايجابًا ولارفضًا ثم بعد خمسة أشهر بدون علم الموكِل يأتي بمشتري ويقول هذه السيارة أنا موكل ببيعها ويبيعها عليه ويأتي بحامل السيارات ويحمل السيارة ويذهب، هذا غير مقبول في العرف مطلقًا، بل يرى الموكِل أنّ الموكل لماّ لم يبدي ايجابًا ولاقبولًا ولارفضًا، فإنه انتهى التوكيل بعد مفارقة المجلس. إذًا الراجح نرجع في هذا إلى العرف. فإن دلّ العرف على الإستمرار وإلاّ فهو ملغي.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
- قال - ﵀ - (بكل قول أو فعل دال عليه).
يعني يصح القبول بكل قول أو فعل يدل على القبول لأنه ليس في نصوص الكتاب ولا السنة ما يدل على تحديد ألفاظ معيّنة بالقبول فما دام قبل صح القبول وتم العقد بأيّ لفظ كان لعدم وجود الدليل الشرعي على التحديد.
قال - ﵀ - (ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه).
بدأ الشيخ المؤلف في مسائل مهمة بعد أن انتهينا من قضية الإيجاب والقبول، بدأ بمسألة متى يجوز للإنسان أن يُوكل ومتى يجوز له أن يتوكل، فيقول من له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه.
من له التصرف في شيء يعني بنفسه، كل إنسان يجوز له أن يتصرف هذا التصرف فله أن يوكل غيره به وله أن يقبل توكيل غيره له الدليل على هذا. أنّ من لا يملك التصرف في نفسه، لايملك أن ينيب غيره فيه، وهذا صحيح بناء على هذه القاعدة الجميلة عند الحنابلة تعرف أنت الآن إذا قيل لك هل يجوز للمحجور عليه لسفه أن يوكل غيره في البيع والشراء لماذا؟ لأنه هو يملك التصرف حيث تقدم معنا أنّ تصرفه باطل. هل يجوز للعبد أن يوكل غيره في بيع متاع سيده؟ لأنه هو لا يملك. إذا اتضح الآن من خلال هذه الأمثلة معنى القاعدة وهي قاعدة جميلة تريح الإنسان في قضية من هو الشخص الذي أو الموضوع الذي يجوز أن نتوكل أو أن نوكل فيه.
- قال - ﵀ - (ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود).
يجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود، يجوز أن يوكل في جميع أنواع العقود، واستدل الحنابلة على هذا، بدليل وتعليل:
الدليل" حديث عروة بأنّ النبي - ﷺ - وكله في عقد البيع، ونحن نقيس على عقد البيع كل العقود الأخرى المضاربة والشركة والإجارة،. وعقد النكاح وكل العقود التي تتعلق بحق الآدمي، إذًا الدليل هو هذا الحديث ونحن نقيس على مافيه من توكيل في البيع سائر العقود الأخرى.
[ ٤ / ٢٠١ ]
الدليل الثاني" وهو دليل صحيح أنّ الحاجة تدعوا إلى هذا وأحيانًا الضرورة. وكل عمل تمس الحاجة إليه والضرورة فإنّ الشارع لايمنع منه. وهذه قاعدة من قواعد شيخ الإسلام. لكن يبقى علينا تحقيق هل هذا مما تدعوا له الحاجة أو لا. لكن القاعدة لاشك فيها أنّ كل عمل تدعوا إليه الحاجة أو الضرورة فإنّ الشارع لايمنع منه. إذًا عرفنا الآن يقول ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود عرفنا أنّ هذه العبارة تدل على جواز البيع وقيس عليه عقود المعاوضات وتدل على جواز عقود النكاح وما يتعلق به.
- ثم قال - ﵀ - (والفسوخ).
الفسوخ كالخلع والإقالة، فالخلع فسخ عند الحنابلة والإقالة فسخ وتقدمت معنا، وأنه هو الراجح إن شاء الله أنّ الإقالة فسخ وليست ببيع جديد.
- يقول - ﵀ - (والعتق والطلاق).
العتق هو تحريررقبة الآدمي من العبودية، والطلاق سيأتينا، الدليل على هذه العقود الثلاثة الفسوخ والعتق والطلاق، هو أنه إذا جاز التوكيل في إنشاء هذه العقود ففي فسخها من باب أولى. لأنّ الإنشاء في الشرع أعظم من الفسخ. فالفسخ أسهل من الإنشاء ولهذا إنشاء عقد النكاح يحتاج إلى شروط وولي وشهود ومهر ويحتاج إلى أشياء كثيرة ليتم، الطلاق لايحتاج إلى أيّ شيء، فأيهما أسهل إنشاء النكاح أوفسخه؟ إذًا جاز الإنشاء فالفسخ من باب أولى.
- قال - ﵀ - (والرجعة).
الرجعة إعادة المطلقة الرجعية إلى عصمة الرجل. تجوز يعني يجوز التوكيل فيها، يجوز أن يقول زيد لعمرو وكلتك في مراجعة زوجتي لماذا؟ قالوا قياسًا على البيع، ولأنّ الحاجة تدعوا إليه، لكن ربما يقال ما وجه الحاجة لأنّ الإنسان يستطيع أن يراجع بلا شهود وبلا حضور الزوجة وبلا حضور الولي فما الفائدة في أن يقول لغيره وكلتك في مراجعة زوجتي، الفائدة وهي موجودة كثيرًا أن يريد أن تتم هذه المراجعة في حضرة ولي الزوجة وفي حضرة شهود ليثبت هذا الأمر، وهذه مصلحة مندوبة إليها في الشرع، إذًا توجد حاجة. وبهذا شمل الشيخ - ﵀ - تقريبًا جميع أنواع العقود.
- قال - ﵀ - (وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه).
[ ٤ / ٢٠٢ ]
يعني ويجوز أن يوكل الإنسان غيره في تملك المباحات، فيقول له وكلتك أن تأتي لي بحطب، أوبحشيش من البَر. وهذا هو مذهب الحنابلة واستدلوا على هذا بأنّ الإحتطاب وجز الحشيش من وسائل التملك المباحة، التي لاتتعيّن على المتملّك فجازت الإنابة فيها وهذا صحيح الإحتطاب وسيلة من وسائل التملك، كما أنّ الشراء وسيلة من وسائل التملك، كما أنّ الهبة وسيلة من وسائل التملك. فإذا كان الإحتطاب من وسائل التملك جاز أن يوكل غيره فيه.
والقول الثاني: أنه لايصح التوكيل في تملك المباحات، بناء عليه يكون الحطب للمحتطب، لا للموكل، واستدلوا على هذا بأنه كيف يسوغ للإنسان أن يوكل غيره في تملك عين لم يتملكها هو بعد، وإلى هذا القول الثاني مال الشيخ المرداوي. ورأى أنّ التوكيل في المباحات غير صحيح، والراجح إن شاء الله في تصوري بلا تردد المذهب. والسبب أنّ هذا عقد معاوضة مباحة لا ضررفيه وفيه نفع للطرفين فأيّ مانع منه، أيّ شيء يمنع هذا، ثم قد يكون في هذا التوكيل مصلحة واضحة جدًا. مثل أن يريد المُوكَل أن يبُرالموكِل ومثل أن يريد الموكِل أن يبُر الموكَل، وذلك إذا كان الناس يثقون في الموكِل دون الموكَل. حينئذ يكون الموكِل هو الذي برَ الموكَل فالراجح إنشاء الله جواز ذلك.
- قال - ﵀ - (لا الظهار).
بدأ في الأشياء - ﵀ - التي لا يجوز التوكيل فيها، قال ولا الظهار يعني ولا يجوز للإنسان أن يوكل غيره في أن يظاهر من زوجته لماذا؟ لأنه هو لا يملك هذا التصرف لأنه محرم، ومن لا يملك التصرف لايملك أن ينيب غيره فيه، هذا التعليل فقهي أما لماذا لايملك التصرف فلأنه جور وقول بهتان، وحرمه الله ورسوله.
- يقول الشيخ - ﵀ - (واللعان).
لا يجوز أن يوكل شخص شخصًا آخر في أن يلاعن زوجته، فيما لو احتاج إلى اللعان، نسأل الله العافية والسلامة، فلا يجوز أن يقول وكلتك أن تلاعن زوجتي، لماذا؟ لأنّ اللعان يمين، والأيمان كما سيأتينا لا يجوز التوكيل فيها.
- يقول - ﵀ - (والأيمان).
[ ٤ / ٢٠٣ ]
يعني لا يجوز للإنسان أن يوكل غيره في الأيمان، بأن يقول وكلتك أن تحلف عني، تعليل قالوا أنّ الأيمان تتعلق بعين الشخص وتتعلق بذاته فهي من هذه الجهة تشبه العبادات البدنية المحضة. فلا تجوز الوكالة فيها. وبعد أن عرفنا حكم الظهار واللعان والأيمان. سيتبيّن لنا أنّ الترتيب فيه خلل، أين الخلل؟ الأيمان قبل اللعان، لأنّ اللعان المنع منه مبني على المنع من الأيمان.
- قال - ﵀ - (وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات).
رجع الشيخ إلى مايجوز فيه التوكيل، فيقول وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات، يعني ويجوز للإنسان أن يوكل غيره في كل حق تدخله النيابة من العبادات، لكن بقي علينا أن نعرف ما هي العبادات التي تدخلها النيابة، والعبادات التي لاتدخلها النيابة.
العبادات التي تدخلها النيابة / هي العبادت المالية كالزكاة والصدقات والكفارات ونحوها،وكذلك العبادات المالية البدنية كالحج والعمرة، وأما العبادات التي لا تدخلها النيابة البدنية، القسمة ثلاثية إما أن تكون عبادة مالية، أو مالية بدنية، أو بدنية. فالبدنية لا يجوز فيها التوكيل، فلا يجوز لأحد أن يوكل غيره أن يصلي عنه الظهر أو أن يصوم عنه رمضان ونحو ذلك، إذًا العبادات البدنية لا يجوز التوكيل فيها، أما المالية والمالية البدنية فيجوز.
بقينا في مسألة الدليل على الحكم وهوجواز التوكيل في العبادات، لأنّ الأصل في العبادة أن يقوم الإنسان بها بنفسه، الدليل على الجواز فيما يجوز فيه التوكيل،أنّ النبي - ﷺ - كان يوكل السعاة والجباة في جلب الزكاة، فدل على أنّ هذه العبادة يجوزالتوكيل فيها.
- قال - ﵀ - (والحدود إثباتها واستيفائها).
يعني ويجوز للإمام أن يوكل غيره في أمرين. في إثبات الحد واستيفائه، فإذا وكل غيره بذلك جاز ويعتبر أقام حدود الله، الدليل على جواز ذلك أنّ النبي - ﷺ - قال لأنس (واغد يا أنيس إلى إمرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) فقوله فإن اعترفت هذا توكيل في الإثبات، وقوله فارجمها توكيل في استيفاء الحد، والحديث نصّ في جواز ذلك.
- قال - ﵀ - (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه).
[ ٤ / ٢٠٤ ]
ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، ومقصود الحنابلة، أي فيما جرى العرف أن يقوم به بنفسه، حينئذ لا يجوز له أن يوكل، واستدلوا على هذا بأمرين: الأمر الأول أنّ الوكالة أمانة، فيجب أن يقوم بما عليه بنفسه.
الثاني" أنّ إذن الموكِل لم يتناول أن يوكل غيره فلا يجوز أن يخرج عن حدود الإذن.
والقول الثاني: أنه يجوز أن يوكل غيره، واستدلوا على هذا بتعليل وهو قولهم أنه أي الموكل لما ملك التصرف ملك أن يوكل فيه كالمالك الأصلي. والأقرب أنه يرجع في ذلك إلى العرف. فإن لم يوجد عرف فالصحيح المذهب أنه لايوكل غيره، لأنّ للموكل نظر في إختيار الموكَل، فإذا وكل غيره أسقط هذا النظر.
- يقول - ﵀ - (إلاَّ أن يجعل إليه).
يعني إلاّ أن يأذن الموكِل للموكَل أن يوكل غيره، فإذا أذن جاز بإجماع أهل العلم بلا خلاف. كما أنه إذا اشترط عليه ألاّ يوكل حرم عليه بالإجماع بلا خلاف بين أهل العلم، إذًا في صورة إذا أذن أو إذا نصّ على المنع لا إشكال وإنما الإشكال والخلاف إذا أطلق ولم يحدد.
- قال - ﵀ - (والوكالة عقد جائز تبطل: بفسخ أحدهما).
الوكالة عقد جائز وليست من العقود اللازمة، بلا نزاع عند الحنابلة واستدلوا على هذا بأنّ عبارة عن إذن في التصرف، والإذن يصح رفعه. وهذا صحيح. أنها عقد جائز وليست بعقد لازم، يقول تبطل بفسخ أحدهما، هذا من ثمرة أنه عقد جائز فإذا فسخه انفسخ سواء من الموكِل أو الموكَل، لكن سيأتينا مايترتب على الفسخ بلا علم الموكَل، وهي مسألة مهمة.
- يقول - ﵀ - (وموته).
اتفق الأئمة على أنه إذا مات الموكِل انفسخ عقد الوكالة، هذا إذا علم الموكَل بموته، الإتفاق إذا علم الموكَل بموته، أما إذا لم يعلم فهي المسألة التي ستأتي بعد هذا، والله أعلم ..
[ ٤ / ٢٠٥ ]
الدرس: (٣١) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس أن الوكالة تبطل بأمور: ذكرنا منها أمس اثنين:
- الأول: بفسخ أحدهما. - والثاني: بموته.
تقدم معنا أن بطلان الوكالة بالموت محل إجماع. بشرط أن يعلم بموت الموكل.
فإن لم يعلم فسيأتينا إن شاء الله - اليوم - الحكم.
- يقول - ﵀ -:
- وعزل الوكيل.
يعني: وتبطل الوكالة بعزل الموكل للوكيل.
فإن علم الوكيل بالعزل: بطلت إجماعًا. كما أنه إذا علم بموت الموكل: بطلت إجماعًا.
وإن لم يعلم الوكيل بعزله أو بموت الموكل ففيه خلاف:
= فعلى المذهب: تبطل أيضًا. ولهذا تجد أن عبارة المؤلف - ﵀ - مطلقة لم تقيد بالعلم أو عدمه.
واستدل الحنابلة على بطلان الوكالة ولو لم يعلم:
- بأن هذا - وهو إبطال أو عزل الموكل للوكيل فسخ للعقد مع من لا يشترط رضاه. فلا يشترط علمه كالطلاق.
معنى هذا: أن الوكيل لا يشترط أن يرضى بعزل الموكل له. وكل عقد لا يشترط رضا أحد طرفيه فلا يشترط علمه كما في الطلاق. فللزوج أن يطلق زوجته بلا رضاها فكذلك بلا علمها.
= والقول الثاني: أنه يشترط العلم بالموت والعزل. فإن لم يعلم الوكيل فكل تصرفاته قبل العلم صحيحة.
واستدل هؤلاء:
- بأن في إمضاء العزل بلا علم المعزول - وهو الوكيل - ضرر بالغ على الوكيل وعلى البائع أو المشتري الذي تعامل معه إذ قد يشتري الطعام فيؤكل أو يشتري الجارية فتوطأ فإذا أبطلنا العقد دخل الضرر على الوكيل وعلى البائع.
وهذا القول الثاني هو الراجح. وأنه يجب على الموكل إذا أراد أن يعزل أن يخبر الوكيل بأنه عزله حتى لا يقدم على تصرف بعد العزل فيقع البائع والوكيل والموكل في إشكال.
فإذًا: الراجح إن شاء الله هو ما ذكرت لك.
- ثم قال - ﵀ -:
- وحجر السفيه.
يعني وتبطل الوكالة إذا أصبح الوكيل سفيهًا وحجرنا عليه.
- لأنه خرج بذلك عن أهلية التصرف.
وتقدم معنا: القاعدة المهمة: (وهي أن من لا يتصرف لنفسه لا يتصرف لغيره).
وعلم من قول المؤلف - ﵀ -: (لسفه) أن من حجر عليه لفلس فلا تبطل الوكالة.
لأن من حجر عليه بفلس ما زالت أهلية التصرف فيه كاملة وصحيحة فيما عدا الأموال المعينة التي بيده فقط.
ولهذا تقدم معنا جواز تصرف المحجور عليه لفلس في ذمته.
فإذًا هو ما زال من أهل التصرف المعتبر والمصحح شرعًا.
- ثم قال - ﵀ -:
[ ٤ / ٢٠٦ ]
- ومن وكل في بيع أو شراء: لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده.
ضبطها المحقق: (وَكَّلَ) والصواب: (وُكِّلَ). فتعدل.
من وُكِّلَ في بيع أو شراء لم يجز له أن يبيع ولا أن يشتري مع ولده ولا مع نفسه - أو مع نفسه ولا مع ولده - ولا يجوز كذلك أن يتعامل كل من لا تقبل شهادته له.
إذًا إذا وكل الإنسان ببيع سلعة مثلًا فإنه لا يجوز أن يبيع لا على نفسه ولا على ولده ولا على كل من لا تقبل شهادته له.
الدليل:
- أنه إذا باع على نفسه تنافى الغرضان.
ومعنى هذا: أنه في هذه الصورة إما أن يراعي مصلحة نفسه لأنه هو المشتري أو يراعي مصلحة موكله لأنه ائتمنه على بيع السلعة. وكيف سيراعي الأمرين في وقت واحد.
- الدليل الثاني: أن هذا التصرف محل تهمة.
- الدليل الثالث: أنه ينافي مقتضى إطلاق التوكيل. لأن التوكيل المطلق ينصرف إلى البيع على غير نفسه.
= والقول الثاني: أنه يجوز أن يبيع على نفسه أو على ولده أو على أخيه أو على أبيه أو على كل من لا تقبل شهادته له بشرطين:
- الشرط الأول: أن يزيد على الثمن في بيع المزايدة.
- الشرط الثاني: أن يتولى النداء غيره.
والراجح: المذهب. ولا يجوز أن يبيع أو يشتري إلا بإذن خاص مسبق من الموكل لتبادر التهمة إلى من فعل ذلك.
ولهذا تجد أن من يبيع أو يشتري على نفسه من مال موكله يحب أن لا يعلم الموكل أنه قام بهذا العمل مما يدل على أنه إثم.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يبيع بعرض.
يعني: لا يجوز إذا وكل في بيع سلعة أن يبيعها مقابل عرض بل يشترط أن يكون البيع مقابل النقد.
وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم.
واستدلوا على هذا: - بأن الموكل إنما وكله في البيع المعروف. والبيع المعروف: ما يكون بالنقد.
= والقول الثاني: أن له أن يبيع بما شاء من نقد أو عرض.
واستدلوا على هذا: - بأنه وكله في البيع والبيع بعرض: بيع. فدخل مطلق التوكيل.
والراجح: الأول. لأن المتبادر في التوكيل ببيع السلع أن تكون بالنقد فلا يجوز مطلقًا أن يبيع بعرض إلا بإذن خاص من الموكل.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا نساء.
يعني: ولا يجوز أن يبيع بثمن مؤجل.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة تمامًا. من حيث القائلين والأدلة والترجيح. فلا حاجة لإعادة القول.
بناء على هذا: لا يجوز لمن أعطي سلعة أن يبيعها أن يبيع بثمن مؤجل ولو كان بأكثر من ثمن المثل بأضعاف مضاعفة ولو كان فيه الحظ لصاحب السلعة لأن التأجيل في حد ذاته يعتبر خروجًا عن البيع المعروف وفي مضرة لا سيما لمن أراد المال نقدًا لينتفع به في الحال. فإنه في هذه الصورة لا ينتفع من المؤجل مهما بلغت قيمة المؤجل وزيادته على ثمن الحال.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا بغير نقد البلد.
لما تقدم: من أن إطلاق التوكيل ينصرف إلى نقد البلد.
وإذا أراد أن يبيع بغير نقد البلد فعليه أن يستأذن.
بناء على هذا: لا يجوز لمن كان في السعودية ووكل في بيع سيارة أو سلعة أن يبيع بغير الريال السعودي ولو كان من غير السعوديين. لأن النقد في هذا البلد ينصرف عند إطلاق التوكيل إلى هذه العملة.
وإذا أراد أن يبيع أو يشتري بغير هذه العملة فإنه يستأذن من الموكل.
وكذلك إذا كان في مصر فلا يجوز إلا بالجنيه. وإذا كان في الأردن فلا يجوز إلا بالدينار وهكذا بحسب كل عملة بلد.
كما أن الموكل إذا باع بغير نقد البلد ربما تعذر صرف هذه العملة وربما صرفت بثمن منخفض مما يؤدي إلى النزاع والتشاحن فلا يجوز البيع إلا بنقد البلد.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن باع بدون ثمن المثل، أو دون ما قدره له صح وعليه النقص.
= فالحنابلة يرون: أن البيع صحيح. وسيأتينا دليلهم.
لكن مع ذلك على الوكيل أن يضمن النقص.
واستدلوا على هذا:
- بأن من وكل في البيع فإن المتبادر إلى الذهن أن يبيع بمثل ثمن المثل لا بأقل.
ورأى الحنابلة أنه يتجاوز عن النقص اليسير الذي يتغابن الناس بمثله وما عداه فإن الوكيل يضمن النقص.
واختلفوا في كيفية تحديد النقص.
ـ فذهب أكثر الحنابلة: إلى أنه الفرق بين قيمة المثل وثمن البيع.
ـ والقول الثاني: أنه الفرق بين ما يتغابن به الناس وما لا يتغابن به الناس.
وغالبًا ما سيكون الفرق بين القولين: يسير.
= القول الثاني: صحت البيع ولا يضمن الوكيل شيئًا من النقص.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
- لأنه وكله في البيع وهو باع. ولا يستغرب في عرف الأسواق أن تباع الساعة بأقل من ثمن المثل.
= القول الثالث: أن حكم البيع حكم بيع الفضولي فإن أجازه الموكل وإلا لم يصح.
واستدل هؤلاء:
- بأنه باع بيعًا لم يؤذن له فيه. ومن تصرف تصرفًاَ لم يؤذن له فيه فحكمه حكم بيع الفضولي.
وهذا القول الأخير هو الصحيح إن شاء الله.
تنبيه:/ تقدم معنا أن الحنابلة يتجاوزون عن الغبن اليسير الذي يتغابن به الناس في مسألة بيعه بمثل ثمن المثل. لكنهم لا يتجاوزون هذا التجاوز إذا خالف وباع بغير ما حدده البائع.
وأنت تلاحظ أن المؤلف - ﵀ - ذكر مسألتين: - المسألة الأولى: بدون ثمن المثل. - والمسألة الثانية: بدون ما قدره له الموكل.
فالخلاف في المسألتين واحد.
الفرق فقط في أن الحنابلة يتجاوزون عن الغبن اليسير في الأولى ولا يتجاوزون عن أي مقدار في الثانية. لأن مخالفة تحديد الموكل مخالفة صريحة للإذن في التوكيل.
ولذلك لم يتجاوزوا مطلقًا في المسألة الثانية. ولو كان الفارق يسيرًا بل عليه أن يدفع الفارق: أي: الوكيل.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له.
أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو بأكثر مما قدره له. عكس الصورة السابقة: الصورة السابقة توكيل في البيع والصورة الثانية توكيل في الشراء.
فإذا قال له: اشتري لي سيارة وأعطاه مواصفات السيارة وكان ثمن المثل فيها مائة ألف واشتراها بمائة وعشرين ألفًا فهذا المقدار مما لا يتغابن به الناس فعليه أن يضمن النقص عند الحنابلة.
ولو قال له: خذ هذا المبلغ - أو اشتري لي سيارة بالمبلغ الفلاني ولو لم يعطه إياه وخالف فإنه يضمن الفرق سواء صار الفرق كبيرًا أو صغيرًا.
إذًا التفصيل في هذه المسألة كالتفصيل في المسألة السابقة تمامًا بلا اختلاف.
- قوله - ﵀ -:
- صح.
صححوا البيع وتقدم معنا الخلاف في المسألة وقررنا أنهم يصححون البيع ويلزمونه بالفرق وأخذنا دليل الإلزام بالفرق.
لكن نريد الآن أن نأخذ دليل صحة البيع.
فقالوا دليل صحة البيع:
- أن من جاز له أن يبيع بثمن المثل جاز له أن يبيع بأقل وبأكثر وإنما نلزمه بالفرق فقط.
- يقول - ﵀ -:
[ ٤ / ٢٠٩ ]
- وضمن النقص.
يعني: بالبيع.
- قال - ﵀ -:
- والزيادة.
يعني: في الشراء.
إذًا بهذا تم ما يتعلق بمسألة إذا اشترى أو باع وخالف في ثمن المثل أو خالف ما حدده الموكل. وهذا كثير بين الناش. يقول له: اشتري لي الغرض الفلاني فيما بين السعر هذا أو السعر هذا. يحدد له الأدنى والأعلى ثم أحيانًا يخالف الوكيل - وأحيانًا نصحًا للموكل - لأنه رأى فرصة ينبغي استغلالها. لكن مع ذلك إذا صنع هذا العمل فعليه أن يضمن النقص عند الحنابلة.
وتقدم أن الراجح أن حكم بيعه حكم بيع الفضولي.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن باع بأزيد .. صح.
وإن باع بأزيد صح البيع.
- لأنه زاده خيرًا وثمنًا.
فيصح البيع ولا إشكال.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو قال: «بِعْ بِكَذَا مُؤَجَّلًا» فباع به حالًا.
أو قال: «بِعْ بِكَذَا مُؤَجَّلًا» فباع به حالًا: صح البيع.
- لأنه نفع ظاهر للبائع.
فإذا قال له: بع هذه السيارة بمائة ألف مؤجلة واستطاع الوكيل ان يبيع بمائة ألف حالة. فهذا فيه زيادة خير لمن؟ للبائع الذي هو الموكل. فالبيع صحيح.
وسيأتينا دليل المسائل الثلاث.
المسألة الثالثة:
- قال - ﵀ -:
- أو «اشْتَرْ بِكَذَا حَالًا» فاشترى به مؤجلًا، ولا ضرر فيهما: صح وإلاّ فلا.
أو قال: اشْتَر لي بِكَذَا حَالًا فاشترى له به مؤجلًا. فإذا قال له اشتر لي سيارة بمائة ألف حالة واستطاع بفطنته وخبرته أن يشتريها بمائة ألف مؤجلة فهذا التأجيل زيادة نفع للمشتري الذي هو في هذه الصورة: الموكل.
فهنا البيع صحيح.
- لأنه زاده خيرًا.
لكن استثنى المؤلف - ﵀ - في المسائل الثلاث عدم وجود الضرر كما سيأتينا:
الدليل على صحة هذه البيوع:
- حديث عروة بن الجعد. فإنه زاد النبي - ﷺ - خيرًا بأن اشترى الشاة بدينار ثم باعه بدينارين. واشترى بأحدهما شاة فرجع إلى النبي - ﷺ - بديناره وشاة. وأقره النبي - ﷺ - لأن هذا زيادة خير وفضل للموكل فدل الحديث على صحة البيع في المسائل الثلاث.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا ضرر فيهما: صح وإلا فلا.
[ ٤ / ٢١٠ ]
ظاهر عبارة المؤلف - ﵀ - أن الضرر يستثنى في المسألة الثانية والثالثة فقط. إذ لا يتصور الضرر في المسألة الأولى.
فإذا صار في هذا البيع ضررًا على البائع أو ضررًا على المشتري في المسألة الثانية والثالثة فإن البيع لا يصح.
والضرر يتصور جدًا في المسألتين:
* * فإذا قال له: بع هذه السلعة مؤجلة وباعها حالة بنفس الثمن ربما دخل الضرر على البائع بسبب أنه لا يريد أن يكون في يده نقود مجتمعة لأنه معتاد على إتلاف النقد فهو يريد أن يبيع مؤجلًا ليأتيه الثمن مقسطًا ويستطيع أن يصرف منه في أطول فترة ممكنة. فهذا فيه مضرة ظاهرة.
فإذا وجدت المضرة فإن البيع لا يصح.
هذا ظاهر كلام المؤلف - ﵀ -.
= والقول الثاني: أن البيع صحيح. ويضمن الوكيا الاختلاف - ما نقول النقص ولا الزيادة - ولكن نقول الاختلاف.
وتكون هذه المسألة حكمها حكم المسألة السابقة تمامًا: إذا اشترى بأكثر مما حدد له أو بأكثر من ثمن المثل.
فالخلاف في تلك المسألة يأتينا في هذه المسألة تمامًا.
وهذا القول الثاني - أن حكم هذه المسألة هو حكم المسألة السابقة: هو المذهب.
أي أن الحنابلة لا يبطلون البيع وإنما يعاملونه معاملة المسألة السابقة: يلزمونه بالنقص أو الزيادة أو الاختلاف مع تصحيح العقد.
وهذا القول الثاني هو الصحيح.
وبهذا نكون انتهينا من الفصل الأول من باب الوكالة. ثم ننتقل إلى الفصل الثاني.
فصل
[في ما يلزم الموكل والوكيل]
- قال - ﵀ -:
- وإن اشترى ما يعلم عيبه: لزمه إن لم يرض موكله.
إذا اشترى الوكيل سلعة يعلم أن فيها عيبًا.
فالحكم أن السلعة تلزم هذا الوكيل.
ومعنى أنها تلزم الوكيل: أي لا يستطيع أن يردها عن البائع ولا يستطيع أن يلزم بها الموكل.
أما الرد على البائع: فلا يستطيع أن يفعل ذلك: لأنه اشترى على علم بالعيب. ومن اشترى على علم بالعيب سقط عنه خيار العيب.
ولا يستطيع أن يلزم بها الموكل: لأنه إنما أمره بشراء سلعة سليمة. وهو اشترى سلعة معيبة وهو عالم.
- يقول - ﵀ -:
- إن لم يرض موكله.
فإن رضي الموكل بالسلعة مع وجود العيب فيها: صح. وصار هو المالك مباشرة. ولا نحتاج أن نجري عقدًا آخر - جديد - بين الوكيل والموكل.
[ ٤ / ٢١١ ]
والسبب في ذلك: أنه إنما اشترى في الأصل لمن؟ للموكل. فلما رضي وقبل دخلت في ملكه مباشرة.
وبهذا عرفنا أحكام شراء السلعة المعيبة مع العلم بالعيب.
وقلما إن شاء الله أن يقع مثل هذا من الموكل وربما وقع إذا رأة أن مصلحة الموكل تقتضي شراء السلعة ولو كانت معيبة: إما لندرة هذه السلعة أو لانخفاض الثمن مع إمكان إصلاح هذا العيب. حينئذ في هذه الصورة ليس من المروءة أن يرد الموكل تصرف الوكيل. فإن رد فهذا حق من حقوقه وله شرعًا أن يرد مهما كانت نية الوكيل صالحة.
- ثم قال - ﵀ -:
- فإن جهل: رده.
أفادنا المؤلف - ﵀ - أن الوكيل له أن يرد السلعة.
- لأنه يقوم مقام الموكل. والموكل له أن يرد بالعيب فللوكيل أن يرد بالعيب.
فإذا رده هو أو الوكيل: صح الرد وبرئت ذمة الموكل والوكيل.
وعلم من كلام المؤلف - ﵀ - أن الوكيل إذا اشترى سلعة معيبة لا يعلم بعيبها فالعقد صحيح. لكنه يملك خيار «(البيع») [[كذا: ولعلها: العيب]]. وله أن يرد هو أو الموكل.
- ثم قال - ﵀ -:
- ووكيل البيع: يسلمه ولا يقبض الثمن بغير قرينة.
الوكيل في البيع مخول شرعًا في تسليم السلعة دون استلام الثمن.
فإذا وكل زيد عمرا ببيع سلعة معينة فلعمرو أن يبيع السلعة وأن يسلم السلعة للمشتري. لكن ليس له عند الحنابلة أن يقبض الثمن.
واستثنى الحنابلة من هذا الصورة إذا علم من واقع الحال أنه وكله بتسليم السلعة وقبض الثمن. كأن يكون المشتري في سوق يخرج عنه إلى خارج البلد مما يعني عدم إمكانية أخذ الثمن بعد ذلك.
فإذا دلت القرائن على أنه وكله بتسليم سلعة وقبض الثمن ولم يقبض الثمن فهو مفرط وعليه الضمان.
«مرة أخرى:: تقرير مذهب الحنابلة: أن الوكيل إذا وكل في بيع سلعة فهو من صلاحياته أن يبيع السلعة أي أن يجري العقد وأن «يطبق» المشتري السلعة لكن ليس له أن يأخذ الثمن، إلا في حالة واحدة: إذا دلت القرائن على أن الموكل أراد منه قبض الثمن - كما في المثال الذي ذكرت - فإن لم يفعل فهو مفرط وعليه الضمان».
الدليل على هذا التفصيل:
ـ قالوا: أما أن على الوكيل تسليم السلعة فدليل ذلك:
[ ٤ / ٢١٢ ]
- أنه وكله بالبيع. والبيع لا يتم إلا بذلك. أي: لا يتم إلا بتسليم السلعة. فصار من أعمال الوكيل بمقتضى الوكالة: تسليم السلعة.
ـ أما أنه لا يستلم الثمن:
- فلأنه ربما كان الموكل يأمنه على تسليم السعة ولا يأمنه على قبض الثمن. فلا يجوز له أن يقبض الثمن.
= القول الثاني: - وهو أضيق من هذا القول - أن الوكيل ليس له أن يقبض الثمن مطلقًا إلا بالإذن الصريح ولو دلت القرائن على أن له أن يقبض الثمن. فإن قبضه بغير إذن صريح فهو متعد.
= والقول الثالث: أن له أن يقبض الثمن إذا دلت الأعراف والقرائن على أن مثله يقبض الثمن.
وهذا القول الأخير هو الصحيح إن شاء الله. وفيما أفهم من أعراف اليوم أن من السلع من جرى العرف أن الوكيل يقبض مباشرة لا سيما مع زهادة المبيع.
ومن السلع ما جرى العرف أنه لا يقبض الثمن لا سيما إذا كان الثمن مرتفعًا جدًا فحينئذ ليس له أن يقبض.
المهم أنه حسب العرف.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويسلم وكيل الشراء: الثمن.
فإذا وكل خص شخصًا أن يشتري وأعطاه الثمن فإنه يسلم الثمن للبائع. لكن ليس له أن يقبض: السلعة.
وله أن يسلم الثمن لأن مقتضى الشراء تسليم الثمن ولا يتم إلا بذلك.
فصححنا تسليم الثمن.
وليس له أن يقبض السلعة: لما تقدم معنا في المسألة السابقة.
ولا يخفى عليكم إن شاء الله أن الخلاف واحد.
والمسألتان هما: - شراء الوكيل. - وبيع الوكيل. شراء الوكيل: يعني: قبضه السلعة. وبيع الوكيل: قبضه الثمن.
عاتان المسألتان الخلاف فيهما: واحد.
- قال - ﵀ -:
- فلو أخره بلا عذر وتلف: ضمنه.
يعني: إذا أعطى زيد مبلغًا من المل ليشتري. فأخر عمرو تسليم المبلغ بعد إتمام العقد. فإنه يضمن.
والسبب في ضمانه أنه مفرط.
وتقدم معنا أن التفريط ترك ما يجب.
والتعدي فعل ما لا يجوز.
وأنهما من أسباب ضمان اليد الأمينة، فكل يد حكمنا عليها بأنها يد أمانة تضمن في التعدي والتفريط.
أيهما أشد: التعدي أو التفريط؟
التعدي: لأن التعدي فيه فعل موجب. يعني هو تقدم وتعدى.
أما التفريط فهو فعل: سالب. فهو ترك فقط ما يجب عليه.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحًا.
فإن وكله ببيع فاسد فباع صحيحًا: فالبيع باطل.
[ ٤ / ٢١٣ ]
مثاله: إذا قال له اشتر لي خمرًا أو خنزيرًا أو آلة لهو. ثم اشترى حصانًا أو بقرة أو شاة فالبيع فاسد.
سبب الفساد: أنه وكله في شيء واشترى شيئًا آخر فهو فعل فعلًا لم يؤذن له فيه.
فإذًا إذا وكل أحد أحدًا في بيع فاسد فالبيع فاسد مطلقًا سواء اشترى ما وكل به أو اشترى شيئًا آخر صحيحًا. لأنه إن اشترى ما وكل به فقد اشترى شيئًا فاسدًا فالبيع باطل.
وإن اشترى غيره فالبيع باطل أيضًا عند الحنابلة لماذا؟ لأنه فعل ما لم يؤذن له فيه.
= القول الثاني: أن البيع صحيح.
- لأنه إذا وكله في شراء فاسد فالصحيح من باب أولى.
والصحيح: المذهب: لأن عقد البيع والتوكيل يقوم على مبدأ الرضا والرضا معتبر. ونحن نلوم الموكل على أنه وكله بشراء فاسد لكن نحفظ له حقه في أن لا يشترى له إلا ما يرضاه.
بهذا تعلم أن الحنابلة توازنوا جدًا في هذه المسألة مع العلم أنه قد يتبادر إلى الذهن أن التوازن هو تصحيح شراء ما يصح شرائه. والواقع أن الحنابلة هم الذين توازنوا بإبطال البيع مطلقًا.
- ثم قال - ﵀ -:
- أو وكله في كل قليل وكثير.
إذا وكله في كل قليل أو كثير فالوكالة باطلة. وما ينبني عليها من تصرفات أيضًا باطلة.
صورة المسألة:/ أن يقول: وكلتك في كل قليل أو كثير من شؤوني. وكالة مطلقة مفتوحة.
فشملت الوكالة: أن يشتري ويبيع في جميع أملاكه. ان يوقف جميع أملاكه. أن يعتق جميع عبيده. ان يطلق جميع نسائه. أن يتزوج له أربع نسوة .. أليس كذلك!؟ أليست هذه العقود تقدم أنه يدخلها الوكالة وهو أعطاه وكالة مفتوحة تمامًا.
دليل البطلان:
- أن هذا العقد يتصف بالغرر الفاحش والضرر الكبير. وأحد العبارتين لا يغني عن الآخر. أحيانًا يكون في العقد غرر ولا يكون فيه ضرر. لكن هذا العقد فيه غرر وفيه ضرر. وفيما أفهم أن كتاب العدل اليوم لا يمضون هذه الوكالة وهذا من حسن التصرف لأنه قد يأخذ الإنسان أحيانًا الحماس والعاطفة والمحبة لشخص فيقوم بتوكيله هذه الوكالة المفتوحة ثم يندم بعد ذلك أشد الندم.
فما يفعله اليوم كتاب العدل من الامتناع عن التوكيل بهذه الصفة هو عين المصلحة.
- قال - ﵀ -:
- أو شراء ما شاء.
إذا وكله في شراء ما شاء فالوكالة باطلة ولا تصح.
[ ٤ / ٢١٤ ]
وصورة المسألة/ أن يقول وكلتك في شراء شيء: إذهب إلى السوق واشتري لي شيئًا. ماهو الشيء؟ لم يحدد العين لا من حيث الجنس ولا من حيث العين.
فالوكالة باطلة. لأن في هذا أيضا غرر كبير وقد يكون فيه ضرر وقد لا يكون. بحسب ما يشتري.
إذًا: نقول في هذا العقد غرر ظاهر واضح.
والنبي - ﷺ - في هذا الحديث الجامع المانع: نهى عن الغرر.
- قال - ﵀ -:
- أو عينًا بما شاء ولم يعين: لم يصح.
أي طلب منه أو وكله أن يشتري له شيئًا معينًا. ولذلك يقول: (عينًا) أي حدد الذي حدد الذي يشتريه - العين التي تشتري. لكنه لم يحدد الثمن فقال إشتر هذه العين بما شئت.
فالعقد باطل ولا يصح.
- لأنه ربما زاد في الثمن في هذه السلعة زيادة فاحشة مما يدخل الضرر والنزاع بين الاثنين: الموكل. والوكيل.
هكذا قرر الحنابلة حكم هذه المسألة.
وفي الحقيقة الضرر في هذه المسألة أخف من الضرر في المسألة السابقة. ومن الضرر في المسألة التي قبلها. لأنه في الغالب الموكل لا يقول لأحد اشتر لي هذه السلعة مهما بلغت إلا وهو يتصور نطاق ثمن هذه السلعة لا سيما إذا كانت منخفضة السعر.
ولا يريد أن يحدد ثمنًا لئلا تفوته السلعة مع أن الاختلاف يسير. فمثلًا: لا يريد أن يقول: اشتر لي هذه السلعة بمائة ريال ثم تباع بمائة وريال. هو يريد أن يخرج من هذا المأزق فيقول: اشتر لي هذه السلعة وهو يعلن أن هذه السلعى لن تزيد عن حد معين مهما كان. وسعر هذه السلعة معروف في السوق.
فالمنع من هذه الصورة - بالذات: الذي ذكرت - فيه نظر. إلا أنه مع ذلك تحتاج المسألة إلى ضبط. فلو يقال: أن التوكيل في شراء عين بلا تحديد السعر يجوز في المحقرات والأشياء اليسيرة. ويمنع في الأشياء الكبيرة: لكان هذا القول متوافق إن شاء الله مع الشرع وفيه فسحة للناس وبعد عن التضييق عليهم وفي نفس الوقت بعد عن الأضرار الشرعية من وجود الغرر أو وجود الضرر.
- ثم قال - ﵀ -:
- والوكيل في الخصومة لا يقبض.
معنى العبارة: أنه إذا وكل شخص شخصًا في الخصومة فليس من صلاحياته أن يقبض بعد انتهاء الخصومة.
استدل الحنابلة على هذا:
[ ٤ / ٢١٥ ]
- بأن الإنسان قد يوكل غيره في الخصومة لكونه يتقن الخصومة ويعرف البينات والأدلة. ولكن لا يريد منه أن يقبض. لأحد سببين: - السبب الأول: أنه لا يأتمنه على ثمن العين محل الخصومة. - والسبب الثاني: يخشى أن يموت الخصم فتنتقل العين إلى الورثة وهو يحب بقاء العين مع الورثة ولا يريد التضييق على الورثة. فهو لهذين الأمرين وكله في الخصومة دون القبض.
= والقول الثاني: أنه إذا وكله في الخصومة ودلت القرائن والأعراف على أن مثله يقبض فإنه يقبض.
وربط هذه المسائل بالأعراف هو الصحيح.
لأنه ليس في النصوص وصف تفصيلي للأحكام فنرجع إلى عرف الناس إذ سيتعامل الناس غالبًا على وفق العرف.
- قال - ﵀ -:
- والعكس بالعكس.
فإذا وكله في القبض فله أن يخاصم.
واستدلوا على هذا:
- بأن القبض لا يتم إلا بالخصومة.
«الأذان».
إذًا يقول المؤلف - ﵀ -: والعكس بالعكس.
فإذا وكله بالقبض ملك الخصومة.
واستدلوا على هذا:
- أن القبض لا يتم إلا بالخصومة. يعني: إلا بعد الخصومة.
وبهذا فرق الحنابلة بين هذه المسألة والمسألة السابقة.
= القول الثاني: أنه إذا وكله في القبض فإن هذا لا يعتبر توكيلًا بالخصومة إلا إذا علم الموكل من دلالة الحال أن القبض لن يكون إلا بعد خصومة. كأن يعلم الموكل أن المدين مماطل أو جاحد أو يتهرب فحينئذ إذا وكله في القبض فهو توكيل في الخصومة.
وهذا القول الثاني هو الصحيح. أن التوكيل بالقبض ليس توكيلًا بالخصومة مطلقًا. بل ربما كره الموكل أن يخاصم الوكيل الدائن وقال له: إنما وكلتك بالقبض فقط.
فهذا القول الثاني: هو الصحيح وهو أقوى من المذهب. وعليه عمل الناس. إذ ليس التوكيل في القبض توكيل مباشر بالخصومة. هذا أمر ظاهر.
- ثم قال - ﵀ -:
- و«اقْبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ» لا يقبض من ورثته.
يعني: وإذا قال الموكل للموكل اقبض حقي من زيد. فهذا ليس توكيلًا بقبض الحق من الورثة.
- لأنه إنما وكله بقبض الحق من زيد ونص عليه. فلا تتجاوز الوكالة زيد.
- ولأنه رما كره أن يطالب الورثة بالدين بعد موت المدين.
= والقول الثاني: أن التوكيل بالقبض من زيد توكيل بالقبض من ورثته.
[ ٤ / ٢١٦ ]
وعلى هذا العمل. أنه إذا وكل شخص بمطالبة زيد ثم مات فله أن يطالب الورثة. وهذا القول هو الصحيح.
وعلى الموكل إذا أراد من الوكيل أن لا يطالب أن يبين ذلك في الوكالة. لأن هذا خلاف المعهود وخلاف العرف.
- ثم قال - ﵀ -:
- إلاّ أن يقول: «الَّذِي قَبْلَهُ».
أي: إلا أن يقول الموكل اقبض ديني الذي قبل زيد. يعني: الذي عند زيد.
- لأن هذا اللفظ يتناول ما إذا كان الدين عند زيد أو عند الورثة لأنه يريد أن يقبض الدين الذي قبل هذا الشخص. وهذا يتساوى فيه المدين والورثة.
ففرق الحنابلة بين العبارتين. لأن العبارة الثانية: تركز على الدين. والعبارة الأولى: تركز على قبضه من زيد.
فالحنابلة عندهم دقة في ألفاظ التوكيل لأنه سبق معنا أنه عقد من العقود المعتبرة.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا يضمن وكيل الإيداع: إذا لم يشهد.
يعني: إذا وكل زيد عمرًا أن يودع هذه السلعة عند آخر. فأودعها ولم يشهد. فإن الوكيل لا يضمن ولو ترك الإشهاد.
استدل الحنابلة على هذا:
- بأن هذا الإشهاد لا فائدة منه. لأن المودَع لا يضمن مطلقًا.
- ولأن قول المودَع مقبول دائمًا.
= والقول الثاني: أن الوكيل إذا أودع ولم يشهد فهو ضامن.
واستدلوا على هذا:
- بأن هذا الاشهاد ينتفع منه فيما إذا نسي المودَع. فإذا نسي المودَع وكان المودِع أشهد نفعت الشهادة.
وهذا القول الثاني هو الصحيح. والمذهب في هذه المسألة: ضعيف. ففي ترك الإشهاد تفريط ظاهر.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابة أجمعين
[ ٤ / ٢١٧ ]
الدرس: (٣٢) من البيع
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال - ﵀ -:
- (فصل).
هذا الفصل عقده المؤلف - ﵀ - لبيان غالب أحكام الضمان بين الوكيل والموكل. ولذلك بدأ بقاعدة الباب:
- فقال - ﵀ -:
- والوكيل أمين: لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط.
هذه هي القاعدة أن الوكيل: أمين لا يضمن إلا بالتفريط.
= وعند الحنابلة لا يضمن إلا بالتفريط ولو كان وكيلًا بأجرة أو بجعل. فعدم الضمان مطلقًا ما لم يفرط.
واستدلوا على هذا:
- بأنه - أي الوكيل - يقوم مقام المالك.، والتلف في يد المالك لا يوجب ضمانًا لأنه تلف في يد المالك فكذلك التلف في يد الوكيل. وهذا التعليل صحيح. وهذا هو تعليل القول بأن يده يد أمانة.
- قال - ﵀ -:
- إلا بلا تفريط.
يعني: أو تعدي. وإنما اقتصر على التفريط لأنه أقل من التعدي. فإذا كان يضمن بالتفريط فبالتعدي من باب أولى. ولذلك اقتصر عليه المؤلف - ﵀ -.
قبل أن نتجاوز المسألة السابقة: هذا الحكم المذكور فيها هو قاعدة الأعيان المقبوضة بيد أمانة: كالأب والوصي والمضارب والشريك. وكل من يده يد أمانة. فهي في الحقيقة قاعدة تشمل جميع الذين تعتبر أيديهم يد أمانة وهذا الحكم ينطبق عليهم.
- ثم قال - ﵀ -:
- ويقبل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه.
يعني: ويقبل قول الوكيل في نفي التفريط والتعدي. ويقبل قوله أيضًا في التلف.
فإذا ادعى الوكيل أنها تلفت وادعى الموكل أنها باقية. فالقول قول الوكيل.
واستدلوا على هذا بأمور: - الأمر الأول: أن يده يد أمانة.
- الأمر الثاني: أنا لو ألزمنا الوكيل بالبينة لكنا ألزمناه بأمر يتعذر ولأدى هذا إلى انقطاع يد الأمانة في تعامل الناس. (لأنا لو ألزمناه بالبينة لألزمناه بأمر يتعذر غالبًا ولأدى ذلك إلى انقطاع يد الأمانة في تعامل الناس).
- الأمر الثالث: أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
فهذه الأدلة مجتمعة تدل على قوة ما ذهب إليه الحنابلة. وهو: أن قوله مقبول في نفي التعدي والتفريط وفي وجود التلف.
- يقول - ﵀ -:
- مع يمينه.
يعني: أنه يقبل لكن مع اليمين. لأمرين:
- الأول: الحديث: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وهو منكر الآن فعليه اليمين.
- الثاني: احتمال صدق الموكل.
* * مسألة/ فإن اختلف الوكيل والموكل في رد السلعة أو الثمن إلى الموكل:
= فعند الحنابلة أيضًا القول قول الوكيل بشرط أن يكون وكيلًا مجانًا. فإن كان وكيلًا بأجرة فالقول قول الموكل.
واستدلوا على هذا:
- بأنه إذا كان وكيلًا بأجرة فقد قبض المال لمصلحة نفسه فضمن.
[ ٤ / ٢١٨ ]
= والقول الثاني: أن القول قول الوكيل مطلقًا.
- لأنه وإن أخذ أجرة فما زالت يده يد أمانة. كالمضارب. فالمضارب يأخذ كما سيأتينا مقابل عمله - ولا نقول أجره وإنما هو جزء من الربح - مع ذلك يده يد أمانة ولا يضمن.
والأقرب والله اعلم ان الوكيل لا يضمن ولو كان بأجره مطلقًا. فإن هذا هو المتوافق مع حقيقة وضع الوكيل ولا يخرجه عن ذلك أنه يأخذ أجرة مقابل عمله.
- ثم قال - ﵀ -:
- ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو: لم يلزمه دفعه إن صدقه.
يعني: إذا ادعى شخص أنه وكيل لزيد في القبض من عمرو وصدقه عمرو فإنه لا يلزم عمرو أن يعطيه الدين.
وعلم من المثال أن الدائن زيد والمدين عمرو.
إذًا: إذا ادعى أنه وكيل زيد في قبض الدين وصدقه عمرو فإنه لا يلزمه مع أنه مصدق أن يدفع إليه ماله.
التعليل: - قالوا: التعليل أنه ربما أنكر زيد فرجع الحق في ذمته. يعني في ذمة المدين. وهو عمرو في المثال.
واستثنى الحنابلة من هذا الحكم ما إذا أتى ببينة على أنه وكيل لزيد فحينئذ يلزم عمرو أن يدفع له الدين لأنه لا توجد تبعه على عمرو مهما حصل لأنه أثبت الأمر ببينة.
إذًا عرفنا الآن أنه إذا صدقه لا يلزمه أن يعطيه.
= والقول الثاني: أنه إذا ادعى أنه وكيل لزيد وصدقه عمرو فيجب أن يعطيه - يجب أن يقبضه الدين.
- لأنه صدقه.
والراجح: المذهب. لأن المدين قد يصدق أنه وكيل لزيد لكنه لا يثق بزيد فيحتمل أن ينكر وإن كان فعلًا أرسل هذا الوكيل. ولهذا لا يلزمه وإن صدق.
- ثم قال - ﵀ -:
- ولا اليمين إن كذبه.
يعني: ولا يلزم عمرو في المثال اليمين إن كذب وكيل زيد.
لماذا؟ - قالوا: لأن هذا اليمين لا فائدة منها. وجه ذلك: أن الفائدة من اليمين في جميع الدعاوى القضاء عليه حين النكول. وفي هذه الصورة إذا نكل عن اليمين فسنقضي عليه بأن الوكيل صادق.
وتقدم معنا أنه إذا صدقه لا يلزم أن يعطيه الدين.
[ ٤ / ٢١٩ ]
فإذًا لا فائدة من اليمين. وهذا صحيح لأن الفائدة دائمًا في الدعاوى من اليمين القضاء بالنكول. وهنا إذا قضينا عليه بالنكول فغاية ما هنالك أن نقول: جكمنا عليك بأنك مصدق للوكيل وإذا صدقه أيضًا لا يلزمه أن يدفع إليه الدين لأنه تقدم أنه إذا صدقه لا يلزم أن يعطيه الدين.
فإذًا تبين معنا أن ما ذكره الحنابلة: صحيح. أنه لا يلزمه اليمين وذلك لأنه لا فائدة منها في هذا المقام.
- ثم قال - ﵀ -:
- فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة: حلف وضمنه عمرو.
(فإن دفعه) يعني: فإن دفع المدين وهو عمرو في المثال الدين إلى وكيل زيد بعد أن صدقه ثم أنكر زيد أنه وكَّل هذا الشخص فحينئذ يترتب على هذا حكمان:
ـ الأول: أن يحلف زيد.
ـ الثاني: إذا حلف زيد: ضمن عمرو جميع المال.
فيرجع زيد على عمرو ويطالبه بالدين. وليس لعمرو أن يطالب هذا الوكيل بالدين. لماذا؟
- لأنه صدقه فهو أمين والقول قوله وهو يعتبر - أي: الوكيل - زيد هو الظالم.
(مرة أخرى: إذا دفع عمرو وهو المدين: الدين إلى وكيل زيد ثم أنكر زيد أنه وكل أحدًا في قبض الدين. حينئذ نقول: على زيد اليمين. وعلى عمرو الضمان مطلقًا. فيرجع زيد وهو الدائن على عمرو بالدين الذي كان في ذمته لأنه ما زال في ذمته وليس لعمرو وهو المدين أن يرجع على من زعم أنه وكيل عن زيد. لماذا؟
لأنه صدقه فأصبح أمينًا - لأن عمرو صدقه فأصبح هذا الوكيل أمينًا والأمين لا يطالب بالضمان. وهو يعتبر أن زيدًا هو الظالم.
فعمرو الآن في المثال يعتقد أن زيد كذب وأنه ظلم هذا الوكيل. لماذا؟ لأنه صدق الوكيل.
وهذا صحيح. لأنه لا مجال للرجوع على عمرو لأنه ينكر التوكيل ولا مجال للرجوع على الوكيل لأنه لم يكذب. فبقي الدين كما هو.
وهذه المسألة - المسألة الثانية - مما يقوي قول الحنابلة في المسألة السابقة اتي قد يستغربها البعض. فنقول وإن صدقه فله أن لا يدفع الدين. لأنه سيترتب على دفع الدين المسألة الثانية.
- ثم قال - ﵀ -:
- وإن كان المدفوع وديعة: أخذها.
(وإن كان المدفوع وديعة) يعني: وليس دينًا ثابتًا في الذمة. وهذا هو الفرق بين المسألتين.
ويوجد فرق آخر سيأتينا.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
إذًا: إذا كان المدفوع وديعة وليس دينًا كما في المسألة السابقة.
يقول - ﵀ -: (أخذها). يعني أخذها ربها ممن هي بيده سواء كانت بيد الوكيل الذي زعم أنه وكيل أو بقيت في يد المودع.
إذًا: يأخذها ممن هي بيده وهذا الحكم لا إشكال فيه.
- قال - ﵀ -:
- فإن تلفت ضمّن أيهما شاء.
إن تلفت الوديعة فللمودع أن يضمن أيًا منهما.
ـ فإن شاء ضمن المودع.
ـ وإن شاء ضمن مدعي الوكالة.
التعليل:
- قالوا: أما المودع: فلأنه فرط حيث دفع الوديعة بغير إذن شرعي فيلزمه الضمان.
- وأما الموكل فإنه يضمن لأنه استلم ما لا يستحق.
وبهذا عرفنا الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الدين الذي في الذمة والفرق هو أنه في المسألة الثانية له أن يضمن أيهما شاء وفي المسألة الأولى: لا يضمن إلا المدين. - يعني: عمرو في المثال.
وهذا هو الفرق بين المسألتين.
وبهذا انتهى الكلام ولله الحمد على الوكالة وننتقل إلى باب مهم وهو الشركة.