بعد أن أنهى ﵀ الكلام عن زكاة بهيمة الانعام انتقل إلى باب زكاة الحبوب والثمار وهي ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.
- أما الكتاب فآيات كثيره منها قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال ابن عباس: حقه الزكاة.
- وأما الإجماع فحكاه غير واحد من أهل العلم وهو إجماع في الجملة لأنه سيأتينا الإختلاف في الحبوب والثمار التي تجب فيها والتي لا تجب فيها.
فالإجماع يقصد به في الجملة فتجب الزكاة في الحبوب والثمار.
- وأما السنة فأحاديث مستفيضة كثيرة سيأتينا أفرادها أثناء بحث الباب.
• قال ﵀:
تجب: في الحبوب كلها ولو لم تكن قوتًا، وفي كل ثمر يكال ويدخر: كتمر وزبيب.
يريد المؤلف ﵀ في هذه العبارة أن يبين الضابط الذي تجب فيه الزكاة في الحبوب والثمار فيقول:
في الحبوب كل وفي كل ثمر يكال ويدخر.
= ذهب الحنابلة إلى أنه كل ما يكال ويدخر من الحبوب والثمار تجب فيه الزكاة ولذلك قال: في الحبوب كلها. بناء على أن الحبوب كلها مما يكال ويدخر.
فالحنابلة يرون: أن كل حب أو ثمر يكال ويدخر فإنه تجب فيه الزكاة.
واستدلوا على هذا:
[ ٢ / ٣٧٦ ]
- بقول النبي - ﷺ - ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - ذكر الاوق فدل على أن ما لا يكال لا تتعلق به الزكاة.
فهذا دليل الكيل.
وأما دليل الادخار فقالوا:
- أن النعمة تتم وتكمل في الادخار يعني فيما يدخر دون ما لا يدخر فلا تجب فيه الزكاة.
فيشترط في الحبوب والثمار لكي تجب فيها الزكاة أن تجمع بين وصفين: - الادخار. - والكيل. وهذا مذهب الحنابلة.
= القول الثاني: أنه تجب الزكاة في كل ما يخرج من الارض. وهذا مذهب داود الظاهري وهو الذي تبناه الأحناف.
واستدلوا:
- بقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده). فإن الآية عامة لم تستثن شيئًا.
= والقول الثالث: أن الزكاة تجب في كل ما يقتات ويدخر.
ونستطيع أن نقول أن هذا مذهب الجمهور لأنه مذهب المالكية والشافعية.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - ذكر أنه لا زكاة في القثاء والبطيخ. وقالوا: سبب ذلك أنها ليست مما يقتات فليست قوتًا.
وأما الادخار ف:
- لأن النعمة إنما تعظم بما يدخر دون غيره - يعني: قريب مما استدل به الحنابلة.
= والقول الأخير: الذي مال إليه شيخ الاسلام أن الضابط: الادخار فقط.
- لأنه هو المعنى الذي يناسب أن يربط به وجوب الزكاة دون غيره.
والصواب: مع الحنابلة. ما يكال ويدخر. فكل حب أو ثمر يكال أو يدخر فإنه تجب فيه الزكاة.
بناء على هذا لا تجب الزكاة في جميع الخضراوات والفواكه. لأنها لا تكال ولا تدخر.
ونذكر قول الظاهرية والذي تبناه ابن حزم: وهو أنه لا تجب الزكاة إلا في أربعة أشياء: البر والشعير والزبيب والتمر.
فهذا مذهب الظاهرية وذهب إليه أيضًا بعض المحققين مثل أبو عبيد وأيضًا ذهب إليه بعض السلف من التابعين.
واستدلوا على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - لما أرسل معاذ إلى اليمن أمره أن لا يأخذ الزكاة إلا من هذه الأربعة.
وحديث معاذ هذا الذي فيه الأمر بخذ الزكاة من أربعة أصناف فقط فيه خلاف في تصحيحه وتضعيفه. فممن ضعفه الإمام الدارقطني والترمذي. وومن صححه الإمام البيهقي فقد رأى أن إسناده حسن.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وأنا عندي توقف في هذا الحديث ففي تصحيحه وتضعيفه إشكال فإن له شواهد ممكن أن تقويه وفي المقابل متنه غريب وفي اسناده ارسال ومما يزيد الاشكال أن الذين تكلموا فيه المتقدمون. وكما تلاحظ الخلاف بين البيهقي وهو من المتقدمين والدارقطني.
فأوجد هذا نوع إشكال ففي تصحيحه وتضعيفه فيه نوع توقف عندي لكن مع ذلك أقول أن مذهب الحنابلة هو الصواب لأن في حديث الاوساق الإشارة الواضحة إلى مسألة الكيل.
وحديث معاذ إن صح يحمل على أنه لا يوجد في ذلك الوقت في اليمن مما تأخذ منه الزكاة إلا هذه الأربع أصناف .. «(الأذان»).
انتهى الدرس
[ ٢ / ٣٧٨ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لما بين المؤلف الانواع التي تجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار انتقل بعد ذلك إلى بيان شروط وجوب الزكاة في الحبوب والثمار.
- فالشرط الأول: أن يبلغ النصاب. وعبر عن هذا بـ:
• قوله - ﵀ -:
ويعتبر: بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي.
اشتراط بلوغ النصاب مما لا خلاف فيه بين أهل العلم لقول النبي - ﷺ -: (ليس فيما دون خمس أوسق صدقة).
فنص على أن الصدقة لا تجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق.
والخمسة أوسق تساوي بميزاننا الحديث ستمائة واثنا عشر كيلو.
فإذا ملك الانسان هذا المقدار وجبت عليه الزكاة.
وتحديده بستمائة واثنا عشر كيلو مما اختلف فيه المعاصرون ولكن نختار هذا التقدير لكون شيخنا - ﵀ - صنعه بيده. فقام بقياس المقدار بيده - ﵀ -.
والاختلاف بينهم أمره يسير.
فيكون النعتبر والمعتمد إن شاء الله هذا الرقم: ٦١٢ كيلو.
• ثم قال - ﵀ -:
وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض: في تكميل النصاب.
أي إذا وجدت ثمرة واحدة لها أنواع فإن هذه الأنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب ولا يعتبر كل نوع على حدة.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
فمثلًا: إذا قلنا تجب الزكاة في العنب. فإن العنب منه الأحمر ومنه الأبيض ومنه الطائفي ومنه البلدي وله أنواع معروفة فجمع هذه الانواع تضم بعضها إلى بعض فيما لو كانت مزرعة الإنسان تحتوي على جميع هذه الانواع فإذا بلغت النصاب المعتبر وجبت فيها الزكاة.
إذًا: الأنواع المختلفة لجنس واحد يضم بعضها إلى بعض.
ثم أراد المؤلف - ﵀ - أن يبين حكم الجنس بعد أن بين حكم النوع.
وقبل ذلك نشير إلى أن قوله: (وتضم ثمرة العام الواحد) فالذي يضم ثمرة عام واحد أما ثمرة الأعوام المختلفة فلا يضم بعضها إلى بعض لأن النبي - ﷺ - كان يبعث السعاة في كل سنة مرة واحدة.
فإذًا لا نضم بعضها إلى بعض فلو فرضنا أن الثمرة بقيت في بعض الشجر إذا أمكن ذلك إلى أن طلع الثمر من السنة القادمة فإنه لا يضم ثمر هذه السنة إلى ثمر السنة القادمة.
• ثم قال - ﵀ -:
لا جنس إلى آخر.
يعني: لا يضم جنس من الحبوب أو الثمار إلى آخر.
فلا يجوز أن نضم البر إلى الشعير.
ولا التمر إلى العنب.
لأن هذه أجناس مختلفة لا يكمل نصاب بعضها من بعض لاختلاف الجنس وإنما يضم إلى بعضها إلى بعض إذا كانت أنواع مختلفة لجنس واحد.
• ثم قال - ﵀ -: - مبينًا الشرط الثاني:
ويعتبر أن يكون النصاب: مملوكًا له وقت وجوب الزكاة.
- الشرط الثاني: أن يكون المال الزكوي من الحبوب والثمار مملوكًا للإنسان وقت وجوب الزكاة.
وسينص المؤلف - ﵀ - في الفصل اللاحق على وقت وجوب الزكاة. ووقت وجوب الزكاة هو: صلاح الثمر واشتداد الحب.
فبالنسبة للثمر: أن يصلح: بأن يحر أو يصفر.
وبالنسبة للحب: أنه يشتد.
فإذا وصلت الحبوب أو الثمار إلى هذه المرحلة فقد بلغت وقت الوجوب.
فمن شروط وجوب الزكاة: أن يكون المال مملوك للإنسان وقت الوجوب.
- فإذا باع المزارع الثمرة قبل بدو الصلاح - وجوب الزكاة - فالزكاة على المشتري. لأن المشتري هو الذي سيصادف وقت وجوب الزكاة.
- وإذا باع الإنسان ثمرة بستاه بعد بدو الصلاح فالمشتري لا زكاة عليه وتكون الزكاة على البائع. فيجب أن يخرج زكاة هذه الثمرة التي باعها.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
ولما قرر المؤلف - ﵀ - هذا الشرط: أنه لا تجب الزكاة إلا على من ملك النصاب وقت وجوب الزكاة وعرفت الآن متى يكون وقت وجوب الزكاة - انتقل إلى التفريع على هذا الشرط:
•
فقال - ﵀ -:
فلا تجب فيما: يكتسبه اللقاط.
اللقاط: هو الذي يتتبع المزارع ليأخذ ما سقط منه سوار من الحب أو من الثمر.
فلو فرضنا أن هذا اللقاط أخذ من الأرض ما يبغ نصابًا فلا زكاة عليه لأن الشرط لم يتحقق في حقه فإنه ملك هذه الثمار والزروع بعد وقت الوجوب. ونحن عرفنا أنه إذا ملك الإنسان الحبوب والثمار بعد وقت الوجوب فإن الزكاة لا تجب عليه.
• ثم قال - ﵀ -:
أو يأخذه بحصاده.
يعني: ولا تجب الزكاة على من أخذ الزرع بحصاده.
وصورة هذا: أن يقول شخص لآخر: قم بحصاد الزرع ولك ثلث ما نتج.
فإذا حصده وأخذ الثلث وبلغ الثلث نصابًا فإنه لا زكاة عليه لأنه ملكه بعد وقت الوجوب وهو: اشتداد الحب ز
• ثم قال - ﵀ -:
ولا فيما: يجتنيه من المباح كالبطم والزَعْبَل وبزر قطونا، ولو نبت في أرضه.
هذه الأشياء مباحه. ومعنى أنها مباحه: أي أنها لا تملك إلا بعد الأخذ وهب قبل الأخذ ملك لجميع المسلمين.
- لقول النبي - ﷺ -: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ).
فالكلأ ونحوه مما ينبت بغير فعل الآدمي لا يملك إلا بالأخذ فقبل الأخذ هو مباح لجميع المسلمين.
فإذا أخذ الإنسان من هذه الأشياء المباحة ما يبلغ نصابًا فإنه لا زكاة عليه.
والتعليل: أن هذه الأشياء لا تملك إلا بالأخذ. فإذًا هي وقت الوجوب لم تكن مملوكه لهذا الشخص.
ويستثنى من هذا: - إذا سقط في أرض الإنسان بذر مما اعتاد الآدمي على وضعه في الأرض فإنه تجب عليه الزكاة ولو سقط بغير قصد منه.
فلو أن شخصًا وقع أو سقط في أرضه المملوكة له بذر وأنبتت الأرض قمحًا ولم يكن وقوع هذا البذر بقصد منه وإنما بغير قصد منه فيجب عليه مع ذلك أن يزكي هذا الذي نبت في أرضه لأن هذا مما يملك وليس من الكلأ الذي يباح لجميبع الناس.
إذًا: هذه المسائل الثلاث مفرعة على الشرط الثاني: ما يأخذه اللقاط وما يأخذه بحصاده وما يجتنيه من المباح.
فصل
[في قدر الواجب في الحبوب والثمار]
[ ٢ / ٣٨١ ]
• ثم قال - ﵀ -:
(فصل)
المؤلف - ﵀ - يريد أن يبين في هذا الفصل القدر الواجب ويريد أن يبين متى يكون وقت الوجوب وسيبين جملة من المسائل المهمة جدًا والتي تتعلق بالحبوب والثمار.
• قال - ﵀ -:
يجب: عُشر فيما سُقي بلا مؤونة.
كلمة مؤنة هنا في هذه النسخة (نسخة الهبدان) يبدو أنها خطأ من الطابع أو شيء من هذا .. المهم أن النون عليها ضمة والصواب فتحة.
وأيضًا تضاف بعد الواو المهموزة واوًا أخرى.
العشر هو: الواحد من عشرة.
فيجب في الزرع والثمر الذي سقي بغير بمؤونة العشر: بالإجماع.
- لقول النبي - ﷺ -: (فيما سقت السماء أو العيون أو كان عثريًا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر).
وهذا الحديث في البخاري ومسلم ولا إشكال في صحته.
إذًا إذا كان الزرع سقي بالسماء - يعني بالمطر - أو من خلال العيون التي تخرج من غير فعل آدمي أو كان عثريًا وهو الماء الذي يتجمع في البرك من غير فعل الإنسان ففي كل هذه الأحوال التي نص عليها الحديث يجب على المزارع أن يخرج العشر لأنه سقي بلا مؤونة.
وهذه الأشياء المذكورة في الحديث ذكرت على سبيل التمثيل.
فكل زرع سقي بلا مؤونة ففيه العشر.
ـ مسألة: كل عمل يقوم به المزارع مرة واحدة في السنة ثم لا يعود إليه إلا من السنة القادمة فإن الزرع يعتبر سقي به بلا مؤونة.
مثاله: إذا قام المزارع بشق حفرة ليأتي الماء من النهر إلى المزرعة مرة واحدة في أول السنة ثم صار الماء يأتي من النهر إلى المزرعة بلا عمل من المزارع فهذا يعتبرربلا مؤونة لأنه عمل في السنة مرة واحدة.
مثال آخر: إذا قام المزارع بتركيب الدولاب الذي يخرج الماء من النهر إلى المزرعة مرة واحدة والذي يدير الماء هو النهر لا الحيوانات فإنه يركبه في السنة مرة واحدة ثم لا يعود إليه فهذا يعتبر بلا مؤونة.
هذه الأشياء التي ذكرت في الحديث والتي ذكرتها الآن مما مثل به الفقهاء فكلها أمثلة. والقاعدة: أن ما سقي بلا مؤونة فيه العشر.
• ثم قال - ﵀ -:
ونصفه معها.
يعني ويجب نصف العشر في الزرع الذي سقي بمؤونة.
- للحديث السابق وللإجماع.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
ـ مسألة: توضح المقام: كل ما احتاج المزارع لإخراجه من الأرض وإيصاله للزرع إلى آله فهو بمؤونه.
والمقصود بقول الفقهاء هنا: (آله) يعني تدار من قبل الآدمي. أي بصنع وعمل الآدمي.
فإذا وضع آلة تدار بالحيوانات أو بالكهرباء أو بغيره من الوقود الذي تدار به الآلات فإنه يعتبر بمؤونة.
أما الآلة التي تدور بمرور الماء في النهر فهذه بغير صنع الآدمي وإنما بمجرد جريان النهر.
بناء على هذا: ما يوجد من آلات حديثة يخرج الماء عن طريقه في وقتنا المعاصر - كالدينموات والمكائن - فكل هذا يعتبر بمؤونة. لأن المزارع احتاج في إخراج الماء إلى الزرع إلى آله وهذه الآلة تدار من قبل الإنسان.
عرفنا الضابط فيما سقي بمؤونة وعرفنا الحكم وهو: وجوب نصف العشر.
• ثم قال - ﵀ -
وثلاثة أرباعه بهما.
يعني إذا سقي بمؤونة النصف وسقي بلا مؤونة النصف الآخر فإنه يجب فيه ثلاثة أرباع بإجماع الفقهاء.
- لأن هذا مقتضى العدل.
فإذا سقي ستة أشهر بمؤونة وسقي ستة أشهر أخرى بلا مؤونة فإن فيه ثلاثة أرباع إذا افترضنا أن النبتة بقيت هذا المقدار: اثنا عشر شهرًا فإذا كانت عادة تبقى ستة أشهر فإذا سقيت ثلاثة بمؤونة وثلاثة بلا مؤونة ففيها كما قال المؤلف: ثلاثة أرباع.
• ثم قال - ﵀ -:
فإن تفاوتا: فبأكثرهما.
يعني إذا تفاوت السقي بين أن يكون تارة بمؤونة وتارة بلا مؤونة فـ:
= عند الحنابلة يعتبر بأكثرهما. والمقصود بالأكثرية هنا: الأكثر نفعًا ونموًا لا عددًا ووقتًا. وهذا مهم في فهم مذهب الحنابلة.
فإذا افترضنا أن المزارع سقى الشجرة لمدة شهر بلا مؤونة وسقاها لمدة عشرين يومًا بمؤونة والذي أثر في نضج الثمرة ونموها السقي الأخرين لمدة عشرين يومًا ففيه النصف لأن السقي الذي أثر هو الذي بمؤونة.
الدليل:
- قالوا: أن اعتبار كل سقيه ومعرفة مقدار كل سقيه أمر يشق فنرجع إلى الأكثر كما في السوم - في البهائم السائمة فإن في السائمة اعتبرنا الأكثر فكذلك هنا.
= القول الثاني: أنه إذا تفاوت السقي بمؤونة وبغير مؤونة يؤخذ بالقسط منهما.
لأنا إذا اعتبرنا القسط في النصف فكذلك فيما دون النصف أو أكثر من النصف.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
يعني: أصحاب هذا القول يقولون: - عند جميع العلماء: إذا سقي النصف والنصف ففيه ثلاثة أرباع فإذا كنتم تعتبرون النصف حدًا طبيعيًا فكذلك إذا تفاوت فكان أكثر من النصف وأقل من النصف فكذلك يجب أن نراعي الحساب بحسب السقي. فنعتبر هذا الأمر بالنسبة فالأكثر هو المعتبر.
وهذا القول الثاني هو: مقتضى العدل.
• ثم قال - ﵀ -:
ومع الجهل العشر.
يعني إذا قال المزارع أنا لا أدري أيهما أكثر السقي بمؤونة أو بغير مؤونة ولا أعرف مقدار كل منهما فنقول الواجب عليك حينئذ العشر.
لدليلين:
- أولًا: ليخرج من العهدة بيقين.
- ثانيًا: لأن الأصل في الحبوب والثمار وجوب العشر وإنما خفف إلى النصف إذا كان يسقى بالمؤونة. فنرجع إلى الأصل.
إذًا إذا قال المزارع أنه يجهل: نقول: الواجب عليك العشر.
ولو قيل في هذه المسألة أن المزارع يقدر ويحتاط لكان له وجه قوي جدًا.
فنقول: قدر واحتط في هذا التقدير ثم زك بحسب النسبة.
فإذا قال: أنا لا أدري الزرع بقي لمدة ستة أشهر ولا أدري كم سقي بمؤونة وبغير مؤونة؟
نقول: هل تجزم بشهرين؟
فإذا قال: لا.
نقول: شهر ونصف.
إذا قال لا أجزم.
إذا قلنا فشهر؟
فقال: الشهر قطعًا. أنه مر عليه شهر سقي بمؤونة.
فنقول: اعتبر هذا الذي تجزم به واخصم من الزكاة بمقداره.
أما على المذهب فإنه بمجرد ما يجهل نسبة كل منهما فيجب عليه مباشرة أن يخرج العشر.
ثم انتقل المؤلف إلى بيان وقت الوجوب:
• فقال - ﵀ -:
وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر: وجبت الزكاة.
= ذهب الجماهير إلى هذا الضابط. أنه إذا اشتد الحب وبدا الصلاح فقد حصل وقت الوجوب.
واستدلوا على هذا:
- بأنه حينئذ يقصد بالأكل والاقتيات.
فإذًا وقت الوجوب هو اشتداد الحب وبدو الصلاح.
وبدو الصلاح يعني: أن تحمر أو تصفر الثمرة إذا كانت مما يحمر أون يصفر.
ويأتي معنا ما تقدم من المسائل المهمة التي كثير من الناس يضطرب فيها فيقول من يخرج الزكاة. هل الذي يشتري المزرعة يخرج الزكاة أو مالك المزرعة يخرج الزكاة؟
وقد عرفنا من هو الذي يخرج الزكاة؟
وهو: الذي تكون الثمرة مملوكة له وقت الوجوب سواء كان البائع أو المشتري.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فأي إنسان يملك الثمرة أو الزرع وقت الوجوب فهو الذي مخاطب بوجوب إخراج الزكاة. وغالبًا سيكون: المالك - البائع - لأنه لا يجوز أصلًا بيع الثمر قبل بدو الصلاح.
فدائمًا سيكون من يجب عليه الزكاة هو: المالك - البائع. لأنه أصلًا لا يجوز له أن يبيع إلا بعد الصلاح.
إذًا: لو قيل: هل لهذه المسألة فائدة؟
نقول: نعم لها فائدة لأنه يوجد صور فيها خلاف لكن أجاز بعض أهل العلم شراء الثمر فيها قبل بدو الصلاح.
من أمثلة هذه الصورة: أن يشتري الإنسان الثمر قبل بدو الصلاح بشرط القطع ثم يبقيها من غير حيلة.
فلو جاء إنسان ليشتري ثمر النخيل لهذا العام قبل بدو الصلاح نقول له: لا يجوز أن تشتري قبل بدو الصلاح.
فإذا قال: سأشتري ثم أقطع مباشرة ولن أنتظر النضج لأني سأستعمل هذه الثمار لإعلاف الدواب.
نقول: إذا كان ستقطع مباشرة فيجوز أن تشتري قبل بدو الصلاح.
ثم لما اشترى بدا له أن يترك الثمرة - من غير حيلة بحيث يكون نوى من الأصل فحينئذ يجوز له أن يشتري وأن يبقي الثمرة ويكون الزكاة على امشتري في هذه الصورة.
فالمهم نقول: من ملك هذه الحبوب والثمار وقت وجوب الزكاة فهو الذي يجب عليه أن يخرج الزكاة.
• ثم قال - ﵀ -:
ولا يستقر الوجوب: إلاّ بجعلها في البيدر، فإن تلفت قبله بغير تعد منه: سقطت.
البيدر هو: اسم للمكان الذي تجمع فيه الثمار ليتم نضجها ويبسها.
فالمؤلف - ﵀ - يقول: لا يستقر الوجوب إلا بجعلها بالبيدر.
يعني: إذا خرصنا الثمر على رؤس النخل وعرفنا مقدار الزكاة فيه ثم قبل أن تحصل هذه الثمرة وتجعل في مكان جاف تحت الشمس لتيبس فقبل ذلك أصابتها جائحة فإنه لا يجب على مالك الثمرة الزكاة.
= وهذا مذهب الجمهور.
واستدلوا على ذلك:
- بأن هذه الثمرة قبل التحصيل ليست في يده ولا تحت تصرفه ولو أصابتها جائحة بعد البيع لرجع البائع على المشتري فإذا تلفت لم تجب فيها الزكاة.
لكن اشترط المؤلف - ﵀ - كما تلاحظ في المتن شرطًا: أن يكون ذلك بغير تعد منه:
• فقد قال - ﵀ -:
فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت.
إذا تلفت بغير تعد من المزارع قبل أن يجعلها في البيدر سقطت.
أما إذا تلفت بتعد منه فإنها لا تسقط.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
مثال التعدي: أن يتساهل المزارع قبل جني الثمرة ويرش هذه الثمرة بالسم القاتل للحشرات المضرة ولكن يتساهل ويفرط ويكثر من الرش ولا يراعي الطريقة الصحيحة للرش فيؤدي ذلك إلى فساد الثمر. فعلى المذهب يجب على المزارع أن يضمن الزكاة لأنها فسدت بتفريط منه.
وعرفنا بهذه للمؤلف: أن الثمرة من حيث التعدي والتفريط ووجوب الزكاة لها ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أن تفسد قبل وجوب الزكاة: يعني: قبل بدو الصلاح: فحينئذ: لا تجب الزكاة ولو فسدت بتعدي وتفريط المزارع. لأن الزكاة لم تجب في ذمته أصلًا قبل وقت الوجوب.
- النوع الثاني: الذي ذكره المؤلف عندنا هنا: أن تتلف بعد وجوب الزكاة وقبل جني الثمرة: فإن فرط ضمن وإن لم يفرط لم يضمن.
- النوع الثالث: أن تتلف الثمرة بعد جنيها ووضعها في البيدر: فحينئذ يجب على المالك أن يضمن الزكاة ولو كان التلف بغير تفريط ولا تعدي.
إذًا هذه ثلاثة أنواع مهمة جدًا للمزارعين: متى يجب عليه أن يضمن. - ومتى يجب أن يضمن؟.
بالنسبة للنوع الأول وهو:
إذا تلفت قبل وجوب الزكاة لا إشكال أنه لا يضمن لأنها لم تجب أصلًا سواء كانت بتعدي أو تفريط أو بغير تعدي أو تفريط.
وبالنسبة للنوع الثاني والثالث:
= القول الثاني: أن المزارع لا يضمن مطلقًا في أي مرحلة من مراحل الثمرة إلا بالتعدي والتفريط.
- تعليل ذلك: أن يد المزارع على الثمرة يد أمانة والقاعدة تقول: «أن يد الأمانة لا تضمن إلا بتعدي أو تفريط».
وهذا القول الثاني هو الصواب إن شاء الله.
ـ مسألة: - تبين ثمرة الخلاف - إذا خذ الإنسان التمر ووضعه في الجريد أو في البيدر لينضج أن ليتم نضجه ويبسه واحترق بغير تفريط ولا تعدي منه: فما الحكم؟
= عند الحنابلة: يضمن. لأنه بعد جني الثمرة.
= وعلى القول الصواب: لا يضمن.
إذا تلفت الثمرة بعد وقت الوجوب وقبل الجني بغير تعد ولا تفريط فعلى القولين لا يضمن لا عند الحنابلة ولا عند أحاب القول الثاني.
إذا تلفت الثمرة قبل وجوبها بتعد وتفريط: لا يضمن.
إذا تلفت قبل جنيها بتعد وتفريط: يضمن عند الجميع.
وإذا تلفت بعد جنيها بتعد وتفريط: يضمن.
إذًا يضمن دائمًا بتعد وتفريط إلا إذا كان ذلك قبل الوجوب.
•
ثم قال - ﵀ -
[ ٢ / ٣٨٦ ]
ويجب: العشر على مستأجر الأرض.
يعني: أن الذي يجب عليه إخراج الزكاة هو: المستأجر لا مالك الأرض. لأن المستأجر الذي زرع هو المالك الحقيق للثمرة لا صاحب الأرض.
يدل على هذا: أن من استأجر حانوتًا فإن وجوب زكاة التجارة عليه على مؤجر الحانوت فكذلك من أجر أرضًا لمن يزرعها فالزكاة على الزارع لا على مالك الأرض.
ثم انتقل المؤلف ﵀ للكلام عن العسل:
• فقال - ﵀ -:
وإذا أخذ من ملكه أو مواته من العسل مائة وستين رطلًا عراقيًا ففيه: عشره.
بين المؤلف - ﵀ - في هذه العبارة مسألتين:
ـ المسألة الأولى: النصاب وهي مائة وستين رطلًا.
الدليل على هذا التقدير:
- أنه روي عن عمر - ﵁ - أنه قدر نصاب العسل بهذا المقدار وهو يساوي: بالكيلوات المعاصرة ٦٢كيلو تقريبًا.
= القول الثاني: لأبي حنيفة أن الزكاة تجب في العسل في قليله وكثيره.
- لعموم قوله تعالى: - (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ..) -[البقرة/٢٦٧]. فإنه يعتبر العسل من جنس الخارج من الأرض فتجب عنده في القليل والكثير.
والصواب. أنها لا تجب إلا إذا بلغت هذا المقدار لوروده عن عمر - ﵁ -.
ـ المسألة الثانية: عند قوله: (ففيه عشره) يعني: أن الزكاة تجب في العسل وإلى هذا ذهب الإمام أحمد - ﵀ -. وهو مذهب الحنابلة والمذهب الشخصي للإمام أحمد.
استدلوا على هذا بأمرين:
- أولًا: أحاديث مرفوعة إلى النبي - ﷺ - أنه أوجب الزكاة في العسل على بعض أهل اليمن. ولا يصح في وجوب زكاة العسل حديث عن النبي - ﷺ - مطلقًا. فجميع الأحاديث المرفوعة التي تفيد وجوب زكاة العسل ضعيفة.
- ثانيًا: أنه صح عن عمر - ﵁ - أنه أمر رجلًا من أهل اليمن أن يخرج زكاة العسل الذي يملك نحله ومقابل ذلك يقوم عمر - ﵁ - بمنحه مساحة من الأرض لنحله ويحميها له فقال: نحمي لك وتخرج الزكاة.
= القول الثاني: أنه لا تجب الزكاة في العسل.
- لأن الأصل براءة الذمة وحرمة مال المسلم.
- ولأنه لم يثبت في حديث صحيح وجوب الزكاة في العسل.
والقول الثاني هو الصواب.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
والقول الأول يتعين فيه الاحتياط لأنه مروي عن عمر - ﵁ - ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالفه أو اعترض عليه.
فينبغي لمن ملك عسلًا أن يحتاط ويخرج العشر من القيمة أو من نفس العسل.
وكما قلت الاحتياط في هذا في الحقيقة متعين - نقول الاحتياط متعين لا الزكاة ..
• ثم قال - ﵀ -:
والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية.
الركاز عرفه المؤلف. فهو ما يوجد من دفن الجاهلية.
يعني: ما يجده الإنسان مدفونًا عليه من العلامات ما يدل أنه دفن في العهد الجاهلي.
فتبين من هذا أنه إذا وجد مدفونًا عليه من العلامات ما يدل أنه دفن في عهد المسلمين فليس من الركاز. وهو كذلك ويعتبر من اللقطة.
ثم بين المؤلف - ﵀ - حكمه:
• فقال - ﵀ -:
فيه الخمس في قليله وكثيره.
الركاز: تميز بأحكام يختص يها لا يشترك معه غيره من الأموال الزكويه:
- منها: أن الزكاة تجب في قليله وكثيره.
- ومنها: أنه لايشترط له حول وأنه - كما قلنا لا يشترط له نصاب.
- ومنها: أن مصرفه في مصالح المسلمين لا كما في الزكاة في الأصناف الثمانية التي ستأتينا.
إذًا اختلف عن غيره من الأموال الزكوية بهذه الثلاثة أمور.
الدليل على هذا:
- قوله - ﷺ -: (وفي الركاز الخمس).
وقوله: الخمس.
قال الحنابلة: المقصود بالخمس هنا ال في الخمس للعهد الذهني يعني: الخمس المذكور في كتاب الله (لله ولرسوله) يعني بعبارة أخرى: الخمس الذي يجب في الفيء وهو يصرف في مصالح المسلمين العامة.
فإذا أخرج الخمس من الرماز مهما كانت قيمة هذا الركاز فإن الباقي له قد ملكه إياه الشارع مهما كان نوع الموجود فما دام له قيمة وثمن سواء كان من الذهب أو الفضة أو من غيرهما.
فإذا وجد معدنًا نفيسًا ففيه الخمس ولو لم يكن من الذهب والفضة.