• ثم قال - ﵀ -:
باب زكاة العروض.
العروض: جمع عرض.
والعرض: هو ما عدا الأثمان من الأموال. كالأواني والثياب والمنازل وكل ما عدا الأثمان. فإنه يعتبر من العروض.
هذا في اللغة.
في الاصطلاح الخاص في باب الزكاة العروض هي: كل ما أعد للبيع أوالشراء بقصد الربح ولو كان من الأثمان. فإن هذا يدخل في زكاة عروض التجارة.
• قوله - ﵀ -:
إذا ملكها بفعله بنية التجارة وبلغت قيمتها نصابًا: زكى قيمتها.
زكاة العروض فيها خلاف:
انقسم العلماء فيها إلى قسمين:
_________________
(١) القسم الأول: وجوب الزكاة في عروض التجارة. وإلى هذا ذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وعامة التابعين وجمهور الصحابة وحكي إجماعًا وكأنه قول جميع أهل العلم إلا من سنذكر فكلهم ذهب إلى وجوب الزكاة في عروض النجارة. واستدلوا بأدلة: - الأول: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ [البقرة/٥٧]. والكسب هنا بتفسير عدد من السلف: التجارة. - الثاني: حديث سمرة - ﵁ -: كنا نؤملا بإخراج الزكاة مما نعد للتجارة. وهذا الحديث ضعيف: ففي إسناده ضعف. ولو صح لكان فيصلًا في الباب.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
- الثالث: صح عن عدد من الصحابة - ﵃ - منهم: عمر وابنه وابن عباس وهؤلاء من فقهاء الصحابة.
- وصح عن عدد من التابعين: كعطاء والنخعي وغيرهم من أئمة السلف.
ولا يعلم للصحابة القائلين بالوجوب ولا للتابعين القائلين بالوجوب لا يعلم لهم مخالف فليس لهم مخالف.
_________________
(١) القسم الثاني: أنها لا تجب زكاة عروض التجارة. وإلى هذا ذهب ابن حزم وبعض المعاصرين. واستدلوا: - بقول النبي - ﷺ - ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقه. وهذا الحديث عام يشمل ما إذا اتخذت للتجارة أو لغير التجارة. - الدليل الثاني: أنه لم يثبت في حديث صحيح أن النبي - ﷺ - أمر بزكاة عروض التجارة. والقول الراجح هو وجوب زكاة عروض التجارة بل الذي اعتقده ما قاله شيخ الاسلام - ﵀ - أن القول بعدم الوجوب: شاذ. وأشار إلى الشذوذ عدا شيخ الإسلام بن تيمية أبو عبيد فإنه قال: والقول بعدم الوجوب ليس من أقوال أهل العلم عندنا. ففي الحقيقة هذا القول شاذ خارج عن قول جماهير الفقهاء أهل الفقه وعن فتاوى الصحابة وعن ما جرى عليه عمل المسلمين من القديم ثم أحيانًا غالب الأموال تكون من عروض التجارة. فعدم إخراج الزكاة عنها يؤدي إلى عدم إخراج الزكاة عن جملة كبيرة من الأموال. ثم يبعد جدًا في حكمة الشارع والله أعلم أن يفرق بين المتماثلات فكف يأمر إنسان يملك عشرة آلاف ريال بالزكاة ولا يأمر إنسانًا يملك ملايين من عروض التجارة لا يأمره بالزكاة مع أنه لا مقارنة بينهما في الغنى والغنى هو مناط وجوب الزكاة. • ثم قال - ﵀ -: مبينًا شروط وجوب زكاة العروض. إذا ملكها بفعله. يشترط لوجوب زكاة العروض عند الحنابلة أن يملكها بفعله سواء مكلكها بثمن - بعوض كالبيع أو بغير ثمن كقبول الهبة. ففي الصورتين يتحقق الشرط وهو أنه ملكهعا بفعله. وخرج بقوله: (ملكها بفعله). ما إذا صارت إليه عن طريق الإرث. واستدلوا على هذا: - بأن الإرث ليس من طرق الكسب. والتجارة تتعلق بالكسب. فإذًا الإرث ليس من التجارة فلا زكاة فيه. وسيأتينا الخلاف في هذه المسألة. • ثم قال - ﵀ -: بنية التجارة.
[ ٢ / ٤٠١ ]
مقصوده بقوله: (بنية التجارة). أن ينوي التكسب بها. هذا معنى بنية التجارة.
ومراد الحنابلة بقولهم: بنية التجارة أن ينوي التجارة بها من حين اشتراها - من أول الشراء.
فإن اشتراها لغير التجارة ثم نواها للتجارة لم تجب فيها الزكاة.
الدليل:
الدليل على ذلك:
- قالوا: النبي - ﷺ - يقول: (إنما الأعمال بالنيات). والزكاة عبادة والعبادات يجب أن تقترن فيها النية من أول العبادة فإذا لم تقترن نية التكسب من أول الشراء لم يتحقق الشرط.
= والقول الثاني: في هذين الشرطين:
١ - إذا ملكها بفعله.
٢ - أو بنية التجارة:
أنه لا يشترط لا أن يملكها بفعله ولا أن ينوي التجارة بها من حين اشتراها.
والدليل على هذا من وجهين:
- الأول: أن الآثار المروية عن عمر وابنه وغيرهما من الصحابة - ﵃ - عامة لم تشترط هذه الشروط فكل من ملك مالًا ونوى به التجارة وجبت عليه الزكاة.
- الوجه الثاني: عموم قول النبي - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات). وهذا المال نويت به التجارة والتكسب فصدق عليه أنه من عروض التجارة.
وهذا القول الثاني هو الصواب وممن اختاره من المحققين ابن عقيل وهو رواية عن الإمام أحمد - ﵀ -.
• ثم قال - ﵀ -:
وبلغت قيمتها نصابًا: زكى قيمتها.
قوله: (بلغت قيمتها نصابًا). هذا في الحقيقة لا يعتبر من الشروط الخاصة بعروض التجارة.
إذًا: كم هي الشروط الخاصة بعروض التجارة؟
شرطان فقط.
أما هذا فهو شرط في جميع الأموال.
فكل مال زكوي لا تجب فيه الزكاة إلا إذا بلغ النصاب.
لكن يفهم من قوله: (إذا بلغت قيمتها نصابًا). أن يشترط أن يستمر النصاب في كل الحول. = فإن نقصت قيمة عروض التجارة في بعض الحول استأنف الحول من جديد.
= ومنهم من قال: بل إذا نقصت قيمة عروض التجارة في أثناء الحول فإنه لا يضر فإنه من عادة التجار أن ترتفع القيم وتنزل.
والصواب أنه يشترط أن يبقى النصاب على مدار الحول أخذًا بالعمومات الدالة على اشتراط النصاب في جميع الحول.
• ثم قال - ﵀ -: مفرعًا على الشرطين:
فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها: لم تصر لها.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
كما تقدم معنا مفصلًا في اشتراتط هذين الشرطين وهذا ما ذكره المؤلف - ﵀ - هو ثمرة هذين الشرطين.
وهو: أنه إذا ملك المال بإرث فلا زكاة وإذا اشترى المال لغير التجارة ثم نوى بها التجارة فلا زكاة وتقدم معنا الخلاف وأن الصواب عدم اشتراط ذلك.
• ثم قال - ﵀ -:
وتقوّم عند الحول: بالأحظ للفقراء من عين أو ورق.
عروض التجارة تقوم بالأحظ للفقراء.
فإن كان الأحظ لهم: الذهب أي تبلغ نصابًا إن قومت بالذهب. فتقوم بالذهب.
وإن كانت إن قومت بالفضة بلغت النصاب وجي أن تقوم بالفضة.
والدليل على هذا:
- أن التقويم أصلًا إنما شرع مراعاة لحظ الفقراء فعندما نقوم فيجب أن نراعي فيه حظ الفقراء.
مسألة / إذا كانت عروض التجارة تبلغ النصاب بالذهب وبالفضة فبأيهما يقوم؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
= القول الأول: أنه مخير إن شاء بالذهب وإن شاء بالفضة.
- لأنه إن قومه بالذهب أو بالفضة حصل المقصود وهو إخراج الزكاة.
= القول الثاني: أنه إذا بلغ نصابًا بالذهب وبالفضة: فيجب أن نقومه بالأحظ لهما.
- قياسًا على أصل الوجوب.
- ومراعاة لحال الفقراء.
وهذا القول الثاني هو الأقرب ومال إليه الشيخ الفقيه المجد - ﵀ -.
فهذا القول أقرب.
وفي الحقيقة قيمة العروض سيعتبرها التاجر بالأغلى بالأكثر فكذلك في حق الفقراء.
المقصود أن الراجح أنها تقوم بالأحظ وإن بلغن نصابًا بالنقد الآخر.
•
ثم قال - ﵀ -:
ولا يعتبر ما اشتريت به.
لا يعتبر ما اشترتيت به لا قدرًا ولا جنسًا.
فإذا اشترى بالدراهم سلعة ثم لما تم الحول صارت تبلغ النصاب بالدنانير دون الدراهم: فإننا نعتبر الدنانير ونترك الدراهم.
وهنا نعتبر لم ننظر لما اشترتيت به: جنسًا أو قدرًا؟ جنسًا. لم ننظر إليه جنسًا.
وأما قدرًا: إذا اشترى سلعة بمائة ألف وأصبحت بعد نهاية العام تساوي مائة وخمسين فلا ننظر لما اشترتيت به قدرًا وهو المائة وإنما ننظر إلى المائة وخمسين وهو قيمتها بعد الحول.
إذًا: لا ننظر إليها لا قدرًا ولا جنسًا.
الدليل:
قالوا الدليل على ذلك:
- أنه لولا ذلك لذهبت فائدة التقويم على الفقراء.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
يعني: لولا أنا نقدرها بقيمتها بعد الحول لذهبت فائدة التقدير على الفقراء.
• ثم قال - ﵀ -:
وإن اشترى عرضًا بنصاب من أثمان أو عروض: بنى على حوله.
إذا اشترى عرضًا يعني عروضًا للتجارة في أثناء الحول فإنه لا يستأنف الحول بل يستمر على حوله ويبني على الأول.
والدليل على هذا:
- أن من شأن التجار تقليب الأموال والبضائع والسلع تارة تكون سلع وتارة تكون نقود. ولو اعتبرنا أنها إذا كانت نقودًا انقطع الحول وإذا كانت سلعًا انقطع الحول لم يتم حول على تاجر.
فإذًا يبني التاجرل على نصابه إذا قَلَّبَ الأموال التي عنده بين النقود والسلع.
•
ثم قال - ﵀ -:
وإن اشتراه بسائمة: لم يبن.
إن اشتراه بسائمة لم يبن:
- لأن السائمة تختلف عن عروض التجارة في النصاب وفي الواجب. وما كان كذلك لا يمكن أن يبنى بعضه على بعض بل يستأنف الحول من جديد.
مسألة / وهي مهمة جدًا: إذا اشترى إنسان سائمة من الماشية ونوى بها التجارة: جعلها ترعى الحول كله ونوى بها التجارة فهل يخرج الزكاة منها باعتبارها من السائمة أو باعتبارها من عروض التجارة؟
فيه خلاف:
= فالمذهب: باعتبارها عروض تجارة. إلا في حالة واحدة إذا بلغت النصاب إذا لااعتبرناها سائمة دون إذا اعتبرناها عروض تجارة فحينئذ نزكيها باعتبار أنها سائمة. وإلا فالأصل عند الحنابلة أن تعتبر بأنها عروض تجارة.
= القول الثاني: أنها تزكا باعتبارها سائمة.
- لأن هذا مجمع عليه - يعني: إخراج الزكاة باعتبارها سائمة - وفيه النصوص بخلاف عروض التجارة.
= القول الثالث: أنها تخرج بالأحظ للفقراء. وفي الغالب الأعم أن الأحظ لهم أن تعتبر: عروض تجارة.
وبهذا يقترب القول الأخير من مذهب الحنابلة.
لكن نقول: الأصل والقول الراجح أن نعتبرها بالأحظ للفقراء.
فنقول: انظر: هل الأحظ للفقراء أن تزكيها باعتبارها عروض تجارة أو تزكيها باعتبارها سائمة.