- يقول - ﵀ -:
باب صفة الحج والعمرة
يعني: باب يذكر فيه تفصيل صفة الحج والعمرة، وهذا الباب يعتبر أهم الأبواب، وكما قلنا في باب صفة الصلاة نقول في هذا الباب: أنه خلاصة فقه كتاب الحج.
- ثم قال - ﵀ -:
يسن للمحلين بمكة: الإحرام بالحج يوم التروية.
يسن للمحلين: أي المتمتعين، أن يحرموا بالحج يوم التروية.
- لقول جابر - ﵁ -: فلما كان يوم التروية أهلوا من الأبطح أو من البطحاء.
وهو المكان الذي يسمى الآن المعابدة وهو مكان معروف وفي ذلك المكان نزل النبي - ﷺ - وأصحابه وأحرموا بالحج منه.
- قال - ﵀ -:
الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال.
إذًا: يسن أن يحرموا بالحج في هذا اليوم وأن يكون الإحرام قبل الزوال.
والدليل على هذا:
- أن أصحاب النبي - ﷺ - أحرموا بالحج وذهبوا إلى منى وصلوا فيها الظهر.
وهذا دليل على أنهم أحرموا في الضحى قبل الزوال لأنهم صلوا في منى محرمين إذًا لاشك أنهم تقدم الإحرام بالنسبة لهم في ضحى هذا اليوم الثامن.
لكن في أي وقت من الضحى؟ ليس في السنة شيء واضح وهو أمر فيه سعة: من طلوع الشمس إلى قبيل الزوال فكل هذا وقت إحرام.
-
ثم قال - ﵀ -:
منها.
يعني: أن السنة لمن أراد أن يحرم أن يحرم من مكة، وهذا - أي استحباب الإحرام من مكة - بلا نزاع بين الحنابلة:
- ليدرك فضل مكة بالإحرام منها.
= والقول الثاني: أن السنة أن يحرم الإنسان حيث كان نازلًا.
- لما ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة أن أصحاب النبي - ﷺ - أحرموا من المكان الذي كانوا فيه نازلين وهو الأبطح.
[ ٣ / ١٥٦ ]
وهذا اختيار شيخ الإسلام - ﵀ - هو الذي تدل عليه النصوص، فإذًا السنة أن يحرم الإنسان في مكانه الذي هو نازل فيه في أي جهة من مكة، فالمشروع له أن يتقصد الإحرام من هذا المكان ليأتي بالسنة في هذا الأمر.
- ثم قال - ﵀ -:
ويجزئ من بقية الحرم.
يعني: وله أن يحرم من أي مكان من الحرم، ولا يختص الإحرام ببقعة معينة لا المسجد الحرام ولا غيره.
= ويفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن من أحرم خارج الحرم فإنه لا يجزئ إحرامه وعليه دم.
- لأنه ترك واجبًا وهو الإحرام من الحرم.
= والقول الثاني: أن للإنسان أن يحرم بالحج في اليوم الثامن من أي مكان كان فيه من حل أو حرم.
وهذا هو الصواب: - لأنه ليس في النصوص ما يدل مطلقًا على تعين الحرم للإحرام للحاج في اليوم الثامن بل النصوص مطلقة، فإذا أحرم من الحل أو من الحرم من قريب من مكة أو من بعيد منها فالأمر فيه سعة وهو جائز، بل ربما نقول أن الإنسان ينبغي أن يحرم من المكان الذي هو نازل فيه ولو كان خارج الحرم لأنا إذا رجحنا أن السنة أن يحرم الإنسان من المكان الذي هو نازل فيه فيستوي في هذا أن يكون الإنسان في الحرم أو خارج الحرم، فإذا نزل عند أقاربه في مكان خارج حدود الحرم فلا ينبغي له أن يتقصد الدخول للحرم والإحرام بل يحرم من مكانه ثم يأتي إلى إكمال المناسك.
-
ثم قال - ﵀ -:
ويبيت بمنى.
يخرج الحاج إلى منى ويصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ويقصر هذه الصلوات بلا جمع فإن النبي - ﷺ - قصر فيها الصلاة بدون جمع.
والمبيت في منى: = سنة عند الجماهير وحكى بعضهم الإجماع على: أن المبيت فيها سنة فإذا خرج الإنسان إلى عرفة مباشرة فإن حجه صحيح ولا يلزمه أي فدية، وهذا القول: وهو أن المبيت في منى سنة هو الصحيح إن شاء الله.
= والقول الآخر: قد نقول إن فيه شذوذًا لأنه مخالف لفقه الصحابة والسلف والتابعين ومن بعدهم الذين أطبقوا على سنية المبيت في منى.
- ثم قال - ﵀ -:
فإذا طلعت الشمس: سار إلى عرفة.
ظاهر كلام المؤلف - ﵀ - أن السنة للحاج إذا طلعت الشمس أن يذهب مباشرة إلى عرفة، وأنه لا يسن له أن ينزل في نمرة.
[ ٣ / ١٥٧ ]
= والقول الثاني: أن النزول في هذا الوادي - نمرة - سنة مقصودة. فينبغي على الحاج إذا خرج أن ينزل في هذا الوادي.
- لأن النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون كلهم نزلوا في هذا المكان. والأصل في أفعال النبي - ﷺ - التأسي.
«الأذان».
وإذا كان النبي - ﷺ - والخلفاء الذين لهم سنة متبعة - ﵃ - نزلوا في نمرة فهذا يدل دلالة واضحة جدًا أن هذا أمر مقصود وسنة يجب أن تتبع وتفعل، هذا إذا تيسر: وكل سنن الحج إذا تيسر. لا سيما مع وجود الزحام فقد لا تتيسر بعض السنن بل قد يكون من الأنسب والأوفق شرعًا عدم فعل السنة إذا ترتب عليها ضرر أكثر على الآخرين أو على من أداها، لكن المقصود الآن تقرير السنن وأن هذه السنة وإن استطاع الإنسان أن يجلس ولو بجانب الطريق ولو في أي مكان في هذا الوادي فإنها سنة، وذكر بعض السلف أنه جرب أن من نزل في نمرة فإنه يشعر بالراحة الزائدة والانبساط وسعة الصدر وهذا ذكره بعض السلف وهذا أمر مجرب وربما يكون هذا صحيح ويكون هذا من ثمرات إتباع سنة النبي - ﷺ -،ونترك باقي أبحاث عرفة للدرس القادم إن شاء الله.
«انتهى الدرس».
[ ٣ / ١٥٨ ]
من الأسئلة:
- الموالاة بين الطواف والسعي: فيه خلاف. والراجح إن شاء الله أن الموالاة بينهما سنة. وأفتى الإمام أحمد ﵀ بهذا مرارًا، وأنه سنة إن والى بينهما فمستحب وإلا فلا حرج عليه.
- لم يذكر في النصوص تمامًا ماذا كان يصنع النبي - ﷺ - في خيمته في نمرة. لكن الأصل أن هذه المناسك وهذه الأوقات مكان للدعاء والاستغفار، لكن قطعًا ليست في الدعاء كالدعاء الذي بعد الزوال وقصده بل يغلب عليها طابع الاستعداد لما بعد الزوال
- التكبير: الظاهر أنه في كل شوط يكبر وليس في الشوط الأول (فقط).
- الشرب من ماء زمزم: جاء فيه حديث وهو أن النبي - ﷺ - لما استلم ذهب إلى ماء زمزم وشرب منه وفي بعض الروايات أنه أكثر من الشرب. لكن في الحقيقة لم أتمكن من النظر في إسناده هل هو ثابت أولا؟.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
[ ٣ / ١٥٩ ]
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١١)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قبل درس أو درسين ذكرت لكم أنه لا يشرع للإنسان إذا رأى الكعبة أن يرفع يديه وأن جابر - ﵁ - أنكر هذا الفعل وهذا كله صحيح. لكن أحضر لي اثنان من الطلبة فائدة: أن الترمذي أخرج في سننه أن جابر قال: كنا نفعله مع النبي - ﷺ - مع أنه بوب للحديث بقوله: (لا يشرع رفع اليدين) فظهر بهذا أنه بين الترجمة - التبويب - وبين المتن تعارض كما أنه يخالف ما ذكرت من أن جابر نفى الرفع.
وفي الحقيقة أن في هذه النسخة إشكال ثم لما رجعت لبعض النسخ الأخرى وجدت أنه سقط من المطبوعة حرف واحد وهو (همزة الاستفهام) التي للإنكار. وصواب العبارة: (أفكنا) وهي: كنا. فسقوط هذه الهمزة قلب المعنى رأسًا على عقب ولذلك ذكرت هذه الفائدة حتى يعلم الإنسان أهمية العناية بتصحيح النسخ لما يترتب عليه من اختلاف المعنى.
وتقدم معنى الكلام عن عرفة وأن النزول في نمرة مختلف فيه بين أهل العلم: فمنهم من قال سنة، ومنهم من قال هو منزل نزله النبي - ﷺ - وذكرت أن أصحاب النبي - ﷺ - لا سيما الخلفاء كانوا ينزلون وأن الصواب أن النزول في هذا المكان سنة مقصودة لذاتها متى استطاع الإنسان أن يأتي بها، وتقدم معنا الحديث عن هذه المسألة وكانت هي آخر مسألة تحدثت عنها.
- قال - ﵀ -:
فإذا طلعت الشمس: سار إلى عرفة.
تقدم معنا أنه ترك ذكر النزول في نمرة، وظاهر كلام المؤلف - ﵀ - أنه لا يشرع للإنسان أن يخرج إلى عرفة إلا في هذا الوقت. يعني: بعد طلوع الشمس، وعلم من كلامه - ﵀ - أن الذهاب إلى عرفة ليلة عرفة أنه خلاف السنة، فإن كان ذهب إلى عرفة تعبدًا فهو مبتدع، وإن كان ذهب إلى عرفة ليستعد أو ليأتي بأعمال تخصه فغاية ما هنالك أنه خالف السنة.
-
ثم قال - ﵀ -:
وكلها موقف إلاّ بطن عُرَنَة.
[ ٣ / ١٦٠ ]
وادي عرنة: هو الوادي الذي يفصل بين عرفة ومزدلفة وهذا الوادي ليس من عرفة.
- لقول النبي - ﷺ -: (كل عرفة موقف وارفعوا عن وادي عرنة - أو عن بطن عرنة).
فهذا الوادي ليس بموقف إجماعًا.
لكن اختلفوا في مسألة أخرى وهي: هل هذا الوادي من عرفة أو ليس من عرفة؟
= فمن الفقهاء من قال: هو من عرفة ولا يجزئ الوقوف فيه.
- لأنه في هذا الحديث استثني من عرفة فهو منها.
= ومنهم من قال: بل هو ليس من عرفة.
وهذا الخلاف لا طائل تحته لأن الجميع يتفق على المسألة المهمة وهي: أن الوقوف في هذا الوادي لا يجزئ سواء اعتبرناه من عرفه أو لم نعتبره من عرفه.
- ثم قال - ﵀ -:
ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر.
يسن للإمام وللناس أن يجمعوا الظهر والعصر جمع تقديم، ويصلي خلف الإمام: الآفاقي والمكي وكل حاج، ومسألة الجمع هذه - التي ذكرها المؤلف - ﵀ -:
حكي الإجماع حتى بالنسبة لأهل عرفة أنهم يجمعون خلف الإمام.
والمسألة التي فيها خلاف: القصر. ولن نتحدث عنها الآن: إنما الذي يعنينا في سياق كلام المؤلف - ﵀ – الجمع، والجمع: سنة وحكي الإجماع عليه، أما القصر ففيه خلاف والأقرب والله أعلم بالنسبة لعرفة أن المكي يقصر فيها ولعله تأتي مناسبة لذكر الخلاف في ذكر القصر بالذات، أما الجمع فلا إشكال فيه إن شاء الله، والسبب في أنه لا إشكال في الجمع وفيه إشكال في القصر:
- أن الجمع متفق عليه. والقصر مختلف فيه. هذا أمر.
- والأمر الآخر: أن القصر يتعلق بالسفر فقط. بينما الجمع يتعلق بوجود سبب ومن الأسباب في هذا الموقف العظيم أن يتفرغ الحاج لدعاء الله والابتهال إليه لئلا ينشغل بإقامة كل صلاة في وقتها.
فهذا الجمع لا إشكال فيه من هاتين الجهتين: - الإجماع. - ووجود سبب. بخلاف القصر.
-
ثم قال - ﵀ -:
ويقف راكبًا.
يعني: أنه يستحب للإنسان في عشي عرفة أن يقف راكبًا وهو أفضل من أن ينزل إلى الخيام ويجلس فيها.
واستدل الحنابلة على هذا:
- بأن النبي - ﷺ - وقف راكبًا. والظاهر من صنيعه أنه فعل ذلك قصدًا. والأصل في أفعاله التأسي لا سيما في الحج.
= والقول الثاني: أن الوقوف يستحب على الأرض لا راكبًا.
[ ٣ / ١٦١ ]
واستدلوا على ذلك:
- بأن هذا أهيأ للدعاء وأرفق بالدابة.
= والقول الثالث: أن هذا يختلف باختلاف حال الشخص. فإن كان الشخص إذا ركب اقتدي به وانتفع بعمله أو كان الركوب أهيأ للراكب فهو حينئذ أفضل. وإن كان النزول أهيأ للحاج فهو أفضل، وهذا اختيار شيخ الإسلام - ﵀ -، وشيخ الإسلام - ﵀ - دائمًا يحاول أن يوفق بين الأقوال ويجمع بينها لتنسجم الأدلة سواء كانت من النصوص أو من التعليلات، والقول بأن الوقوف راكبًا سنة: قوي ووجيه. وهو الآن في وقتنا الحاضر متهيئ أكثر من السابق لسهولة الركوب والراحة التي يجدها الإنسان في السيارات هذا من جهة، ومن جهة أخرى: أن الراكب لاشك أنه ينقطع عن الاختلاط ويتفرغ للعبادة والابتهال أكثر منه مختلطًا مع الناس في المخيم، فربما نقول اليوم أن الوقوف راكبًا على القول الأول وعلى القول الثالث: يستحب. لأنه أهيأ. ثم أن الذي يقف راكبًا يتمكن من إرشاد الناس وتوجيههم أكثر منه داخل الخيام، وعلى كل حال هي مسألة أفضلية وليست مسألة تتعلق بركن الوقوف.
* * مسألة/ وهذا الخلاف نفسه في أقواله يأتينا في مسألة الحج ماشيًا وراكبًا ففيه ثلاثة أقوال كهذه الأقوال تمامًا: أنه يستحب ماشيًا - ويستحب راكبًا - وأنه يختلف باختلاف حال الشخص.
-
ثم قال - ﵀ -:
عند الصخرات وجبل الرحمة.
يعني: يستحب أن يقف في هذا الموطن.
- لأن جابر - ﵁ - أخبر أن النبي - ﷺ - وقف في هذا الموقف وجعل يدعو - ﷺ -.
والسنة: أن يقف في هذا الموقف مستقبل القبلة، واستقبال القبلة في هذا الموطن أهم من أن يقف عند الصخرات والجبل، فإذا دار الأمر بين أن يستقبل القبلة أو يستقبل الصخرات فإنه يستقبل القبلة ولو استدبر الجبل أو الصخرات، وفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن قصد الوقوف في هذا المكان: سنة، ومن الفقهاء من قال: إنما وقف النبي - ﷺ - في هذا الموقف لا قصدًا وإنما لأنه مكان قريب منه.
[ ٣ / ١٦٢ ]
* * مسألة/ ولا يسن الصعود على الجبل. بل هو بدعة لا أصل له. كما أنه يذهب الوقت على الحاج ويسبب التشويش والضيق والزحام ومنكرات أخرى. فهو مكروه أو محرم: أي الصعود على الجبل.
- ثم قال - ﵀ -:
ويكثر الدعاء مما ورد.
يعني: ويستحب أن يكثر من الدعاء حال وقوفه.
والدليل على هذا من وجهين:
- الوجه الأول: أن هذا الموطن موطن إجابة. فقد عهد الشارع استحباب كثرة الدعاء والعبادة في مواطن الإجابة.
- والثاني: أن النبي - ﷺ - هكذا صنع أي أكثر من الدعاء وقال: (خذوا عني مناسككم).
وفهم من كلام المؤلف - ﵀ - أن أفضل أنواع العبادات في ذلك الوقت الدعاء وهو أفضل من قراءة القرآن ومن الفتوى ومن تعليم العلم ومن سائر أنواع العبادات، ومع ذلك نقول: ينبغي للإنسان إذا تعب من الدعاء أن ينصرف إلى نوع آخر من العبادات وأن لا يخرج عن إطار العبادات مهما كان، لكن كلما كانت العبادة قريبة من الدعاء كقراءة القرآن أو الابتهال أو تعداد أسماء الله وصفاته فهو خير من العبادات الأخرى ولو كانت مذاكرة علم أو غيره، فإذا لم يستطع ذهب إلى مسألة مذاكرة العلم لأنه أثر عن الصحابة على الأقل أنهم يتداولون المسألة، فهذه ثلاث مراتب:
- الدعاء. - ثم ما يقرب من الدعاء: من قراءة القرآن وتدارس أسماء الله وصفاته. - والثالث: مسألة تدارس العلم.
- ثم قال - ﵀ -:
ومن وقف ولو لحظة.
قوله: (ومن وقف). يقصد - ﵀ -: الحصول في عرفة، أن يوجد في عرفة. فلو كان واقفًا أو مضطجعًا أو جالسًا أو على أي هيئة كان، فالمقصود بالوقوف هنا: هو أن يوجد ويحصل في عرفة.
- قال - ﵀ -:
ولو لحظة من فجر يوم عرفة.
بين المؤلف - ﵀ - في قوله: (من فجر يوم عرفة) بداية وقت الوقوف.
= فذهب الحنابلة وهو من المفردات. إلى أن الوقوف يوم عرفة يبدأ من فجر يوم عرفة.
واستدل الإمام أحمد - ﵀ - على هذا الحكم:
- بحديث عروة بن مضرس أن النبي - ﷺ - قال له: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف في عرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه).
[ ٣ / ١٦٣ ]
فقوله: (ليلًا أو نهارًا) يشمل من طلوع الفجر. لأن النهار يطلق على الوقت من طلوع الفجر.
= والقول الثاني: أن الوقوف لا يبدأ إلا من بعد الزوال. فإن وقف قبل الزوال ثم خرج من عرفة ولم يرجع إليها: بطل حجه، وإلى هذا ذهب: مالك والشافعي وأبو حنيفة، واختاره عدد من المحققين منهم شيخ الإسلام - ﵀ -.
واستدل هؤلاء:
- بأن النبي - ﷺ - لم يقف في عرفة لا هو ولا الخلفاء الراشدين إلا بعد الزوال.
وأجابوا عن حديث: عروة بن المضرس - ﵁ - بأن قوله: (ليلًا أو نهارًا) أن كلمة نهارًا يقصد بها ما بعد الزوال جمعًا بين الأخبار.
والراجح والله أعلم: مع الإمام أحمد - ﵀.
وسبب الترجيح: أن كون الصحابة والنبي - ﷺ - لم يقفوا قبل الزوال لا يعني أنه ليس موقفًا يعتد به بدليل: أن الليل يعتبر موقفًا صحيحًا وزمنًا صحيحًا للوقوف بالإجماع ولم يقف فيه النبي - ﷺ -، ثم يصعب جدًا أن نبطل حج شخص وقف الصبح من ضحى يوم عرفة ثم خرج من عرفة مع وجود هذا الحديث الصريح أن الإنسان إذا وقف من فجر يوم عرفة إلى فجر ليلة مزدلفة أن حجه صحيح (وقد وقف في عرفة ليلًا أو نهارًا)، فالحديث يساعد الإمام أحمد بوضوح وتأويلهم للحديث وتخصيصهم له بما بعد الزوال بمجرد فعل النبي - ﷺ - والصحابة لا يكفي، لكن: إذا سمعت هذا الخلاف عرفت أن من لم يقف إلا قبل الزوال فقد خاطر وعرض حجه للفساد لقوة الخلاف جدا وأن ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة وجيه وقوي ويتعين الاحتياط في مثل هذا الأمر.
- ثم قال - ﵀ -: مبينًا نهاية الموقف:
إلى فجر يوم النحر.
يستمر الوقوف إلى فجر يوم النحر وهذا بالإجماع. فهم اختلفوا في البداية ولم يختلفوا في النهاية.
والدليل على استمرار الوقوف إلى الفجر:
- حديث عروة بن المضرس - ﵁ -.
- وقوله - ﷺ -: (الحج عرفة. فمن وقف قبل أن تذهب ليلة جمع صح حجه). وهو حديث إن شاء الله حسن.
- والإجماع.
فلا إشكال إن شاء الله أن من وقف في الليل فحجه صحيح.
- ثم قال - ﵀ -:
وهو أهل له.
[ ٣ / ١٦٤ ]
يعني: وهو أهل للوقوف، والحاج الذي هو أهل للوقوف: هو من اتصف بثلاث صفات:
- أن يكون مسلمًا.
- عاقلًا.
- محرمًا بالحج.
فإذا اتصف بهذه الثلاث فهو أهل للوقوف، وشمل كلام المؤلف - ﵀ - من وقف في عرفة وهو يعلم أن هذه هي عرفة ومن وقف فيها وهو يجهل أن هذه عرفة. فكلاهما حجه صحيح.
واستدل الجماهير على هذا الحكم:
- بأن عروة بن المضرس - ﵁ - أخبر النبي - ﷺ - أنه وقف في كل جبل وتل متحريًا عرفة ولم يخبره النبي - ﷺ - أن وقوفه بلا تعيين لا يجزئ.
وهذا لا إشكال فيه، فإذًا: من وقف في جبل يتحرى يوم عرفة ولم يعلم أنه من عرفة فإن حجه صحيح ما دام في عرفة، وهذا إن تصور في السابق فلا يتصور الآن أبدًا لوضوح المعالم وكثرة الناس فإنه لا يخطئ الإنسان أن هذه من عرفة أو من خارج في الجملة.
* * مسألة/ دخل تحت كلام المؤلف - ﵀ - عدة صور:
ـ الصورة الأولى: النائم. فلا إشكال أن النائب وقوفه صحيح. وإلى هذا ذهب الجماهير والجم الغفير وفيه خلاف ضعيف ضعفه يغني عن سياقه.
ـ الصورة الثانية: المغمى عليه. وهي مسألة مشكلة. فالمغمى عليه محل خلاف بين أهل العلم:
= القول الأول: أن المغمى عليه لا يصح وقوفه. أي: إذا أغمي على الحاج من فجر عرفة إلى فجر مزدلفة ولم يستيقظ أبدًا فإن حجه باطل.
واستدل هؤلاء:
- بأن الوقوف عبادة، بل هو ركن الحج. والعبادة يشترط لها النية ولا تتأتى من المغمى عليه.
= القول الثاني: أن وقوف المغمى عليه صحيح.
- لأن أجزاء الحج لا تحتاج إلى نية خاصة كما تقدم معنا. كما نقوله في أجزاء الصلاة.
= والقول الثالث: التوقف. ولعلها الرواية الثانية. وهي رواية عن الإمام أحمد لكن يبدو لي أنها الرواية الثانية.
في المسألة إشكال. ويتردد الإنسان في صحة حج المغمى عليه أو بطلانه لتعارض الأدلة ولعله توقف الإمام أحمد، لكن من المحققين الذين نصروا صحة الحج الشيخ الشنقيطي - ﵀ - فإنه يرى صحة حج المغمى عليه.
ـ الصورة الثالثة: السكران. والخلاف في السكران كالخلاف في المغمى عليه.
- ثم قال - ﵀ -:
صح حجه وإلاّ فلا.
[ ٣ / ١٦٥ ]
إذًا: ذكرنا النائم وأن الخلاف فيه ضعيف وأيضًا المغمى عليه ثم السكران، وأما المجنون فلا خلاف في عدم صحة وقوفه وممن حكى الإجماع: المرداوي بقوله: (لا أعلم فيه خلافًا) لا بقول: لا نزاع فيه فكأنه ينفي الخلاف بين المذاهب الأربعة، وعلى كل حال: المجنون لا إشكال في عدم صحة وقوفه إنما الخلاف في المغمى عليه والسكران وهو خلاف قوي، والنائم لا إشكال في صحة وقوفه.
-
قوله - ﵀ -:
صح حجه وإلا فلا.
يعني: إذا تحققت فيه الشروط صح حجه وإلا فإن حجه غير صحيح.
- ثم قال - ﵀ -:
ومن وقف نهارًا ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله: فعليه دم.
إذا وقف الإنسان قبل الغروب ثم دفع قبل أن تغرب الشمس ثم رجع:
= فالجمهور أنه إذا رجع فلا دم عليه.
- لأنه رجع قبل أن يتقرر في حقه الدم.
= ومنهم من قال: بل يجب عليه الدم بمجرد الدفع قبل الغروب.
والقول الأول: هو المذهب وهو الصواب.
ـ الصورة الثانية: إذا دفع قبل الغروب ولم يرجع إلا بعد الغروب فيجب عليه دم ولو رجع.
- لأنه رجع بعد ثبوت الدم ولأن الواجب أن يوجد في عرفة حال الغروب.
وهذا هو الصواب ويدل على رجحانه: القياس على من تعدى الميقات ثم أحرم ثم رجع كما تقدم معنا: أن من تعدى الميقات ثم أحرم ثم رجع فإنه يثبت الدم في حقه بخلاف من تعدى الميقات ثم رجع قبل أن يحرم.
- قوله - ﵀ -:
ومن وقف نهارًا ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله: فعليه دم.
أفادنا المؤلف - ﵀ - أن الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس واجب، ونحن الآن نريد أن نذكر الخلاف في مسألتين قد يخلط بينهما بعض الناس:
ـ المسألة الأولى: حكم الوقوف في عرفة قبل إلى غروب الشمس.
ـ المسألة الثانية: ماذا يترتب على الخروج من عرفة قبل غروب الشمس.
فإن عددًا من الناس يحكي الخلاف فيهما بمساق واحد وهما مسألتان.
ـ المسألة الأولى: الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس:
= ذهب الجماهير إلى أن الوقوف في عرفة إلى غروب الشمس واجب. فإن تركه فعليه دم وسيأتينا الكلام عن هذا الدم، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ومالك والشافعي في المشهور وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء والجم الغفير من أهل العلم: على أن من خرج من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم.
[ ٣ / ١٦٦ ]
استدل هؤلاء:
- بأن النبي - ﷺ - انتظر إلى أن غربت الشمس ثم دفع. وقد أكد جابر - ﵁ - هذا المعنى تأكيدًا بليغًا فقال: حتى إذا غربت الشمس وذهبت الصفرة وغاب القرص. كأنه يؤكد - ﵁ -: دفع النبي - ﷺ -.
ولو كان يجوز الخروج من عرفة قبل غروب الشمس ولو للضعفة لرخص لهم النبي - ﷺ - كما رخص في ليلة مزدلفة مع العلم أن المشقة الحاصلة في الانتقال من عرفة إلى مزدلفة أكبر من المشقة الحاصلة في الانتقال من مزدلفة إلى منى. وهذا معلوم.
= والقول الثاني: أن الوقوف إلى غروب الشمس ركن من أركان الحج فإن خرج قبل غروب الشمس: بطل حجه. وهو مروي عن الإمام مالك، فالركن عند الإمام مالك يتركب من أمرين: - الوقوف. - وأن تقف إلى أن تغرب الشمس. ليجمع بين الليل والنهار في عرفة.
= والقول الثالث: وهو قول للشافعية: أن الوقوف إلى غروب الشمس: سنة. فإن دفع قبل الغروب فلا حرج عليه.
واستدلوا على ذلك:
- بأنه لا يوجد نص صريح يمنع من ذلك كما أن الوقوف الذي هو الركن تحقق بالوقوف السابق.
والراجح إن شاء الله: مع الجماهير. لظهور السنة في ذلك ظهورًا بينًا. فإن الإنسان إذا طالع الأحاديث جزم بأن النبي - ﷺ - وقف قصدًا وأراد أن لا يخرج أحد من عرفة إلا بعد غروب الشمس.
ـ المسألة الثانية: ماذا يترتب على الخروج من عرفة قبل غروب الشمس.
هذا أيضًا اختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال:
= القول الأول: أن في الخروج دم. شاة تذبح وتوزع على الفقراء.
- لأنه ترك واجبًا من واجبات الحج ومن ترك واجبًا من واجبات الحج فعليه شاة.
= القول الثاني: أن عليه بدنة، وهو قول محكي عن بعض التابعين.
= والقول الثالث: أنه لا شيء عليه. وهو رواية عن الإمام أحمد وقول عند الشافعية، فالإمام أحمد - ﵀ - مع كونه يرى وجوب البقاء إلى غروب الشمس مع ذلك يرى أن من خرج فقد ترك واجبًا ولا دم عليه.
والراجح: أن عليه دم. وهو القول الوسط الذي يدل عليه فتوى الصحابة.
-
ثم قال - ﵀ -:
ومن وقف ليلًا فقط فلا.
[ ٣ / ١٦٧ ]
المؤلف - ﵀ - يريد أن يتحدث هنا: عمن لم يدرك أي جزء من النهار في عرفة وإنما جاء إليها ليلًا، فإذا جاء إليها ليلًا فلا شيء عليه.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
- الأول: القياس على من كان منزله دون المواقيت. فهذا سيحرم دون المواقيت ولا دم عليه لأنه لم يدرك المواقيت أصلًا.
كذلك الذي يدرك عرفة ليلًا لا دم عليه لأنه لم يدرك جزأ من النهار أصلًا.
- والثاني: أن وجوب الوقوف في عرفة إلى الغروب يتناول من أدركها نهاراَ.
وهذا الدليل إذا تأملت تجد أنه استدلال بنفس القول. فهو يقول: (لا يجب على من وقف ليلًا) لأنه لم يدرك النهار، والدليل: أن من لم يدرك النهار لا يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، فهو استدلال بنفس القول.
إذًا العمدة على التعليل الأول وهو تعليل وجيه. وهو أن من لم يدرك النهار لا يجب عليه أصلًا الوقوف لأنه ليس من أهل وجوب الوقوف كما نقول فيمن مكانه ومنزله دون المواقيت.
- ثم قال - ﵀ -:
ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة بسكينة.
قوله: (ثم يدفع بعد الغروب) يعني: وجوبًا.
- لما تقدم في حديث جابر - ﵁ - أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع من عرفة إلا بعد غروب الشمس وذهاب القرص تمامًا.
فهذه العبارة مستندها النص الصريح.
- ثم قال - ﵀ -:
إلى مزدلفة بسكينة.
يعني: أنه يسن للإنسان في ذهابه من عرفة إلى مزدلفة أن ينتقل بسكينة.
- لقول النبي - ﷺ -: (السكينة السكينة) يعني عليكم أو الزموا السكينة، وظاهر الحديث وظاهر كلام الفقهاء أن الانتقال بسكينة سنة مطلقًا ولو بدون زحام، وهذا صحيح.
والسكينة لا تنافي الإسراع أحيانًا، لأن السكينة كما تقدم معنا من صفات أعضاء البدن. والإسراع من صفات البدن جملة. فيستطيع الإنسان أن يسرع ببدنه مع السكينة.
- ثم قال - ﵀ -:
يسرع في الفجوة.
النبي - ﷺ - أردف أسامة فأخبر أسامة في قوله في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ – (كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص).
ومعنى قوله: (نص) أي أسرع. (العنق) يعني بسهولة وتؤده.
[ ٣ / ١٦٨ ]
الحديث نص في أن الإنسان إذا وجد مجالًا وفجوة فإنه يسرع الإسراع المعتدل وإذا لم يجد فإنه يمشي ببطء، والسنة في حال انتقاله من عرفة إلى مزدلفة أن يكثر من ذكر الله.
- لقوله تعالى: - (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) -[البقرة/١٩٨].
هكذا ذكر بعض الفقهاء. لكن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر ظاهر لأن في الآية: - (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٨].فالمقصود بالآية الذكر عند المشعر الحرام لا أثناء الانتقال، وإذا لم يصح الاستدلال بالآية فإنه لا يوجد في السنة شيء صريح في ماذا يصنع الإنسان أثناء الانتقال من عرفة إلى مزدلفة. والذي يظهر لي أن المستحب الإكثار من الاستغفار، ودليل ذلك: أن قاعدة الشرع. (الاستغفار في نهاية الأعمال)، وعرفة ركن الحج الأعظم فإذا انتهى منه فينبغي أن يستغفر لما وقع فيه من تقصير أو إخلال أو خطأ.
- ثم قال - ﵀ -:
ويجمع بها بين العشائين.
يفهم من كلام المؤلف أن السنة أن يؤخر الإنسان صلاة المغرب إلى أن يصل إلى مزدلفة، فإن صلى قبل أن يصل إلى مزدلفة فقد خالف السنة مخالفة ظاهرة، ولكن صلاته عند الجماهير وعامة العلماء صحيحة.
والسنة أيضًا أن الحاج إذا وصل إلى مزدلفة فإنه يبادر بصلاة المغرب قبل أن يحط الرحال ثم إذا انتهى من المغرب حط الرحال ثم صلى العشاء. كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - صنع ذلك.
بقينا في مسألة مشكلة وهي:
هل المشروع في حقه أن يؤذن ويقيم أو أن لا يؤذن ولا يقيم مطلقًا أو ماذا يصنع؟
هذا فيه خلاف بين أهل العلم:
= القول الأول: أن المشروع في حقه أن يؤذن أذانًا واحدًا ويقيم لكل صلاة. وهذا ما ذكره جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى بأذان وإقامتين.
= القول الثاني: وهو القول الذي استقر عليه قول الإمام أحمد أن المشروع أن لا يؤذن وأن يقيم إقامتين.
واستدل على ذلك:
[ ٣ / ١٦٩ ]
- - بأن أسامة - ﵁ - أخبر بأن النبي - ﷺ - لم يؤذن وإنما أقام إقامتين. وأسامة أقرب إلى النبي - ﷺ - من جابر فهو رديفه - ﵁ - فهو أعلم بالحال من جابر - ﵁ -.
= القول الثالث: أنه يقيم إقامة واحدة للصلاتين.
- وهذا ثابت في حديث ابن عمر - ﵁ - في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - أقام إقامة واحدة للصلاتين.
قال بعض الفقهاء أي: مع الأذان، الحديث الذي في مسلم ليس فيه أنه أذن وأقام إقامة واحدة ولكن فيه أنه أقام إقامة واحدة لكن الفقهاء قالوا: يقصد مع أذان. فيؤذن ويقيم إقامة واحدة.
= والقول الرابع: أنه يؤذن لكل صلاة ويقيم لكل صلاة. والقول الرابع: أضعف الأقوال إذ ليس له دليل.
وأقوى الأقوال القول الذي استقر عليه الإمام أحمد - ﵀ - والقول الذي ذكره جابر - ﵁ -.
وكما ترون: المسألة مشكلة: فجابر - ﵁ - يثبت وأسامة - ﵁ – ينفي، فهل نقول: المثبت مقدم على النافي؟ أو نقول: إن أسامة أقرب كما قال الإمام أحمد وأعلم بحال النبي - ﷺ - وقد نفى عن علم. ولعل جابر - ﵁ - ذكر الأذان باعتبار الغالب من حاله أن النبي - ﷺ - كان إذا جمع الصلاة يؤذن أذانًا واحدًا ويقيم لكل صلاة فجرى على غالب حال النبي - ﷺ - لا عن سماع ورؤية. ففيه احتمال كبير، لكن الأقرب أن لا ننسب جابر إلى الوهم وأن نقول أن أسامة - ﵁ - مع قربه من النبي - ﷺ - لم يسمع الأذان لأي عارض.
وإذا عرفنا الخلاف عرفنا أن بعض الناس الذين ينكرون على الذين يصلون بلا أذان أنهم ينكرون بجهل لأن الصلاة بلا أذان مجرد الإقامتين قول قوي وهو الذي استقر عليه رأي الإمام أحمد وهو قول وجيه جدًا كما ترون.
لكن مع ذلك الأقرب إن شاء الله أن الإنسان يؤذن أذانًا واحدًا ويقيم لكل صلاة.
-
ثم قال - ﵀ -:
ويبيت بها.
أي في المزدلفة. المبيت في مزدلفة واجب = عند الحنابلة.
- لأن النبي - ﷺ - بات بها وقال: (خذوا عني مناسككم).
[ ٣ / ١٧٠ ]
= والقول الثاني: أن المبيت في مزدلفة سنة. فإذا مر بها وخرج فلا شيء عليه.
= والقول الثالث: أن المبيت في مزدلفة ركن وإلى هذا ذهب عدد من المحققين منهم: ابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم ﵏.
واستدلوا:
- بحديث عروة بن المضرس فإن النبي - ﷺ -: علق تمام الحج على إدراك الصلاة والوقوف عند المشعر الحرام.
- واستدلوا: بقوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) -[البقرة/١٩٨] فأمر به نصًا.
والراجح: هو القول الوسط بين القولين أنه واجب.
لكن كما نبهتكم مرارًا أن حكاية الخلاف تثمر عند طالب العلم الاحتياط وأنتم سمعتم الآن أن بعض أهل العلم من المحققين: كابن المنذر والذي اختياراته غاية في الدقة وهو يرى أنه ركن. فمثل هذا الخلاف والسياق يثمر عند الإنسان الاحتياط الواجب وأن يعلم أنه يأمر بحجه إذا ترك الوقوف جملة.
* * مسألة/ ذهب شيخ الإسلام - ﵀ - وقرر هذا بأدلة كثيرة وانتصر له كثيرًا أن الوقوف في مزدلفة لا ينتهي بطلوع الفجر وإنما يستمر إلى قرب طلوع الشمس.
وذكر لهذا عدة أدلة كثيرة: منها:
- أن المقصود الأعظم هو الوقوف والدعاء فكيف نخرج وقت الوقوف والدعاء من جملة المبيت أو من جملة الوقوف بمزدلفة.
وهذا القول هو الراجح.
بناء على هذا القول: الحجاج الذين لا يدركون ليلة مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر فلا حرج عليهم: - لأنهم جاءوا إلى مزدلفة قبل خروج وقت الوقوف بينما على المذهب إذا جاءوا بعد الفجر كما سيأتينا فعليهم دم.
وعلى هذا القول الذي اختاره الشيخ - ﵀ - لا شيء عليهم وهو قول قوي ووجيه.
- ثم قال - ﵀ -:
وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم: كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله.
لما بين المؤلف - ﵀ - حكم النزول في المزدلفة والمبيت بها وأخذنا الخلاف في حكم هذه المسألة انتقل إلى المسألة الأخرى وهي:
ـ القدر الواجب من المبيت. وبين المسألتين فرق ظاهر.
اختلف الفقهاء في القدر الواجب من المبيت في مزدلفة:
= القول الأول: وهو مذهب الحنابلة والجمهور أن القدر الواجب إلى نصف الليل.
[ ٣ / ١٧١ ]
فإن خرج بعد نصف الليل فلا حرج عليه سواء خرج بعذر أو بغير عذر.
واستدل الحنابلة على هذا القول بثلاثة أحاديث:
- الأول: حديث أسماء حيث كانت تأمر من يرقب القمر فإذا غاب دفعت. وقالت: ﵂: أذن للضعن - وهو جمع ضعينة وهي: المرأة -. فتخبر أن هذا الخروج كان بإذن النبي - ﷺ -.
- الثاني: حديث ابن عمر أنه كان يرخص لبعض أهله ويقول - ﵁ - أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ -.
- الثالث: أن سودة - ﵂ - استأذنت النبي - ﷺ - وكانت امرأة ثقيلة فأذن لها،
- والرابع: حديث ابن عباس - ﵁ -
(الأذان).
- حديث ابن عباس وهو أن النبي - ﷺ - رخص له أن يخرج بليل.
وهذه الأحاديث التي ذكرت كلها صحيحة في الصحيح، ففي هذه الأحاديث جواز الخروج من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الفجر.
وأما التحديد بالنصف: فقالوا: أن قول ابن عباس: (بليل) وقول أسماء (بعد غروب القمر) أقرب ما يحد به نصف الليل.
وعلمنا من هذا التعليل أنه ليس مع الحنابلة دليل واضح لهذا التحديد.
= القول الثاني: أن الواجب هو الوقوف بعد طلوع الفجر ولو للحظه إلى قبيل طلوع الشمس. وأما الليل فليس وقتًا للوقوف ولا يجب وإنما شرع النوم فيه للتقوي لهذا الموقف الذي هو بعد طلوع الفجر.
= والقول الثالث أن هذا الوقوف ليس بواجب ولا سنة ولا مشروع وإنما هو منزل نزله النبي - ﷺ - بين عرفة ومنى، وهو من عجائب الأقوال.
= والقول الرابع: أن الواجب المكث في مزدلفة قدر تنزيل الرحل فإذا خرج بعد ذلك فلا حرج عليه.
= والقول الأخير: وهو الذي مال إليه ابن المنذر وغيره من المحققين أن الوقت للضعفة إلى غروب القمر فإذا غرب القمر خرجوا. والوقت بالنسبة للأقوياء إلى طلوع الفجر ..
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
[ ٣ / ١٧٢ ]
شرح كتاب المناسك الدرس رقم (١٢)
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
- قال - ﵀ -: