هذا الباب من كتاب الزاد هو أهم باب على الإطلاق لأنه يتعلق بالصلاة والصلاة هي أهم مباحث كتاب الزاد واهم مباحث الفقهاء وإنما اعتبرنا هذا الباب هو أهم الأبواب لمزيد عناية الشارع بالصلاة والتأكيد عليها وفزع النبي - ﷺ - إليها وكونها فرضت في السماء وأهمية الصلاة لا تخفى على مسلم.
فإن قيل: الأبواب السابقة أيضًا في الصلاة فهي في شروط الصلاة؟
فالجواب: أن هذا صحيح لكن الباب الذي يتحدث عن ماهية الصلاة والأعمال داخلها أهم من الأبواب التي تتحدث عن الشروط التي تسبق الصلاة.
فمن هذه الجهة صار باب صفة الصلاة أهم من الأبواب السابقة له وإن كانت تتعلق بالصلاة أيضًا.
ومما يؤسف له أن عامة المسلمين اليوم لا يؤدون الصلاة كما كان النبي - ﷺ - يؤديها.
ونظرة سريعة إلى المصلين في المساجد تنبئك عن حال الناس اليوم في معرفة صلاة النبي - ﷺ - والإخلال بها من قبل عامة الناس.
ويزيد الأمر سوءًا أن يقع هذا الإخلال من طلبة العلم الذين يفترض فيهم وبهم أن يفقهوا صفة الصلاة تمامًا وأن يدرسوها ويقرؤوا الأحاديث التي تعتني ببيان كيفية صلاة النبي - ﷺ -.
وكذلك لو نظر الإنسان إلى صلاة طلبة العلم لوجد أنها صلاة فيها كثير من الأخطاء والتجاوز السرعة الإخلال بالسنن.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقد نظرت أنا إلى كثير من إخواننا في مناسبات مختلفة وهم يصلون فراعني وأحزنني جدًا كيفية الصلاة التي يصلون عليها لا سيما بالذات ما يتعلق بالطمأنينة. فإنك تجد بعض الناس يصلي ولا تدري هل هو يصلي أو لا يصلي من كثرت الحركة.
وأنا ذكرت مثالًا - لكثير من الإخوان - لأنه يحزنني جدًا وهو أن الفقهاء ذكروا أن من ضوابط الطمأنينة والخشوع أن من يصلي إذا رأيته وحسبت أنه لا يصلي فقد أخل بشرط الطمأنينة وهو ركن من أركان الصلاة وكنت إذا مرَّ عليَّ هذا الكلام أو هذا الضابط عند الفقهاء أستغرب أن يوجد إلى هذه الدرجة أن لا يميز الإنسان هل هو يصلي؟ أو لا يصلي؟ من كثرت حركته حتى نظرت مرَّةً من المرَّات في أحد المساجد إلى شخص يصلي وقد والله ظننت أنه لا يصلي إلى أن ركع فعلمت أنه يصلي وقبل كنت لا أشك أنه لم يبدأ بالصلاة من كثرت حركته وعدم إقباله على الله إلى آخره
وهذه الهيئة لا شك أنها تخالف سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه وتعلمون كلكم يعلم القصص الكثيرة عن صلاة الصحابة لا سيما صلاة أبي بكر الصدِّيق ﵁ وأرضاه وكثير من السلف الذين كانوا يصلون صلاة تشبه صلاة النبي - ﷺ - ومن أكثر هذه القصص لفتًا للانتباه ما روي أن رجلًا دخل البصرة لزيارة الحسن البصري ﵁ ورحمه وكان لا يعرف وجهه فقال لرجل في الشارع كيف لي بالحسن؟ أين أجد الحسن؟ فقال أدخل هذا الجامع يقصد جامع البصرة وابحث عن أحسنهم صلاة وأكثرهم طمأنينة فسيكون هو الحسن البصري.
فسيستدل عليه لا بشكله وإنما بهيئته في الصلاة.
نسأل الله ﷾ أن يعيننا على الخشوع والطمأنينة كما نسأله أن يعيننا فقه هذا الباب وأن يوفقنا فيه لإصابة الحق مما اختلف فيه أهل العلم.
• قال رحمه الله تعالى
«باب صفة الصلاة»
الصفة هي: الهيئة صفة الشيء أي هيئة الشيء ومقصود الفقهاء بصفة الصلاة أي الكيفية التي تصلَّى بها الصلاة على جهة التفصيل لا الإجمال.
والعمدة في معرفة صفة الصلاة قول النبي - ﷺ - «صلوا كما رأيتموني أصلي» فأمر أمرًا عامًَّا بالاقتداء به اقتداء خاصًا.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وباب صفة الصلاة ذكره المؤلف بعد باب شروط الصلاة لأن هذا هو الترتيب المنطقي والطبعي وهو أن يذكر الشرط قبل ذكر المشروط وهذا الترتيب شرعي وعقلي ومنطقي.
•
قال ﵀:
يسن القيام عند: «قَدْ» من إقامتها
المؤلف ﵀ سيذكر في هذا الباب السنن والواجبات والأركان والمكروهات وكل ما يتعلق بالصلاة على جهة التفصيل ثم يعقد بابًا خاصًَّا للأركان والواجبات والمكروهات إلى آخره تفصيلًا.
لكنه في هذا الباب سيذكر كل ما يفعله المصلي سواء كان واجبًا أو مسنونًا أو ركنًا أو غير ذلك.
• يقول ﵀:
«يسن القيام عند: قَدْ من إقامتها» أي عند قول المقيم: قد قامت الصلاة.
والمؤلف يريد بهذه العبارة بيان الوقت الذي يستحب فيه أن يقوم المصلي.
وفي هذه المسألة تفصيل فهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يقيم المؤذن الصلاة والإمام لا يرى في المسجد – ليس موجودًا في المسجد.
ففي هذا القسم لا يقوم المصلي إلا إذا رأى الإمام لما في الصحيحين من حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني».
القسم الثاني: أن يكون الإمام موجودًا يرى وفي هذا القسم اختلف الفقهاء على أقوال:
القول الأول: وهو المذهب أن المصلي يقوم إذا قال المقيم قد قامت.
والقول الثاني: أن المصلي يقوم إذا بدأ المقيم بالإقامة وهذا مذهب الأحناف.
والقول الثالث: أن المصلي ليس لقيامه حدًَّا محدودًا شرعيًا وإنما يختلف ذلك بالمصلي فإن كان ضعيفًا شرع له أن يقوم مبكرًا ليتمكن من تحصيل تكبيرة الإحرام وإن كان قويًَّا فلا بأس بتأخره لأنه يستطيع أن يقوم ويدرك تكبيرة الإحرام.
والخلاصة أنه ليس لهذا القيام حدٌّ معروفٌ شرعًا.
وهذا مذهب الإمام مالك.
وهذا القول الثالث هو أعدل الأقوال.
وأنتم الآن عرفتم أن هذا الخلاف والتفصيل متى؟ إذا كان الإمام يرى إذا كان الإمام لا يرى فالأمر محسوم بالحديث الذي أخرجه الشيخان.
•
قال ﵀:
وتسوية الصف
أي ويسن أن يسوي الإمام الصف الصفوف وتسوية الصفوف سنة بإجماع الفقهاء.
ولكن اختلفوا هل هي واجبة؟ أو ليست بواجبة؟
فالجمهور على أنها سنَّة وهو القول الأول وهو المذهب.
[ ١ / ٣٤٤ ]
والقول الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة.
وهو مذهب الإمام البخاري ﵀ وغفر له – واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
واستدل هؤلاء بالنصوص الآمرة كقوله - ﷺ - «سووا صفوفكم»
وكقوله - ﷺ -: «لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
وهذه النصوص صريحة بالأمر والإيجاب.
وهذا القول هو المتوافق مع ظواهر النصوص.
وعلى القول بالوجوب هل تبطل صلاة من ترك التسوية؟ أو لا تبطل.
أيضًا اختلف فيه الفقهاء ونكتفي فيه بالقول الراجح وهو أن الصلاة لا تبطل بترك التسوية.
وهي مسألة مهمة جدا لكثرة من يترك تسوية الصفوف من الأئمة.
إذا القول الراجح: أنها واجبة ولكن تركها لا يبطل الصلاة.
الدليل الأول أن أنس بن مالك ﵁ دخل المدينة بعد غياب طويل ووجد الناس لا يعتنون بتسوية الصفوف فأنكر عليهم ولم يحكم ببطلان الصلاة.
الدليل الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة للصلاة وليست واجبة في الصلاة.
فتركها لا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
ومع كون هذا القول هو الراجح وهو عدم البطلان إلا أن طالب العلم يعرف من خلال هذا الخلاف خطورة ترك تسوية الصفوف.
المقدار الواجب:
بماذا يحصل تسوية الصفوف؟
تحصل بتطبيق ضابطين ذكرهما الفقهاء – وهي المسألة الثالثة من مسائل تسوية الصفوف.
الضابط الأول:
اعتدال الصف على سمت واحد.
الضابط الثاني: تراص الصف بحيث لا يبقى فيه فرجة.
هذا ضابطان إذا تحققا تحققت التسوية وإذا اختل أي منهما اختلت التسوية.
• قال ﵀:
ويقول: «اللَّه أَكْبَرُ».
أيضًا تتعلق بهذا اللفظ عدة مباحث.
المبحث الأول: أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذا اللفظ وهو قول المصلي: الله أكبر.
وعلى هذا جماهير العلماء من السلف والخلف أن الصلاة لا تنعقد إلا بهذا اللفظ بدليل أن النبي - ﷺ - لم يفتتح الصلاة إلا به ولم يحفظ عنه قط افتتاح الصلاة بغير هذا اللفظ فدلَّ ذلك على تعين هذا اللفظ.
فإذا قال: الله الأكبر أو الله الأعز أو الله الجليل فإن صلاته لم تنعقد.
المسألة الثانية:
الدليل على ركنية التكبير:
له أدله نأخذ دليلًا من القرآن ودليلًا من السنة.
فدليله من القرآن قوله تعالى «وربك فكبر».
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية في الصلاة.
الدليل الثاني وهو من السنة أن النبي - ﷺ - قال للمسيء لصلاته استقبل القبلة ثم كبِّر.
مسألة ثالثة: معنى الله أكبر.
اختلفوا في معناها على قولين:
القول الأول: أن الله أكبر تفسر بتقدير محذوف وهو الله أكبر أي من كل شيء.
وإلى هذا ذهب العلامة سيبويه.
القول الثاني: أن معنى الله أكبر أي من أن يذكر بغير التحميد والتمجيد والتعظيم.
والصواب أن التكبير يشمل المعنيين.
المبحث الثالث:
أن التكبير لا ينعقد في الفريضة إلا من قائم فإن قال التكبير أو قال بعضه قبل أن يستتم قائمًا انقلبت الفريضة إلى نافلة إن اتسع الوقت وإن لم يتسع لزمه قطع الأولى واستئناف الفريضة.
•
قال ﵀:
رافعًا يديه
أي أنه يسن لمن أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام أن يرفع يديه وهذه السنة وهي رفع اليدين لتكبيرة الإحرام ثابتة بإجماع الفقهاء ورواها عدد كبير من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة ﵏ ورضي الله عنهم وأرضاهم.
بل قال الشافعي: لم يرو سنة عدد من الصحابة كما رويت هذه السنة.
فهي سنة متواترة عن النبي - ﷺ -.
بقينا في مسألة وهي: متى يرفع اليدين بالنسبة للتكبير؟
فمذهب الحنابلة– كما ترون –ويفهم من عبارة المؤلف أن التكبير يقترن برفع اليدين.
فيرفع ويكبر في وقت واحد واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - كبَّرَ ورفع يديه.
ففهموا من هذا المقارنة.
والقول الثاني: أن الرفع يكون قبل التكبير فيرفع يديه ثم يكبر.
واستدل أصحاب هذا القول برواية لحديث ابن عمر وفيه: رفع يديه ثم كبَّر.
والقول الثالث: أن التكبير يسبق الرفع لما جاء في حديث مالك بن الحويرث في مسلم أنه كبر ثم رفع.
إذًا إذا أردنا أن نلخص الأقوال:
كبر ورفع في وقت واحد.
رفع ثم كبر وهو في حديث ابن عمر.
كبر ثم رفع وهو في حديث مالك بن الحويرث.
أغرب هذه الصفات الصفة التي جاءت في حديث مالك بن الحويرث ولذلك لا تكاد تجد أحدًا من الفقهاء يقول بهذه الصفة.
لكن هذه الصفة ثابتة في حديث مسلم وإذا كانت ثابتة في حديث مسلم فإن الإنسان في سعة من أمره أن يأخذ بها إن شاء الله.
[ ١ / ٣٤٦ ]
وعمل عامة الناس إما على حديث ابن عمر الذي يوافق مذهب الحنابلة أو على رواية ابن عمر الأخرى وهي التي توافق القول الثاني.
أما أن يقول الإنسان الله أكبر ثم بعد قليل يرفع قليل من الناس من يعمل هذه الصفة ففي الحقيقة فيها غرابة لكن مادام أنها ثابتة في حديث مالك بن الحويرث فالإنسان كما قلت في سعة أن يعتمدها.
والقول الرابع: أن السنة التنويع واختار هذا القول من العلماء المحققين الشيخ ابن مفلح في الفروع وقوله هو الأقرب: أن الإنسان يفعل هذا تارة وهذا تارة.
• قال ﵀:
مضمومتي الأصابع
يعني أنه يسن لمن أراد أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام أن يضم أصابعه هكذا.
الدليل قالوا الدليل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان يكبر رافعًا يديه مدًَّا.
وجه الاستدلال في هذا الحديث أن المصلي إذا مدَّ يديه فإن هذا يؤدي في الغالب إلى ضم الأصابع.
والقول الثاني في هذه المسألة وهو مذهب الشافعية أن السنة نشر الأصابع لا الضم.
واستدلوا على ذلك بأن النبي - ﷺ - كان إذا كبَّر نشر أصابعه وهذا الحديث ضعيف.
ولو قيل أن مسألة ضم أو تفريق الأصابع الأمر فيها فيه سعة وليس في هذا تحديد لكان قولًا حسنًا جدًا لأنه ليس في السنة ما يثبت الضم أو التفريق لكن هذا القول الثالث لم أجد من قال به ولو قيل به لكان قولًا متجهًا جدًا فإن كان قيل بهذا القول فهو الراجح وإن كان العلماء اختلفوا على قولين فقط الضم والتفريق فالضم هو الصواب.
• ثم قال ﵀:
ممدودة حذو منكبيه
إذًا مع الضم السنة المد ودليل المد هو الحديث السابق كما هو ظاهر وهو حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه ممدودة.
ففي هذا دليل على أن الأصابع أثناء التكبير تضم وتمد.
واستدلوا على بأن هذه الصفة الضم والمد أقرب للخشوع من النشر والطوي وهذا صحيح ولذلك تجد غالب من يكبر بدون مد وبدون ضم ينسب إلى نوع من الاستهانة بالتكبير لأن صفته وهيئته لا تدل على الخشوع والعناية بالصلاة فهذا المعنى يؤيد مذهب الحنابلة.
• ثم قال ﵀:
«ممدودة حذو منكبيه»
[ ١ / ٣٤٧ ]
يعني أن السنة أن يكون الرفع بحيث تكون اليد حذو المنكب وهذه الهيئة جاءت في حديثين صحيحين.
الحديث الأول: حديث أبي حميد الساعدي.
والحديث الثاني حديث ابن عمر.
ففي كل من الحديثين أن النبي - ﷺ - كان يرفع إلى أن يحاذي بيديه منكبيه - ﷺ -.
والقول الثاني أن الرفع إلى محاذاة الأذنين.
لما في حديث وائل بن حجر أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه إلى أذنيه - ﷺ -.
والقول الثالث: أن المصلي مخير فأحيانًا يرفع إلى المنكبين وأحيانًا إلى الأذنين.
فائدة: كان الإمام أحمد ﵀ يقول بالتخيير بين الرفع إلى الأذنين أو إلى المنكبين ولكنه يميل ويحب الرفع إلى المنكبين وعلل ذلك بقوله أن أحاديث الرفع إلى المنكبين أكثر وأصح وأشهر مع صحة حديث الرفع إلى الأذنين.
إذًا هو يرى التخيير ولكنه يحب ويقدم الرفع إلى المنكبين ولذلك نقول المستحب للإنسان أن ينوع تارة إلى الأذنين وتارة إلى المنكبين ولكن يكون الأغلب عليه إلى المنكبين لكثرة أحاديثه وشهرتها وصحتها.
كالسجود
أي كما يفعل في السجود فإنه في السجود يضع يديه حذو منكبيه – سيأتينا التفصيل في هيئة السجود لأن المؤلف سينص عليها.
• ثم قال ﵀:
ويسمع الإمام من خلفه
أي أنه يسن أن يسمع الإمام المأمومين التكبير فهذا عند الحنابلة بل عند الجمهور بل الجماهير كما سيأتينا سنة.
لقول النبي - ﷺ - فإذا كبر فكبروا.
والقول الثاني أن الجهر بالتكبير واجب والتعليل أن اقتداء المأموم بالإمام لا يتم إلا بذلك.
وهذا القول اختاره شيخنا ﵀ وغفر له الشيخ محمد العثيمين.
ولكن يشكل على هذا القول مسألة واحدة وهي أن الفقهاء يحكون الإجماع على الاستحباب وممن حكى الإجماع الشيخ النووي في كتابه المجموع.
فإذا لم يثبت الإجماع وصار في المسألة خلافًا فإن الراجح ما قاله شيخنا من أن هذا واجب وليس سنة فقط.
[ ١ / ٣٤٨ ]
لأنه في الحقيقة لا يحصل الاقتداء والإئتمام على الوجه المطلوب إلا بالجهر بالتكبير وأسماع المصلين واستدل شيخنا على الوجوب بدليل آخر وهو أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يبلغ المأمومين تكبيرات النبي - ﷺ - ولو لم يكن تبليغ المأمومين واجبًا لما فعله أبو بكر الصديق ﵁.
في الحقيقة الأدلة التي ذكرها قوية جدًا وواضحة لكن فقط يشكل عليها هذه المسألة وهي حكاية الإجماع.
• ثم قال ﵀:
كقراءَته في أولتي غير الظهرين.
أي كما يسن أن يسمع من خلفه بالتكبير كذلك يسن أن يسمعهم القراءة في صلاة العشاء والمغرب والفجر.
والجهر بهذه الصلوات بالقراءة سنة لدليلين.
الأول: الإجماع فقد أجمع الفقهاء أن الجهر فيها سنة.
الثاني: فعله - ﷺ - فقد كان يجهر بالقراءة في هذه الصلوات.
انتهى الدرس
[ ١ / ٣٤٩ ]
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀
وغيره نفسه
يعني ويسمع غير الإمام نفسه - وهو المنفرد والمأموم فالمنفرد والمأموم يجب عليهما أن يسمعا أنفسهما
والدليل على هذا الحكم أنه لا يسمى الكلام كلامًا إلا إذا كان مع الصوت والصوت حده ما يتأتى سماعه بلا عذر
بناء على هذا إذا لم يسمع المنفرد والمأموم نفسه أثناء القراءة فإنه لم يقرأ فإذا كان منفردًا وقرأ الفاتحة بلا صوت بطلت الصلاة
والقول الثاني أنه لا يشترط أن يسمع نفسه بل يكتفى بالنطق بالحرف لأن الصوت أمر زائد على النطق ولا دليل على إيجابه
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ وهذا هو الصواب
فائدة مهمة هذا البحث يتعلق بكل ما يشترط له النطق كالطلاق والأذكار وغيرها مما يشترط له النطق فالخلاف فيه كالخلاف في هذه المسألة فإذًا هي مسألة مهمة
[ ١ / ٣٥٠ ]
ومذهب الحنابلة مع كونه مرجوحًا من حيث الدليل فهو مع ذلك يسبب التشويش على الناس فإن المأموم إذا صار يقرأ بصوت يسمع نفسه شوَّش على من بجانبه كما هو مشاهد من بعض الناس الذين يرفعون أصواتهم إذا أرادوا أن يقرؤوا
• ثم قال ﵀
ثم يقبض كوع يسراه
ذهب الجماهير من السلف والخلف إلى أن السنة للمصلي أن يقبض فإن أرسل يديه فقد خالف السنة
واستدلوا على هذا الحكم بنصوص كثيرة أصحها ما أخرجه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال كان الناسي يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة
واستدلوا بما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة
وهذه أحاديث صحيحة ثابتة في البخاري ومسلم
والقول الثاني أن السنة الارسال لا القبض وإلى هذا ذهب الإمام مالك بن أنس والإمام الليث بن سعد رحمهما الله
واستدلوا على هذا القول بأن النبي - ﷺ - لم يأمر المسيء صلاته بالقبض
والجواب على دليلهم من وجهين
الوجه الأول أن النبي - ﷺ - لم يذكر في هذا الحديث إلا الواجبات فقط ونأخذ السنن الكثيرة من الأحاديث الأخرى
والوجه الثاني قاعدة تقدمت معنى كثيرًا وهي من القواعد التي تساعد في الترجيح ومعرفة الحق من الأقوال أن الخاص مقدَّم على العام
فأحاديث الجمهور خاصة بالقبض وحديث المسيء عام في صفة الصلاة
والراجح كما لا يخفى الذي ينبغي المصير إليه أن السنة القبض لا الإرسال
وقد يخلط بعض إخواننا بين هذه المسألة وبين مسألة القبض بعد الرفع من الركوع وهذه مسألة أخرى إذا وصل المؤلف إلى الكلام عليها تكلمنا عنها
الآن عرفنا أن القبض هو السنة وأن الإرسال خلاف السنة
المسألة الثانية كيفية هذه السنة؟
عن الإمام أحمد في هذه المسألة روايتان صحيحتان عنه
الرواية الأولى أن السنة أن يقبض باليمنى على اليسرى على الرسغ والرسغ هو العظم الذي يفصل الكف عن الذراع
[ ١ / ٣٥١ ]
وهذه الرواية هي المذهب وقول المؤلف يقبض على كوعه لا يختلف مع ما ذكرته من القبض على الرسغ وإنما عبَّرت بالرسغ لأنه هو المروي عن الإمام أحمد ولأنه أدق ولكن هذا لا يختلف عما ذكره المؤلف لأن الكوع هو العظم الذي يلي الإبهام فهو والرسغ واحد فمن قبض على الرسغ فقد قبض على الكوع
دليل هذه الرواية حديث وائل بن حجر في مسلم أن النبي - ﷺ - وضع يده اليمنى على اليسرى وفي رواية أخرجها الدارقطني في سننه قبض بيمينه على شماله
الرواية الثانية أن السنة أن يضع يده اليمنى على الكف والرسغ والذراع لا على الكف ولا على الذراع وإنما هكذا
ودليل هذه الرواية أيضًا لفظ في حديث وائل بن حجر أنه قال ووضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد
ودليل هذه الرواية ايضًا اللفظ الذي في مسلم وهو أنه وضع يده اليمنى على اليسرى
وليس عن الإمام أحمد فيما أعلم رواية سوى هاتين الروايتين
وذهب بعض الفقهاء إلى أن للقبض صفة ثالثة وهي أن يضع يده اليمنى على الذراع
واستدل على هذا باللفظ الذي أخرجه مسلم عن سهل الساعدي ﵁ أنه قال ووضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى
ولكن في النفس من ثبوت هذه الصفة شيء بل الأقرب عدم ثبوتها أولًا لأنه لم يذكر أحد من متقدمي العلماء هذه الصفة – فيما أعلم – ثانيًا لما أراد الحافظ بن حجر أن يشرح حديث سهل في البخاري ووصل إلى هذه اللفظة وهي وضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى قال وأبهم الراوي موضع القبض وفصلته الأحاديث الأخرى
فهو لا يرى أن هذه الصفة مقصوده أو هذا الفظ مراد للراوي فلذلك يعتبر أن الصحابي الجليل سهل في هذه الرواية أبهم
وإن تمسك أحد بظاهر النص وعمل به واعتبر هذه الصفة صفة ثالثة فلا حرج عليه إن شاء الله
• ثم قال ﵀
تحت سرته
لما بين المؤلف أن السنة القبض وبين كيف يقبض بيده اليمنى على يده اليسرى أراد أن يبين الموضع الذي يضع عليه يديه فقال تحت سرته
وهذا مذهب الحنابلة المذهب الاصطلاحي والأحناف أن الإنسان يقبض تحت السرة
والقول الثاني أن القبض يكون فوق السرة وتحت الصدر وهو مذهب الشافعية
[ ١ / ٣٥٢ ]
القول الثالث أنه يضع حيث شاء وأن المصلي مخير وهذا رواية عن الإمام احمد واختارها الحافظ الكبير الترمذي واختارها أيضًا الشيخ الفقيه المجد ابن تيمية واستدلوا بأنه ليس في السنة الصحيحة ما يدل على موضع وضع اليدين
وهذا القول الاخير هو القول الصحيح وفهم من حكاية الخلاف انه لا يوجد من يقول بسنية وضع اليدين على الصدر وهذا صحيح بل الامام ابو داود صاحب السنن سئل الامام أحمد عن وضع اليدين على الصدر فكرهه
فوضه اليدين على الصدر عند الإمام أحمد حكمه مكروه
لأنه لم يرد ولما فيه من التشدد الغير وارد في الشرع
فإذًا لا يشرع أن يضع الإنسان يديه على صدره ولا قائل بذلك بل قيل بالكراهة
فإن قيل أليس في هذا الباب حديث صحيح يدل على موضع وضع اليدين من الصدر أو مما تحت الصدر؟
الجواب لا ليس في الباب أي حديث صحيح أي حديث يمرُّ بك يحدد موضع وضع اليدين فهو حديث ضعيف
فإن قلت في حديث وائل بن حجر أنه قال وضع يده اليمنى على اليسرى على صدره
فالجواب هذا صحيح وهو مروي في السنن وهو أقوى ما يستدل به على وضعها على الصدر ولكن مع ذلك هذه اللفظة شاذة منكرة لا تثبت عن النبي - ﷺ - وحديث وائل رواه الإمام مسلم بدون هذه الزيادة
الخلاصة أنه لا يثبت في هذه المسألة حديث صحيح فيضع الإنسان يده حيث شاء
ولكن من المعلوم أن وضع اليدين تحت الصدر وفي المنطقة التي بين الصدر والبطن أنه والله أعلم أقرب للخشوع
• ثم قال ﵀
وينظر مسجده
كما تلاحظ عناية المؤلف العناية الشديدة بتفصيل كل مرحلة من مراحل الصلاة اهتمامًا وتعظيمًا لأمرها
ينظر إلى مسجده أي أن السنة أن ينظر المصلي إلى مكان السجود فإن رفع بصره في قيامه عن مكان السجود فقد خالف السنة
وإن رفع بصره إلى السماء فقد ارتكب محرَّمًا
الدليل على سنية النظر إلى موضع السجود مارواه سعيد بن منصور بإسناده عن ابن سير ين أن النبي - ﷺ - كان يقلب بصره في السماء فلما نزل قوله تعالى والذين هم في صلاتهم خاشعون طأطأ رأسه - ﷺ -
[ ١ / ٣٥٣ ]
وهذا الاسناد صحيح ثابت إلى ابن سيرين ومعلوم ان ابن سيرين من التابعين فهو حديث منقطع لكنه ثابت إلى ابن سيرين أي أنا نجزم أن ابن سيرين نسب هذا الحديث إلى النبي - ﷺ -
وتقدم معنى أن الحديث المرسل الثابت من طريقة الإمام أحمد أن يأخذ به وأنه أولى من أقوال الرجال لا سيما وأنه يجزم هذا التابعي الجليل بنسبته إلى النبي - ﷺ -
وهذا المذهب هو اختيار الجمهور
والقول الثاني وهو مذهب المالكية أن الإنسان ينظر إلى الأمام وهو مذهب ضعيف جدا إذ لا يعتمد على أثر ثم إن فيه تشتيتًا وإشغالًا للمصلي وإبعادًا له عن الخشوع الطمأنينة ولوضح ضعف هذا القول نجد أن محققي المالكية ضعفه واختار مذهب الجمهور وهو الحافظ ابن عبد البر مع كونه مالكيًا إلا أنه يرى أن هذا القول ضعيف وأن الصواب مع الجمهور في أن السنة النظر إلى موضع السجود
واستثنى العلماء من هذا الحكم العام بعض الصور العارضة
فمثلًا في صلاة الخوف إذا كان العدو تجاه القبلة فالمشروع أن ينظر إلى العدو لا إلى موضع سجوده
أيضًا إذا كان الإنسان يخشى على ماله وولده وهم في تجاه القبلة يخشى عليهم من الهلاك أو الضرر فإنه ينظر إليهم ولا ينظر إلى موضع سجوده
وذكروا عدة مسائل مستثناة
ولكن الأصل الثابت الواضح أن السنة في حق المصلي أن ينظر إلى مصلاه
مسألة هل ينظر المصلي إلى مصلاه وإن كان في الجلوس بين السجدتين أو للتشهد الجواب أن هذا موضع خلاف بين الفقهاء
فمنهم من يرى أن المصلي ينظر إلى إصبعه في الجلوس لحديث رواه أبو داوه في سننه أن النبي - ﷺ - كان يصنع هكذا
والقول الثاني أن الانسان ينظر في جميع أجزاء الصلاة إلى موضع السجود
والأقرب النظر إلى اليد إن صح الحديث الذي في سنن أبي داود
• ثم قال ﵀
ثم يقول سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ
السنة بعد أن يقبض الإنسان يديه ويلقي ببصره إلى موضع سجوده أن يبدأ بالاستفتاح
[ ١ / ٣٥٤ ]
وقد روي عن النبي - ﷺ - أنواع عديدة من الاستفتاحات اختار الإمام أحمد منها هذا الاستفتاح المروي عن عمر بن الخطاب ﵁
مع تجويزه ﵀ قول غير هذا النوع من أنواع الاستفتاحات
فيتعلق بهذا عدة مباحث أولًا هذا الحديث المروي عن عمر في الاستفتاح روي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وموقوفًا على عمر بن الخطاب ﵁
والصواب الذي رجحه الإمام مسلم أن هذا الحديث موقوف على عمر ﵁
ولكني لا أشك أنه مرفوع حكمًا لأنه لا يعقل أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحدث ذكرًا في الصلاة ويعلمه الناس ولم يأثره عن النبي - ﷺ -
إذا هو من جهة الاسناد موقوف على عمر لكن له حكم الرفع
المسألة الثانية لماذا رجح الامام أحمد هذا النوع من الاستفتاحات على غيره؟
مع أن البخاري ومسلم أخرجا في صحيحيهما حديث أبي هريرة المشهور أن النبي - ﷺ - كان يستفتح صلاته بقوله اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب الحديث
لماذا اختار الإمام أحمد هذا الحديث على ذاك مع تجويزه قول الامرين
اختاره لسببين
السبب الاول مافيه من تمجيد وتعظيم لله
السسبب الثاني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهذا الاستفتاح يعلمه الناس مما يدل على أهميته واعتناء الصحابة به
مسألة هل المشروع في دعاء الاستفتاح الجهر أو الاسرار؟
الجواب المشروع فيه إجماعًا الاسرار
السؤال لماذا إذا جهر به عمر بن الخطاب الجواب ليعلمه للناس
وباعتبار أنا نتكلم عن الجهر والاسرار فينأخذ قاعدة في هذه المسألة وهي أن كل ما يشرع أن يجهر به وكل مايشرع أن يسر به فهو على سبيل السنية
فمثلًا المشروع في قراءة الركعة الأولى والثانية من صلاة المغرب الجهر أو الاسرار؟ الجهر فهذا الجهر هو مشروع على سبيل السنية والاستحباب لا الوجوب
وما حكم الاسرار بقراءة الركعة الثالثة من المغرب؟ سنة
فالاسرار به يسن على سبيل الاستحباب لا الوجوب لدليلين
الأول إجماع الفقهاء على ذلك
[ ١ / ٣٥٥ ]
الثاني أنه هكذا روي عن النبي - ﷺ - أنه جهر فيما جهر به وأسر فيما أسر به
فإن قرأ سرًا في الركعة الأولى من المغرب فقد خالف السنة ولا حرج عليه
وإن جهر في الركعة الثالثة فقد خالف السنة ولا حرج عليه
ومن المعلوم أن هذا وإن قرر علمًا وفقها ودليلًا إلى أنه لا ينبغي أن يعمل به بين الناس
اولًا لأنه مخالفة صريحة للسنة ثانيًا لما يسببه من تشوش وإشكال بالنسبة لعوام الذين لا يعرفون الأحكام الفقهية
•
ثم قال ﵀
ثم يستعيذ
الاستعاذة سنة عند جماهير الفقهاء عند أحمد والشافعي وأبي حنيفة
واستدلوا على سنية الاستعاذة بقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله
والآية عامة في القراءة داخل الصلاة وخارجها
واستدلوا على ذلك بعدة أحاديث لا يخلو شيء منها منن ضعف ولكن هذه الأحاديث باعتبار أن ضعفها يسير مع ما تدل عليه الآية يكفي لإثبات سنية الاستعاذة
والقول الثاني للأمام مالك أن المصلي لا يستعيذ وإنما يشرع بالقراءة واستدل على ذلك بحديث أنس أنه قال كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العاملين والجواب عن الاستدلال بالحديث أن مقصوده يفتتحون القراءة – قراءة القرآن – بالحمد لله رب العالمين وهذا صحيح ولا يمنع ذلك أن يسر بالاستعاذة
والراجح من القولين القول باستحباب الاستعاذة والعمدة في الحقيقة على الآية
ثم لما ذكر الاستعاذة انتقل إلى البسملة فقال
ثم يبسمل سرًا وليست من الفاتحة
ذكر عدة مسائل في البسملة نأخذ هذه المسائل على ترتيب المؤلف ثم يبسمل
أي أن المشروع للمصلي بعد أن يستعيذ وقبل أن يبدأ بالفاتحة أن يبسمل فيقول بسم الله الرحمن الرحيم
وإلى هذا أيضًا ذهب الجمهور واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة أنه ﵁ صلى وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال إني أشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -
ففي هذا الحديث إثبات البسملة وأنه إنما قالها اقتداء بالنبي - ﷺ -
[ ١ / ٣٥٦ ]
والقول الثاني للمالكية وهو أن المصلي لا يذكر بسم الله الرحمن الرحيم قبل القراءة واستدل الإمام مالك ﵀ على ذلك بحديث أنس قال صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يفتتحون القراءة بالحمدلله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها
وهذا نص صريح في نفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
الجواب أن مقصوده ﵁ أنهم كانوا لا يجهرون ببسم الله ويدل على أن هذا مراده الرواية الأخرى عنه وفيها كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم وبهذه الرواية يزول الاشكال وإلا بلى هذه الرواية فإن الحديث مشكل فهو ينفي البسملة صراحة لكن لما جاءات هذه لاالرواية زال معها الاشكال واستطعناأن نجمع بين أقوال الصاحبي الجليل أبي هريرة ﵁
والصواب أن المصلي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم
المسألة الثانية هل يسر بها أويجهر؟
فالحنابلة والجمهور كما ترون يذهبون إلى أن المصلي لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم واستدلوا بدليلين الأول حديث أنس السابق حيث تقدم معنا أن المنفي فيه هو الجهر
والدليل الثاني وهو قوي جدًا ومن أسباب الترجيح في المسألة أنه لا يعقل أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في كل يوم بسم الله الرحمن الرحيم جهرًا في ثلاث صلوات ولا ينقل هذا نقلًا متواترًا ولا يعرفه الخلفاء الراشدون
قال ابن القيم هذا من أمحل المحال – وصدق ﵀ فلا يمكن أي يقع هذا مطلقًا
وذهب الشافعية كمل هو المشهور وكما ترون بعض إخواننا الشافعية إلى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
واستدلوا على هذا بأحاديث كثرة ثبت فيها الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم عن النبي - ﷺ - والجواب عن هذه الأحاديث التي ذكروها إجمالًا من وجهين
الجواب الأول أن الإمام الحافظ الناقد الدارقطني قال لايصح في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حديث قط
الجواب الثاني عن أحاديثهم ماذكره ابن القيم فقال أحاديبثهم صريحة غير صحيحة أو صحيحة غير صريحة
إما أن تكون صريحة في المقصود لكنها ضعيفة غير صحيحة
[ ١ / ٣٥٧ ]
أو تكون ثابتة من جهة الإسناد لكنها غير صريحة يعني لايفهم منها الجهر
والراجح من القولين الاسرار
وإنما ينتفع طالب العلم إذا سمع هذا الخلاف أنه إذا سمع من يجهر عرف أن هذا قول معتبر وأن من ذهب إليه إمام أهل الحديث وهو الشافعي فلا إنكار وإنما الإنسان مقصوده معرفة الحق
•
ثم قال ﵀ وهو المبحث الثالث
وليست من الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم الصواب فيها أنها آية من كتاب الله ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور وإنما أتي بها للفصل بين السور وتذكر قبل كل سورة إلا التوبة
هذا خلاصة الراجح في بسم الله الرحمن الرحيم إذًا هي آية في كتاب الله لكنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور أتي بها للفصل بين السور عدا سورة التوبة
الدليل على هذه الأجزاء الثلاثة
أولًاَ الدليل على أنها آية في كتاب الله استدل الفقهاء على ذلك بأن بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة في المصاحف وقد جرد الصحابة في المصاحف القرآن أي لم يذكروا فيه إلا القرآن
فإذا وجدنا أن الصحابة كتبوا في المصحف بسم الله الرحمن الرحيم وهم لم يكتبوا فيه إلا القرآن علمنا أنها من القرآن آية يعني أن جبريل نزل بها من عند الله وأن الله تكلم بها كما تكلم بغيرها من السور والآيات وتأخذ جميع أحكام المصحف في اليمين والمس وفي كل شيء والقراءة
ثانيًا الدليل على أنها ليست من الفاتحة ما أخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإاذا قال الحمدلله رب العالمين قال حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي الحديث ولم يذكر في أوله بسم الله الرحمن الرحيم ولو كانت من الفاتحة لذكرها
فهذا الدليل على أنها ليست من الفاتحة وهو مذهب الجمهور واختاره ابن تيمية وغيره من المحققين
[ ١ / ٣٥٨ ]
وهذه المسألة وهي - هل بسم الله الرحمن الرحيم من الفاتحة أو لا - ينبني عليها أحيانًا صحة الصلاة وبطلانها لأن الإنسان قد يبدأ في قراءة الفاتحة بقوله الحمد لله رب العالمين فإذا كانت البسملة منها فإن صلاته باطله باعتبار أنه لم يقرأ الفاتحة كاملة
فإذًا هي مسألة مهمة ويحتاج طالب العلم أن يعرف الحق فيها فالأقرب - والله أعلم - أنها ليست من الفاتحة
بناء على هذا كيف نقسم الآيات؟ فإنك إذا فتحت المصحف ستجد أن بسم الله الرحمن الرحيم تأخذ رقم واحد ونحن نعتبر أن الفاتحة سبع آيات بالإجماع فإذا أخرجنا بسم الله الرحمن الرحيم كيف سيكون تقسيم الفاتحة؟
التقسيم سهل وهو أن نقول أن الحمد لله رب العالمين آية ثم تستمر كما التقسيم في المصحف إلى قوله صراط الذين أنعمت عليهم بعد عليهم انتهت الآية السادسة وبدأت الآية السابعة وتبدأ من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين
هذا ليتصور الإنسان عدد الآيات وإلا لا إشكال أنه إذا قرأ من الحمدلله إلى آخرها فقد قرأ الفاتحة كاملة وصلاته صحيحة وإن لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم
ثم بدأ رحمه الله تعالى بمسألة الفاتحة كما ستلاحظ سيذكر عدة مباحث كما تلاحظ في المتن كلها يتعلق بالفاتحة
• ثم قال ﵀
ثم يقرأ الفاتحة
الفاتحة كما أشرت يتعلق بها أحكام كثيرة سيذكرها المؤلف ﵀
الحكم الأول الفاتحة ركن من أركان الصلاة بالنسبة للإمام والمنفرد أما بالنسبة للمأموم فسيأتي بحث هذه المسألة مطولًا عند موضعها إن شاء الله
وهذا مذهب الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها واستدلوا ﵏ على هذا الحكم بقول النبي - ﷺ - في حديث معاذ الثابت الصحيح لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
انتهى الدرس
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال ﵀:
ثم يقرأ الفاتحة
التعليق على هذه المسألة من الدرس الثالث:
بدأنا بالأمس بالمسألة الأولى وهي حكم قراءة الفاتحة:
فنعيد هذه المسألة:
نقول الجمهور يرون من الأئمة من الصحابة ومن بعدهم أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فإن تركها عمدًا أو سهوًاَ بطلت الصلاة.
واستدلوا على ذلك بقول النبي - ﷺ - "" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "" وهو حديث صحيح ومعناه صريح.
واستدلوا أيضًا بحديث أبي هريرة في مسلم أن النبي - ﷺ - قال كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج "" قال ثلاثًا.
وهذه الأدلة صريحة في المقصود وهي صحيحة ثابتة من حيث الإسناد.
القول الثاني: للأحناف أن قراءة الفاتحة سنة فإن تركها وقرأ غيرها من كتاب الله صحت صلاته.
واستدلوا على ذلك بدليلين:
الأول: قوله تعالى «فاقرأوا ما تيسر منه» وجعلووا الآية عامة في الصلاة وخارج الصلاة.
والدليل الثاني: استدلوا بقول النبي - ﷺ - للأعرابي ثم اقرأ ماتيسر معك أي في الصلاة.
وهذا الخلاف خاص بالمنفرد والإمام وأن حكم قراءة الفاتحة للمأموم سيأتي في موضعه وهي مسألة مهمة سنتحدث عنها إذا جاء موضعها من الكتاب.
والراجح من القولين السابقين مذهب الجماهير لصحة وقوة وصراحة ما ستدلوا به فهي أحاديث صريحة في المقصود وصحيحة من حيث الثبوت.
كما أن في هذه الأحاديث زيادة علم وهو تخصيص الفاتحة بالقراءة وزيادة العلم يجب المصير إليها.
ويشترط في قراءة الفاتحة أن تكون متوالية مرتبة والمؤلف ﵀ سيذكر هذين الشرطين وسيبدأ بشرط التوالي:
• فيقول ﵀:
فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال
لزمه أن يعيد قراءة الفاتحة من الأول فيستأنف القراءة ووجوب الإعادة في موضعين:
إما أن يسكت سكوتًا طويلًا أو يذكر ذكرًا طويلًا ويشترط في السكوت وفي الذكر أن لا يكونا مشروعين.
التعليل: لأن في هذا السكوت والذكر الذي قطع به قراءة الفاتحة إخلال بنظم الفاتحة فإذا قرأها على هذا الوجه لم يقرأها كما كان - ﷺ - يقرأها.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وفهم من كلام المؤلف أنه إن قطع القراءة بسكوت قصير أو بذكر قصير فإن القراءة صحيحة ولا يحتاج إلى الإعادة والاستئناف لان هذا السكوت القصير والذكر القصير لا يخل بنظم السورة.
وفهم من كلام المؤلف أيضًا إن قطع الفاتحة بذكر وسكوت طويلين لكنهما مشروعين فإن قراءة الفاتحة أيضًا صحيحة لأنه ذكر وسكوت مشروعين.
من أمثلة الذكر المشروع قول المصلي آمين ومن أمثلة الذكر المشروع تسبيح المصلي لتنبيه الإمام.
ومن أمثلة السكوت المشروع أن يسكت استماعا لقراءة الامام.
فهذه أمثلة للذكر والسكوت المشروعين.
إذًا تبين أن معنا ثلاث صور وجوب الاعادة في صورة واحدة وهي: إذ قطعها بذكر وسكوت طويل وأيضا غير مشروع وهذا هو شرط التوالي لانه في الحقيقة اذا قطعها في ذكر وسكوت طويلين قطع الموالاة.
• ثم قال ﵀:
أو ترك منها تشديدة
في الفاتحة إحدى عشرة تشديدة إن ترك منها واحدة لم تصح قراءة الفاتحة.
التعليل: أن التشديدة بمنزلة الحرف فإذا ترك تشديدة فكأنه ترك حرفًا.
• ثم قال ﵀:
أو حرفًا
أي أو ترك حرفًا فإذا ترك حرفًا واحدًا من الفاتحة وجب عليه أن يعيد.
السبب: أنه إذا ترك حرفًا من الفاتحة فهو في الحقيقة لم يقرأ الفاتحة وإنما قرأ بعض الفاتحة والواجب قراءة الفاتحة بأكملها.
إذا هذا هو تعليل وجوب الإعادة على من ترك حرفًا من الفاتحة.
•
ثم قال ﵀:
أو ترتيبًا:
إذا ترك ترتيب الفاتحة فإنه يجب عليه أن يعيد والإخلال بالترتيب يحصل في صورتين:
الأول: تقديم كلمة على كلمة.
والثاني: قراءة الفاتحة منكسة.
فإن فعل وجبل عليه أن يعيد قراءة الفاتحة لأن من شروط صحة القراءة أن نقرأ كما نزل من الله إلى محمد - ﷺ -.
• ثم قال ﵀:
لزم غير مأموم إعادتها
إذا أخل الإنسان بالموالاة فإنه يجب عليه أن يعيد السورة من أولها لأن شرط الموالاة اختل ولا يمكن الاتيان به على وجهه إلا بإعادة قراءة الفاتحة من أولها.
وإن أخل بالفاتحة بترك تشديدة أو حرفًا أو ترتيبًا ففي وجوب الإعادة عليه تفصيل:
إن كان ترك ذلك عمدً فيجب عليه أن يعيد القراءة من أول الفاتحة.
وإن ترك ذلك بلا تعمد وجب عليه أن يعيد قراءة الكلمة.
[ ١ / ٣٦١ ]
فإذا قرأ كلمة من الفاتحة بلا تشديدة كأن يقرأ الرحمن بلا تشديدة أو الرحيم بلا تشديدة بلا قصد وجب عليه أن يعيد قراءة الكلمة فقط ولا يجب عليه أن يستأنف قراءة الفاتحة من أولها.
وإن ترك ذلك متعمدًا وجب عليه أن يبدأ قراءة الفاتحة من أولها.
هذا إذا لم تبطل صلاته بتعمده ترك حرف من الفاتحة لأنه متلاعب ولكن قد يتصور هذا بسبب التساهل لا بسبب التلاعب كأن يتساهل في النطق ويستعجل عامدًا ويترك حرفًا حينئذ نقول له أعد السورة ولا تعد الكلمة.
أما إذا اجتهد ونطق بالكلمة ناقصة حرفًا بلا تعمد فنقول أعد الكلمة فقط.
الخلاصة إذا ترك هذه الثلاثة أشياء التشديدة أو الحرف أو الترتيب متعمدا وجب أن يعيد قراءة الفاتحة من أولها.
وإذاتركها بلا تعمد وجب أن يعيد الكلمة فقط.
•
ثم قال ﵀:
ويجهر الكل
يقصد بالكل: المأموم والإمام والمنفرد فكلهم يجهرون بآمين والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الإمام غفر له وفي رواية غفر له ما تقدم من ذنبه.
وفي السنن أن النبي - ﷺ - كان إذا أمن ارتج المسجد تأمينًا.
ولكن الذي يظهر أن في إسناد هذا الحديث ضعف.
مسألة: متى يؤمن المأموم؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن المأموم يؤمن مع الإمام فإذا قال الإمام ولا الضالين قال الإمام والمأموم: آمين.
والقول الثاني: أن المأموم يؤمن إذا انتهى الإمام من قوله آمين.
وعلى هذا إذا قال الإمام ولا الضالين يسكت المأموم وينتظر إلى أن يقول الإمام آمين ثم يقول هو بعد ذلك آمين.
واستدل هؤلاء بظاهر حديث أبي هريرة لأنه يقول إذا أمن الإمام فأمنوا.
والصواب القول الأول لأن حديث أبي هريرة ﵁ جاء مفسرًا في صحيح البخاري حيث قال: فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وهذه الرواية وهي - فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين - موجودة في صحيح البخاري لكن المجد في المنتقى نسبها إلى سنن النسائي ومسند الإمام أحمد فوهم بذلك وهي موجودة في صحيح البخاري وهي مرجح قوي للقول الأول وهو دليل على أن عمل الناس اليوم هو الموافق للسنة أنهم يقولون آمين هم والإمام في وقت واحد.
ثم إن في القول الثاني: وهو انتظار قول الإمام آمين إرباك للمصلين كما يشاهد ممن يفعل هذه السنة فإنا لا ندري متى سيقول آمين ولاندري هل سيجهر الإمام بآمين أو لن يجهر إلى آخره فيحصل إرباك بسبب هذا القول.
فالراجح والله أعلم دليلًا ونظرًا مع القول الأول.
•
قال ﵀:
ويجهر الكل «بِآمِيْنَ» في الجهرية
عندكم في نسخة في الجهريات هذه النسخة أصح لوجهين:
أولًا أنها أوضح في المقصود.
ثانيًا هي أرجح من حيث النسخة الخطية لأن النسخة الخطية التي أخذت منها لفظة الجهريات هي النسخة المنقولة عن نسخة الشيخ عبد الله بن با بطين التي صححها هو بنفسه ومعلوم أن الشيخ ﵀ أولًا بارع في الفقه ثانيًا له عناية جدًا بهذا المتن وهذه الأمور ترجح النسخة التي أشرف عليها.
فاجتمعت في هذه الكلمة المرجحات من حيث النسخ الخطية ومن حيث المعنى والأمر سهل لكن على كل حال في الجهريات أحسن.
• ثم قال ﵀:
ثم يقرأ بعدها سورة:
يسن بعد قراءة الفاتحة أن يقرأ الإنسان سورة في الركعتين الأولتين فقط والدليل على قراءة هذه السورة السنة المستفيضة المشهورة عن النبي - ﷺ - "أنه كان يفعل ذلك أي يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية فقط دون الثالثة.
مسألة والسنة أن يقرأ الإنسان سورة كاملة ولا يقرأ بعض سورة والدليل أن هذا هو الغالب على النبي - ﷺ - أنه يقرأ سورة كاملة ولا يقرأ بعض سورة وهذا سنة ويجوز أن يقرأ الإنسان بعض السورة بدليل أن النبي - ﷺ - قرأ الأعراف في صلاة المغرب ومن المعلوم أن قرأ بعضها في الركعة الأولى وبعضها في الركعة الثانية فقرأ في ركعة بعض سورة.
• ثم قال ﵀:
تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه.
[ ١ / ٣٦٣ ]
طوال المفصل من القرآن يبدأ من ق إلى عم.
وأوساط المفصل: من عم إلى والضحى.
وقصار المفصل من والضحى إلى الناس.
فالسنة أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي الفجر بطواله وفي الباقي وهي العشاء والظهر والعصر اوساط المفصل.
والدليل على هذا حديث أبي هريرة أنه قال ﵁ ماصليت خلف رجل أشبه صلاة برسول الله - ﵁ - من فلان قال وكان يقرأ في الفجر بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بأوساط المفصل.
قال الحافظ بن حجر إسناده صحيح.
ويدل على ذلك أيضًا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - كتب إلى أبي موسى كتابا وقال فيه واقرأ في الظهر من أوساط المفصل.
فهذان دليلان على هذا التفصيل الذي ذكره المؤلف.
• ثم قال ﵀:
ولا تصح بقراءَة خارجة عن مصحف عثمان ٠
مصحف عثمان هو المصحف الذي جمعه أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ - وله رسم معين معروف وهو الرسم الموجود بين أيدينا اليوم وتناقلته الأمة بالتواتر العظيم سلفًا عن خلف إلى أن وصل إلينا محفوظًا بحفظ الله كاملًا برسمه الذي رسمه الصحابة.
فإذا رويت قراءة خارجة عن رسم المصحف العثماني فإنه لا يجوز أن نقرأ بها في الصلاة ولو صح إسنادها.
التعليل: لأن هذه القراءة ليست متواترة ولا يصح أن نقرأ في الصلاة بغير المتواتر.
والقول الثاني: أن القراءة إذا صح إسنادها إلى النبي - ﷺ - جازت القراءة بها في الصلاة والاستدلال بها على الأحكام.
وهذا القول اختاره ابن الجوزي واختاره أيضًاَ شيخ الإسلام بن تيمية ﵏.
الدليل: قال شيخ الإسلام: اتفق أئمة السلف على أن مافي مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة التي نزلت على النبي - ﷺ - وأن المصحف لم يستوعب جميع الحروف وقد كان أصحاب النبي - ﷺ - يقرأون في عصره وبعد عصره بالقراءات السبع بالأحرف السبع وكانت صلاتهم صحيحة بلا شك فدل ذلك على أن القراءة بهذه القراءات تصح معها الصلاة.
وهذا القول الثاني: هو القول الراجح بل يظهر لي أنه لا ينبغي القول بخلافه لأننا نجزم أن صلاة الصحابة بالقراءات الخارجة عن مصحف عثمان كانت صحيحة.
[ ١ / ٣٦٤ ]
مسألة: فإن رويت قراءة بإسناد صحيح متوافقة مع الرسم العثماني صحت الصلاة بها ولو كانت خارج القراءات العشر المعروفة.
بهذين الشرطين صحة الإسناد وأن توافق الرسم العثماني حينئذ تصح حتى عند الحنابلة.
انتهى المؤلف من الكلام على القراءة وانتقل إلى الركوع.
• قال ﵀:
ثم يركع
يعني بعد فراغه من القراءة يركع.
وفات المؤلف ﵀ سنة وهي السكتة اليسيرة التي تكون بين القراءة والركوع فإن الإمام أحمد كره أن يصل المصلي القراءة بالتكبير وذلك لما ثبت في السنة أن النبي - ﷺ - كان يسكت قليلًا قبل أن يركع.
وليس في السنة تحديد لمقدار هذه السكتة.
وذهب ابن القيم إلى أنها بقدر ما يرجع النفس للقارئ.
ومن هنا نعلم أن ما يفعله بعض الأئمة من أنهم يصلون القراءة بالتكبير مباشرة أنه خلاف السنة بل كرهه الإمام أحمد.
ثم بعد هذه السكتة كما قال المؤلف: يركع:
والركوع ركن من أركان الصلاة فإن تركه جاهلًا أو ناسيًا بطلت صلاته إلا أن يذكر وهو في الصلاة فإنه يأتي به على تفصيل سيأتينا في باب سجود السهو.
الدليل على ركنيته أن النبي - ﷺ - قال للمسيء ثم اركع حتى تطمأن راكعًا والله ﷾ يقول: «اركعوا واسجدوا».
• ثم قال ﵀:
مكبرًا
يعني أن السنة أن يكبر للانتقال والدليل على تكبير المصلي إذا أراد أن ينتقل من القيامإلى الركوع حديث أبي هريرة الصحيح أن النبي - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة كبر وإذا أراد أن يركع كبر فنص - ﵁ - على أن المصلي إذا أراد أن ينتقل يكبر تكبيرة الانتقال.
مسألة: واختلف الفقهاء في موضع هذه التكبيرة.
فذهب الحنابلة إلى أنه يجب أن يبدأ التكبير مع بداية الانتقال وينتهي من التكبير مع انتهاء الانتقال. فإن خرج شيء من التكبير عن ذلك لم يصح.
التعليل: قالوا: أن خروجه عن ذلك تكبير في غير محله والتكبير في غير محله لا يصح.
[ ١ / ٣٦٥ ]
الوجه الثاني: أن الأمر في هذه المسألة واسع فيجوز أن يبدأ بالتكبير قبل أن يبدأ بالانحناء ويجوز أن يتم بعض التكبير بعد انتهاء الركوع وهذا القول وجه عند الحنابلة واختاره منهم ابن تميم من الحنابلة وعللوا ذلك بأن مراعاة هذا الأمر شاق جدًا وعسر على الناس ولا يكاد يلتزم به مصلي.
وهذا القول الثاني هو القول الصواب لأنه كما قالوا يكاد يتعذر على المصلي أن يراعي هذا دائمًا وأبدًا فمن الصعب أن يلتزم الإنسان أن يبدأ بالتكبير إذا بدأ بالانتقال وينتهي من التكبير إذا انتهى من الانتقال الالتزام بهذا لاشك أنه متعذر أو أشبه ما يكون بالمتعذر.
•
ثم قال ﵀:
رافعًا يديه:
يعني أن السنة لمن أراد أن يركع أن يرفع يديه إذا كبر.
ذهب الجمهور إلى أنه يسن للمصلي إذا راد أن يكبر للركوع أن يرفع يديه واستدلوا على ذلك بأحاديث صريحة صحيحة كثيرة منها حديث ابن عمر - ﵁ - أنه قال أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه إذا استفتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع من الركوع.
ومنها حديث الساعدي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يرفع في هذه المواضع.
والرفع عند الركوع سنة ثابتة.
والقول الثاني أنه لا يشرع للإنسان إذا أراد أن يركع لأنه لم يذكر في حديث المسيء.
وتقدم معنا مرارًا أن النبي - ﷺ - إنما ذكر في حديث المسيء الواجبات فقط.
• قال ﵀ مبينًا ماذا يفعل المصلي بعد الركوع:
ويضعهما على ركبتيه مفرجتي الأصابع
السنة للمصلي
انتهى الدرس
[ ١ / ٣٦٦ ]
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال - ﵀ -
ويقول سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ
يجب عند الحنابلة أن يدعو المصلي إذا ركع بهذا الدعاء سبحان ربي العظيم وهو واجب من واجبات الصلاة كما سيأتينا عند تعداد واجبات الصلاة
والدليل على هذا الحك
حديث حذيفة ﵁ الذي أخرجه مسلم قال وكان إذا ركع أي النبي - ﷺ - يقول سبحان ربي العظيم
والدليل الآخر
حديث عقبة أنه لما نزل قوله تعالى ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قال النبي - ﷺ - اجعلوها في ركوعكم وفي إسناد هذا الحديث ضعف
مسألة والواجب في قول سبحان ربي العظيم مرة
وأدنى الكمال ثلاث
وأقصى الكمال عشر
وقيل لا حد لأكثره
وقيل أن الأمر في عدد التسبيح واسع ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وليس في السنة ما يحدد الكمال وأدنى الكمال
وهذا القول الأخير هو الصواب
مسألة هل يتعين على المصلي أن يسبح بهذا اللفظ؟ فإن سبح بغيره فإنه لا يجزئ
فيه خلاف على قولين
القول الأول أن هذا اللفظ يتعين
لقوله - ﷺ - اجعلوها في ركوعكم
ويصدق هذا عمله - ﷺ - حيث كان يقول في الركوع سبحان ربي العظيم
والقول الثاني أن هذا اللفظ لا يتعين فإن سبح الله بأي صيغة كأن يقول سبحانك أجزأ وهذا مذهب المالكية
واستدلوا
بأنه ثبت في الصحيحين وفي غيرهما أذكار متعددة للركوع كما في حديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان يقول في ركوعه سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي
فدل ذلك على أنه لا يتعين قول المصلي سبحان ربي العظيم
والقول الثاني هو الراجح
والأحوط أن لا يترك المصلي في ركوعه سبحان ربي العظيم اقتداء بالنبي - ﷺ - وخروجًا من الخلاف
مسألة هل يشرع أن يزيد المصلي في ركوعه وسجوده على قوله سبحان ربي العظيم؟
في هذا أيضًا خلاف
فذهب الحنابلة إلى أنه في صلاة الفريضة لا يزيد على هذا اللفظ ويجوز أن يزيد في النافلة
وذهب الشافعي إلى أنه يجوز أن يزيد على سبحان ربي العظيم في الفريضة والنافلة
لأن الأحاديث التي فيها زيادات على هذا الذكر لم تخصص النافلة بهذا الحكم
من أمثلته قول المصلي سبوح قدوس رب الملائكة والروح فقد ثبت أن النبي - ﷺ - كان يقوله وما ثبت في النفل ثبت مثله في الفريضة
وهذا كما قلت لكم مذهب الشافعي
[ ١ / ٣٦٧ ]
ومذهب الشافعي في هذه المسألة أصح من مذهب الحنابلة
مسألة هل يشرع أن يقول المصلي سبحان الله العظيم وبحمده؟ فيزيد كلمة وبحمده
أيضًا اختلفوا فيه على قولين
القول الأول أنه لا يزيد هذه اللفظة
قال الإمام أحمد - ﵀ - أما أنا فلا أقول وبحمده
والقول الثاني أن هذه الزيادة مشروعة
لما جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - كان يقول سبحان الله العظيم وبحمده في ركوعه
والراجح القول الأول وزيادة وبحمده ضعيفه وممن أشار إلى ضعفها الحافظ أبي داود وقد نقول أن إعراض الإمام أحمد عن العمل بها أيضًا يدل على تضعيفها
وعلى كل حال هي زيادة ضعيفة
هذه بعض المسائل التي تتعلق بالتسبيح في الركوع وينبغي أن تعلم أن مثل هذه المسائل ستتكرر معنا في تسبيح السجود فمن المفيد لطالب العلم أن يتقنها
• ثم قال - ﵀ -
ثم يرفع رأْسه ويديه
المشروع للمصلي إذا رفع من الركوع أن يرفع يديه مع التكبير
والدليل على سنية الرفع في هذا الموضع
حديث ابن عمر السابق
ولكن اختلف الفقهاء متى يرفع يديه؟
على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد
القول الأول أنه يرفع يديه مع التكبير
لحديث أبي حميد الساعدي وفيه ثم قال سمع الله لمن حمده ورفع يديه
ولحديث ابن عمر ثم رفع رأسه ورفع يديه كذلك
والرواية الثانية عن الإمام أحمد وهو القول الثاني أنه لا يرفع يديه حتى يستتم قائمًا فيقول سمع الله لمن حمده فإذا استتم قائمًا رفع يديه
واستدلوا
برواية في حديث ابن عمر وفيها ثم رفع يديه بعدما رفع رأسه
ولما ذكر الإمام أحمد هذه الرواية في المسند ذكر أن راوي الحديث وهو سفيان كان يتردد في هذه اللفظة كأنه لم يضبطها قال الإمام أحمد كان أحيانًا يقول فرفع يديه وأحيانًا يقول ثم بعد ذلك رفع يديه ثم ثبت على ثم بعد ذلك رفع يديه
فإشارة الإمام أحمد في المسند إلى تردد الإمام سفيان وهو يقصد ابن عيينة لأن الإمام أحمد لا يروي عن الثوري يضعف هذا القول لا سيما وأن اللفظ الذي في الصحيحين ليس فيه كلمة بعد ذلك
[ ١ / ٣٦٨ ]
الخلاصة أن الراجح القول الأول وهو أن الرفع يكون مع سمع الله لمن حمده ولا ينتظر إلى أن يستتم وإنما يرفع مع الرفع وهذا هو المذهب الرواية الأولى القول الأول هي المذهب وهذا يفهم من عبارة المؤلف - ﵀ -
• ثم قال - ﵀ -
قائلًا إمام ومنفرد
أي دون المأموم فلا يقول هذا الذكر وسيأتي الكلام في الذكر المشروع للمأموم في هذا الموضع ونبقى الآن مع ذكر الخاص بالإمام والمنفرد
•
يقول - ﵀ -
قائلًا إمام ومنفرد سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ
المشروع للإمام إذا رفع رأسه وكذا المنفرد فقط
عند الحنابلة أن يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا ملء السموات وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد
وهذا الذكر بطرفيه سمع الله لمن حمده وملء السموات وملء الأرض
جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن أبي أوفى ﵁
كذلك جاء من حديث أبي هريرة ﵁
وكذلك جاء من حديث ابن عباس ﵁
وكذلك جاء بعضه من حديث أنس ﵁
فالذين رووا تسميعه - ﷺ - وذكره عدد من الصحابة نحو أربعة أو خمسة وهم كما ذكرت لكم ابن عباس وأبي هريرة وابن أبي أوفى وبعضه أنس
كلهم أثبت أنه يقول سمع الله لمن حمده
• ثم قال - ﵀ -
وبعد قيامهما
أي الإمام والمنفرد
رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ
هذا الذكر وهو المكمل لذكر الإمام بعد قوله سمع الله لمن حمده جاء كما قلت لكم في عدة أحاديث
ملخص هذه الأحاديث أنه على أربع صيغ
أن يقول ربنا لك الحمد هذه الأولى
الصيغة الثانية أن يقول ربنا ولك الحمد بزيادة الواو
الثالثة أن يقول اللهم ربنا لك الحمد
والرابعة والأخيرة أن يقول اللهم ربنا ولك الحمد
هذه الصيغ في الأحاديث التي ذكرت لك ابن عباس وأيضًا أضف إليهم علي وابن أبي أوفى وأبي هريرة
وعلى المذهب الأفضل والمستحب أن يقول ربنا ولك الحمد أي يختار التي بزيادة الواو
[ ١ / ٣٦٩ ]
لسببين
الأول لأن هذه الرواية أصح فهي في الصحيحين
والثاني ولأن فيها زيادة وهي الواو والزيادة أولى بالقبول
وأما بالنسبة ل اللهم ربنا لك الحمد والتي معها اللهم ربنا ولك الحمد فالأفضل عند الحنابلة التي بدون الواو
وأيضًا لنفس السبب لأنها أصح وأشهر وأكثر رواة
مع العلم أنهم يجوزون أن يقول الإنسان الصيغ الأربع ولكن يقولون بالنسبة ل ربنا ولك الحمد الأفضل بالواو وبالنسبة ل اللهم الأفضل بدون الواو ويرجعون في هذا إلى صحة الأسانيد وكثرة الطرق وعدد الرواة
مسألة قال ابن القيم لم يثبت في السنة أن النبي - ﷺ - قال اللهم ربنا ولك الحمد فلم يأت في السنة اللهم مع الواو
ووهم - ﵀ - فإنه ثبت في صحيح البخاري حديث أنس أن النبي - ﷺ - كان يقول اللهم ربنا ولك الحمد
فالصيغ الأربع ثابتة في السنة
والأولى للمصلي أن ينوع بين الأربع ويكثر من اللهم ربنا لك الحمد أو يكثر من ربنا ولك الحمد
• ثم قال - ﵀ -
ومأموم في رفعه رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فقط
أي أن المشروع للمأموم أن يقول ربنا ولك الحمد فلا يشرع له أن يقول سمع الله لمن حمده ولا يشرع له أن يقول أيضًا ربنا ولك الحمد ولا اللهم ربنا ولك الحمد
الدليل
قالوا الدليل على هذا
حديث أنس في البخاري أن النبي - ﷺ - قال إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد
فبين الحديث أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده ولا يقول أيضًا ملء السماء وملء الأرض
ونحن نريد تسهيلًا أن نفصل الخلاف فنتكلم أولًا في حكم قول المأموم ملء السماء ومل الأرض ثم نذكر الخلاف في حكم قول المأموم سمع الله لمن حمده
إذًا
الحنابلة يرون أن المأموم لا يقول ملء السماء وملء الأرض ولا يقول سمع الله لمن حمده
نأخذ الخلاف في المسألة الأولى
أخذتم مذهب الحنابلة ودليلهم وهو حديث أنس ﵁
القول الثاني أن المأموم يقول ملء السماء وملء الأرض وهو اختيار المجد بن تيمية وأبو الخطاب
[ ١ / ٣٧٠ ]
لحديث مالك بن الحويرث صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا الحديث عام يشمل قول المأموم ملء السماء وملء الأرض وهذا القول هو الصحيح
ثانيًا مسألة سمع الله لمن حمده
فالقول الأول وهو المذهب أنه لا يشرع للمأموم أن يقولها لحديث أنس السابق
القول الثاني للمالكية والشافعية وإسحاق ورواية لأحمد أنه يقول سمع الله لمن حمده
الدليل
قالوا النبي - ﷺ - لما أراد أن يودع مالك بن الحويرث قال له ائت قومك صل بهم وصلوا كما رأيتموني أصلي وهو - ﷺ - كان يقول سمع الله لمن حمده
وقوله صلوا كما رأيتموني أصلي عام يشمل المأموم والإمام والمنفرد
الجواب على حديث أنس من وجهين
الوجه الأول أن النبي - ﷺ - إنما قال فإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ولم ينص على قول سمع الله لمن حمده لأن المأمومين كانوا يسمعون النبي - ﷺ - يقول سمع الله لمن حمده فكانوا يقتدون به بلا قول
وبهذا أجاب النووي - ﵀ -
أي أنه لم يؤمر المأموم بقول سمع الله لمن حمده لأنه يسمعه من النبي - ﷺ - جهرًا فسيقتدي به
شرح آخر لوجود إشكال إذا قيل للشافعية كيف تقولون يقول المأموم سمع الله لمن حمده والنبي - ﷺ - يقول إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا أيها المأمومين ربنا ولك الحمد فجعل ذكر الإمام سمع الله لمن حمده وذكر المأمومين ربنا ولك الحمد
الجواب أن النبي - ﷺ - لم يأمرهم بقول سمع الله لمن حمده لأنهم يسمعونه يجهر بها ويعرفونها فلم يحتاجوا إلى الأمر بها
الجواب الثاني أن حديث أنس لو أفاد منع المأموم من سمع الله لمن حمده لأفاد منع الإمام من قوله ربنا ولك الحمد
والتزم بهذا أبو حنيفة فأبو حنيفة يقول الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد
[ ١ / ٣٧١ ]
مرة أخرى أن حديث أنس لو أفاد منع المأموم من قول سمع الله لمن حمده لأفاد منع الإمام من قوله ربنا ولك الحمد لأنه جعل الإمام يقول سمع الله لمن حمده والمأموم يقول ربنا ولك الحمد
وهذا لا يلتزم به الحنابلة بل يجعلون الإمام يقول ربنا ولك الحمد فهو إيراد عليهم
والذي يظهر لي في هذه المسألة أن المأموم يقول سمع الله لمن حمده
وهذا هو الراجح
انتهينا من هذه المسألة
المسألة الثانية
الحنابلة يرون أن المأموم لا يقول ملء السموات وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد وإنما يقول فقط ربنا ولك الحمد كما في حديث أنس بلا زيادة ملء السماء وملء الأرض إلخ
استدلوا
بحديث أنس ﵁
والقول الثاني أنه يشرع لمأموم أن يقول ملء السماء وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد
لأن حديث أنس ليس فيه المنع من الزيادة على هذا الذكر والأصل أن ماثبت في حق الإمام ثبت في حق المأموم إلا بدليل
والراجح أيضًا أن المأموم يقول ملء السماء وملء الأرض وملء ماشئت من شيء بعد
لعموم قوله - ﷺ - صلو كما رأيتموني أصلي
تنبيه الخلاف في حكم قول المأموم سمع الله لمن حمده أقوى من الخلاف في حكم قول المأموم ملء السماء وملء الأرض
ويجب أن يعرف طالب العلم قوة الخلاف وضعفه فيعرف أن هذه المسألة الخلاف فيها قوي فيحتاط ويجتهد في معرفة الحق ويعرف أن الخلاف في هذه المسألة ضعيف فيكون اجتهاده في غيرها أكثر لأن بعض الناس لا يهمه إلا الراجح ولا يهتم بمسألة قوة الخلاف وضعف الخلاف
إذًا قول المؤلف - ﵀ - هنا ومأموم في رفعه ربنا ولك الحمد فقط كلمة فقط تخرج قول المأموم سمع الله لمن حمده وأيضًا قول المأموم ملء السماء وملء الأرض
والآن عرفنا أن الراجح فيهما والله ﷾ أعلم أن المأموم يقولهما
•
قال - ﵀ -
ثم يخر مكبرًا
لم يبين المؤلف - ﵀ - إذا رفع المصلي من الركوع هل يقبض أو يرسل وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين
[ ١ / ٣٧٢ ]
القول الأول وهو مذهب الإمام أحمد وليس له في هذه المسألة إلا رواية واحدة جزم بها وليس له روايات أخرى أن المصلي بالخيار إن شاء قبض وإن شاء أرسل
دليل الإمام أحمد
أنه ليس في السنة نص صريح يدل على سنية القبض أو الإرسال
ويجب أن تقف عند العبارة وهي قوله وهذا ليس لفظ الإمام أحمد لكن هذا معنى كلامه ليس في السنة لفظ صريح فيوجد نصوص ولكنها ليست صريحة في المقصود
إذًا ليس في السنة شيء صريح ولذا قال الأمر فيه سعة إن شاء قبض وإن شاء أرسل
والقول الثاني وهو قول عند الحنابلة وليس رواية عند الإمام أحمد أن السنة القبض فإن أرسل يديه فقد خالف السنة
واستدلوا
بعموم حديث أبي حميد الساعدي السابق كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة
وجه الاستدلال قوله في الحديث في الصلاة عام يشمل ما قبل الركوع وما بعد الركوع فأخذوا بعموم اللفظ
والذين قالوا لا يقبض قالوا العام يحمل على المخصص فالسنة نصت بصراحة على القبض في القرءاة في قيام الصلاة ولم تذكر القبض صراحة بعد الرفع من الركوع
وهو قول ثالث لكن لا نريد أن نذكر هذا
المهم الآن المسألة على قولين
بالخيار إما القبض والإرسال
وأن السنة القبض
هذا القول الثالث وهو أن السنة الإرسال في ساعتي هذه لا أذكر من المتقدمين لا أقول ما قال به أحد لكن الآن ما أذكر هل قال به أحد من الأئمة المتقدمين أو أن أصحاب الأقوال في القرون الأربعة اختلفوا فقط على قولين الخيار أنه مخير أو أنه يقبض فربما يوجد قول ثالث لا أذكره أو لم أقف عليه كما يغلب على ظني لكن لا أنفي الآن فلم أراجع هل من الفقهاء من قال بأن السنة الإرسال وإن كان يعرف في المعاصرين من يتبنى هذا القول
لكن أريد قبل أن أقرر أنه قولًا ثالثًا أن أتأكد من وجوده في القرون الأربعة لأن هذه مسألة في الصلاة وفي الحقيقة الآن لا أذكر هل قيل به من الأئمة المتقدمين أو لا؟
الخلاصة أنهم اختلفوا على قولين
التخيير والقبض
والأقرب القبض أولًا لأن هذا أقرب للخشوع
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثانيًا أن إدخاله في العموم مقبول ولا يعتبر بعيد في الاستدلال
• قال - ﵀ -
ثم يخر مكبرًا
السنة أن يخر الإنسان مكبرًا بلا رفع لليدين
أي أن السنة أن لا يرفع يديه إذا أراد أن يسجد
والدليل على هذا
ما جاء في حديث ابن عمر أنه ﵁ قال وكان لا يرفع في السجود
والقول الثاني أن السنة أن يرفع أيضًا إذا أراد أن يسجد
واستدلوا
بحديث أن النبي - ﷺ - كان يرفع في كل خفض ورفع وهذا من الخفض
والجواب على هذا الاستدلال أن لفظ كان يرفع وهم
والصواب وكان يكبر في كل خفض ورفع أما لفظ وكان يرفع فهو وهم لا يثبت
وكل زيادة فيها الرفع للسجود فهي شاذة
والأحاديث الصحيحة الصريحة في الصحيحين وغيرهما ليس فيها الرفع للسجود بل فيهما نفي الرفع كما سمعت عن ابين عمر ﵁
فلا شك أن رفع اليدين فيما يظهر والله أعلم ليس من السنة
•
ثم قال - ﵀ -
ساجدًا على سبعة أعضاء
يجب على المصلي بل هو من أركان الصلاة أن يسجد على سبعة أعضاء
لحديث ابن عباس ﵁ قال أمرنا بالسجود على سبعة أعضاء اليدين والركبتين والقدمين والجبهة هذه سبعة
فإن أخل بالسجود على أحد هذه الأعضاء السبعة بطل سجوده
لأنه أخل بركن من أركان الصلاة
القول الثاني أن الواجب السجود على الجبهة وباقي الأعضاء تبع للجبهة فإن سجد على الجبهة صحت الصلاة ولو لم يسجد على باقي الأعضاء السبعة
إذًا العمدة عند هؤلاء ماهو؟ الجبهة
استدلوا بدليلين
الأول أن النبي - ﷺ - كان يقول في دعاء السجود سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره الحديث
فقال سجد وجهي: فأضاف السجود إلى الوجه
الثاني قالوا أن من سجد على وجهه فهو المسمى ساجدًا فصدق عليه الإتيان بالركن
والراجح القول الأول وهو مذهب الجمهور لصراحة وصحة ووضوح دليل ابن عباس
وإن الإنسان ليعجب ممن يخالف حديث ابن عباس مع وضوحه وصراحته أمرنا بالسجود على سبعة أعضاء
مسألة هل يجب السجود على الأنف؟
اختلفوا على قولين
[ ١ / ٣٧٤ ]
الأول أنه يجب أن يسجد على الجبة والأنف معها فإن لم يسجد عليه لم يتم سجوده
واستدلوا
بحديث ابن عباس السابق وفيه أن النبي ﷺ قال والجبهة وأشار إلى أنفه
والقول الثاني أن الواجب السجود على الجبهة مع باقي الأعضاء ولا يجب أن يمكن ولا أن يسجد على أنفه
دليلهم
قالوا لو أوجبنا السجود على الأنف لكان الواجب السجود على ثمانية أعضاء لا سبعة والحديث نص على أن أعضاء السجود سبعة
الجواب على هذا الاستدلال
أن الأنف والجبهة بحكم العضو الواحد ولذلك سمى النبي - ﷺ - الجبهة وأشار إلى الأنف ليبين أنهما كالعضو الواحد
وبهذا لا يكون ثامنًا وإنما هو السابع لأنه مع الجبهة كالعضو الواحد
والراجح القول الأول أيضًالأن حديث ابن عباس نص فيه على وجوب السجود على الجبهة مع الأنف
• قال - ﵀ -
ساجدًا على سبعة أعضاء رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه
أفاد المؤلف ﵀ أن الواجب عند الهوي إلى الأرض إذا خر ساجدًا لله أن يقدم ركبتيه
وهذا مذهب الجمهور وأكثر الصحابة واختاره ابن المنذر وشيخ الا سلام ابن تيمية وعدد من المحققين
استدلوا بدليلين
الأول حديث وائل بن حجر أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد قدم ركبتيه على يديه وهذا الحديث فيه ضعف
الثاني صح إن شاء الله عن عمر ﵁ أنه كان يقدم ركبتيه على يديه
القول الثاني في هذه المسألة أن السنة تقديم اليدين على الركبتين
استدلوا بدليلين
الأول صح في البخاري معلقًا أن ابن عمر ﵁ كان يقدم يديه
الثاني أن النبي - ﷺ - قال إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه
وهذا الحديث خاض الناس في تأويله وفي الأجوبة عنه وفي بيان معناه مع العلم أن الراجح أنه حديث ضعيف
وهذه من فوائد إتقان طالب العلم لعلم الحديث ودراسة العلل ومعرفة ما يثبن عن النبي - ﷺ - وما لا يثبت حتى لا يشتغل فيما لا يثبت
فهذا الحديث لا يثبت
[ ١ / ٣٧٥ ]
وممن ضعفه الإمام البخاري والترمذي والدارقطني وابن المنذر وعدد من الأئمة لولم يكن معهم إلا البخاري لكفى كيف ومعه الترمذي كيف ومعه الدارقطني
إذًا هذا الحديث لا يثبت
والراجح القول الأول وهو المذهب وهو أن المشروع تقديم الركبتين على اليدين
سبب الترجيح
سبب الترجيح في الحقيقة الدرجة الأولى أنه مروي عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو ﵁ له سنة متبعة فضلًا عن أنه يغلب على الظن أنه أخذه عن النبي - ﷺ -
ومن المرجحات أن حديث وائل بن حجر أقل ضعفًا من حديث أبي هريرة
إذًا الراجح هو ما سمعتم أنه يقدم ركبتيه
• قال - ﵀ -
ثم جبهته مع أنفه
دليل على أن الحنابلة يرون أن السجود على الأنف يجب كما يجب السجود على الجبهة
الأذان
بعد صلاة العشاء
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال - ﵀ -
ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده
أفاد المؤلف - ﵀ - بهذه العبارة أنه يجوز أن يسجد الإنسان بأعضائه السبعة على الأرض ولو وجد حائل بينهن وبين الأرض
ولإيضاح هذا الحكم نقول تنقسم الأعضاء إلى أقسام
- القسم الأول
الركبتان والقدمان
فهذه أجمع الفقهاء على عدم وجوب كشفهما وأنه لا يجب أن يباشرا الأرض
لدليلين
الأول أن النبي - ﷺ - صح عنه أنه صح بالنعال وإذا صلى بالنعال فلم تباشر القدم الأرض
الثاني أن الركبتين يجب أن يسترا لأنهما من العورة التي يجب أن تستر في الصلاة
- القسم الثاني
اليدان
على المذهب لا يجب أن يباشر المصلي الأرض بيديه
واستدلوا على هذا
بما أخرجه البخاري عن الحسن البصري أنه قال كان القوم يصلون بالعمائم والقلانس ويده في كمه هكذا قال - ﵀ -
قال الحافظ ابن حجر مراده بالقوم الصحابة
وقوله ويده في كمه أراد أن ينص على كل صحابي أن كل واحد منهم كان يفعل ذلك
وكل هذا من كلام ابن حجر - ﵀ -
[ ١ / ٣٧٦ ]
ولكن يشترط في اليدين أن لا يكون الساتر لهما أحد أعضاء السجود فلو وضع يدًا فوق يد لم يصح السجود
- القسم الثالث
الجبهة
تنقسم إلى أنواع
النوع الأول أنه يكون الحائل بينها وبين الأرض أحد أعضاء السجود كأن يسجد على يده
فهنا لا يصح السجود
لئلا تتداخل أعضاء السجود
النوع الثاني أن يكون الحائل من غير أعضاء السجود وليس متصلًا بالمصلي
فهذا يصح بلا إشكال
لأنه ثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - سجد على الحصير
وأيضًا ثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - سجد على خمرة
والحصير والخمرة كلاهما مصنوع من سعف النخيل لكن الفرق بينهما أن الحصير أكبر من الخمرة
النوع الثالث أن يسجد مع حائل من غير أعضاء السجود ولكنه متصل بالمصلي كأن يسجد على طرف ثوبه
فهذا ينقسم إلى قسمين
الأول - أن يكون مع الحاجة فهو جائز بلا كراهة لما ثبت أن الصحابة كانوا يضعون حائلًا من شدة الحر فكان أحدهم يسجد على كمه من شدة الحر
والثاني - أن يكون بلا حاجة فهو جائز مع الكراهة لأن النبي - ﷺ - كان يسجد بلا حائل
فإن قيل ما هو الجواب على الحديث الذي مر معنا وهو قولهم شكونا إلى النبي - ﷺ - شدة الحر فلم يشكنا؟ ولو كان السجود على حائل يجوز لسجدوا على حائل
فالجواب أن معنا لم يشكنا أي لم يزل شكوانا بتأخير الصلاة تأخيرًا زائدًا ولا علاقة له بمسألة السجود على حائل
مسألة هل يشترط في الحائل بين المصلي والأرض في الحائل المنفصل أن يكون من جنس الأرض كما مثلنا بالحصير؟ أو يجوز ولو لم يكن من جنس الأرض كالفرش؟
الجواب يجوز أن يسجد الإنسان على حائل سواء كان من جنس الأرض أو مما صنع بيد الإنسان بدليل
ماثبت في البخاري عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان يسجد أحيانًا على طرف الفراش
فهذا دليل على أن الحائل سواء كان من جنس الأرض أو مما صنعه الآدمي فإنه يجوز للمصلي أن يسجد عليه
وبهذا التقسيم كملت عند الإنسان الصورة
فإذا قيل لك ما حكم السجود على طرق الشماغ فماذا تقول؟
[ ١ / ٣٧٧ ]
فإذا قيل لك ما حكم ما يفعله بعض الصبيان إذا أراد أن يسجد وضع يديه مجتمعتين ثم سجد عليهما لا سيما إذا كان في التراب؟
فإذا قيل لك ما حكم السجود على الحصير؟ مسائل ناقش فيها شيخنا الطلاب تقريرًا لما سبق لم تتبين إجاباتها من التسجيل
• ثم قال - ﵀ -
ويجافي عضديه عن جنبيه
أي أن السنة لمن سجد أن يجافي أثناء السجود بين يديه وجنبيه
وسبق معنا أن معنى المجافاه هي: المباعدة
والدليل على هذا
حديث عبد الله بن بحينه ﵁ أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد باعد بين يديه حتى نرى بياض إبطيه وهذا في البخاري
وبياض الإبطين إنما يرى مع شدة المجافاة لأنه لو كان يجافي مجافاة يسيرة لم ير الصحابة بياض إبطي النبي - ﷺ -
فإذًا السنة أن يباعد الإنسان بين جنبيه ويديه ولا يجعل يده ملتصقه كما يفعل كثير من الناس بأن ينضم إذا سجد سيأتينا أن هذا ليس من سنن الرجال وإنما هو من سنن النساء وعلى قول فإنه سيأتينا الكلام حول هذا الموضوع
• ثم قال - ﵀ -
وبطنه عن فخذيه
أيضًا السنة أن يباعد بين فخذيه وبطنه
لما ثبت في حديث أبي حميد الساعدي أن النبي - ﷺ - كان يباعد بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه
فالحديث أفاد أنه يباعد بين فخذيه ولا يحمل بطنه على شيء من الفخذين بل يباعد بين الفخذين والبطن
إذًا هذا الحديث سيتكرر معنا لأنه دليل على عدة سنن وهو أن النبي - ﷺ - كان يباعد بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه
فيباعد بين الفخذين الاثنين وأيضًا يباعد بين البطن والفخذ وهذا أيضًا يدل على ما دل عليه الحديث الأول أن المصلي لا يشرع له أن يكون كهيئة المنضم عند إرادة السجود وإنما يجافي أعضائه ويبعدها لأن الهيئة الأولى تنافي الخشوع وتنافي استحضار أن الإنسان بين يدي الرب
بل هي تفيد نوعًا من الكسل والتثاقل في أداء مثل هذا الركن العظيم وهو السجود
• ثم قال - ﵀ -
وبطنه عن فخذيه
[ ١ / ٣٧٨ ]
تقدم معنا الآن في حديث أبي حميد الساعدي أن النبي - ﷺ - كان لا يجعل بطنه ملتصقًا بشيء من فخذيه
فإذًا السنة المباعدة بين الفخذين وبينهما وبين البطن كما ذكرت
مسألة لم يبين المؤلف - ﵀ - السنة في هيئة القدمين
والسنة في هيئة القدمين أن يجعل الأصابع أثناء السجود متجهة إلى القبلة
واختلفوا هل يلصق القدمين أثناء السجود أو يباعد بين القدمين؟
القول الأول أنه يباعد بين القدمين وهو المذهب
لحديث أبي حميد السابق قالوا لن تفريق الفخذين يؤدي إلى التفريق بين القدمين
والقول الثاني أن السنة أثناء السجود أن يلصق القدمين
واستدلوا على هذا
بحديث عائشة أنها بحثت عن النبي - ﷺ - وهو يصلي بالليل فوقعت يدها على قدميه وهو ساجد
وجه الاستدلال أنه لو لم يكن ملصق لقدميه لم تقع اليد على القدمين مجتمعتين
وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة قوي لأن حديث أبي حميد فيه دلالة على إبعاد القدمين لأنه إذا أبعد الفخذين فسيبعد القدمين
وحديث عائشة أيضًا فيه دلالة لأنه يصعب على الإنسان أن يضع يدًا واحدة على قدمين في وقت واحد وهما بعيدان عن بعضيهما لا سيما وأن النبي - ﷺ - يوصف بأنه كبير الأعضاء فهو - ﷺ - كبير اليدين والقدمين والمنكبين
بالإضافة إلى أن عائشة لا توصف إلا بأنها صغيرة
وهذه الأمور مجتمعة تقوي القول الثاني
وإن كانت المسألة فيها إشكال والخلاف فيها قوي ولكن الأظهر والله أعلم هو أن يلصق
كما أن الإلصاق يعين على الطمأنينة والخشوع ويعين على طول السجود
فهذه الأشياء مجتمعة تجعل الإنسان يرجح القول الثاني الذي يأخذ بحديث عائشة
وإن كان مذهب الحنابلة هو القول الأول
• ثم قال - ﵀ -
ويقول سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى
إذا سجد المصلي فالمشروع له أن يقول سبحان ربي الأعلى
لما ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد قال سبحان ربي الأعلى
ولما جاء في حديث عقبة أنه لما نزل فسبح باسم ربك الأعلى قال النبي - ﷺ - اجعلوها في سجودكم
[ ١ / ٣٧٩ ]
فهذه الأحاديث تدل على مشروعية التسبيح في السجود
ومسألة هل التسبيح وباقي الأذكار واجبة أو سنة ستأتينا في واجبات الصلاة
• قال - ﵀ -
ثم يرفع رأسه مكبرًا
السنة أنه إذا رفع من السجدة الأولى ليجلس الجلسة بين السجدتين أن يكبر
لما صح أن النبي - ﷺ - كان يكبر في كل خفض ورفع
وتقدم معنا أن هذا هو اللفظ الصحيح لهذا الحديث وأن لفظ كان يرفع وهم من أحد الرواة
فإذًا هذا الحديث أنه يكبر فيث كل خفض ورفع ودليل على أنه يكبر إذا رفع من السجدة الأولى
• ثم قال - ﵀ -
ويجلس مفترشًا يسراه ناصبًا يمناه
أولًا قوله ويجلس الدليل عليه
أن النبي - ﷺ - قال للمسيء صلاته ثم اجلس حتى تطمأن جالسًا
وهو نص في ركنية هذه الجلسة بين السجدتين
ثانيًا قوله أنه يفترش اليسرى وينصب اليمنى
ثبت هذا في حديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس افترش اليسرى ونصب اليمنى وهو في الصحيح
وفي حديث أبي حميد أيضًا أنه - ﷺ - كان يفعل ذلك
فحديث عائشة وحديث أبي حميد يدلان على الحكم نفسه
وحديث عائشة وحديث أبي حميد السياق فيهما في التشهد وليس في الجلوس بين السجدتين لكن الفقهاء يقيسون الجلسة التي بين السجدتين على الجلسة التي في التشهد ويقولون أن صفة الجلوس في الجلسة بين السجدتين كصفة الجلوس في التشهد الأخير
ويستدلون بأحاديث الجلوس للتشهد كما في حديث عائشة وأبي حميد وغيرهما على هذا الجلوس
كذلك السنة أن الإنسان يبسط يده اليسرى ويضع يده اليمنى على فخذه كما يصنع في التشهد الأخير والتشهد الأول
أيضًا قياسًا على التشهد الأخير
وأضافوا تعليلًا آخر لمشروعية هذا الجلوس ووضع اليدين وهو قولهم
وأن هذا عمل المسلمين سلفًا عن خلف أي أن كل المسلمين إذا جلسوا بين السجدتين توارثوا هذا العمل أنهم يضعون أيديهم على أفخاذهم ويفترشون اليسرى وينصبون اليمنى
ففي الحقيقة لا يوجد دليل صريح لكن قياسًا على التشهد الأخير وهو قياس صحيح ولا أظن في المسألة خلاف
[ ١ / ٣٨٠ ]
مسألة هي التي فيها خلاف هل يشرع لمن جلس بين السجدتين أن يشير بالسبابة؟
في هذه المسألة خلاف
القول الأول وهو الظاهر من كلام الحنابلة أنه لا يشرع
واستدلوا على ذلك
بأن الأحاديث الصحيحة ليس فيها رفع السبابة في الجلوس بين السجدتين ولو كان النبي - ﷺ - يفعل ذلك لنقل لنا لشدة عناية الصحابة بصفة الصلاة
والقول الثاني أنه يسن أن يشير بالسبابة
واستدلوا بدليلين
الدليل الأول أن الجلوس بين السجدتين داخل في عموم الأحاديث التي فيها الإشارة
الدليل الثاني أنه في حديث وائل بن حجر قال ثم أشار بسبابته ثم سجد فهو دليل على أن الإشارة كانت بين السجدتين
والراجح والله أعلم في هذه المسألة أنه لا يشرع للإنسان أن يشير بسبابته بل يبسط كفه اليمنى على فخذه اليمنى واليسرى معلوم أنها مبسوطة
أولًا الجواب على الاستدلال بالعمومات أن هذه العمومات تبينها وتفصلها الأحاديث الأخرى التي فيها أن رفع السبابة إنما هو في التشهدين
والمجمل يفهم من المفصل
ثانيًا أن قوله ثم سجد لفظة شاذة لا تثبت في الحديث ولو ثبتت لكانت فيصلًا في المسألة لكنها لا تثبت
لذلك الأقرب والله أعلم أن الإنسان بين السجدتين لا يشير
هذا الذي يظهر لي من السنة وإن كانت المسألة كما ترون لكل فريق من الفقهاء مستند قوي في الحقيقة لكن مثل الصلاة مع عنية الصحابة بها واهتمامهم بصفتها إذا لم ينقل لنا فالأقرب أنه لم يقع
• ثم قال - ﵀ -
ويقول رَبِّ اغْفِرْ لِي
السنة أن الإنسان بين السجدتين يقول رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي ثلاثًا أو يزيد
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي
وهو حديث ثابت صححه الإمام أحمد وغيره
وروي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يقول ذكرًا آخر وهو رب اغفرلي وارحمني وعافني وارزقني
لكن هذا الحديث أشار بعض الحفاظ إلى ضعفه كابن عدي في الكامل أشار إلى أنه من منكرات أحد الرواة
[ ١ / ٣٨١ ]
وأشار الإمام أحمد إلى أنه يستحب أن يقول الإنسان رب اغفر لي وأنه مقدم على حديث ابن عباس رب اغفرلي وارحمني وعافني وارزقني إشارة إلى ضعف حديث ابن عباس
فنحن نقول من الخطأ البين أن يقتصر الإنسان على مافي حديث ابن عباس ويترك حديث رب اغفر لي، رب اغفر لي لأنه أصح كما قال الإمام أحمد
بل كان الإمام أحمد يقول رب اغفر لي رب اغفر لي
وإن أراد الإنسان أن يجمع بين رب اغفر لي وحديث ابن عباس رب اغفرلي وارحمني وعافني وارزقني فإن هذا لا بأس به لكن الخطأ أن يقتصر الإنسان على ما في حديث ابن عباس لأن الحديث الآخر أصح وأثبت منه عن النبي - ﷺ -
ثم نختم بـ
• قوله - ﵀ -
ويسجد الثانية كالأولى
أي أن الثانية من حيث الهيئة ومن حيث الأذكار تكون كالأولى تمامًا
لعموم قول النبي - ﷺ - للمسيء ثم افعل هذا في صلاتك كلها
فهذا دليل على أن السجدة الثانية كالسجدة الأولى
في كل شيء تمامًا من غير فرق
ولذلك قال المؤلف - ﵀ - كالأولى
نكتفي بهذا ونبقى على مسألة الرفع وما يتبعه من أحكام
انتهى الدرس
[ ١ / ٣٨٢ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس وفي موضعه من الدرس لم نتكلم عن أين يضع الساجد يديه أثناء السجود؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
=القول الأول: أنه يضع يديه بحذاء منكبيه.
واستدلوا:
- بحديث أبي حميد أن النبي - ﷺ - (هكذا كان يصنع إذا سجد).
= والقول الثاني: أنه يضع يديه حذو إذنيه.
- وهذا في حديث وائل.
= والقول الثالث: أن المصلي مخير إن شاء فعل هذا وإن شاء فعل هذا ويكون من السنة التي جاءت على أنواع متعددة.
وهذا الثالث هو الصواب جمعًا بين الأدلة وإعمالًا للنصوص.
وهذه الجملة تناسب أن تقال عند قوله (عضديه عن جنبيه) فكان ينبغي أن تقال في هذا الموضع.
ونرجع إلى موضع الدرس.
[ ١ / ٣٨٣ ]
انتهى المؤلف - ﵀ - من الكلام عن السجدة الأولى كاملة والركعة الاولى بسجدتيها ثم انتقل إلى الكلام عن الركعة الثانية بداية من الرفع.
• فقال - ﵀ -:
ثم يرفع مكبرًا.
تقدم معنا مرارًا أن السنة على تكبيرات الانتقال أن النبي - ﷺ - كان يكبر في كل خفض ورفع.
وليس في الصلاة من الأعمال إلا ماهو إما خفض أو رفع. إما ركوع أو سجود أو رفع منهما.
•
ثم قال - ﵀ -:
ناهضًا على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه إن سهل.
إذا أراد المصلي أن يقوم من السجود:
= فإنه عند الحنابلة: كما ترون ينهض على صدور قدميه معتمدًا أثناء ذلك على ركبتيه إن سهل.
وهذا هوخلاصة مذهب الحنابلة: أن السنة أن يقوم على صدور قدميه ويعتمد على ركبتيه إن سهل.
فإن شق اعتمد على يديه.
إذًا السنة للقوي المستطيع أن لا يعتمد على يديه وهذا مراد المؤلف - ﵀ - وإنما يعتمد على صدور قدميه وعلى ركبتيه إلا في حالة واحدة إذا شق عليه أن يقوم بهذه الصفة كالمريض وكبير السن والعاجز عمومًا فإنه حينئذ لا بأس أن يعتمد على يديه.
الآن تصورنا مذهب الحنابلة.
الأدلة:
استدلوا على هذا التفصيل:
- بحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يقوم على صدور قدميه.
وهذا الحديث إسناده ضعيف.
- ولكن صح عن ابن مسعود - ﵁ - وهو من فقهاء الصحابة انه كان يصنع ذلك.
- واستدلوا أيضًا بأن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن يقوم اعتمد على فخذيه ونهض على ركبتيه.
وهذا الحديث إيضًا في إسناده ضعف.
= القول الثاني: أن الإنسان يعتمد على يديه ثم يقوم.
أي يقوم معتمدًا على يديه.
واستدلوا على هذه الصفة:
- بحديث مالك بن الحويرث أن النبي - ﷺ - كان إذا قام إلى الثانية جلس ثم قام معتمدًا على الأرض.
فهؤلاء معهم حديث صريح وهو حديث مالك بن الحويرث.
= القول الثالث:
أن المصلي إذا أراد أن يقوم إن جلس للاستراحة قام معتمدًا على يديه.
وإن لم يجلس جلسة الاستراحة وقام مباشرة فإنه يقوم معتمدًا على صدور قدميه وعلى ركبتيه.
[ ١ / ٣٨٤ ]
هذا القول نصره الحافظ الفقيه الشيخ ابن رجب وقال - ﵀ -: إنه يفهم من كلام الإمام أحمد. هذا التفصيل يفهم من كلام الإمام أحمد.
وإذا نظر الإنسان في هذا التفصيل وجد أن النصوص تجتمع بهذا التفصيل. وأنه يؤلف بينها وهذا القول الثالث هو الصواب.
وهذا يدعونا إلى الحديث عن مسألة أخرى لصيقه بهذا البحث وهو:
حكم جلسة الاستراحة؟
وجلسة الاستراحة اختلف الفقهاء أيضًا فيها على ثلاثة أقوال:
=القول الأول:: أنها لا تستحب.
وإلى هذا ذهب الجماهير وهو منقول عن أغلب الصحابة وجمهور الأئمة.
واستدلوا بدليلين:
- الدليل الأول: أن أكابر أصحاب النبي - ﷺ - الذين يأخذون عنه ويقتدون به لم يكونوا يجلسون جلسة الاستراحة.
- الدليل الثاني: أن النصوص الصريحة الصحيحة المتكاثرة التي وصفت صلاة النبي - ﷺ - لم يذكر فيها أنه كان يجلس جلسة الاستراحة إلا في حديث واحد فقط وهو حديث مالك بن الحويرث.
= القول الثاني: أنه يشرع ويسن للمصلي أن يجلس جلسة خفيفة إذا قام إلى الثانية وإذا قام إلى الرابعة.
واستدلوا:
- بحديث مالك بن الحويرث السابق أن النبي - ﷺ - كان يجلس جلسة ثم يقوم معتمدًا على الأرض.
وقال أصحاب هذا القول: إذا ثبت الحديث وجب أن نأخذ به وهو حديث في البخاري.
فائدة / قال الإمام أحمد: ليس لهذا الحديث ثان.
أي أن أي حديث يروى في جلسة الاستراحة عدا حديث مالك بن الحويرث فاعلم أنه حديث غير محفوظ وأنه ضعيف هذا مراد الإمام أحمد.
وهذا الذي يسمونه الاستقراء وهو أهل للاستقراء - ﵀ -.
= القول الثالث: وهو قول للحنابلة واختاره الموفق واختاره ابن القيم وغيره من المحققين: أن جلسة الاستراحة تشرع لكبير السن أو للمريض ونحوهما ولا تشرع في جميع الأحوال.
واستدلوا على ذلك:
- بأن النبي - ﷺ - إنما جلس هذه الجلسة في آخر عمره لما جاءه الوفد الذي فيهم مالك بن الحويرث بعد ما ثقل - ﷺ - وكبرت سنه صار يجلس هذه الجلسة.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وفهم أكابر الصحابة من هذه الجلسة أنه إنما جلسها - ﷺ - لهذا السبب ولذلك لم يقتدوا به فيها مع حرصهم على الصلاة وما فيها من سنن.
وإذا قال الإنسان بهذا القول يعتبر لم يضيع أي شيء من الأدلة وإنما أخذ بأدلة القول الأول وأخذ بأدلة القول الثاني ولكن جمع بينها ووفق.
وهذا القول هو الراجح وهو الذي يرتاح إليه الإنسان ويرى أنه أن شاء الله متوافق مع السنة.
بناء على هذا: نرجع للمسألة السابقة: عرف الإنسان بالنسبة للتفصيل في القول الثالث: أنه إن جلس اتكأ على يده وإن لم يجلس اتكأ على عرف متى يجلس ومتى لا يجلس في هذا التفصيل.
• ثم قال - ﵀ -:
ويصلي الثانية كذلك.
تقدم معنا أن الثانية تصلى كالأولى.
- لأن النبي - ﷺ - قال للمسيء ثم افعل هذا في صلاتك كلها.
فهذا دليل على أن الإنسان يصلي الركعة الثانية كما يصلي الركعة الأولى عدا ما سيستثنيه المؤلف - ﵀ - وإلا ما لم يستثنى فالأصل أن تتساوى فيه الركعة الأولى مع الركعة الثانية. لحديث المسيء.
• يقول - ﵀ -:
ما عدا التحريمة. التحريمة: شرعت لافتتاح الصلاة ولذلك فهي لا تكون إلا في الركعة الأولى ولا يشرع في الركعة الثانية.
بل لو كبر تكبيرة ينوي بها التحريمة في الركعة الثانية فكأنه أبطل صلاته لأنه لا يدخل في صلاة ثانية إلا وقد أبطل الأولى.
وعلى كل حال المؤلف - ﵀ - ذكر هذا القيد احترازًا وإلا من المعلوم أن أحدًا لن يكبر في الثانية بنية التحريمة.
•
ثم قال - ﵀ -:
والاستفتاح.
لا يشرع للمصلي أن يقول دعاء الاستفتاح في الركعة الثانية ولو كان نسيه في الركعة الأولى أو تركه عمدًا.
التعليل:
- أن هذه السنة محلها في الركعة الأولى وإذا فات محلها فاتت فلا يشرع أن يذكر هذا الاستفتاح في الركعة الثانية.
• ثم قال - ﵀ -:
والتعوذ.
= ذهب الحنابلة واختاره ابن القيم أن المصلي إذا قام إلى الثانية فإنه لا يشرع له أن يستعيذ.
واستدلوا على هذا الحكم:
- بحديث أبي هريرة الصحيح أن النبي - ﷺ - إذا نهض إلى الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت. هكذا قال أبو هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٣٨٦ ]
فدل ذلك على أن الاستعاذة خاصة بالركعة الأولى.
واستدلوا على هذا الحكم بدليل آخر معنوي وهو:
- أن الصلاة كلها دعاء وذكر والفصل بين القراءتين بالدعاء والذكر لا يعتبر فصل حقيقي ولذلك يكتفي المصلي بالاستعاذة التي وقعت في الركعة الأولى لأنه في الحقيقة لم يفصل القراءة كأنه لم يفصل لأنه لم يفصل إلا بذكر ودعاء ولا يعتبر هذا من الفصل.
= والقول الثاني: أنه يشرع أن يستعيذ في كل ركعة.
وهو مذهب الظاهرية واختاره من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.
واستدل على ذلك:
- بالآية. وقال: الآية عامة في كل بداية قراءة. فالله أمرنا أن نستعيذ في كل مرة نريد أن نقرأ.
والراجح القول الثاني: - لأن دليلهم نص في المسالة. ودليل أصحاب القول الأول مفهوم.
إذًا أبو هريرة - ﵁ - لم ينص على أن النبي - ﷺ - لم يذكر الاستعاذة وإنما فهم من كلامه أنه لم يستعذ.
فالأقرب والله أعلم أن المصلي يستعيذ في كل ركعة.
إذًا قول المؤلف - ﵀ -: والتعوذ. الأقرب أنه لا يستثنى.
• ثم قال - ﵀ -:
وتجديد النية.
أي: أنه لا يشرع للإنسان أن يجدد نيته في الركعة الثانية اكتفاء باستصحاب النية.
وقال بعض الفقهاء أن ذكر النية مع المستثنيات خطأ من أصله لأن النية ليست من صلب الصلاة وإنما من شروط الصلاة التي تتقدم على الصلاة فلا حاجة لاستثنائها من الركعة الثانية أصلًا.
وهذا القول قريب جدًا أنه لا ينبغي أن لا تذكر أصلًا لأنها من الشروط وليست من أركان الصلاة.
• ثم قال - ﵀ -:
ثم يجلس مفترشًا.
هذا الجلوس هو الجلوس للتشهد الأول.
تقدم معنا أدلة صفة الافتراش.
وأن الذين رووا هذه الصفة عن النبي - ﷺ - اثنان من الصحابة: أبو حميد وعائشة. هم الذين ذكروا أن النبي - ﷺ - كان يفترش اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى.
فإذًا أدلة الافتراش في التشهد سبقت.
• ثم قال - ﵀ -:
ويداه على فخذيه.
يريد المؤلف أن يبين كيف يضع الإنسان يديه في التشهد الأول.
= فالحنابلة يرون: أن الإنسان يضع يديه على فخذيه.
واستدلوا على هذا:
[ ١ / ٣٨٧ ]
- بحديث عبد الله بن الزبير أن - ﷺ - كان إذا جلس وضع يده اليمنى على فخذه الأيمن ويده اليسرى على فخذه الأيسر وألقم يده اليسرى ركبته. هذا اللفظ ثابت في مسلم.
فقوله: (وضع يده اليمنى على فخذه الأيمن ويده اليسرى على فخذه الأيسر) دليل على أن المصلي إذا جلس للتشهد الأول هكذا يصنع. يضع يده اليمنى باسطها على فخذيه.
الصفة الثانية: أن يضع المصلي يديه على ركبتيه.
واستدلوا على هذه الصفة:
- بحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - إذا جلس وضع يديه على ركبتيه. وهذا حديث صحيح.
هناك صفة ثالثة جاءت في الآثار والأحاديث لكني لم أقف على قائل بها وهي أن يضع الإنسان يده على الفخذ والركبة.
والصفة هذه جاءت مصرحًا بها في حديث وائل بن حجر أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس للتشهد وضع يده على فخذه وركبته. هكذا.
ولعل الذين قالوا يضع يده على ركبته يقصدون هذا المعنى: يعني: مع فخذه.
لأن الإنسان قد لا يتمكن من وضع كل اليد على الركبة إلا بالتلقيم والتلقيم سيأتينا أنه سنة في اليسار فقط هكذا في الأحاديث. أما في اليمين فكيف سيصنع فلا يستطيع.
فلعل مقصودهم أن يضع الإنسان يده على فخذه وركبته.
الخلاصة أن السنة أن يضع أحيانًا يده على فخذه وأحيانًا يضع يده على ركبته.
ومن الطبيعي أنه إذا وضعها على ركبته سيكون بعضها على فخذه.
ويقصد الإنسان في الصلاة أن ينوع لتحصل له السنة في التنويع ويثاب ولا يضع يده كيفما تيسر وإنما يقصد أحيانًا إن يضعها على الفخذ وأحيانًا يضعها على الركبة.
مسألة / هل يسن أن يلقم يده اليسرى لركبته اليسرى؟
= الحنابلة يرون: أنه لا يسن.
= والقول الثاني: وهو قول للحنابلة واختاره ابن مفلح وقبله ابن قدامة - رحمهما الله - أنه يسن أن يضع الإنسان يده على ركبته اليسرى كالمقلم لها أحيانًا.
والقول الثاني هو الصواب أن هذا يسن أحيانًا للحديث الصريح وهو حديث بن الزبير وهو في مسلم فالأخذ به متعين لصحته وصراحته.
والذي يظهر لي - مع أن الحديث عام - أن هذه السنة الأنسب أن تفعل أثناء التورك ومن جرب هذه السنة سيجد أن الأنسب أن تكون أثناء التورك.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وإن كان الإنسان يستطيع أن يفعلها من غير تورك لكن قد يكون في هذا شيء من الصعوبة لكن أثناء التورك سهل جدًا ولعلها كانت تفعل هكذا وإلا فإن الحديث عام أنه كان يلقم يده اليسرى ركبته اليسرى ولم يعين هل هو في التشهد الأول أو في الأخير وإنما هو عام.
بعدما انتهى المؤلف - ﵀ - من بيان أين يضع يده من رجله بالنسبة للفخذ والركبة انتقل إلى كيفية وضع اليد من حيث هي
•
فقال - ﵀ -:
يقبض خنصر اليمنى وبنصرها ويحلق إبهامه مع الوسطى ويشير بسباحته.
هذه إحدى صفات وضع اليد وهو أن يقبض الخنصر وهو الاصبع الصغير والبنصر وهو الذي يليه ويحلق بالوسطى - كحلقة الحديدة - مع الإبهام ويشير بالسبابة.
وهذه الصفة جاءت في حديث وائل بن حجر وهي صحيحة.
الصفة الثانية: وجاءت في حديث ابن عمر - ﵁ - في صحيح مسلم أنه يقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويجعل الإبهام عند أصل السبابة ويشير بالسبابة.
هذا في حديث ابن عمر في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - قبض على يده ثلاثة وخمسين وهذا العدد .. وبين الشارح حفظه الله ذلك عمليًا
الصفة الثالثة والأخيرة: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام يعني يقبض جميع الأصابع إلا السبابة ويشير بها كما سيأتينا وهذه الصفة أيضًا في صحيح مسلم عن ابن عمر صراخة أن النبي - ﷺ - قبض أصابعه كلها وأشار بالسبابة.
صارت الصفات ثلاثة.
واختلف الفقهاء هل هذه الصفات صفات متنوعة يشرع أن يأتي بكل واحد منها مرة؟ أو أنها صفات لفعل واحد؟
= فالقول الأول: أنها صفات متنوعة ولذلك جاء عن الإمام حمد ثلاث راويات في هذه الصفات فيشرع للإنسان أن ينوع أحيانًا بالصفة الأولى وأحيانًا بالثانية وأحيانًا الثالثة.
= والقول الثاني: أن هذه الصفات عبارة عن صفة واحدة ولكن كل من الرواة عبر حسب ما شاهد وليس هناك اختلاف وإنما صفة القبض واحدة.
وذهب إلى هذا القول الحافظ ابن القيم. وقال: أن هذه الصفات لا تختلف وإنما كل يعبر بما رأى والصفة واحدة.
[ ١ / ٣٨٩ ]
والراجح القول الأول واختيار ابن القيم في هذه المسألة فيه ضعف: - لأن النصوص صريحة في التفريق وصريحة في الوصف ولا يمكن أن نجعل صفة التحليق الواضحة في الحديث الأول كصفة ضم الأصابع الواضحة في حديث ابن عمر الأخير فلا يمكن التوفيق بينها إلا بشيء من التكلف.
فما ذهب إليه - ﵀ - ضعيف والصواب أن هذه الصفات مختلفة جاءت بها أحاديث مختلفة وأن السنة أن ينوع المصلي بين هذه الصفات.
ثم لما أنهى المؤلف - ﵀ - بيان صفة اليد اليمنى بين كيف يكون وضع اليسرى.
•
فقال - ﵀ -:
ويبسط اليسرى.
أن المصلي إذا جلس للتشهد الأول يبسط اليسرى من غير ضم مطلقًا.
ودليل هذه الصفة:
- حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - كان يجلس باسطًا يده اليسرى على فخذه.
فهذا دليل كيفية وضع اليد اليسرى.
وتقدم معنا أن لها سنة أخرى وهي: الإلقام. وإنما لم يكرها المؤلف - ﵀ - لأن الحنابلة يرون أن هذا لا يسن.
مسألة / هل يحرك المصلي أصبع يده اليمنى؟
قبل ذلك يخلط بعض إخواننا بين الإشارة والتحريك يظن أن الخلاف في الإشارة كالخلاف في التحريك.
والواقع أن الإشارة هي أن يشير بإصبعه هكذا من غير تحريك.
والتحريك (هكذا) ويعتبر أشار وحرك.
فالآن الإشارة لا شك في سنيتها كما سمعتم في أحاديث ثلاثة. إنما الخلاف في التحريك.
فاختلفوا على قولين:
= القول الأول: أنه يحرك.
- لما في حديث وائل بن حجر في آخره «وانه أشار بالسبابة ثم قال يحركها يدعو بها». وهذا لفظ صريح في التحريك.
= والقول الثاني: أن السنة الإشارة بلا تحريك.
- لأنه ليس في الأحاديث الصحيحة تحريك ولفظ يحركها شاذ وممن أشار إلى شذوذه الحافظ ابن خزيمة - ﵀ -.
وأي إنسان عنده ملكة الحديث ويعرف نفس الأئمة المتقدمين يطالع الأسانيد التي رويت بحديث وائل بن حجر وينظر في أيها جاءت هذه الزيادة لا يشك إذا طالع أنها زيادة خطأ وأن راويها أخطأ فيها وشذ.
هذا لمن كان يحسن كيف يتعامل مع الأسانيد على طريقة الأئمة المتقدمين.
فلو رأيت الأسانيد لم تشك أنها زيادة شاذة.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وعلى كل حال نقول: أن هذه الزيادة شاذة وإذا كانت هذه الزيادة شاذة فليس في الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - كان يحرك ولذلك سن أن يقول الإنسان (هكذا).
ومن الأدلة على ضعف التحريك اضطراب القائلين به في موضعه فإنهم لا يدرون متى يحرك هل يحرك من أول التشهد إلى آخره؟ أو يحرك إذا أراد أن يتشهد الشهادتين؟ أو يحرك في أشهد أن لا إله إلا الله دون أشهد أن محمدًا رسول الله؟ أو يحرك إذا دعا؟ أو يحرك في الجميع؟ أقوال متضاربة ليس لها دليل مما يدل على إن هذه السنة لم تثبت عن النبي - ﷺ -.
• ثم قال - ﵀ -:
ويقول التحيات لله والصلوات والطيبات إلخ.
هذا المقدار هو التشهد الأول.
وهذا التشهد مروي عن ابن مسعود - ﵁ - في الصحيحين وهو أصح أحاديث التشهد ولذلك اختاره الإمام أحمد - ﵀ -.
وروي في التشهد أحاديث أخرى فروي فيه:
- حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - واختاره من الأئمة الإمام مالك بن أنس: (التحيات لله الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله). وباقيه كحديث ابن مسعود - ﵁ -.
- وروي أيضًا في التشهد: حديث ابن عباس - ﵁ - واختاره من الأئمة الإمام الشافعي ولفظه: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله). ثم باقيه كحديث ابن مسعود.
صارت أنواع التشهدات المذكورة الآن: ثلاثة.
حديث ابن مسعود واختاره الإمام أحمد.
وحديث عمر واختاره الإمام مالك.
وحديث ابن عباس واختاره الإمام الشافعي.
والصواب أن الإنسان ينوع بين هذه التشهدات ليأتي بالسنة على أوجهها المختلفة.
ونحن نرى أن ما اختاره الإمام أحمد هو الأقرب يعني أن الإنسان يقدم تشهد ابن مسعود وإن كان يذكر أحيانًا تشهد ابن عباس وتشهد عمر بن الخطاب ﵄ لأن أصح التشهدات وأصح حديث روي في الباب كما قال الترمذي هو حديث ابن مسعود - ﵁ -.
• قال - ﵀ -:
ويقول التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
[ ١ / ٣٩١ ]
ظاهر كلام المؤلف - ﵀ - أنه لا يشرع للمصلي «(الأذان»).
انتهى الدرس
[ ١ / ٣٩٢ ]
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
ذكرنا بالأمس أن المؤلف - ﵀ - ذكر التشهد الأول واختار الحنابلة تشهد ابن مسعود ﵁ وذكرت اختيار مالك والشافعي ومازال البحث في التشهد الأول
• فقول المؤلف - ﵀ - هنا
ويقول
يعني في التشهد الأول ولذلك ختمه بقوله هذا التشهد الأول
ظاهر عبارة المؤلف - ﵀ - أن المصلي إذا قرأ التشهد الأول فإنه لا يصلي على النبي - ﷺ -
وهذا مذهب الحنابلة واختاره ابن القيم
واستدلوا على هذا بدليلين
الدليل الأول أن الأحاديث الصحيحة الصريحة لم تذكر أن النبي - ﷺ - كان يصلي على النبي في التشهد الأول
والدليل الثاني أن المشروع في التشهد الأول أن يخفف وهذا التخفيف يناسبه ألا يذكر الصلاة على النبي - ﷺ -
والدليل على مشروعية تخفيف التشهد الأول
أن النبي - ﷺ - ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه إذا قعد في التشهد الأول كأنه جالس على الرضف
وهو الحجارة المحماة أي يبادر بقراءة التشهد وينهض وهذا الحديث صحيح
القول الثاني أن المشروع أن يصلي على النبي - ﷺ - حتى في التشهد الأول
لما ثبت عن ابن مسعود ﵁ وغيره أنهم قالوا للنبي - ﷺ - علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟
وجه الاستدلال أنهم ذكروا السلام والسلام يكون في التشهد الأول
والراجح القول الأول وهو أنه لا يشرع الصلاة على النبي - ﷺ - وهذا اللفظ العام الذي استدلوا به يحمل على النصوص التي وضحت أن الصلاة الإبراهيمية تكون في التشهد الثاني
• يقول المؤلف - ﵀ -
ثم يقول
يقصد أي في التشهد الأخير مع ما سبق في التشهد الأول
[ ١ / ٣٩٣ ]
وتلاحظ أن المؤلف - ﵀ - لم يختم جملة الصلاة على النبي - ﷺ - بقوله هذا التشهد الثاني اكتفاء بقوله في الاول هذا التشهد الاول
إذاَ ثم يقول يعني في التشهد الثاني مع ماسبق
• ثم قال - ﵀ -
اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ الخ
ظاهر كلام المؤلف
أن الصفة الأفضل هي أن يقول صلي على آل إبراهيم ولا يقول صلي على إبراهيم وآل إبراهيم
هذا هو المذهب
والقول الثاني أن المصلي مخير إن شاء قال على إبراهيم وآل إبراهيم وإن شاء اكتفى بعلى آل إبراهيم
والقول الثالث أن الأفضل التنويع لأن قوله كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ثابت كما أن قوله كما صليت على آل إبراهيم ثابت
يعني ذكر إبراهيم ثابت وعدم ذكره ثابت
وذكر شيخ الاسلام أنه لا يوجد في الأحاديث الصحيحة اللهم صل على إبراهيم وعلى آل إبراهيم
والصواب أن هذا الحديث ثابت قي صحيح البخاري بهذا اللفظ كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم أي بزيادة ذكر ابراهيم
إذًا الحنابلة يرون أن الصيغة الفاضلة المقدمة هي الصيغة التي ذكرها المؤلف بدون كما صليت على إبراهيم
والصواب أن المصلي يسن له أن ينوع أحيانًا يذكر هذا وأحيانًا يذكر هذا لأن الجميع ثابت في السنة الصحيحة
•
ثم قال - ﵀ -
ويستعيذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال
الدليل على استحباب هذا الدعاء والاستعاذة
حديث أبي هريرة ﵁ الثابت أن النبي - ﷺ - قال إذا انتهى أحدكم من تشهده فليستعذ من أربع وذكرها
والاستعاذة من هذه الأربع
عند الحنابلة سنة
والقول الثاني ان الاستعذاة من هذه الأربع واجبة إن تركها عمدًا بطلت صلاته وإلى هذا ذهب طاووس وبعض الظاهرية
والأقرب والله أعلم أنها واجبة ولا تبطل الصلاة بتركها يعني الجمع بين القولين
[ ١ / ٣٩٤ ]
والقول بأنها سنة أيضًا قول قوي باعتبار أن النبي - ﷺ - علم ابن مسعود التشهد وكذلك ابن عباس وكذلك عمر بن الخطاب ولم يذكر لهم وجوب الاستعاذة فالقول بأنه سنة قول قوي جدًا ووجيه وهو كما ترون هو المذهب
لكن لما كان عندنا حديث صريح صحيح يصرح بالأمر فليقل أو فليستعذ فهذا يؤدي بالإنسان إلى أن يميل إلى الوجوب
لكن الإبطال صعب ويحتاج إلى أصول قوية لكن نقول هو واجب ولا تبطل الصلاة بتركه
• وقوله - ﵀ -
فتنة المسيح الدجال
في بعض الألفاظ التي في مسلم ومن شر فتنة
أي أن مسلمًا رواها أحيانًا كما قال المؤلف - ﵀ - وفتنة المسيح الدجال وأحيانًا قال ومن شر فتنة لفظان ثابتان في صحيح مسلم
بناء على هذا الأفضل أن ينوع كذلك الإنسان أحيانًا يقول فتنة المسيح الدجال وأحيانًا يقول من شر فتنة المسيح الدجال
•
ثم قال - ﵀ -
ويدعو بما ورد
أي أن السنة بعد أن ينهي المصلي التشهد والاستعاذة من أربع يسن له أن يدعو وينبغي له أن يدعو
لما ثبت في حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - لما ذكر له التشهد قال ثم ليتخير من الدعاء أحبه إليه أو ثم ليتخير من الدعاء ما يريد
فالسنة أن يتخير من الدعاء ما يريد ويحرص على ما ورد في السنة من الأدعية الوارة في السنة
مسألة
ذهب الحنابلة إلى أنه في هذا الدعاء لا يجوز له أن يدعوا بشهوات الدنيا فإن دعا بشهوات الدنيا بطلت صلاته
والواجب أن يقتصر على ما يخص الآخرة
واستدلوا على هذا الحكم
بقول النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة إن صلاتنا هذه لا يصلح أن يكون فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتحميد وذكر الله وقراءة القرآن والدعاء بشهوات الدنيا من كلام الناس
القول الثاني وهو قول عند الحنابلة أنه يجوز أن يدعو بما شاء مما يتعلق بالآخرة أو بالدنيا
واستدلوا على هذا
بعموم حديث ابن مسعود السابق حيث لم يخصص دعاء من دعاء
[ ١ / ٣٩٥ ]
والراجح القول الثاني لعموم النص على أن عددًا من السلف كره جدًا أن يدعو الإنسان في آخر صلاته بما يتعلق بالدنيا ورأوا أن يخصه بأمور الآخرة فمن الأدب في الصلاة أن يفعل ذلك في الفريضة والنافلة
• ثم قال - ﵀ -
ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله
التسليم ثابت في حديث ابن مسعود ﵁ قال ثم سلم عن يمينه وعن شماله حتى رؤي بياض خده السلام عليكم ورحمة الله
فالسنة في السلام أن يسلم عن يمينه وأن يسلم عن شماله وأن يلتفت بحيث يُرَى بياض خده
والسنة في السلام
أن لا يُمَد
ولا يُطَوَّل
وتسكن الهاء فيه
والدليل على ذلك
ما روي أن النبي - ﷺ - قال حذف السلام سنة
وفسر الإمام أحمد والإمام الكبير ابن المبارك فسرا حذف السلام بهذا الشيء
وهذا الحديث الصواب أنه موقوف لكنه يصلح للاستدلال جدًا في هذا الموضع لأنه يبعد أن يأتي الصحابي بهذه السنة الخاصة والكيفية المعينة من قبل نفسه بل الظاهر أنه سمع النبي - ﷺ - هكذا يسلم
إذًا مَدَّ السلام الذي يصنعه بعض إخواننا الآن من خلال هذا البحث يعتبر خلاف السنة
مسألة فإن قال المصلي السلام عليكم ولم يقل ورحمة الله
فالمذهب أن هذا السلام لا يجزئ
والدليل
أن النبي - ﷺ - قال صلوا كما رأيتموني أصلي وكان يسلم هكذا - ﷺ -
القول الثاني أنه لو قال السلام عليكم فقط ولم يقل ورحمة الله صح سلامه وأجزأ
لقول النبي - ﷺ - وتحليلها التسليم والتسليم يصدق بقول المصلي السلام عليكم
والصواب مع الحنابلة لأن التسليم ركن يجب الرجوع في كيفيته كاملة إلى السنة المفصلة والأركان اهتم بها الشارع فلا نكتفي فيها ببعضها
مسألة هل يشرع أن يقول المصلي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أو لا؟
فيه خلاف
فمن الفقهاء من يرى أنه لا يزاد في السلام على الصيغة التي جاءت في حديث ابن مسعود
لأنها الثابتة الصحيحة التي عملها النبي - ﷺ - مرارًا
والقول الثاني أنه يشرع أن يزيد أحيانًا وبركاته
[ ١ / ٣٩٦ ]
لما روي أن النبي - ﷺ - صلى ثم سلم وقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وهذا الحديث إسناده حسن وهو مقبول ولا أعلم له علة ثم زيادة وبركاته جاءت عن بعض الصحابة
فالأقرب والله أعلم باعتبار هذا الحديث والآثار أنه لا باس أن يزيد المصلي أحيانًا وبركاته
في الشمال واليمين
وبعضهم قال في الشمال فقط لأن الحديث هكذا فيه لكن آثار الصحابة عامة
•
ثم قال - ﵀ -
وعن يساره كذلك
أي أن البحوث والمسائل التي ذكرت في تسليمة اليمين تنطبق على تسليمة اليسار
• قال - ﵀ -
وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض
النهوض من التشهد الأول حكمه حكم النهوض من الركعة الأولى والثالثة
فالخلاف الذي ذكرناه في كيفية النهوض من الركعة الأولى والثالثة ينطبق على النهوض من التشهد الأول تمامًا وقد صرح الفقهاء بذلك أيضًا أنهما يتساويان فمن رأى مشروعية الاعتماد على الأرض هناك فيراه هنا والعكس صحيح
• ثم قال - ﵀ -
نهض مكبرًا بعد التشهد الأول
إذا انتهى من التشهد الأول فإنه ينهض مكبرًا
لما تقدم معنا مرارًا أن النبي - ﷺ - كان يكبر في كل خفض ورفع
وظاهر كلام المؤلف أنه ينهض مكبرًا بلا رفع لليدين
وهذا هو المذهب بل هذا مذهب الأئمة الأربعة حكي عن الأئمة الأربعة أنهم يرون أن لا يرفع يديه إذا نهض من التشهد الأول
والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد أنه إذا نهض من التشهد الأول يرفع يديه
واستدلوا على ذلك
بحديث ابن عمر الثابت في الصحيح أنه ذكر أن النبي - ﷺ - يرفع في أربعة مواضع التكبير والركوع والرفع من الركوع قال وإذا قام من الركعتين
والصواب مع القول الثاني لصحة ما استدل به من حديث ابن عمر والمُثْبِتُ مقدم على النافي لا سيما والإسناد صحيح بل ثابت في الصحيح
ولم أر للفقهاء ﵏ كلامًا في متى يرفع يديه؟
ولكن السنة أن يرفع يديه مع التكبير كما قلنا في الرفع من الركوع وأن لا يؤخر رفع اليدين إلى أن يستتم قائمًا لأنه إذا استتم قائمًا سيشتغل بالواجبات وسنن وأركان الركعة الثالثة
•
[ ١ / ٣٩٧ ]
ثم قال - ﵀ -
وصلى ما بقي كالثانية
يصلي باقي صلاته أي الركعة الثالثة كما صلى الثانية والأولى تمامًا
لقوله - ﷺ - في حديث المسيء ثم افعل هذا في صلاتك كلها
• قال - ﵀ -
بالحمد فقط
أي أن المشروع للمصلي إذا نهض إلى الثلاثة أن يقتصر في الثالثة والرابعة على قراءة الحمد فقط دون سورة أخرى
والدليل على هذا
حديث أبي قتادة أن النبي - ﷺ - صلى بهم الظهر فقرأ في الركعتين الأولتين الفاتحة وسورة وقرأ في الأخيرتين بالفاتحة فقط
وهذا الحديث في البخاري
والقول الثاني أن المصلي يشرع له أن يقرأ سورةً مع الفاتحة حتى في الركعتين الأخيرتين
لما ثبت أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الأخيرتين على النصف من قراءته للأولتين
والأقرب والله أعلم أن المصلي يشرع له أن يقرأ في الأخيرتين بسورة مع الفاتحة في أحيان قليلة ويكون الغالب عليه أن قراءة الفاتحة فقط
وبهذا تجتمع نصوص السنة
• ثم قال - ﵀ -
ثم يجلس في تشهده الأخير متوركًا
يريد المؤلف - ﵀ - أن يبين أن هناك فرقًا في الجلوس بين التشهد الأول والتشهد الثاني وأنه يسن في التشهد الثاني أن يتورك
واستدلوا على هذا الحكم
بحديث أبي حميد الساعدي الثابت في البخاري أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في التشهد الأخير أخرج رجله اليسرى ونصب اليمنى وأفضى بمقعدته إلى الأرض وهذا هو التورك
مسألة هل يشرع التورك في التشهد الذي يعقبه السلام أو يشرع في التشهد الثاني في كل صلاة فيها تشهدان؟
فيه خلاف
والصواب أنه لا يشرع التورك إلا في الصلاة التي لها تشهدان فقط
أما الصلاة التي فيها تشهد واحد فإنه لا يتورك
مسألة ولجلوس التشهد الأخير صفة أخرى جاءت في حديث عبد الله بن الزبير ﵁ وهي صفة ثابتة وسنة صحيحة فقد أخبر ﵁ أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في التشهد الثاني أخرج قدمه اليسرى من بين فخذه وساقه وفرش اليمنى
هذه هي السنة
[ ١ / ٣٩٨ ]
وقد لا يستطيع الإنسان أن يطبق أصلًا هذه السنة إلا مع فرش اليمنى وهو ثابت في الحديث الصحيح فيكون لهيئة الجلوس في التشهد الأخير صفتان
الصفة الأولى التورك
والصفة الثانية هذه الصفة التي ذكرت لك وهي فرش اليمنى وإخراج اليسرى من بين الفخذ والساق
• ثم قال - ﵀ -
والمرأة مثله لكن تضم نفسها
قوله - ﵀ - والمرأة مثله أي أن المرأة كالرجل في جميع ما سبق من
أذكار
وقراءة قرآن
وصفات للصلاة
وهيئات
وكل ما تقدم
تستوي فيه المرأة مع الرجل تمامًا في السنن السابقة والواجبات والأركان
إلا ما سيستثنيه المؤلف - ﵀ -
وقد بين - ﵀ - ما يستثنى
• فقال - ﵀ -
لكن تضم نفسها
أي أن السنة بالنسبة للمرأة أن تنضام وتضم بعضها إلى بعض في كل ما يتجافى فيه الرجل
فكل موضع نقول للرجل السنة أن يجافي فالسنة للمرأة ألا تجافي وإنما تضم بعضها إلى بعض
واستدلوا على هذا بأمرين
الأمر الأول أن هذا مروي عن أم سلمة وحفصة ﵄ وغيرهما
والأمر الثاني أن هذه الصفة أستر للمرأة
ولما ذكر الحافظ ابن رجب هذا القول وهو مسألة أن السنة للمرأة أن لا تجافي وإنما تضم بعضها إلى بعض قال - ﵀ - وهذا قول أهل العلم ولم يذكر خلافًا
وإذا بحث الإنسان في كتب المذاهب يجد أنهم يذكرون هذا القول ولا يذكرون قولًا آخر في مسألة التضام وأنه لا يسن لها المجافاة
ولم أجد الآن بعد البحث من قال بأن المرأة تكون كالرجل في المجافاة بل كما تسمعون مروي عن الصحابيات الفقيهات منهن كأم سلمة وهي فقيهه وحفصة أيضًا نسبت للفقه أنهن ينضممن ولا يجافين
فلم أجد من قال بسنية المجافاة بالنسبة للمرأة
المسائل الأخرى فيها خلاف بالنسبة للمرأة لكن هذه المسألة كما قلت لكم ظاهر كلام ابن رجب أنه لا يوجد خلاف بدليل أنه نسب هذا القول لكل أهل العلم وقال هذا قول أهل العلم ومع ذلك لم يذكر خلافًا
• ثم قال - ﵀ -
وتسدل رجليها في جانب يمينها
يعني ولا تفترش أي ولا تجلس كصفة الرجل في الافتراش
[ ١ / ٣٩٩ ]
وصفة إخراج الرجلين من جهة اليمين بالنسبة للمرأة مروي عن عائشة ﵂
واستدلوا أيضًا
بأن هذه الصفة أستر للمرأة وأبعد عن الانكشاف
والقول الثاني في هذه المسألة وهي هيئة الجلوس أن المرأة كالرجل
وهذا قول أم الدرداء ذكره البخاري قولها ثم قال وكانت فقيهة فكأنه هو - ﵀ - يميل إلى هذا القول يشعر تبويبه بأنه أيضًا هو يميل إلى أنه في الجلوس المرأة كالرجل
وأما الإمام أحمد - ﵀ - فقال أما أنا فلا أذهب لما فعلت أم الدرداء
والراجح والله أعلم أن المرأة كالرجل ما دام أنه مروي عن فقيهة وثابت عنها وعلقه البخاري بصيغة الجزم فالقول به متوجه
والأصل في الحقيقة أن المرأة كالرجل
في المسألة السابقة وهي: مسألة أن السنة للمرأة أن تضم بعضها إلى بعض وأن لا تتجافى ذكرت لكم أن من الأدلة أنه مروي عن بعض الصحابيات
وفي الباب حديث مرسل صحيح إلى مرسله
ومرسله هو التابعي الجليل يزيد بن أبي حبيب أن النبي - ﷺ - أمر المرأة أن تضم اللحم إلى اللحم
وفي الباب آثار عن الصحابة
فصارت الأدلة على أن السنة بالنسبة للمرأة أن لا تجافي وأن تضم بعضها إلى بعض
أولًا مروي عن الصحابيات
ثانيًا في الباب حديث مرسل صحيح إلى مرسله
ثالثًا مروي عن بعض الصحابة
رابعًا هو قول عامة أهل العلم الجماهير إن لم يكن إجماعًا
ولا شك أن هذه الأدلة قوية في هذا الباب متضافرة يقوي بعضها بعضًا ويؤيد أن السنة للمرأة أن تضم بعضها إلى بعض وأن لا تجافي عضديها
مسألة هل هذا الحكم خاص بالمرأة إذا صلت بحضرة الرجال أو الحكم عام للمرأة ولو صلت في بيتها؟
بعد التتبع لم أجد الآثار والأقوال المروية عن من ذكرت تفرق بين كون المرأة تصلي بحضرة رجال أو تصلي في بيتها فالنصوص جاءت هكذا مطلقة
ومن المعلوم أن الغالب على الصحابيات الصلاة في المنزل إأتمارًا بأمر النبي - ﷺ - حيث حث المرأة على الصلاة في بيتها
فهو والله اعلم سنة مطلقًا
• ثم قال - ﵀ -
فصل
[ ١ / ٤٠٠ ]
ولعلنا نقف على هذا الفصل باعتبار أن تركنا عددًا من الأسئلة وباقي الآن خمس دقائق على الآذان فنريد أن نجيب عليها
انتهى الدرس
[ ١ / ٤٠١ ]
فصل
[فيما يكره في الصلاة ويباح ويستحب]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال ﵀:
فصل:
عقد المؤلف هذا الفصل ليبين ثلاثة أشياء ما يكره ما يباح وما يستحب، وبدأ بما يكره ثم سيأتينا ما يباح عند قوله «وله » فما بعدها ثم ما يستحب.
• قال ﵀:
ويكره في الصلاة التفاته
الالتفات في الصلاة عند الحنابلة مكروه فإن فعل صحت الصلاة مع الكراهة والدليل على ذلك أن النبي - ﷺ - سأل عن التفات الرجل في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الالتفات في الصلاة لغير حاجة محرم.
مسألة: وهذه الكراهة ترتفع ويكون الالتفات مباحًا إذا كان لحاجة لدليلين:
الأول: أن النبي - ﷺ - لما صلى الصبح ودخل في الصلاة «جعل يلتفت إلى الشعب» وكان أرسل في الليل فارسًا ليحرس فجعل يلتفت ينظر إلى مجيء هذا الفارس.
هذا الحديث صحيح وهو دليل على أن الالتفات إذا كان لحاجة فإنه يكره.
[ ١ / ٤٠٢ ]
الثاني: أن النبي - ﷺ - «خرج ليصلح بين فئتين متنازعتين فتأخر بلال لأبي بكر - ﵁ -: أتصلي قال: نعم» فلما دخل في الصلاة وأم الناس وهو في أثناء ذلك حضر النبي - ﷺ - فجعل الناس يصفقون لينبهوا أبا بكر وكان - ﵁ - لا يلتفت في الصلاة مطلقًا حتى لما كان الالتفات مباحا في أول التشريع كان لا يلتفت مطلقا فلما اكثروا التصفيق التفت - ﵁ - فرأى النبي - ﷺ - فأشار له النبي أن ابقى في مكانك فرفع أبو بكر يديه إلى السماء وقال الحمد لله ثم رجع فتقدم النبي - ﷺ - ثم لما انتهى من الصلاة قال مالك لم تبق كما أمرتك قال ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم رسول الله - ﷺ -. وجه الاستدلال: أن أبا بكر الصديق - ﵁ - التفت لما أكثروا التصفيق ففي هذا دليل على أن الكراهة تزول إذا كان الالفات لحاجة.
• ثم قال ﵀:
ورفع بصره إلى السماء
رفع البصر إلى السماء مكروه عند الحنابلة فإن فعل ورفع بصره لم تبطل الصلاة والدليل على أن رفع البصر مكروه أن النبي - ﷺ - قال «ما بال أقوام يرفعون رؤوسهم إلى السماء» فاستدلوا بهذا الحديث على أنه يكره للإنسان أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة.
القول الثاني أن رفع البصر إلى السماء محرم وتبطل به الصلاة ومذهب الظاهرية.
والقول الثالث: أن رفع البصر إلى السماء محرم ولكن لا تبطل الصلاة به وهذا اختيار الشوكاني وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية يدل على أنه أيضًا يميل إلى هذا القول وإن كان لم يصرح بعدم البطلان صرح بالتحريم ولم يذكر بطلان الصلاة.
وهذا القول هو الصواب أنه محرم ولكن لا تبطل به الصلاة.
وكثير نت المصلين إذا رفع من الركوع رفع رأسه مع رفعه من الركوع أثناء الحمد وهذا خطأ وهو محرم وقد تبطل به الصلاة كما سمعتم في اخلاف:
• ثم قال ﵀:
وإقعاؤه
الاقعاء سيأتي تفسيره وهو مكروه باتفاق الأئمة لكن الاختلاف في تفسيره.
والدليل على أنه مكروه حديث عائشة أن النبي - ﷺ - «نهى عن عقبة الشيطان» وهو في مسلم.
[ ١ / ٤٠٣ ]
قال الحافظ بن حجر وليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح إلا هذا.
بقينا في تفسير الإقعاء: والإقعاء له صور:
الصورة الأولى: أن يفضي يمقعدته إلى الأرض وينصب فخذيه كهيئة جلوس الكلب. أي قدميه وقد عبر أبو عبيد – وهو من أئمة اللغة – بقوله: " ينصب فخذيه " وهذا صحيح فإن الذي يرفع الفخذين.
وأما التفسير الذي في الروض قدمين فهو خلاف الدقيق والصواب كما قال أبو عبيد.
الصورة الثانية: أن يفرش بظاهر قدميه على الأرض ويجلس بمقعدته على عقبيه.
وهذا التفسير اختاره الإمام أحمد.
الصورة الثالثة: أن ينصب قدميه ويجلس بمعقدته بين عقبيه يعني بين الرجلين.
وهذه يفعلها بعض الناس.
كما قلنا في الفتراش أنه ينصب اليمنى فهنا ينصب اليمنى وينصب أيضًا اليسرى ويجلس بينهما.
فهذه ثلاث صور (للإقعاء) والصواب أن هذه الصور جميعًا مقصوده بالحديث وداخلة في النهي فكل صورة من هذه الصور منهي عنها.
مسألة: سنقسم الإقعاء إلى قسمين:
قسم منهي عنه: وهو يشمل الصور الثلاث السابقة.
قسم مسنون ولا ينهى عنه: وهو المروي عن ابن عباس – وصح أيضًا عن ابن عمر – فإنه - ﵁ - (أي ابن عباس) جلس على صفة الإقعاء المسنون – وسيأتي بيانها – فلما سأل عن هذا الجلوس قال: «سنة نبيكم».
وهذه الصفة هي: أن ينصب قدنه اليمنى واليسرى ثم يجلس على عقبيه.
(فهنا) المصلي إذا نصب اليمنى واليسرى: إن جلس بينهما فهو الإقعاء المكروه.
وإن جلس على عقبيه فهو الإقعاء المسنون.
وذهب بعض الفقهاء كالخطابي إلى أن ما روي عن ابن عباس منسوخ بالأحاديث الصحيحة الدالة على الافتراش. الصواب خلاف ما ذهب إليه الخطابي وأن هذه سنة محفوظة (ليست منسوخة لصراحة حديث ابن عباس وابن عمر المروي عنهما في إثبات سنية الإقعاء على الصفة الثالثة) وأن هذا من باب التنويع.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن الاقعاء كأنه يناسب أحيانًا كبير السن كأن النبي - ﷺ - لما كبر وثقل صار يجلس أحيانًا هذه الجلسة وإلا أنه في الغالب أن سنة النبي - ﷺ - أن يفترش.
[ ١ / ٤٠٤ ]
والتفسير الذي ذكرته بينه البيهقي في السنن (قال الشارح حفظه الله -: وكتاب حافل مفيد ينبغي لطالب العلم أن يعتني به لمسألتين أولًا: أنه أحيانًا يشير إلى التعليلات واختلاف الأسانيد. الثانية: ما جمعه من السنن والآثار الكثير التي لا توجد في غيره من الكتب).
• ثم قال ﵀:
وافتراشه ذراعيه ساجدا
افتراش الذراعين هو: أن يلصق المصلي ذراعيه بالأرض.
وهو منهي عنه لأمرين.
الأول أن النبي - ﷺ - قال: «اعتدلوا في سجودكم ولا ينبسط أحدكم انبساط الكلب»
الثانية: أن هذه الهيئة توحي بالكسل والتثاقل عن الصلاة وهو مما ينافي الأدب مع الرب ﷾.
(وهذا الفعل) مكروه ودليله واضح.
•
ثم قال ﵀:
وعبثه
العبث تعريفه: هو عمل مالا فائدة فيه.
وهو مكروه باتفاق الأئمة إلا أن أبا حنيفة يرى أنه محرم.
والدليل على أنه مكروه حديث معيقيب أن النبي - ﷺ - سأل عن المسح في الصلاة فقال - ﷺ - «إن كنت لابد فاعلًا فواحدة»
وإذا كان النبي - ﷺ - نهى المصلي أن يمسح مع حاجته أحيانًا عند السجود إلى المسح فلأن يكره للمصلي أن يعبث من باب أولى.
مسألة: حكم المسح:
المسح إن كان مرة جاز بالإجماع لهذا الحديث الصحيح.
وإن أكثر من مرة فالجمهور على أنه مكروه والظاهرية يرون أنه محرم.
ومن أكثر ما يقع من المصلين اليوم – بلا شك – العبث فغالب ما يخل بصلاة المسلمين اليوم العبث تجد الإنسان كثير العبث جدا بحاجة وبلا حاجة بساعته وبثيابه وبما يلبس على رأسه وبما يحمل في جيبه – وإلى آخره) فتجد أن العبث كثير جدًا.
وأما مسألة هل تبطل الصلاة به أو لا؟ فسيأتينا – الآن – ضابط العمل الذي تبطل به الصلاة والذي لا تبطل به الصلاة.
• ثم قال ﵀:
وتخصره
يكره للمصلي التخصر وتعريفه: هو أن يضع المصلي يده على خاصرته أثناء الصلاة.
ودليل الكراهة أن النبي - ﷺ - «نهى عن التخصر في الصلاة»
والدليل الثاني: أنها صفة تهاون وأحيانا تكون صفة تكبر وكلا الصفتين مذمومتان في الصلاة، والتكبر مذموم في الصلاة وخارجها.
[ ١ / ٤٠٥ ]
والقول الثاني: أن التخصر محرم لأن النهي صريح ولا صارف له والأصل في النهي التحريم.
والصواب: التحريم لأنه بالإضافة إلى النهي فإنه يشعر بنوع من التكبر.
«سأل الشيخ عن شيء في هذه المسألة فقال: لكنه لا يثبت – لم يتبين أثناء سماعي للتسجيل».
•
ثم قال ﵀:
وتروحه
التروح: هو تحريك الهواء بالمروحة ونحوها طلبًا لإزالة الغم ونحوه.
والتروح مكروه في الصلاة أولا: لأنه من العبث وتقدم معنا أن العبث مكروه.
ثانيًا: لأنه يشغل عن الخشوع.
واستثنى بعض الفقهاء إذا كان التروح لحاجة عرضت للمصلي كشدة الحر أو قلة الهواء أو نحو ذلك.
أما المراوحة – المراوحة بين القدمين – فهذه عند الإمام أحمد: سنة.
والمراوحة بين القدمين: هي أن يتكئ أحيانًا في الصلاة على اليمنى وإذا تعب اتكأ على اليسرى – فيراوح بين القدمين.
الدليل على سنية هذا الفعل أن ابن مسعود - ﵁ - رأى رجلًا يصلي لا يراوح بين قدميه فقال «أخطأ السنة لو رواح لكان أحب إلَّي».
وهذب بعض الفقهاء إلى أن المراوحة مباحة ليست سنة.
والصواب مع الحنابلة لأن حديث ابن مسعود واضح وهو يقول أخطأ السنة – مع فقهه وجلالة قدره - ﵁ - وأرضاه.
وخص بعض الفقهاء المراوحة بطول القيام وهذا مناسب – يعني أن المراوحة إنما تستحب وتطلب مع طول القيام أما إذا كانت الصلاة قصيرة فإنه يستحب له أن يبقى معتدلًا متكأ على القدمين.
وذكر بعض الفقهاء أنه يراوح بين قدميه ولكن لا يقدم قدمًا على أخرى وإنما يراوح مع تساوي القدمين، ولعل مقصود هؤلاء الفقهاء عدم التقديم الزائد أما التقديم اليسير فلا بد منه – لأنه المراوحة لا يمكن أن يستفاد منها إلا بتقديم الرجل التي لا يتكأ عليها.
فكما قلت لعل مقصودهم أن لا يمدها كثيرًا وإنما يمدها شيئًا يسيرًا بمقدار ما يحصل الراحة للقدم الأخرى.
والصحابة والفقهاء والأئمة يبحثون في هذه المسائل لأنهم كانوا يطيلون الصلاة – إطالة شديدة جدًا – فيحتاجون إلى – بحث – هذه المسائل التي نحن في وقتنا هذا لا نحتاج إليها بسبب قصر صلاة الناس فما يحتاج إلى المراوحة بسببها.
•
ثم قال ﵀:
وفرقعة أصابعه وتشبيكها
[ ١ / ٤٠٦ ]
فرقعة الأصابع وتشبيكها جاء في النهي عنه عدة أحاديث – نحو أربعة أحاديث في كل منها النهي عن تشبيك الأصابع لكن لا يخلو طريق من طرق هذه الأحاديث من ضعف ولذلك قال ابن بطال في شرح البخاري: جاءت من طرق لا تخلو من ضعف.
فالحنابلة بناء على هذه الأحاديث المتكاثرة يرون أن فرقعة الأصابع والتشبيك مكروهان اعتمادًا على مجموع هذه الأحاديث.
والقول الثاني: أن الفرقعة والتشبيك جائزان لعدم ورود حديث صريح في النهي عنهما بل جاءت الأحاديث الصحيحة بالتشبيك فالنبي - ﷺ - يحدث في المسجد ويقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان» وشبك بين أصابعه.
ولما سهى النبي - ﷺ - في الصلاة الرباعية وقام من الصلاة يظن أنها صلى كامل الصلاة جلس «واتكأ وشبك بين أصابعه» فهذه الأحاديث الصحيحة فيها التشبيك.
فقالوا: لم يأتي حديث صريح صحيح في النهي عنها وفي المقابل جاء أحاديث صحيحة تدل على جوازها فقالوا: تجوز بلا كراهة.
وتوسط آخرون فقالوا: أنه يكره التشبيك والفرقعة قبل الصلاة – وهو ينتظرها – أو في الصلاة وتجوز بعد الصلاة.
والأقرب والله ﷾ أعلم أنها مكروهة والدليل: أولًا أنها تدخل في مفهوم العبث وتقدم معنا أن العبث يوجد له من الأدلة ما يدل على كراهته.
ثانيًا: أن هذه الأحاديث ضعيفه ولكن بمجموعها مع أحاديث الكراهة للعبث يقوي بعضها بعضًا للنهي عن الفرقعة والتشبيك.
كما أن في الفرقعة عبث زائد على التشبيك وفيه محذور آخر وهو التشويش على المصلين بخلاف التشبيك فهو عائد إلى نفس المصلي فقط.
إذًا عرفنا الآن البحث في الفرقعة والتشبيك وأنهما مكروهان قبل الصلاة أو فيها وأما بعدها فتجوز بلا كراهة.
•
ثم قال ﵀:
وأن يكون حاقنا
يعني أن يصلي الإنسان وهو حاقن. والحاقن هو: حابس البول.
فإذا كان الإنسان يحبس البول عن الخروج فإنه يكره له والحالة هذه أن يصلي ويقاس على الحاقن كل ما يزعج ويشوش على المصلي – الكوع وشدة البرد والغضب وغيرها – أثناء الصلاة.
[ ١ / ٤٠٧ ]
فإن صلى وهو على هذه الحالة صحت صلاته عند الجماهير واستدلوا بدليل فقالوا تصح صلاة الحاقن قياسًا على من يصلي وهو منشغل بأحداث الدنيا انشغالًا تامًا فإن هذا الذي يصلي من غير خشوع ومنشغل بأعراض الدنيا يشبه الحاقن لأن كلًا منهما منصرف عن الصلاة.
والقول الثاني: للظاهرية وهو إن صلى الحاقن وإن كان في أول مراحل الحاجة إلى التبول فإن صلاته باطلة.
واستدلوا بعموم قول النبي - ﷺ - «لا صلاة بحضر طعام ولا وهو يدافعه الاخبثان».
والقول الثالث: أن الصلاة صحيحة إلا إن كانت المدافعة شديدة مزعجة جدًا للمصلي تمنعه من تصور صلاته وتشغله عن الصلاة فحينئذ تكون باطلة.
وهذا القول – الثالث – هو الصواب ولا يخفى أنه في هذا القول جمع بين القولين – الثاني والأول.
• ثم قال ﵀:
أو بحضرة طعام يشتهيه
يكره للمصلي أن يصلي وهو بحضرة طعام لكن يشترط أن يكون هذا الطعام مما يشتهيه المصلي.
فإذا حضر الطعام وهو يشتهيه فإن الصلاة مكروهة وله أن يؤخر ولو فاتت صلاة الجماعة.
ونفس الحكم – (يحكم به) – في مسألة مدافعة الأخبثان.
فمدافعة الأخبثين وحضور الطعام يقدمان على الصلاة ولو أدى ذلك إلى فوات صلاة الجماعة.
الدليل على ذلك أن النبي - ﷺ - قال «إذا حضرت العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء» ولأن ابن عمر - ﵁ - إذا وضع الطعام أكمل طعامه ولو صلى الناس.
فإن صلى بحضرة طعام يشتهيه فالخلاف المذكور في مسألة مدافعة الأخبثين ينطبق تمامًا على هذه المسألة – ثلاثة أقوال كالأقوال السابقة.
مسألة: المؤلف يقول: بحضرة طعام يشتهيه، والحديث يقول: إذا حضر الطعام ولم يقيد هذا الأمر بكونه يشتهيه إذا ما الدليل على هذا التقييد الخارج عن الحديث؟ الدليل: أن العلة من تأخير الصلاة إذا حضر الطعام أن هذا الطعام يشوش على المصلي صلاته ويمنعه من الخشوع والطعام إنما يمنع من الخشوع إذا كان المصلي يشتهيه أما إذا كان المصلي لا يشتهيه فإنه لا يقدم ولا يؤخر حضور الطعام شيئًا بالنسبة للمصلي.
وهذا المعنى الذي ذكره بعض الفقهاء قوي جدًا وهو دليل يكفي للتخصيص.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فقوله: (أو بحضرة طعام يشتهيه) صحيح فلا بد أن يكون الطعام حاضرًا ولابد أن يكون المصلي يشتهيه حينئذ له أن يترك صلاة الجماعة مقدمًا للطعام الذي يشتهيه.
(إذا تقصد إحضار الطعام فإنه يحرم عليه أن يأكل إذا كان الأكل يفوت عليه صلاة الجماعة لأن من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه وشيخ الإسلام عنده قاعدة مفيدة لطالب العلم أي حيلة يقصد منها تحليل المحرم أو إباحة الواجب فهي باطلة ولا تؤثر شيئًا.
فإذا كان يحتال لإسقاط صلاة الجماعة بإحضار الطعام أثناء الأذان فإنه يحرم عليه أن يأكل الطعام وعليه أن يصلي لكن هذه المسألة قليلة الوقوع أو لا تكاد توجد لأن من أراد أن يترك صلاة الجماعة لن يبلغ به الدين أن يحتال بإحضار الطعام حتى يصدق " لا صلاة بحضرة طعام " إذا وصل به الدين إلى هذه المرحلة سيصلي صلاة الجماعة.
وعلى كل حال لكن لو فرضنا أن أحدًا فعل هذا الفعل فإنه يعاقب بأن يُلْزَمَ بالصلاة).
(هل يشترط حضور الطعام؟ قال الشيخ: نحن كنا لا نريد الدخول في هذه المسالة -.
(نعم) يشترط حضور الطعام كما قال المؤلف فلابد أن يكون الطعام حاضرًا وإلا لم يجز له تأخير صلاة الجماعة لأن إذا لم يحضر الطعام فإنه لا فائدة من تركه الصلاة – أي فائدة حتى لو كان ينتظر.
إلا إذا كان ذهابه إلى الصلاة في هذه الحالة يؤدي إلى انشغاله بالطعام المعد بالبيت بحيث لا يشتحضر صلاة ولا خشوعًا حينئذ له أن يبقى وليس سبب بقائه في هذه الصورة حضور الطعام ولكن سبب بقائه انشغاله وهذا سبب سيأتينا في الأعذار المجيزة لترك صلاة الجماعة وهي انشغال الذهن بالمال أو بالولد أو بمريض أو بنحوه فيدخل هذا ضمنًا لكن بالنسبة للطعام فلابد أن يكون حاضرًا).
•
ثم قال ﵀:
وتكرار الفاتحة
أي أنه يكره للإنسان أن يكرر الفاتحة ودليل الكراهة أنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه كان يكرر الفاتحة فهذه صفة جديدة لا أصل لها في الشرع.
وكذلك لم ينقل عن أصحاب النبي - ﷺ -.
والدليل الثالث أن بعض الفقهاء يرى بطلان الصلاة بتكرار الفاتحة فمراعاة لهذا الخلاف نقول تكرار الفاتحة مكروه.
• ثم قال ﵀:
لا جمع سور في فرض كنفل
[ ١ / ٤٠٩ ]
بدأ الشيخ الآن بالمباحات – وإن كانت البداية الحقيقية من قوله: وله – ولكن هذا العمل أيضًا جائز فهو مباحة.
يجوز للإنسان أن يقرأ أكثر من سورة في الركعة الواحدة سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة.
أما الدليل على جواز قراءة أكثر من سورة في الركعة الواحدة في الفريضة فهي ما ثبت أن النبي - ﷺ - أرسل رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه ويختم القراءة ب «قل هو الله أحد». فهو قد قرأ في الركعة الواحدة أكثر من سورة. ولما أخير النبي - ﷺ - لم ينكر عليه صنيعه هذا فدل على جوازه.
وأما الدليل على جواز أن يقرأ أكثر من سورة في الركعة الواحدة في النفل هو ما ثبت أن النبي - ﷺ - قرأ في قيام الليل في ركعة واحدة البقرة وآل عمران والنساء.
كذلك لا يكره أن يقرأ سورة واحدة في أكثر من ركعة – عكس هذه الصورة – لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه يومًا الفجر فقرأ في الركعة الأولى والثانية (إذا زلزلت الأرض) وهذا الحديث ليس في طرقه ولا في ألفاظه ما يدل على أن هذه الصلاة كانت في سفر – كما يقع في أذهان عدد من إخواننا من طلاب العلم وأظن أن بعض الشراح ذكروه أيضًا – لكن بتتبع طرق هذا الحديث وألفاظه لم أجد أي إشارة إلى أن هذه الصلاة كانت في السفر لكن بعض الفقهاء يقول: لعل هذه الصلاة كانت في السفر وأن النبي - ﷺ - قرأ في الركعتين (إذا زلزلت) تسهيلًا على أصحابه باعتبار أنهم في السفر.
لكن الحديث – كما قلنا – ليس فيه تخصيص أو ما يدل على أن هذه الصلاة كانت في السفر.
ثم بدأ المؤلف بالمباحات.
• فقال ﵀:
وله رد المار بين يديه
قوله: وله: هذه العبارة تفيد الإباحة بينما مذهب الحنابلة الاصطلاحي أن رد المار سنة لقول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح – عن أبي سعيد – «إذا اتخذ أحدكم ما يستره في صلاته فإذا أحد أن يمر بينه سترته فليرده فإن أبي فليقاتله فإنه شيطان».
فهذا الحديث صريح في سنية رد المار.
وهذب بعض الفقهاء إلى أن رد المار واجب للأمر به في هذا الحديث.
[ ١ / ٤١٠ ]
مسألة: ذكر النووي والشوكاني وغيرهما استنباطًا من حديث أبي سعيد أن رد المار والمقاتلة إنما تجوز لمن اتخذ سترة واحتاط لصلاته.
أما من لم يتخذ سترة ولم يحتط لصلاته فإنه لا يجوز له أن يقاتل ولا أن يرد ردًا شديدًا.
واستنبطوا هذا الحكم من قول النبي - ﷺ - في صدر الحديث «إذا صلى أحدكم إلى ما يستره».
فإذا: في الحديث - شرطية فكأنه أجاز المقاتلة إذا احتاط الإنسان لصلاته واتخذ سترة تمنع مرور الناس بينه وبين مصلاه.
وفي الحقيقة كلام النووي والشوكاني وجيه جدًا وهو متوافق مع لفظ الحديث كما أن من لم يصلي إلى سترة ينسب إلى التفريط فلا يناسب أن يفرط ثم يقول يقاتل الناس على المرور بينه وبين مكان سجوده.
مسألة: هل رد المار يستوي فيه من يكون في مكة ومن لا يكون؟
في هذه المسألة المهم عن الإمام أحمد روايتان:
الرواية الأولى: أن مكة تستثنى من هذا الحكم ولا يرد المار بين يدي المصلي فيها واختار هذه الرواية الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية.
واستدلوا بدليلين: الأول: ما روي أن النبي - ﷺ - طاف ثم صلى والناس بين يديه ليس له سترة.
لكن هذا الحديث فال عنه الحافظ ابن حجر: حديث معلول.
الدليل الثاني أن في رد المار بين يدي المصلي في مكة مشقة وحرج شديدين لكثرة المارين والطائفين وكثرة الناس بوجه عام في مكة.
الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنه يسن أن يرد المار في مكة وفي غيرها وأن مكة تستوي مع باقي البلدان في هذا الحكم.
واستدلوا أيضًا بدليلين: الدليل الأول: المعلومات قالوا: النبي - ﷺ - في حديث ابن عمر لم يستثني مكة ولا غير مكة.
الدليل الثاني: أنه صح عن ابن عمر وأنس أنهما اتخذا سترة عند الكعبة.
[ ١ / ٤١١ ]
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀ في بيان المباحات
وله رد المار بين يديه
تقدم معنى عدة مسائل تتعلق بهذه العبارة وباقي أيضًا مسائل أخرى تتعلق أيضًا بهذه العبارة منها
مسألة وهي
اتفق الأئمة الأربعة كلهم على أنه لا يرد المار إذا كان مروره لحاجة أي أن رد المار يسن إذا لم تكن هناك حاجة فإن كانت هناك حاجة فلا يرد المار
ومن أمثلة الحاجة أن يصلي في طريق ضيق يحتاج الناس إلى المرور من أمام المصلي فهذه الحاجة اتفق الأئمة الأربعة أنها ترفع الكراهة
مسألة ثانية تلحق بلالمسائل السابقة وهي:
أن المؤلف بين حكم رد المار ولم يبين حكم المرور فالمرور بين يدي المصلي محرم والدليل على هذه قوله - ﷺ - لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه
وفي لفظ لو يعلم المار ما عليه من الإثم وهذا اللفظ ضعيف لا يثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال من الإثم
فرد المار سنة ولكن المرور محرم ففرق بين المرور ورد المار
مسألة لم يبين المؤلف الحكم إذا لم يتخذ المصلي سترة أي هل يمر الإنسان من أمامه أو لا؟
وحكمها أنه يجوز أن يمر إذا كان بعيدًا من المصلي ويحرم إذا كان قريبًاَ من المصلي
لكن اختلفوا في تحديد القريب والبعيد على عدة أقوال نأخذ أقوى هذا الأقوال وهو
أن حد ذلك ثلاثة أذرع والتحديد بهذا المقدار اختاره المجد وابن حزم لأن النبي - ﷺ - لما دخل الكعبة جعل بينته وبين الجدار ثلاثة أذرع
ويقصد بهذا أن يتم اعتبار هذه المسافة من قدم المصلي لا كما يظن بعض إخواننا من مكان السجود
القول الثاني لأن حد القريب هو موضع السجود والبعيد ما عدا ذلك
والأقرب القول الأول لأنه يستأنس فيه بالحديث الذي ذكرته عن النبي - ﷺ - أنه ابتعد عن الجدار بمقدار ثلاثة أذرع
[ ١ / ٤١٢ ]
وإذا تأمل الإنسان سيجد أن الفرق بين القولين يسير لأن موضع السجود يقرب أن يكون ثلاثة أذرع من قدم المصلي فالفرق بين القولين يسير لكن نحن نقول نلتزم بثلاثة أذرع لوروده في الحديث
هذه جملة من المسائل تتعلق بقوله له رد المار بين يديه
• ثم قال - ﵀ -
وعد الآي
يعني يجوز للمصلي وهو يقرأ أن يعد الآي ولا حرج عليه في هذا العمل فهو جائز بلا كراهة والدليل على جواز عد الآي أثناء الصلاة أنه روي عن التابعين بلا خلاف فلم ينقل عنهم ﵃ خلاف في جواز عد الآي ولذلك اعتبره ابن قدامة كالإجماع بينهم
ومعنى عد الآي أي أن يحسب الإنسان الآيات في قلبه في ضميره ولا يجوز أن يعد الآي لفظًا فإن فعل عالمًا بطلت الصلاة لأن هذا كلام أجنبي يبطل الصلاة
إذا معنى عد الآي هو أن يكون هذا العد في قلب الإنسان وضميره لا بصريح نطقه ولفظه
وذهب بعض الفقهاء كالإمام أبي حنيفة إلى أن عد الآي مكروه لأنه يشغل في الصلاة
والصواب القول الأول لكونه مرويًا عن التابعين ﵃ وأرضاهم
• ثم قال - ﵀ -
والفتح على إمامه
الفتح على الإمام هو الرد على الإمام إذا أخطأ وتلقينه إذا توقف فالفتح على الإمام عند الحنابلة مباح
والأقرب أن في الفتح على الإمام تفصيل وأنه ينقسم إلى نوعين
النوع الأول أن يكون الفتح على الإمام في الفاتحة فهذا واجب فإن تركه المأمومون جميعًا أثموا لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فيجب أن تقرأ على الوجه الصحيح
النوع الثاني الفتح على الإمام في غير الفاتحة فهذا جائز بالإجماع وليس من الواجبات
إذا يختلف الأمر بالنسبة للمقروء بين الفاتحة وغيرها من السور
• ثم قال - ﵀ -
ولبس الثوب والعمامة
لبس الثوب والعمامة جائز بلا كراهة والقاعدة التي تجمع الأفعال التي تجوز بلا كراهة هي أن
كل فعل يسير لحاجة فهو جائز بلا كراهة هذه قاعدة تريح الإنسان في أنواع الأعمال
والدليل على جواز مثل هذه الأفعال أن النبي - ﷺ - تناول رداءه في الصلاة ولبسه - ﷺ - وأيضًا النبي - ﷺ - حمل أمامه في الصلاة فكان يضعها إذا سجد ويأخذها إذا قام وأيضًا النبي - ﷺ - صلى يومًا بالناس على المنبر ليعلمهم كيفية الصلاة وكان يصعد وينزل مرارًا
[ ١ / ٤١٣ ]
وأيضاُ وهو الرابع أن النبي - ﷺ - فتح الباب لعائشة لما جاءت إلى المنزل وهو يصلي وهذا الحديث فيه ضعف لكن له شواهد كثيرة وتعضده النصوص السابقة
فهذه أربعة أدلة تدل على أن العمل إذا كان يسيرًا لحاجة جاز بلا كراهة
فإن كان يسيرًا لغير حاجة جاز مع الكراهة أما الكثير فسيذكر المؤلف تفصيله قريبًا
• ثم قال - ﵀ -
وقتل حية وعقرب وقمل
قتل الحية والعقرب في الصلاة جائز لأن النبي - ﷺ - أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب ولأن هذا العمل يحتاج إليه الإنسان
فإذا عرض للإنسان حية أو عقرب في أثناء الصلاة فإنه يقتل الحية أو العقرب ولو كان في ذلك عمل كثير
والدليل هو ما سبق للدليل وللحاجة إلى مثل هذا العمل ويقاس على الحية والعقرب كل ما يؤذي الإنسان ويشكل خطرًا عليه فإنه كذلك يقتل
ثم قال والقمل القمل أيضًا يجوز للإنسان أن يقتله أثناء الصلاة لأنه مروي عن بعض الصحابة ولأنه مؤذي
والقول الثاني أنه يكره قتل القمل في الصلاة
وهذا الثاني في الحقيقة أقرب إذ الاشتغال بمثل هذا الأمر أثناء الصلاة قد ينافي الخشوع
ويستثنى من هذا حالة واحدة إذا كان هذا القمل مؤذي جدًا وأشغله عن الصلاة فحينئذ يقتله في الصلاة
أما إذا كان لا يؤثر على صلاته فالأولى له أن يؤخر مثل هذا العمل إلى ما بعد الصلاة
وإنما قلنا الأولى ولم نقل يحرم لأنه مروي عن الصحابة أنهم فعلوا هذا في الصلاة أي قتل القمل
ثم قال مبينًا أحكام الفعل الكثير فإن أطال الفعل عرفا من غير ضرورة وبلا تفريق بطلت
أفاد المؤلف أن هناك فرقًا بين الفعل الكثير والفعل القليل والتفريق بين الفعل القليل والكثير محل إجماع
لكن اختلفوا في القدر الذي يعتبر به العمل كثيرًا أو قليلًا إذًا اختلفوا في تحديد الكثير لكنهم لم يختلفوا في التفريق بين القليل والكثير
واختلفوا على أقوال
القول الأول أنه يرجع في تحديد الفرق بين القليل والكثير إلى العرف
وهذا مذهب الحنابلة والشافعية
القول الثاني أن ضابط الكثير هو أنه إذا رؤي الرجل ظن أنه ليس في صلاة
وهذا الضابط للمالكية والأحناف
[ ١ / ٤١٤ ]
والقول الثالث أن اليسير ما يشبه أعمال النبي - ﷺ - التي قام بها في الأحاديث السابقة وما عداه فهو كثير
وهذا هو الراجح أنه يقاس القليل والكثير بأعماله - ﷺ - وأيضًا إذا تأملت الأقوال السابقة ستجد أنها متقاربة فالإنسان إذا صلى وظن من رآه أنه لا يصلي قريبة من العرف العام عند الناس أن هذا عمل عملًا كثيرًا يخل بالصلاة وهو أيضًا قريب من الضابط الأخير فإن هذا لا يشبه أبدًا عمل النبي ﷺ
فإذًا إذا فصل بهذا الكثير فإن الصلاة تبطل لانتقاء الموالاة بين أعمال الصلاة وللمنافاة بين هذه الأعمال وبين الطمأنينة والطمأنينة ركن من أركان الصلاة
وذكر الشيخ هنا قيود لهذا الشيء فقال فإن أطال الفعل عرفا تقدم معنا أن عرفًا هي أحد الأقوال في ضابط الكثير من غير ضرورة أما إن كان طول الفعل وكثرته للضرورة جاز ولو كثرت جدًا فإذا هجم على الإنسان سبع في الصلاة جاز له أن يهرب عنه ولا يقطع صلاته لأن هذا العمل الكثير ألجأت إليه الضرورة ولا فرق بين أن تكون الضرورة خاصة به هو كما في المثال الذي ذكرت أو أن تكون الضرورة متعلقة بغيره كأن يذهب إلى إنقاذ غريق أو إنقاذ حريق أو ليتفادى سقوط طفل أو ما شابه هذه الأعمال التي تتعلق بالغير ولكنها أيضًا توصف بأنها ضرورة ويدل على هذا كله قوله تعالى فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا ومن المعلوم أن الإنسان إذا ركب الفرس أو مشى راجلًا هاربًا من العدو أنه سيعمل أعمالًا كثيرة ومع ذلك أجاز الله ﷾ له أن يصلي وهو في هذه الحالة مع كثرت الأعمال للضرورة
• ثم قال - ﵀ -
وبلا تفريق
وهذا شرط مهم أي أنه يشترط في العمل الكثير الذي يبطل الصلاة أن يكون متواليًا فإن وقع متفرقًا فإنه لا يبطل الصلاة حتى لو فرضنا أنه لو جمعت هذه الأعمال لصارت مجتمعة فعلًا كثيرة فإن الصلاة لا تبطل
والدليل على هذا ما تقدم معنا من أن النبي - ﷺ - كان يحمل أمامه وهذا فعل لو جمع وضم بعضه لبعض لصار فعلًا كثيرًا حيث يضعها في كل ركعة ويجملها في كل ركعة
[ ١ / ٤١٥ ]
كذلك لما صلى للناس معلمًا لهم - ﷺ - على المنبر كان يصعد المنبر ثم ينزل للسجود ثم يصعد أخرى ليريهم صلاته - ﷺ - ومع ذلك كانت صلاته صحيحة
إذًا يشترط في الفعل الكثير الذي يبطل الصلاة أن يكون لغير ضرورة أو أن يكون متواليًا
• ثم قال - ﵀ -
بطلت ولو سهوا
تبطل الصلاة ولو وقع الفعل منه سهوًا أولًا لأن هذا الفعل الذي وقع منه سهوًا يخل بالموالاة وإن كان ناسيًا إلا أ، الإخلال وقع وحصل
الثاني أن الطمأنينة ركن والأركان لا تسقط بالسهو
والقول الثاني أن الإنسان إذا عمل عملًاَ كثيرًا سهوًا صحت صلاته ولم تبطل لأن النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين لما نسي وسلم قبل تمام الصلاة قام ثم جلس ثم شبك يديه وفي رواية ثم دخل المنزل وخرج ومن المعلوم أن هذه الأعمال كثير ومع ذلك بنى - ﷺ - على صلاته ولم يستأنف
فدل هذا الحديث على أن الأعمال الكثيرة إذا كانت سهوًا فإنها لا تبطل الصلاة
وكذلك يدل عليه عموم قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا
وهذا القول الثاني هو الصواب أن الأعمال الكثيرة إذا كانت سهوًا من غير عمد لا تبطل
ثم قال رحمه الله تعالى ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها
هذا التقرير كان من الأنسب أن يضمه المؤلف إلى الكلام على القراءة عند قوله تكرار الفاتحة لا جمع سور في فرض كنفل فإنها أنسب أن تكون في هذا الموضع ليجتمع الكلام عن أحكام القراءة
أو يضمها إلى مسألة قراءة السورة كاملة لما أخذ السنة في القراءة وذكرنا أن سنة النبي - ﷺ - الغالبة عليه أنه يقرأ سورة كاملة فلو ذكر هذا هناك لكان أنسب
المهم أنه يجوز للإنسان أن يقرأ من أواخر السور أو من أواسط السور لما صح في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في ركعتي الفجر قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إسماعيل البقرة
وفي الركعة الثانية قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء آل عمران
[ ١ / ٤١٦ ]
فالنبي - ﷺ - قرأ في هذه الصلاة بعض السورة من أوسط السورة فدل هذا على جواز القراءة
فتحصل معنا أنه يجوز للإنسان أن يقرأ من أول أو من وسط أو من آخر السور ولكن السنة أن يقرأ سورة كاملة
• ثم قال - ﵀ -
وإذا نابه شئ سبح رجل وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى
قوله وإذا نابه شئ قوله شيء عام يتناول ما إذا نابه شيء يتعلق بمصلحة الصلاة أو نابه شيء لا يتعلق بمصلحة الصلاة كما إذا استأذنه آدمي أو إذا أراد أن ينبه طفلًا فإنه يسبح
إذًا التسبيح لا يتعلق بأعمال الصلاة وإنما يجوز حتى فيما هو خارج أعمال الصلاة
سبح رجل وصفقت امرأة
الدليل على هذا أن النبي ﷺ قال إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفق النساء وفي لفظ في البخاري إنما التصفيق للنساء باستخدام آلة الحصر إنما
فقوله إذا نابكم شيء في الصلاة دليل على العموم وهو يدل على صحة ما يفهم من كلام المؤلف أنه إذا ناب الإنسان في صلاته شيء سواء كان هذا الشيء يتعلق بمصلحة الصلاة أو خارج مصلحة الصلاة فالحديث عام والسنة أن يسبح الرجل وتصفق المرأة
فإن سبحت المرأة كره لها لأن النبي - ﷺ - جعل لها التصفيق
مسألة هل يجوز التصفيق للرجال في الصلاة؟
الجواب أنه لا يجوز أن النبي - ﷺ - يقول إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال فجعل حظ الرجال التسبيح ونصيب النساء التصفيق
وهل يجوز التصفيق خارج الصلاة؟
محل خلاف بين الفقهاء
منهم من قال أن النهي عن التصفيق خاص بالصلاة للبعد عن التشبه بعبادات المشركين
ومنهم من قال أن النهي عن التصفيق عام في الصلاة وفي خارج الصلاة
وكما قلت لكم هي مسألة خلاف ولكن الأقرب والله أعلم أن الرجل منهي عن التصفيق داخل الصلاة وخارج الصلاة لأمرين
الأمر الأول أن الشارع الحكيم إذا نهى عن التصفيق في الصلاة مع الحاجة إليه ففي خارج الصلاة من باب أولى
الثاني هذا اللفظ الذي ذكرت لكم وهو في صحيح البخاري وهو قوله إنما التصفيق للنساء فحصر جواز التصفيق في النساء
[ ١ / ٤١٧ ]
فالأقرب والله أعلم أن الإنسان يبتعد عن التصفيق داخل الصلاة وخارج الصلاة وإن كانت مسألة خلاف لكن هذا الذي يظهر
وفي هذه المسألة بحوث كثيرة وآثار عن الصحابة تدل على أن النهي عام
• ثم قال - ﵀ -
ببطن كفها على ظهر الأخرى
بين المؤلف الصفة التي تصفق المرأة عليها فقال ببطن كفها على ظهر الأخرى
والقول الثاني أنها تصفق ببطن اليمنى على بطن اليسرى
والصواب أن الأمر في هذا واسع تصفق كيفما تيسر لها لأن الحديث الذي في البخاري لم يعين صفة التصفيق فهي تصفق حسبما يتيسر لها
• ثم قال - ﵀ -
يبصق في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه
فرق المؤلف في البصاق بين أن يكون الإنسان في المسجد وخارج المسجد ونحن نلخص لكم هذه المسألة
فنقول البصاق ينقسم إلى قسمين
إما أن يكون داخل المسجد
أو أن يكون خارج المسجد
فإن كان في المسجد فإنه يبصق في ثوبه ثم يمسح بعضه ببعض أو يبصق بما تيسر الآن من المناديل ونحوها
والمقصود من قول الفقهاء يبصق بثوبه يعني لا يجوز له أن يبصق في الأرض
الدليل أن النبي - ﷺ - قال البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها
ولقوله - ﷺ - إذا أراد أحدكم أن يتنخع فليتنخع على يساره تحت قدمه
فإن لم يمكن فليفعل هكذا ثم أخذ النبي - ﷺ - ثوبه وبصق فيه ومسح بعضه ببعض
إذًا الآن وضح معنا كيف يبصق الإنسان في المسجد
القسم الثاني أن يبدر إليه البصاق خارج المسجد فحينئذ يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسار
لقول النبي - ﷺ - إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه وليتنخم عن يساره أو تحت قدمه اليسرى
في الحديث السابق يقول عن يساره تحت وهنا يقول أو تحت
إذًا في الحديث النهي الصريح عن التنخم قبل الوجه وعن اليمين
إذًا إذا كان في المسجد فإنه يتنخم في ثوبه ويمسح بعضه على بعض ليذهب صورة النخامة
أو يتنخم في المناديل ونحوها التي تيسرت في وقتنا هذا
وإذا كان خارج المسجد فإنه يتنخم إما عن يساره أو تحت قدمه اليسرى
والبحث الآن إذا بدر البصاق للإنسان وهو يصلي
[ ١ / ٤١٨ ]
مسألة قال الإمام أحمد من فقه الرجل أن لا يبصق عن يمينه ولو خارج الصلاة وكذلك ذهب النووي والشوكاني إلى أن هذا التفصيل في الصلاة وخارج الصلاة أي أنه لا ينبغي للإنسان أن يبصق عن يمينه ولا من قبل وجهه لأن حديث أبي هريرة السابق عام لم يقيد أو لم يحدد أن يكون هذا في صلاة أو يكون في خارج الصلاة
فمن فقه الرجل ومعرفته بالأدلة أن لا يبصق في أي مكان من قبل وجهه أو عن يمينه وإنما يبصق عن يساره
إذًا تم بهذا آداب البصاق فيما يتعلق في المسجد وخارج المسجد وفي الصلاة وخارج الصلاة
•
ثم قال - ﵀ -
مبينا أحكام السترة وتسن صلاته إلى سترة
يعني أنه يسن أن يتخذ الإنسان سترة يصلي إليها والقول بأن اتخاذ السترة سنة وأن الصلاة لا تبطل ولا يأثم من تركه مذهب الأئمة الأربعة وجماهير الفقهاء
واستدلوا على السنية بقول النبي - ﷺ - إذا صلى أحدكم فليتخذ سترة وليدن إليها
والدليل على أنه لا يجب ما صح عن ابن عباس أنه قال أقبلت على حمار أتان والنبي - ﷺ - يصلي بأصحابه في منى إلى غير جدار
والقول الثاني أن اتخاذ السترة واجب
وقالوا أن الأحاديث الكثيرة تأمر بالسترة ولا يوجد في النصوص مخصص وأما حديث ابن عباس فإنه نفى الجدار ولم ينف غيره من أنواع السترة
والراجح أن السترة متأكدة جدًا لكن لا تصل إلى الوجوب قال الإمام الشافعي ﵀ وغفر له إلى غير جدار في الحديث أي إلى غير سترة
فالأقرب أن اتخاذها متأكد جدًا لكنه لا يصل إلى الوجوب والإثم
هذا ما يتعلق بحكم اتخاذ السترة
• ثم قال - ﵀ -
قائمة
معنى قائمة أي منصوبة يعني أنه إذا اتخذ الإنسان سترة ينبغي أن تكون منصوبة قائمة ولا تكون موضوعة على الأرض
• ثم قال - ﵀ -
كآخرة الرحل
يريد المؤلف أن يبين مقدار السترة فذكر أنها تكون كآخر الرحل لما أخرجه مسلم عن عائشة أن النبي - ﷺ - سئل في عزوة تبوك عن السترة فقال - ﷺ - كآخرة الرحل ولفظ مسلم كمؤخرة الرحل
وهذا يقرب من الذراع
[ ١ / ٤١٩ ]
فحد طول السترة ة ذراع أو نحوًا من الذراع وإنما لم يجزم الإنسان بأنه ذراع بالضبط لأن النبي - ﷺ - جعله كمؤخرة الرحل ومؤخرة الرحل تختلف من مؤخرة إلى أخرى فبعضها طويل وبعضها قصير لكن الوسط بينها هو ذراع
ونلاحظ أن المؤلف ﵀ بين مقدار السترة طولًا ولم يبين مقدار السترة عرضًا وقال الفقهاء أنه لا حد لمقدار السترة فيجوز أن يكون كالسهم ويجوز أن يكون جدارًا لأن النبي - ﷺ - اتخذ الحربة سترة وصلى إلى البعير وإلى الجدار
فإذًا الحد من جهةالعرض ليس له حد معين في الشرع وإنما المحدود شرعًا من جهة الطول
ومع ذلك قال الإمام أحمد كلما كانت السترة أعرض فهو أحب إليَّ
هذا معنى كلامه وليس لفظه واستدل الإمام أحمد بقول النبي - ﷺ - إذا صلى أحدكم فليستتر ولو بسهم
وجه الاستدلال في قوله ولو بسهم فهذا أدنى أنواع السترة وكل ما هو أعرض من السهم فهو أفضل من السهم
وهذا صحيح وهذا الحديث إسناده حسن
فإذا تمكن الإنسان من السترة العريضة فهي أولى من السترة السخيفة
• ثم قال - ﵀ -
فان لم يجد شاخصا فإلى خط
أي أنه يشرع للإنسان إذا لم يجد شاخصًا قائمًا أن يتخذ خطًا وهذا مذهب الحنابلة ومذهب الأوزاعي ومذهب أبي ثور
لقول النبي - ﷺ - إذا لم يجد أحدكم عصى فليتخذ خطًا
وهذا الحديث ضعفه عدد من الأئمة منهم الإمام الشافعي ومنهم الإمام ابن عيينة ومنهم الإمام الدارقطني ومنهم الحافظ ابن الصلاح
فهؤلاء رأوا أن حديث الخط مضطرب وضعيف
إذًا عرفنا مذهب الحنابلة وما هو دليلهم ودرجة هذا الدليل
القول الثاني لجماهير العلماء يرون أن اتخاذ الخط لا يشرع ولا يجزئ واستدلوا على هذا أيضًا بدليل قوي فقالوا النبي - ﷺ - سئل عن السترة فذكر أنها كمؤخرة الرحل فجاء التحديد من النبي - ﷺ - لكيفية السترة فما كان أقل من مؤخرة الرحل فإنه لا يجزئ لأن هذا تحديد من النبي - ﷺ -
والأقرب والله أعلم مذهب الحنابلة
[ ١ / ٤٢٠ ]
لكن ينتبه إلى أن الذين أجازوا اتخاذ الخط كلهم يشترط أن لا يجد شاخصًا فإن وجد شاخصًا فإنه لا يجزئه الخط
نحن نقول إذا لم يجد الإنسان شاخصًا فإنه يتخذ خطًا وهو أحسن من أن لا يصلي إلى شيء لاسيما وأن الحافظ ابن رجب يقول لعل الإمام أحمد اعتمد في القول بمشروعية الخط على آثار عن الصحابة وإلا فإنه صرح بضعف حديث الخط
السنة للمصلي
انتهى الدرس
[ ١ / ٤٢١ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال ﵀: -
وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط.
ذهب الحنابلة إلى أن المصلي إذا لم يتخذ سترة ومر بينه وبين سجوده كلب أسود بطلت الصلاة وهذا من مفردات الحنابلة واستدلوا على هذا بقول النبي ﷺ إذا صلى أحدكم فإنه يستره مثل آخرة الرحل فإذا لم يضع مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود.
قال الراوي لأبي ذر وهو راوي الحديث: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر فقال أبو ذر: سألت النبي ﷺ فقال: الكلب الأسود شيطان.
وهذا الحديث نص صريح في القطع لا يحتمل التأويل.
وذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأبو حنيفة ﵏ وغفر لهم إلى أن الكلب الأسود لا يقطع الصلاة.
واستدلوا بقول النبي - ﷺ -: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم».
وهذا الحديث ضعيف وممن ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والراجح كما لا يخفى مذهب الحنابلة لصراحة الدليل وقوته.
مسألة: جاء في بعض الآثار الصحيحة أن يقطع الصلاة الكلب ولم يقيده بكونه أسودًا وجاء في هذا الحديث - حديث أبي ذر - الذي معنا - تقييد الكلب بكونه أسودًا.
والصواب أن المطلق يحمل على المقيد في مثل هذه الأحاديث فنقول الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة فقط وغيره لا يقطع الصلاة.
مسألة: علل النبي - ﷺ - أن الصلاة تقطع بالكلب الأسود بأنه شيطان فإذا مر من أمام المصلي شيطان من الجن فهل تنقطع الصلاة؟
[ ١ / ٤٢٢ ]
الجواب: أن مثل هذا لا تتعلق به الأحكام لأن الإنسان لا يعلم بمرور شيطان الجن فإن علم بطريقة أو أخرى أنه مر وأن المار شيطان من شياطين الجن فاختار شيخ الإسلام أن الصلاة تنقطع.
ولكن هذا قد لا يتأتى العلم به لكن إنما ذكرت لك حكم المسألة.
• وقول الشيخ ﵀:
فقط.
أي أن الحمار والمرأة لا يقطعان الصلاة وهذا المذهب بل هو مذهب الأئمة الأربعة واستدلوا بثلاثة أدلة:
الدليل الأول: قوله - ﷺ - لا يقطع الصلاة شيء فادرؤوا ما استطعتم.
والدليل الثاني: قول عائشة ﵂ «أني كنت أضطجع أمام النبي - ﷺ - وهو يصلي».
والدليل الثالث: أن ابن عباس ﵁ لما جاء على حمار أتان في منى تركه يمر بين الصفوف.
والقول الثاني: وهو رواية للإمام أحمد وأظنها الرواية الثانية - واختيار شيخ الإسلام وابن القيم وعدد من المحققين أن الحمار والمرأة إذا مرا أمام المصلي تنقطع صلاته للحديث السابق الصريح أن المرأة والحمار والكلب الأسود يقطعون الصلاة.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
وأما الجواب عن أحاديث القول الأول فكما يلي:
أولًا: حديث لا يقطع الصلاة شيء تقدم أنه ضعيف.
ثانيًا: كون عائشة تعترض أمام النبي - ﷺ - وهو يصلي الليل لا دليل فيه لأن الذي يقطع هو المرور لا الاعتراض.
ومن كانت معترضة أمام المصلي فإنها لم تمر من أمامه.
الخلاصة أن الذي يقطع هو المرور لا الاعتراض أو الجلوس.
وأما حديث ابن عباس في تركه الحمار يمر بين الصفوف فالجواب عنه: أن المأموم سترته سترة إمامه فإذا مر من أمامه شيء فإن صلاته لا تنقطع لأنه تبع للإمام في السترة ولا يستقل بذلك.
فتبين الآن أن القول الأول وه أن الصلاة تنقطع بالمرأة والحمار هو الصحيح وهو الذي دل عليه الحديث الصحيح الذي لا مدفع له.
«مسألتين - ذكرهما الشيخ حفظه الله في جواب على سؤالين بعد انتهاء الدرس وهي:
ما الحكمة من كون المرأة تقطع الصلاة ولماذا قرنت مع الكلب والحمار؟
[ ١ / ٤٢٣ ]
الجواب: أن قرن المرأة بالكلب والحمار لا يدل على أي نوع من أنواع الغض من منزلة المرأة أو أنها قرنت مع هذين الشيئين مما يدل على أنها نازلة القدر؟ هذا قط ليس من مقصود الشارع ولا أحد يقول به مطلقًا.
لكن الحكمة من أن المرأة تقطع أحد أمرين:
أولًا: أن نقول الحكمة تعبدية. وأنه لا يعلم لهذا معنى معقولًا.
الثاني: أن تكون الحكمة أن المرأة عادة إذا مرت أمام الرجل أشغلته عن الصلاة وذهبت بلبها يعني بلب الصلاة من الخشوع والإقبال على الله ﷾ فناسب أن يحكم بقطعها للصلاة.
مسألة: هل المرأة تقطع الصلاة مطلقًا أو المرأة الحائض فقط؟
جاء في حديث ابن عباس «يقطع الصلاة المرأة الحائض».
وأخذ بهذا بعض الفقهاء فقالوا: المرأة إذا كانت حائض تقطع الصلاة وإذا لم تكن حائضًا لم تقطع الصلاة.
والقول الثاني: أن المرأة سواء كانت حائضًا أو غير حائض تقطع الصلاة وأخذوا بعموم حديث أبي ذر.
الراجح – الحقيقة الراجح ينبني على صحة هذه اللفظة وهي محل إشكال كبير من حديث دراسة الأسانيد لأن يحيى بن سعيد القطان والإمام الحافظ أبو داود أشاروا إلى تضعيف زيادة «المرأة الحائض» ويحيى بن سعيد القطان فشبه جزم بأنه وهم وأما أبو داود فتشعر من سياقه في السنن أنه يرى عدم صحة هذا اللفظ.
لكن في المقابل أبو حاتم الرازي الحافظ سئل عن هذا الحديث في كتابه العلل فقال: هو عندي صحيح.
وإذا تأمل الإنسان في أسانيد الحديث يحصل له من التردد ما حصل عند الأئمة لأن الذي زادها الإمام الحافظ شعبة وهو ﵀ إذا زاد مقبولة زيادته لكونه متثبت وحافظ لكن في المقابل الذين لم يزيدوا هذه اللفظة أيضًا عدد من الأئمة.
فلم يتبين لي ثبوت هذه اللفظة من عدم ثبوتها وإذا كان مثل هؤلاء الأئمة صار بينهم اختلاف فهذا يعني أن المسألة فيها نوع من الإشكال
لكن فقه هذه المسألة إن صحت هذه اللفظة فإنا نحمل المطلق على المقيد كما حملنا الكلب والكلب الأسود حملنا المطلق على المقيد هنا أيضًا نقول إن صحت هذه اللفظة فإنه لا يقطع الصلاة إلا المرأة الحائض فقط.»
•
ثم قال رحمه الله تعالى:
وله التعوذ عند آية وعيد والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض.
[ ١ / ٤٢٤ ]
أي أنه يشرع للمصلي في صلاة الفريضة والنافلة إذا مرت به آية رحمه يسأل الله وإذا مرت به آية عذاب يستعيذ بالله وإذا مرت به آية تعظيم يسبح الله لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - كان يسبح ويستعيذ ويسأل في صلاته إذا قام من الليل.
والقول الثاني: أن هذا الأمر مشروع في النافلة دون الفريضة.
واستدل أصحاب هذا القول بأن النبي - ﷺ - صلى عددًا كبيرًا من الفرائض وقرأ فيها من آيات الوعد والوعيد والتسبيح شيئًا كثيرًا ولم ينقل أحد من أصحابه عنه - ﷺ - أنه كان يسأل أو يستعيذ أو يسبح في الفريضة.
وهذا الدليل مخصص لعموم القاعدة التي تقول أنه ما ثبت في الفريضة ثبت في النافلة إلا بدليل.
فنحن نقول هنا وجد الدليل وهو أنه لم ينقل عنه - ﷺ - أنه فعل ذلك في الفريضة.
وهذا القول الثاني هو الأقرب للنصوص أنه لا يشرع مثل هذا الأمر إلا في صلاة النفل لا سيما في صلاة الليل.
وأما الحنابلة فهم يرون أن الأمر مشروع في الفريضة والنافلة.
فصل
[في حصر أفعال الصلاة وأقوالها]
• ثم قال رحمه الله تعالى:
فصل أركانها
المؤلف يريد بهذا الفصل أن يبين أركان وواجبات وسنن الصلاة فإن قيل ما الفائدة من ذكرها وقد ذكرت في صفة الصلاة؟ فالجواب: أنه ﵀ أراد أن يذكرها على سبيل الحصر والتعداد حتى يسهل على طالب العلم التفريق بين أنواع أعمال وأقوال الصلاة.
والأفعال والأقوال في الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما لا يسقط سهوًا ولا جهلًا ولا عمدًا. وهو الذي يسمى الركن ويسميه بعض الفقهاء الفرض.
القسم الثاني: ما لا يسقط عمدًا ويسقط جهلًا أو نسيانًا ويجبر بسجود السهو ويسمى الواجبات اصطلاحًا وإلا الأركان أيضًا من الواجبات لكن اصطلحوا على تسمية هذه الأعمال بالواجبات للتفريق بينها وبين الأركان فهي تسمية اصطلاحية.
القسم الثالث: ما يسقط عمدًا وسهوًا وجهلًا ولا يوجب سجود السهو وهي السنن والأصل أنه لا يسجد له في السنن وفي الباب الذي يلي هذا الباب - باب سجود السهو - سيأتينا تفصيل فيه هل هو مشروع أو جائز أو مكروه.
• ثم قال:
القيام
[ ١ / ٤٢٥ ]
القيام ركن في الصلاة بالنص والإجماع.
أما النص فقوله تعالى: «فقوموا لله قانتين» فنص على القيام وأمر به.
وأيضًا قوله ﷺ: صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا الحديث.
وأيضًا أجمع الفقهاء على أن القيام ركن من أركان الصلاة لا يسقط بحال.
مسألة: والقيام ركن من أركان الصلاة في الفريضة وأما في النافلة فهو جائز أن يأتي به أو أن يتركه لما صح في مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي ليلًا طويلًا قاعدًا.
فالقيام في النافلة إن شاء أتى به وإن شاء تركه ولو بلا عذر.
مسألة: والقيام في الفريضة ركن يسقط عند العجز لقوله تعالى «فاتقوا الله ما استطعتم».
وقوله - ﷺ - «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
وفي المسألة نص خاص وهو قوله - ﷺ - «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب» فنص النبي - ﷺ - على أن القيام يسقط عند العجز.
مسألة: متى يسمى المصلي غير مستطيع؟
في هذا أقوال للفقهاء أقربها - إن شاء الله - أنه إذا كان القيام يذهب خشوع المصلي بسبب المرض أو نحوه بحيث لا يستطيع أن يخشع كما ينبغي جاز له حينئذ أن يصلي جالسًا.
أي لا كما يفهم بعض الناس أنه لا يجوز أن يصلي قاعدًا إلا إذا إن صلى قائمًا سقط هذا الفهم غير وارد لا يجب على الإنسان أن يبقى قائمًا إلى حد السقوط وإنما قوله فإن لم تستطع يحمل على الركن الهام في الصلاة وهو الخشوع.
مسألة: القدر المجزئ من القيام هو أن لا يصل إلى القدر المجزئ من الركوع فإذا انحنى انحناء يسيرًا جاز ولا حرج على المصلي في ذلك.
التعليل: عللوا هذا بأن من انحنى انحناء يسيرًا لم يخرج عن مسمى القيام فقد أتى بالركن.
وبهذه المسألة انتهت المسائل المتعلقة بقوله: القيام.
• قال ﵀:
والتحريمة
تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة عند الفقهاء لقوله - ﷺ - تحريمها التكبير.
ولقوله - ﷺ - للمسيء استقبل القبلة ثم كبر.
[ ١ / ٤٢٦ ]
فدل هذا على أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تسقط لا سهوًا ولا جهلًا وأما عمدًا فمعلوم أنه إذا لم يكبر لم يدخل في الصلاة أصلًا.
•
ثم قال - ﵀ -:
• والفاتحة
الفاتحة تقدم معنا ذكر الخلاف فيها وأن الأقرب للصواب أنها ركن من أركان الصلاة وأن الدليل الدال على هذا حديث عبادة وهو قوله - ﷺ - لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب.
وحديث أبي هريرة كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج قالها ثلاثًا.
لكن المسألة التي نريد أن ننبه عليها هنا هي هل الفاتحة ركن في كل ركعة أو أنها ركن يقرأ مرة واحدة في الصلاة؟
في هذا خلاف بين الفقهاء:
فذهب الجمهور أنها ركن في كل ركعة واستدلوا على هذا بأدلة قوية.
الدليل الأول: أن النبي - ﷺ - يقول لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وقال للمسيء صلاته ثم اصنع هذا في صلاتك كلها.
ومعلوم أن الإنسان يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة فيجب أن يصنع ذلك في صلاته كلها.
الثاني: روي عن بعض الصحابة النص على أن الفاتحة واجبة في كل ركعة.
الثالث: قوله - ﷺ - لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة لكن هذا الزيادة - قوله في كل ركعة - ضعيفة.
فتحصل معنا الآن العمومات: ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها والآثار وهذا الحديث الضعيف وأخيرًا قوله - ﷺ - صلوا كما رأيتموني أصلي وقد داوم بغير انقطاع على قراءة الفاتحة في ركعة هذا الدليل الخامس الدليل السادس حديث قتادة الذي مر معنا أنه قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب. فنص على أنه يقرأ بفاتحة الكتاب في جميع الصلاة - ﷺ -.
وإذا رأى الإنسان أن هذه الأدلة مجتمعة علم أن هذا القول فيه قوة وأن الإنسان لا يجزأه مرة واحدة في الصلاة بل يجب أن يقرأ في كل ركعة فإذا تركها في ركعة من الركعات بطلت تلك الركعة إن كان سهوًا أو جهلًا.
والقول الثاني: عن الحسن البصري ﵁ أن الفاتحة تقرأ في ركعة واحدة.
[ ١ / ٤٢٧ ]
والقول الثالث: لبعض الفقهاء أنها تقرأ في الركعتين الأوليين فقط يعني أنها واجبة في الركعتين الأوليين فقط.
والراجح هو قول الجماهير الذي ذكرنا لهم فيه عدة أدلة.
•
ثم قال - ﵀ -:
• والركوع
الركوع ركن من أركان الصلاة. لقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا» ولقوله - ﷺ - للمسيء صلاته «ثم اركع حتى تطمأن راكعًا».
وتقدم معنا القدر المجزئ من الركوع وهو أن ينحني بحيث أن تصل يديه إلى ركبتيه فإن لم يصل إلى هذا الحد فإن الركوع باطل فيعتبر أنه لم يأت بالقدر الواجب من الركوع.
والركوع ركن باتفاق الفقهاء.
• ثم قال - ﵀ -:
والاعتدال عنه
الاعتدال من الركوع ركن من أركان الصلاة لقول النبي - ﷺ - للمسيء صلاته «ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا».
ونحب هنا أن نأخذ قاعدة في مسألة الأركان وهي كيف نستدل بحديث المسيء (الأعرابي) على أركان الصلاة؟
ووجه الاستدلال به عليها أن كل ما في هذا الحديث من الواجبات التي لا تسقط إذا لو كانت تسقط لسقطت عن الأعرابي لجهله.
فتحتاج أن تفهم هذه القاعدة في كل ركن نتكلم عنه من أركان الصلاة.
إذًا إذا قيل لك ما هو الدليل؟ حديث المسيء.
ما وجه الاستدلال؟ أنه لو كان هذا الفعل يسقط لسقط عن الأعرابي لكونه جاهلًا.
إذًا الاعتدال من الركوع يعتبر ركن من الأركان.
ولم يذكر المؤلف: الرفع من الركوع وإنما ذكر: الاعتدال لأن المؤلف يرى أنه لا حاجة لذكر الرفع لأن الرفع داخل في الاعتدال لأنه لا يمكن أن يعتدل إلا بعد أن يرفع وهذا مذهب الحنابلة.
والقول الثاني: أن الرفع ركن والاعتدال ركن فكل منهما ركن مستقل وهذا القول مال إليه الشيخ ابن مفلح في الفروع وهو الصواب أن الرفع ركن وأن الاعتدال بعد الرفع ركن آخر لأن كل منهما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
لو قال قائل: ما هي ثمرة الخلاف؟ لأنه لن يعتدل إلا بعد أن يرفع.
ثمرة الخلاف: قالوا لو رفع الراكع لا لأجل الرفع ولكن فزعًا من شيء ينوبه في الصلاة فهو حيئنذ رفع لا بنية الرفع من الركوع ولكن بنية الابتعاد عما أفزعه.
فهذا الشخص هل أتى با الرفع؟ لا.
[ ١ / ٤٢٨ ]
وهل أتى باعتدال؟ نعم لأنه إذا قام قد ينوي أنه اعتدل فيأتي بالركن.
فإذًا هذا الشخص الذي رفع فزعًا لم يأت بالرفع وهو ركن من أركان الصلاة.
فنقول ارجع إلى الركوع وارفع بنية الركنية أنك ترفع عن الركوع.
فصار هناك ثمرة كبيرة لمسألة هل الرفع ركن وهل الاعتدال ركن آخر أو هما ركن واحد.
فتبين معنا أن الصواب أن كل منهما ركن مستقل.
• ثم قال - ﵀ -:
والسجود على الأعضاء السبعة.
السجود على الأعضاء السبعة ركن من أركان الصلاة.
وهو ركن بإجماع المسلمين لقوله «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا».
ولقوله - ﷺ -: «ثم اسجد حتى تطمأن ساجدًا».
ولقول ابن عباس ﵁ "" أمرنا بالسجود على سبعة أعظم"".
فالنصوص كثيرة في إثبات وجوب وركنية السجود.
والاعتدال عنه.
الاعتدال عن السجود ركن من أركان الصلاة لقول النبي - ﷺ - «ثم ارفع حتى تطمأن جالسًا».
والخلاف الذي ذكرناه في الاعتدال من الركوع والرفع منه يأتي معنا هنا في الاعتدال بين السجدتين والرفع منه.
والصواب هو أن الرفع من السجود ركن والاعتدال بين السجدتين ركن آخر.
• ثم قال - ﵀ -:
والجلوس يبن السجدتين
والجلوس بين السجدتين ركن من أركان الصلاة لقوله في حديث المسيء «ثم ارفع حتى تطمأن جالسًا».
ولحديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان إذا رفع لا يسجد - يعني مرة أخرى - حتى يطمأن قاعدًا.
فالجلوس بين السجدتين أيضًا ركن يقابل الاعتدال من الركوع.
•
ثم قال ﵀:
والطمأنينة في الكل.
الطمأنينة في لغة العرب: السكون.
والطمأنينة في الشرع في الصلاة هي أن يسكن بقدر الذكر الواجب.
وقيل: هي أن يسكن أقل سكون.
والراجح هو القول الأول وممن اختاره من الفقهاء المجد – جد شيخ الإسلام ابن تيمية.
والفرق بينهما ظاهر فلو أن إنسانًا سجد وسكن في السجود أقل سكون بدون ذكر ثم رفع فالواجب عليه في مثل هذه الصورة عند أصحاب القول الثاني ماذا؟ سجود سهو فقط لأنه ما ترك ركن وإنما ترك الواجب وهو الذكر.
والواجب عليه عند أصحاب القول الأول أن يعيد السجود لأنه أخل بركن من أركانه وهو الطمأنينة.
فصار الفرق بين القولين كبير جدًا.
[ ١ / ٤٢٩ ]
والطمأنينة ركن عند الجماهير من أهل العلم واستدلوا على هذا بأدلة نذكر منها اثنين:
الأول: أن النبي - ﷺ - أعاد على المسيء قوله (ثم اطمأن أو حتى تطمأن).
وتقدم معنا أن المذكورات في حديث المسيء كلها واجبات أي أركان.
والدليل الثاني: حديث حذيفة أنه رأى رجلًا يصلي ولا يطمأن في صلاته فقال ﵁ له إنك لم تصلي ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمد - ﷺ -.وهذا الحديث في البخاري.
فحذيفة يرى أنه لم يصلي لأنه لم يطمأن في صلاته.
وخالف في الطمأنينة الأحناف وقالوا ليست بركن لأن من صلى من غير طمأنينة مع الإتيان بباقي الواجبات والأركان فقد أتى بجميع واجبات الصلاة.
وقد شنَّع كثير من أهل العلم على هذا القول وردوه وبينوا خطأه وأنه إذهاب لروح الصلاة.
وقد أطال جدًا شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير وجوب الطمأنينة في كتابه القواعد النورانية بكلام لا تجد في غير هذا الكتاب.
ذكر من أوجه الاستدلال والنصوص والشواهد والآثار ما إذا وقف عليه أي منصف عرف أنه الحق إن شاء الله.
انتهى الدرس
[ ١ / ٤٣٠ ]
قال شيخنا حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
• قال ﵀
والتشهد الأخير
التشهد الأخير ركن عند الحنابلة واستدلوا على ركنيته بحديث ابن مسعود قال كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على الله السلام على جبريل السلام على ميكائيل فقال النبي - ﷺ - قولوا التحيات لله
واستدلوا أيضًا عليه بأنه ثبت أن النبي - ﷺ - داوم عليه ولم يخل به وقال صلوا كما رأيتموني أصلي
وذهب الشافعية إلى أنه واجب
وذهب المالكية إلى أنه سنة
والصواب - إن شاء الله - مع الحنابلة لصراحة الأدلة التي استدلوا بها
• ثم قال ﵀
وجلسته
[ ١ / ٤٣١ ]
الجلسة للتشهد الأخير أيضًا ركن عند الحنابلة واستدلوا على هذا بأن النبي - ﷺ - قال إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله فنص على القعود - ﷺ -؟
واستدلوا أيضًا بأن التشهد الأخير ركن والجلوس هو محله فهو تابع له
وذهب المالكية إلى أن اركن هو الجزء الأخير من الجلوس من التشهد الأخير وهو الذي يوافق السلام فقط وما قبله سنة
والصواب أيضًا – إن شاء الله تعالى – ما قاله الحنابلة أن التشهد والجلوس له كلاهما ركن من أركان الصلاة
•
ثم قال ﵀
الصلاة على النبي محمد ﷺ فيه
يعني في التشهد الأخير
ذهب الحنابلة كما ترون إلى أن الصلاة على النبي - ﷺ - ركن من أركان الصلاة فلا تسقط سهوًا ولا جهلًا وبطبيعة الحال ولا عمدًا
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما
وجه الاستدلال أن الله ﷾ إذا كان أمر بالصلاة فإن أحرى المواضع بالوجوب أن تكون داخل المروضة
واستدلوا أيضًا بالحديث الذي تقدم معنا من حديث ابن مسعود وغيره من الصحابة أنهم قالوا للني - ﷺ - قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا
وفي لفظ أمرنا بالصلاة عليك فكيف نصلي عليك؟
وذهب الشافعية إلى أن الصلاة على النبي - ﷺ - واجبة وليست ركنًا من أركان الصلاة وحملوا أحاديث الحنابلة على الوجوب لا على الركنية
وذهب المالكية إلى انها سنة واستدلوا على ذلك بأن النبي - ﷺ - لم يعلمها المسيء صلاته
والجواب على دليل المالكية أن النبي - ﷺ - إنما علم المسيء ما أساء فيه فقط ولذلك ليس في الحديث أنه علمه التسليم والتسليم ركن
ويجب أن يُعْلَمَ هذا الجواب لأن المالكية والأحناف يستدلون بحديث المسيء في أشياء كثيرة مما سيأتي معنا في آخر هذا الباب
الخلاف في مسألة حكم الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد قوي والأدلة فيها شيء من التقابل أي من حيث القوة
[ ١ / ٤٣٢ ]
والأقرب والله أعلم مذهب الشافعية فهو وسط بين القولين ولعل الأحاديث تدل على الوجوب لا على الركنية
مسألة في القدر المجزيء من الصلاة على النبي - ﷺ -
على القول بأنها ركن فالقدر المجزيء منها أن يقول اللهم صل على محمد ولا يلزم أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية كاملة
وأيضًا على القول بالوجوب كذلك
والقول الثاني أنه يجب أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية بنصها كاملة لأن النبي - ﷺ - لما علمهم كيف يصلون علمهم الصلاة الإبراهيمية وقد سألوا عن الصلاة عليه - ﷺ - داخل الصلاة والراجح هو القول الأول أن المجزئ هو اللهم صل على محمد لأن هذا الذي يتوافق مع ظاهر القرآن لأنه قال صلوا عليه وسلموا تسليمًا فأمر بمطلق الصلاة
•
ثم قال ﵀
والترتيب
أي ترتيب أفعال الصلاة ركن عند الأئمة الأربعة بل حكاه بعض العلماء إجماعًا أنه لم يختلف في أن الترتيب ركن من أركان الصلاة
واستدلوا على هذا بأن النبي - ﷺ - لما علم المسيء الصلاة كان يقول له ثم افعل كذا ثم افعل كذا وثم تقدم معنا أنها نص في الترتيب
واستدلوا أيضًا بدليل آخر وهو أن النبي - ﷺ - كان يصلي مرتبًا وقال صلوا كما رأيتموني أصلي ولم يخل بالترتيب أبدًا - ﷺ -
إذًا لا إشكال من جهة الترتيب أنه ركن
• ثم قال ﵀
والتسليم
لم يبين المؤلف ﵀ هل التسليم يقصد به التسليمتين؟ أو يقصد به تسليمة واحدة؟ وعبر بهذا التعبير العام
فنقول المذهب أن التسليمتين ركن لقول النبي - ﷺ - وتحليلها التسليم وأل في قوله التسليم للعهد الذهبي ويقصد به تسليمه - ﷺ - وتقدم معنا أنه ثبت في حديث ابن مسعود وثبت في حديث جابر أن النبي - ﷺ - كان يسلم عن يمينه وكان يسلم عن يساره وأنه كان يقول السلام عليكم ورحمة الله
ولذلك يقول الإمام أحمد ثبت عندنا أن النبي - ﷺ - كان يسلم تسليمتين لوضوح النصوص وكثرتها
والقول الثاني أن التسليمة الأولى ركن والثانية سنة
[ ١ / ٤٣٣ ]
واستدلوا على هذا بأنه روي عن النبي - ﷺ - أنه سلم تسليمة واحدة
والصواب أنه لا يثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - سلم تسليمة واحدة إن ذهب بعض المعاصرين من علمائنا الأفاضل إلى تصحيحة لكن أنه لا يثبت عن النبي - ﷺ - أنه سلم تسليمة واحدة
هذا الدليل الأول وعرفتم أنه ضعيف
الدليل الثاني صح عن أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يسلمون مرة واحدة وهذا صحيح عنهم وجاء عن عدد من الصحابة
الدليل الثالث أنه حكي الإجماع على أن التسليمة الواحدة تجزيء وممن حكاه ابن المنذر ﵀
والأقرب والله أعلم القول الثاني وقد نصره ابن قدامة نصرًا عظيمًا وأكال في تقريره بل إنه مال إلى أنه لا يثبت عن الإمام أحمد إيجاب تسليمتين ولذلك ابن مفلح في الفروع حين كان سيرد الأركان قال والتسليمة الأولى هكذا قال
فالأقرب والله أعلم أن التسليمة الأولى تجزيء وأن الثانية ليست بركن وأنما سنة أولًا لأنه روي عن الصحابة وهذا يجعل الإنسان يتوقف عنده ثانيًا أنه حكي الإجماع أن التسليمة الأولى تجزيء إذا انفردت
مسألة الخلاف السابق في الفروض أما النوافل وصلاة الجنازة فقد حكي الإجماع على إجزاء تسليمة واحدة فيها فلو أن الإنسان صلى أي نافلة مطلقة أو مقيدة معينة أو غير معينة وسلم تسليمة واحدة فإن هذه التسليمة تجزيء عنه وصلاته صحيحة
• ثم قال ﵀
وواجباتها التكبير غير التحريمة
يقصد بالتكبير هنا تكبيرات الانتقال من ركن إلى ركن فهذه التكبيرات عند الحنابلة واجبة
واستدلوا على هذا بأن النبي - ﷺ - كبر وأمر بالتكبير وداوم عليه وقال صلوا كما رأيتموني أصلي
فمن أحاديث الأمر قوله - ﷺ - فإذا كبر فكبروا فأمر بالتكبير - ﷺ -
والقول الثاني أن التكبيرات سنة فإذا تركها ولو عمدًا فلا شيء عليه
واستدلوا على هذا أن النبي - ﷺ - لم يأمر بها المسيء صلاته حين كان يعلمه
[ ١ / ٤٣٤ ]
وعرفنا كيف نجيب على هذا الاستدلال لأصحاب هذا القول وهو أن نقول إنما علمه النبي - ﷺ - ما أساء فيه وقد ترك من الأركان أشياء كالتسليم
والقول بأن التكبيرات سنة هو مذهب الجمهور
والأقرب والله أعلم أنها واجبة
• ثم قال ﵀
والتسمع والتحميد وتسبيحتا الركوع والسجود وسؤال المغفرة مرة مرة
وهذه الخلاف فيها تمامًا كالخلاف في تكبيرات الانتقال،
فالحنابلة يرون أنها واجبة لما تقدم من الأدلة وهو أن النبي - ﷺ - فعلها وأمر بها وداوم عليها وقال صلوا كما رأيتموني أصلي والجمهور يرون أنها سنة لحديث المسيء
فالكلام في الحقيقة في أذكار الصلاة واحد التكبير والتسميع والتحميد والتسبيح وسؤال المغفرة هذه خمسة أذكار الخلاف فيها واحد بين لوجاهة استدل به الحنابلة
والتسميع فيه خلاف خاص بالنسبة للمأموم وهو خلاف خارج عن هنا فالخلاف هنا في الإمام والمنفرد
• ثم قال ﵀
ويسن ثلاثا
يعني يسن أن يستغفر ثلاث مرات والدليل أن حذيفة قال النبي - ﷺ - كان يقول رب اغفر لي رب اغفر لي إشارة إلى أنه يكرر والمعهود عن النبي - ﷺ - أن يكرر الذكر ثلاث مرات
فقالوا بناء على هذا التقرير أن السنة أن يقول رب اغفر لي ثلاث مرات
وهل يجب أن يستغفر بهذا الذكر بأن يقول رب اغفر لي أو يجوز أن يقول اللهم اغفر لي أو يقول غفرانك أو يستغفر بأي صيغة كانت؟
تقدم معنا الخلاف في هل تتعين صيغة سبحان رب العظيم أو لا تتعين هذه الصيغة؟ الخلاف هو نفسه هنا
ورجحنا هناك وذكرت لكم أنه يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية – أن هذه الصيغة لا تتعين فكذلك هنا نقول هذه الصيغة لا تتعين فإذا سبح أو استغفر بأي صيغة جاز وأتى بالواجب
• ثم قال ﵀
والتشهد الأول
وهو واجب عند الحنابلة وكذلك عند إسحاق والليث بن سعد من أئمة فقهاء الحديث واستدلوا على الوجوب بقوله - ﷺ - قولوا التحيات لله
[ ١ / ٤٣٥ ]
واستدلوا على أنها واجبة وليست بركن بأن النبي - ﷺ - لما ترك التشهد الأول جبره بسجود السهو ولو كان ركنًا لم يجبره بالسجود وإنما لزم أن يأتي به
فصار الدليل على التشهد واجب مركب من هذين الدليلين أنه أمر به ولما تركه سجد له سجود السهو - ﷺ -
القول الثاني أنه سنة وهو للجمهور ويستدلون على ذلك أيضًا بحديث المسيء
وتقدم معنا مناقشة الاستدلال بحديث المسيء على ترك الواجبات أو بعض الأركان
والصواب أيضًا إن شاء الله مع فقهاء الحديث أحمد وإسحاق والليث أن التشهد الأول واجب
• ثم قال ﵀
وجلسته
الخلاف في جلسة التشهد الأول كالخلاف في التشهد الأول
•
ثم قال ﵀
وما الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة
السنة لها تعريفات بثلاث اعتبارات
باعتبار اللغة وباعتبار الشرع وباعتبار الاصطلاح
فالسنة لغة الطريقة فسنة النبي - ﷺ - يعني طريقته
والسنة شرعًا هي ما تلقي عن النبي - ﷺ - من غير القرآن سواء كان على سبيل الإيجاب أو الندب
فيقال مثلًا الأصل الكتاب والسنة ويقصد بمثل هذه العبارة بكلمة والسنة أي ما نقل عن النبي - ﷺ - وهو خارج عن القرآن
والسنة في الاصطلاح – وهو التعريف الثالث هي ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه
أي إن فعله المسلم فقد أحسن وإن تركه فلا يؤنب
• ثم قال ﵀
وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة
فكل ما مار معنا في صفة الصلاة مفصلة مما يخرج عما اعتبره المؤلف من الشرائط أو الأركان أو الواجبات فهو سنة
تبين من كلام المؤلف أن الخشوع سنة لأنه لم يذكر مع الشرائط ولا الأركان ولا الواجبات
والخشوع في لغة العرب هو الخضوع والتذلل
فقيل إن الخشوع متعلق بالجوارح والخضوع متعلق بالقلب
والخشوع في الحقيقة اصطلاحًا معروف إذا قيل لك ما هو الخشوع في الصلام فتعرف ما هو الخشوع في الصلاة لكن مع ذلك عرفوه ليقربوا معناه فقالوا هو حالة من سكون النفس تنطبع على الجوارح
وهذا التعريف أصعب من المفهوم المتبادر للذهن لكن هكذا عرفوه
[ ١ / ٤٣٦ ]
وفهمنا من التعريف أن من زعم أنه خاشع وهو يعبث في الصلاة فإن زعمه ينافيه عبثه الظاهر منه من عمل الأركان
المهم أن الخشوع في الغالب ينطبع وينعكس على الجوارح بحيث لا يتحرك الإنسان في الصلاة إلا لحاجة
فالخشوع عند جميع أهل العلم سنة يعني مقدار أنه مستحب ومسنون هذا متفق على عند جميع الأئمة لقوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون
ولما نقل متواترًا عن النبي - ﷺ - وكبار أصحابه من العناية الفائقة بالخشوع ولذلك قالت عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن
إذًا كون الخشوع مستحب وسنة هذا متفق عليه
وقال بعض الفقهاء بل هو واجب فإن تركه بطلت صلاته
والقول الأول عليه الأئمة الأربعة واختاره شيخ الإسلام وهو الأقرب
فمن صلى صلاة غلبت عليه الوساوس من أولها إلى آخرها صحت وأجزأت عن الفريضة وإن كان نقص ثوابه نقصانًا عظيمًا ولا شك أنه خسر خسرانًا كبيرًا من حيث الأجر والثواب والصلاح ينتظره الإنسان من الصلاة
• ثم قال ﵀
فمن ترك شرطا لغير عذر بطلت
إذا ترك الإنسان أحد الشروط من غير عذر من الأعذار بطلت الصلاة
أما إن تركه لعذر فالصلاة صحيحة فإذا ترك الاستقبال لعذر كأن يكون مريضًا لا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة أو ترك الطهارة بالماء وتيمم لكونه مريضًا فهنا ترك أحد الشرائط لكن لعذر فصلاته صحيحة
ويفهم من كلام المؤلف أن هذا عام في جميع الشروط أن من تركها بغير عذر بطلت
والصواب أن هذا يحتاج إلى تقسيم فنقوا الشروط تنقسم إلى قسمين
القسم الأول الشروط التي هي من باب المأمورات والمطلوبات كالوضوء فهذه لا تسقط بالجهل ولا بالنسيان
القسم الثاني الشروط التي هي من باب المنهيات والمحذورات كإزالة النجاسة فهذه تسقط جهلًا ونسيانًا
وهذا التقسيم للشروط هو الصواب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أظهر الروايتين عن أحمد
فإذا ترك المصلي شيئًا من الشروط التي هي من المحذورات جهلًا ونسيانًا كأن يصلي وعلى ثوبه نجاسة وهو ناس لهذا النجاسة فصلاته صحيحة
[ ١ / ٤٣٧ ]
أما إن صلى وقد ترك شيئًا من الشروط التي هي من باب المأمورات كأن يصلي وعليه جنابة ناسيًا الاغتسال فصلاته غير صحيحة وعليه أن يعيد الصلاة
• ثم قال ﵀
غير النية فإنها لا تسقط بحال
النية لا تسقط بحال لا لعذر ولا لغير عذر لأنه لا يُعْجَزُ عنها يعني لا أحد يعجز عن النية حتى لو كان مريضًا أو مسافرًا أو لأي عذر من الأعذار فإنه يستطيع أن يأتي بالنية فهي لهذا السبب لا تسقط بحال من الأحوال لا بعذر ولا بغير عذر
• ثم قال ﵀
أو تعمد المصلي ترك ركن أو واجب بطلت صلاته
بطلت الصلاة لأنه متلاعب بل يستحق - إذا كان هذا منه على سبيل الاستهزاء أو التلاعب - التعزير كما صرح الفقهاء بأن يؤدب على تركه الأركان والواجبات عمدًا
بل صرح الفقهاء أن من صلى على غير طهارة عالمًا فإنه يعزر من قبل القاضي لأنه متلاعب
ومعلوم أن هذا العمل ليس له حد معين في الشرع فيرجع فيه إلى التعزير
• ثم قال ﵀
بخلاف الباقي
الباقي هي السنن
ومراده بقوله بخلاف الباقي أنه لو ترك السنن عمدًا فإنه تبقى صلاته صحيحة لأن الإتيان بالسنة ليس بواجب
• ثم قال ﵀
وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال
السنن تنقسم إلى قسمين
سنن أقوال
وسنن أفعال
قال بعض الفقهاء وهناك قسم ثالث وهي سنن الهيئات - هيئة المصلي
والتحقيق أن الهيئات ليس شيئًا مستقلًا برأسه بل سنن الهيئات مندرج في سنن الأفعال لأن الهيئة هي صورة الفعل فقول الفقهاء سنن الأفعال يغني عن إيجاد قسم ثالث وهو سنن الهيئات
•
ثم قال ﵀
ولا يشرع السجود لتركه وإن سجد فلا بأس
السجود لترك السنة عند الحنابلة لا يشرع أي ليس بواجب ولا مستحب بل جائز فيجوز أن يسجد إذا ترك سنة لكن لا يستحب ولا يجب
وعن الإمام أحمد في سجود السهو لترك السنن ثلاث روايات
الأولى أنه جائز ولا يشرع لا استحبابًا ولا وجوبًا
واستدل على هذا بأن سجود السهو زيادة في الصلاة فلا تشرع إلا بتوقيف
واستدلوا على أنها تجوز بأنها داخلة تحت العمومات كقول النبي - ﷺ - في حديث حذيفة لكل سهو سجدتان فقوله كل من ألفاظ العموم عند العلماء
[ ١ / ٤٣٨ ]
واستدلوا بعموم قول النبي - ﷺ - إذا سهوت فاسجد سجدتين
وحديث لكل سهو سجدتان ضعيف
وأما الحديث الثاني إذا سهوت فاسجد سجدتين فيبينه أول الحديث إذ فيه من زاد أو نقص فبين أن السجود يتعلق بالزيادة أو بالنقص
الرواية الثانية عن الإمام أحمد أن السجود لا يشرع أصلًا
واستدلوا بما استدل به الفريق الأول أن هذا عمل زائد في الصلاة ويحتاج إلى توقيف لمعرفة شرعيته وليس عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه مشروعية السجود لترك السنن
والرواية الثالثة عن الإمام أحمد أنه مشروع في الأقوال دون الأفعال
والأقرب والله أعلم المذهب أنه جائز
ما السبب؟ السبب في هذا أنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه في أثر صحيح مطلقًا أنه سجد للسهو لترك السنن
ومن المعلوم أن أصحاب النبي - ﷺ - يبعد جدًا أنهم لم يتركوا سنة من السنن سهوًا ومع ذلك لم ينقل عنهم أبدًا أنهم صلوا أو سجدوا لترك السنن
فهذا في الحقيقة دليل قوي للذين يقولون بأنه لا يشرع ولكنه جائز فقط بل هو في الحقيقة دليل قوي للرواية الثانية أنه لا يشرع مطلقًا لمن نقول ما دام فيه نصوص عامة وإن كان في إسنادها ضعف ما نستطيع أن يقول يحرم أن تسجد لسجود السهو وإن كان قولًا قويًا في الحقيقة
لكن نبقى مع المذهب لما تعضده من نصوص عامة
مسألة ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ قيدًا مهمًا فقال إنما يجوز أن يسجد المسلم للسهو إذا ترك سنة لم تخطر على باله فإنه لا يحل له أن يسجد للسهو بتركها
وهذا تنبيه مهم جدًا وقيد يبين المسألة ويدل على فقه الشيخ ﵀
فإذا كان الإنسان ليس من عادته أن يرفع إذا أراد أن يركع أو يسجد أو إذا قام من التشهد الأول
أو ليس من عادته أن يزيد في التسبيح الواجب إلى السنة
أو ليس من عادته يقيم ظهره الإقامة المسنونة
ثم أراد أن يسجد للسهو لتركه هذه السنن فنقول سجودك للسهو غير مشروع
[ ١ / ٤٣٩ ]
إنما يشرع لمن كان معتادًا على الإتيان بالسنة ثم تركها نسيانًا أو كان عازمًا أثناء الدخول في الصلاة على الإتيان بهذه السنة ثم تركها سهوًا حينئذٍ نقول السجود الآن لا يستحب ولا يجب ولكنه جائز فقط
انتهى الدرس،،،
[ ١ / ٤٤٠ ]