بسم الله الرحمن الرحيم.
• يقول رحمه الله تعالى:
باب صلاة الإستسقاء.
أي باب تبين فيه أحكام صلاة الاستسقاء من حيث الحكم التكليفي والكيفية وغير ذلك.
والاستسقاء: لغة: طلب السقيا.
والسقيا مفرده: سقي. والسقي هو: أخذ الحظ من الشرب.
وفي الاصطلاح: طلب إنزال المطر بصفة مخصوصة عند شدة الحاجة.
بدأ المؤلف أول ما بدأ بالأسباب الموجبة لصلاة الاستسقاء.
• فقال ر حمه الله:
إذا أجدبت الأرض وقحط المطر.
إذا أجدبت الأرض: الجدب: ضد الخصب.
والخصب هو: نموا العشب والكلأ وحلول البركة فيه.
هذا السبب الأول.
وقحط المطر: معناه: أي احتبس ولم ينزل.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
والمؤلف يقول: إذا أجدبت الأرض وقحط المطر ولم يقل: أو لأن الغالب والكثير أن الجدب يكون بسبب القحط لكن لو فرضنا أنه نزل مطر ولكن مع ذلك بقيت الأرض مجدبة فهل يشرع أن يصلي الإنسان صلاة الاستسقاء؟
الجواب: نعم. لأن المقصود من نزول المطر وجود الكلأ أو العشب ولا يستفيد الناس من المطر إلا بهذا.
نعم .. للمطر فائدة أخرى وهي: أن يتجمع ليشرب منه الناس والدواب لكن المقصود الأساس لا سيما في القديم هو طلوع العشب والكلأ الذي معه تتحسن أحوال الدواب والناس.
ولذلك لو أن المؤلف ﵀ قال: أو. لربما كان أدق لكنه لم يقل أو لأن الغالب أن القحط والجدب يتلازمان.
•
ثم قال ﵀:
صلوها.
الاستسقاء من حيث هو مشروع بإجماع أهل العلم. لكن الخلاف وقع في صلاة الاستسقاء.
= فذهب الجماهير والجم الغفير من السلف والخلف إلى أنه تشرع وتسن صلاة الاستسقاء إذا وجد سببها.
واستدلوا على هذا:
- بما جاء في الصحيحين عن عبد اله بن زيد أن النبي ﷺ خرج وصلى صلاة الاستسقاء.
= والقول الثاني: لأبي حنيفة أن الصلاة لا تشرع وإنما يشرع الدعاء فقط.
واستدل على هذا:
- بأن النبي ﷺ لما شكي إليه القحط وقلة المطر وتضرر الناس والدواب يوم الجمعة رفع يديه ودعا واستسقا ولم يخرج للصلاة.
وهذا القول في الحقيقة لا قيمة له مطلقًا كما قال كثير من الفقهاء والمحققين لأنه مصادم للنص مصادمة صريحة فقد ثبت في الصحيحين أنه ﷺ خرج وخطب وصلى فكيف نرد مثل هذا الحديث بأن النبي ﷺ مرة دعا واستقا في الجمعة بدون خروج.
• ثم قال ﵀:
جماعة.
يعني: أن صلاة الاستسقاء جماعة كما سيأتينا أنه ينبغي للإمام أن يخبر الناس ليخرجوا بصفى مخصوصة سيأتي ذكرها.
• ثم قال ﵀:
وفرادى.
يعني: مع كون الجماعة أفضل إلا أنه يجوز أن يصلي الناس صلاة الاستسقاء فرادى.
وفي تجويز صلاة الاستسقاء فرادى نظر ظاهر لأنه لم ينقل أبدًا عن أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه استسقا بالصلاة - فنحن نتحدث عن الصلاة - بمفرده بلا جماعة.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
أما الدعاء فيشرع لأفراد الناس لكن الصلاة في القول بمشروعيتها لأفراد الناس نظر ظاهر والصواب أنه لا تشرع صلاة الاستسقاء إلا بالصفة التي جاءت عن النبي ﷺ جماعة.
• ثم قال ﵀:
وصفتها في مواضعها وأحكامها كعيد.
يعني: أن أحكام صلاة الاستسقاء كأحكام العيد تمامًا.
- لقول ابن عباس: سنة الاستسقاء سنة العيد.
بناء على هذا: يتفرع عندنا مسائل كثيرة:
- فتشرع في الصحراء.
- ويشرع لها التكبير سبعًا وخمسًا في الأولى والثانية.
- ويشرع الذكر بين التكبيرات.
- وكل ما قيل في صلاة العيد يقال هنا.
إلا أنهم استثنوا بعض المسائل وصار فيها خلاف بينهم:
- المسألة الأولى: وهي من أهم المسائل:
الوقت.
= فالحنابلة يرون أن وقت الاستسقاء وقت الأفضلية في صدر النهار كصلاة العيد ويجوز أن تؤدى بعد الزوال.
بل تجوز في كل وقت عدا أوقات النهي. فيجوز أن يصليها قبلر الزوال وبعد الزوال وفي الليل وفي النهار في كل وقت إلا في أوقات النهي.
= والقول الثاني: وهو مذهب الإمام مالك: أن صلاة الاستسقاء يبدأ وقتها من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح وينتهي بالزوال كصلاة العيد تمامًا.
واستدل على هذا:
- بالأثر السابق: سنة صلاة الاستسقاء سنة العيد. وهذا يشمل الوقت.
- وثانيًا: أنه لم يصلها النبي ﷺ إلا في هذا الوقت. وكذلك الخلفاء ومن بعدهم.
وهذا القول الثاني: هو الصواب.
وتختلف صلاة الاستسقاء عن صلاة العيد كما سيأتينا في أن لها خطبة واحدة ولصلاة العيد خطبتان على ما تقدم وسيأتي التنبيه إليه.
وتختلف في موضع الخطبة: ففي صلاة العيد يبدأ بالصلاة ثم الخطبة. وفي صلاة الاستسقاء سيأتينا الخلاف في هذه المسألة المهمة وسينص المؤلف على موضع الخطبة:
•
ثم قال ﵀:
وإذا أراد الإمام الخروج لها: وعظ الناس، وأمرهم بالتوبة إلى آخره.
إذا أراد الإمام أن يخرج فإنه يسن له أن يعظ الناس.
وعنى وعظ الناس: يعني خوفهم وذكر لهم ما يوجب رقة القلب والخشوع.
- والدليل على هذا:
- أنه ثبت بإسناد صحيح أن عمر بن عبد العزيز لما أراد أن يخرج للاستسقاء كتب خطابًا فيه موعظة إلى ميمون بن مهران ﵁.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
ومعنى أن نستدل عمل عمر بن عبد العزيز أنه ليس في الباب نص مرفوع ولا أثر موقوف.
ولكن في الحقيقة عمل الإمام أن يخوفهم ويذكرهم فيه مصلحة عظيمة وهو يتوافق مع أصول الشرع لا سيما وأن مثل عمر بن العزيز بحضرة العلماء من التابعين يصنع هذا الصنع وهو الموعظة فهذا يجعل الإنسان يرى أن هذا لا بأس به ولا نقول سنة لكن نقول لا بأس به.
• ثم قال ﵀:
وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم.
يأمرهم بالتوية من المعاصي والخروج من المظالم لأن هذا من أسباب نزول المطر فإن الذنوب سبب لمنع القطر ولذلك يقول النبي ﷺ: (مامنع قوم الزكاة إلا منعوا القطر من السماء).
فهذا الحديث كالأصل أن كثرة الذنوب هي سبب منع القطر وإنما تضاد الذنوب بالتوبة كما الشيخ.
قوله: والخروج من المظالم: الخروج منها نوع من أنواع التوبة من المعاصي وإنما نص عليها لأن التوبة من المظالم التي بين الخلق أشد وأهم وأجب من التوبة التي بين العبد وبين ربه لأن المعاملة بين العبد والرب تدخلها المسامحة والعفو والصفح من الكريم الرحمن.
بينما المعاملة بين الخلق يدخلها الشحناء والتباغض والمنازعة فلذلك نص المؤلف على مسألة الخروج من المظالم وهذا أمر صحيح فينبغي للإنسان أذا أخذ مالًا ظلمًا أو اغتاب أحدًا أو قصر في عمل أن يتوب من هذا قبيل الخروج لصلاة الاستسقاء.
ومن المعلوم أنلا التوبة واجبة في كل حين ولكنها تتأكد عند الخروج لصلاة الاستسقاء.
•
ثم قال ﵀:
وترك التشاحن.
التشاحن هي: العداوة والبغضاء التي تقع بين الناسز
فيجب على الإنسان أن يترك التشاحن إذا أن يخرج لصلاة الاستسقاء.
- أولًا: أن التشاحن يولد المعاصي لأنه مع التشاحن دائمًا توجد المظالم فإن الشحناء والعداوة تحمل صاحبها على ظلم أخيه.
- ثانيًا: أن التشاحن والعداوات هي بنفسها من أسباب رفع الرحمة ولذلك لما أراد النبي ﷺ أن يخبر أصحابه بليلة القدر رفعت لأنهم تلاحوا فيها وتنازعوا فصار التنازع هو بحد ذاته من أسباب رفع الخير.
ولذلك يندب للإنسان أن يتركه إذا أراد أن يخرج لصلاة الاستسقاء.
• ثم قال ﵀:
والصيام والصدقة.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
يعني: أنه يستحب للإنسان في اليوم الذي يريد أن يخرج فيه لصلاة الاستسقاء أن يصوم وأن تصدق.
- أما الصوم: فلقول النبي ﷺ: (دعوة الصائم لا ترد) وهمة إنما خرجوا ليدعوا الله فناسب أن يكونوا صائمين.
- وأما الصدقة فلأنها من أسباب جلب الرحمة.
= والقول الثاني: أنه لا يشرع على سبيل الخصوص أن يصوم أم أن يتصدق ولا يشع للإمام أن يحث الناس على أن يصوموا أو يتصدقوا لأنه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك مع كونه خرج في صلاة الاستسقاء.
فإن قيل: مالفرق بين الصيام والصدقة ومسألة التوبة وترك التشاحن والخروج من المظالم .. إلى آخره .. فكذلك لك يأت عن النبي ﷺ أنه أمر الناس بشيء من هذا؟
فالجواب: أن التوبة وترك التشاحن ودفع المظالم هذا يطلب في كل حين يطلب بأصول الشرع بخلاف الصوم فالصوم لا يمكن أن نقول يشرع أن تصوم في اليوم الفلاني بالذات إلا بدليل وكذلك الصدقة.
فافترقا من هذا الوجه.
•
ثم قال ﵀:
ويعدهم يومًا يخرجون فيه.
يعني: وينبغي للإمام أن يبين للناس اليوم الذي سبخرج فيه للصلاة لعدة أوجه:
- اولًا: حدسث عائشة أن النبي ﷺ وعد الناس يومًا للخروج.
- ثانيًا: أنه صح عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يخبر الناس بيوم الخروج.
- ثالثًا: ليتمكن الناس من الاستعداد والإتيان بالسنن المطلوبة لصلاة الاستسقاء.
- رابعًا: حتى لا يشق على الناس ويفاجأوا بالصلاة وهم لم يستعدوا لها.
فلا شك أن هذا مندوب مستحب وينبغي للإمام أن لا يخرج لصلاة الاستسقاء إلا وقد أخبر الناس مسبقًا باليوم الذي سبخرج فيه.
• ثم قال ﵀:
ويتنظف.
المقصود بالتنظف هنا: أن يغتسل هذا أولًا.
ثانيًا: أن يزيل عن جسده كل ما يطلب شرعًا إزالته.
= والقول الثاني: أن الاغتسال والتنظف وإزالة الشعور لا تستحب على سبيل الخصوص في صلاة الاستسقاء.
- لأنه لم يأت عن النبي ﷺ أنه فعله ولا عن الخلفاء الراشدين ولا يجوز للإنسان أن يشرع شيئًا لم يأت عنه ﷺ.
• ثم قال ﵀:
ولا يتطيب.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
والعلة في ذلك: أن النبي ﷺ خرج متذللًا خاضعًا. والطيب ينافي الخضوع والتذلل.
ولذلك نقول: ينبغي للإنسان أن يخرج بلا طيب بل يخرج مع التواضع والتذلل.
هل هناك منافاة بين التذلل والخضوع والطيب؟
شيخنا ﵀ يقول في الشرح لا منافاة.
ويقع في ذهني أنه في الحقيقة الريح الطيبة وأن يضع الإنسان أحسن ما يجد من الطيب يقع في ذهني أنه ينافي التذلل وذلك تجد دائمًا مسألة التنظف ولبس الثياب الحسنة تلازم الطيب والتنظف ولبس الثياب بالإجماع ينافي التذلل.
بقينا في الطيب - المتنازع فيه - أمره سهل ولكن يقع في ذهني أنه ينافي كما قال الإمام أحمد.
والأمر في هذا واسع إن شاء تطيب وإن شاء ترك.
•
ثم قال - ﵀ -:
ويخرج متواضعًا متخشعًا متذللًا متضرعًا.
- لما ثبت عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يخرج: متذللًا متواضعًا متبذلًا. هذا لفظه.
والتبذل: - كلمة متبذلًا فيما أرى تؤيد عدم وضع الطيب لأن التبذل لا يكون معه طيب وهذا اللفظ ثابت.
• ثم قال - ﵀ -:
ومعه أهل الدين والصلاح.
أهل الدين والصلاح. ينبغي للإمام أن يخرجهم معه.
والتعليل:
- أنه إنما يخرج ليدعو ويبتهل ويتضرع وهؤلاء أقرب إلى الإجابة.
وهذا صحيح. فينبغي أن يحرص على أهل الخير والصلاح الذين ترجى إجابتهم.
بدليل أن عمر بن الخطاب طلب من العباس أن يدعو فهو بذلك يرجو قبول دعوة العباس - ﵁ - إما لصلاحه ودينه وإما لقربه من النبي - ﷺ -.
• قال - ﵀ -
والشيوخ.
المقصود بالشيوخ: كبار السن.
- لأن لهم زمنًا في طاعة الله وأداء الفرائض ويروى: (خيركم من طال عمره وحسن عمله).
فيندب أن يخرج الإنسان معه الشيوخ لما ذكرت.
- ولأن غالب الشيوخ يكون معهم لين وحضور قلب وخشوع كما هو مشاهد.
• ثم قال - ﵀ -:
والصبيان المميزون.
يندب أيضًا أن يخرجوا.
- لأنه تكتب لهم الحسنات ولا تكتب عليهم السيئات ولصفاء قلوبهم بسبب حداثة السن.
والمعنى يدور: حول مسألة إجابة الدعاء.
مسألة / يجوز أن تخرج المرأة الكبيرة: - قيل بل يستحب.
ثانيًا: يكره: = عند الحنابلة أن تخرج الشابة.
[ ٢ / ٢٦١ ]
قالوا - لأن المقصود في خروج الاستسقاء الخضوع وحضور القلب والبعد عن المعاصي وخروج الشابة الفاتنة ينافي هذا كله.
ثالثًا: = يجوز الخروج ببهيمة الأنعام.
= والقول الثاني: أنه لا يستحب ولا يشرع أن يخرج الإنسان ببهيمة الأنعام.
- لأن النبي - ﷺ - لم يصنع ذلك مع وجود بهيمة الأنعام في المدينة وفي ما حولها. ومع كونه - ﷺ - خرج خارج المدينة ليصلي فهو قريب من بهيمة الأنعام ومع ذلك لم ينقل أنه أحضرها - ﷺ -.
وهذا هو الصواب.
بل لو قيل أن هذا غير مشروع وبدعة لكان قريبًا لكن أقسى عبارة وجدها: أنه لا يستحب.
• ثم قال - ﵀ -:
وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم: لم يمنعوا.
يعني: أنه يجوز فقط ولا يستحب أن يخرج أهل الذمة.
منفردين عن المسلمين: في المكان دون الزمان.
هذا خلاصة مذهب الحنابلة.
= أنه يجوز ولا يستحب أن يخرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين بالمكان دون الزمان.
_________________
(١) أما أنه يجوز: فلأنهم من خلق الله الذين لهم رزق فإذا طلبوه قد يجابوا. وأما أنه يجوز ولا يستحب: فلأنهم من أعداء الله الذين لا يرجى أن يجابوا. وأما أنهم ينفردون بمكان: فلأنهم أهل أن يعاقبوا ويصابوا بقارعة فلأجل أن لا تصيب المسلمين فيكونوا هم بمكان والمسلمين في مكان آخر. وأما أنهم - رابعًا وأخيرًا - لا ينفردون بزمان: فلأجل أن لا يمطر الناس في اليوم الذي خرج فيه أهل الكتاب دون اليوم الذي خرج فيه المسلمون فيكون ذلك فتنة لعامة المسلمين وضعفاء الإيمان فيهم. وهذا التفصيل في المذهب كله صحيح. = والقول الثاني: أن أهل الكتاب يمنعوا من الخروج. فإذا أرادوا أن يخرجوا منعهم الإمام. - لأنهم ليسوا أهلًا أن يدعوا. = والقول الثالث: أن لهم أن يخرجوا ولو في غير يوم المسلمين. والصواب المذهب فإن التفصيل الذي ذكروه جميل جدًا ويتوافق مع أصول الشرع. • ثم قال - ﵀ -: فيصلي بهم، ثم يخطب. أي: أن الخطبة بعد الصلاة. عكس الجمعة. وكالعيد. والدليل على هذا: - أن ابن عباس - ﵁ - يقول: سنة الاستسقاء سنة العيد. ومن ذلك موضع الخطبة.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
= والقول الثاني: أن خطبة الاستسقاء قبل الصلاة كالجمعة.
وإلى هذا ذهب الإمام النسائي والحافظ ابن حزم وعدد من السلف.
الأدلة على هذا القول:
- أولًا: أنه ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي - ﷺ - خطب ثم صلى. هذا في الصحيحين.
- ثانيًا: ثبت عن عمر - ﵁ - وابن الزبير ونحو عشرة من الصحابة بإسناد صحيح أنهم قدموا الخطبة على الصلاة.
- أضف إلى هذا أنهم لا يعلم لهم مخالف من الصحابة.
- ثالثًا: ثبت بإسناد صحيح عن جمهور التابعين أنهم كانوا يقدمون الخطبة على الصلاة كالجمعة.
هذا القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد.
= القول الثالث: وهو رواية ثالثة عن الإمام أحمد - ﵀ - أن الإمام: مخير إن شاء جعل خطبة قبل أو بعد الصلاة.
والصواب عندي بلا شك والذي تدل عليه النصوص التي في البخاري ومسلم وآثار الصحابة أن الخطبة قبل الصلاة كالجمعة.
فإن هذا عمل النبي - ﷺ - وعمل عمر وهو من الخلفاء الراشدين وعمل ابن الزبير وقد كانت له ولاية ووافقه الناس لما صنع ذلك وعمل عمر بن عبد العزيز وصلى خلفه عدد من أهل العلم من العلماء علماء التابعين.
المهم: أن هذا القول هو الصواب وأن الأمر ليس على التخيير لأن هذا عبادة إذا جاءت على وجه معين فيجب أن نلتزم. والأحاديث التي فيها تقديم الصلاة على الخطبة ضعيفة.
فالقول الأقرب والله أعلم هو أن هيئة صلاة الاستسقاء كهيئة الجمعة أي أن الخطبة قبل الصلاة.
•
ثم قال - ﵀ -:
يخطب واحدة.
يعني: المشروع في الاستسقاء أن تكون خطبة واحدة.
- لأنه لم يرو عن النبي - ﷺ - إلا أنه خطب خطبة واحدة.
فإذًا هي تختلف عن صلاة العيد بهذه المسألة.
مسألة / ظاهر السنة أن الإمام يخطب ثم يلتفت ويدعو باتجاه القبلة ثم يحول ردائه ثم ينزل فيصلي.
هذا ظاهر السنة.
بعد أن تتبعت ألفاظ الأحاديث وجدت أن هذا هو الترتيب.
إذا صح هذا الترتيب وهو كما قلت ظاهر السنة فما يفعله اليوم بعض الخطباء من أنه بعد أن يلتفت من الدعاء وهو متوجه إلى القبلة يكمل الخطبة خلاف السنة.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وعمل الناس الآن أنه بعدما يلتفت منتهيًا من الدعاء وهو مستقبل القبلة يرجع ويتم الخطبة ثم ينزل الأحاديث التي في صحيح البخاري ومسلم ظاهرها جميعًا أنه - ﷺ - كان بعد أن يدعو متوجهًا إلى القبلة ينزل فيصلي ولا يتم الخطبة بعد ذلك فهذا الظاهر في الحقيقة يختلف مع عمل الناس اليوم.
فالواجب بعد الدعاء أن ينزل فيصلي اقتداءً بسنة النبي - ﷺ -.
• ثم قال - ﵀ -:
يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد.
= هذا مذهب الحنابلة أنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالتكبير كما يصنع في خطبة العيد.
= والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد: أنها تفتتح بالحمد لله رب العالمين. واختار هذا القول شيخ الاسلام بن تيمية.
- لأنه لم يحفظ عن النبي - ﷺ - أنه افتتح خطبة إلا بالحمد لله رب العالمين.
• ثم قال - ﵀ -:
ويكثر فيها الإستغفار.
المندوب للخطيب أن يكثر أثناء الخطبة: من الاستغفار.
- لما ثبت في الصحيح أن عبد الله بن يزيد خطب الناس وأكثر من الاستغفار. وحضر الخطبة البراء وزيد - ﵄ -.
فهذه سنة عن ثلاثة من الصحابة أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من الاستغفار أثناء خطبة الاستسقاء.
• قال - ﵀ -:
وقراءَة الآيات التي فيها الأمر به.
يعني: بالاستغفار.
كقوله تعالى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ [هود/٣] والسبب أن قراءة هذه الآيات مناسب للحال. هكذا عللوا. والحال هو: الخضوع والاستغفار والتوبة.
وهو في الواقع مناسب للحال وإن كانت السنة ليس فيها التصريح بقراءة هذه الآيات التي تقرأ اليوم في صلاة الاستسقاء لكن هي مناسبة.
السنة فيها الاستغفار ولإن يستغفر الإنسان بلفظ آية خير من أن يستغفر بلفظ عام.
على كل حال - نقول: إن شاء الله أنه مشروع قراءة الآيات التي فيها الاستغفار أثناء خطبة الاستسقاء.
• ثم قال - ﵀ -:
ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي - ﷺ -.
ثبت في حديث أنس - ﵁ - وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - بإسناد صحيح ثابت أن النبي - ﷺ - كان إذا دعا واستسقى رفع يديه.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وثبت أنه كان يرفع رفعًا كثيرًا حتى يبدو بياض إبطيه.
واختلف العلماء: هل تكون كف اليد إذا رفع ليستسقي إلى السماء أو إلى الأرض؟
= القول الأول: أنها إلى الأرض بمعنى: أنه يرفع يديه حتى تكون باطن اليد إلى الأرض «الأذان».
= والقول الثاني: أنه يرفع يديه ويبالغ في الرفع وتبقى بطون اليدين إلى السماء. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وحمل الأحاديث التي فيها أنه رفع إلى أن صار باطن اليد إلى الأرض على بيان المبالغة وليس يقصد منها أن يوجه الإنسان يديه إلى الأرض.
إذًا: أراد الصحابة بيان شدة رفع النبي - ﷺ - يديه.
والأقرب ما ذكره الشيخ - ﵀ - أن المقصود بقول الصحابة - ﵃ - حتى صارت بطون اليدين إلى الأرض أي أنه بالغ في الرفع - ﷺ - إلى أن وصل إلى هذا الحد.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
من الأسئلة:
قال الشارح حفظه الله:
صلاة الكسوف: اخنلفوا: هل فيها خطبة أو لا؟
= القول الأول: أنه لايشرع لها خطبة وأنه إن خطب فقد أتى بأمر لا يشرع وخالف السنة.
= والقول الثاني: أن الخطبة لصلاة الكسوف مشروعة.
- لأن النبي - ﷺ - لما صلى صلاة الكسوف خطب خطبة عظيمة.
وهذا القول الثاني: هو الصواب لمجيء النص بذلك.
- يشترط لصلاة الاستسقاء ما يشترط لصلاة العيدين تمامًا. فما قيل هناك يقال هنا.
هل تقيد خطبة الكسوف بالحاجة؟
لا تقيد. لأن الأصل التأسي ولا تعلم هل النبي - ﷺ - خطب لمناسبة معينة أو أنه خطب لأن هذه هي السنة. فالأصل التأسي.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قول المؤلف ﵀:
ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي ﷺ ومنه: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيْثًا» إلى آخره٠
يعني أنه يستحب للإنسان أن يدعو بما جاء في السنة عن النبي ﷺ أنه دعا به.
والدليل على ذلك:
- عموم قوله تعالى: - (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) -[الأحزاب/٢١]
ومن التأسي به ﷺ التأسي بالدعاء فينبغي ويتأكد أن يدعو الإمام بما كان يدعو به النبي ﷺ.
• ثم قال ﵀:
وإن سقوا قبل خروجهم: شكروا اللَّه وسألوه المزيد من فضله.
إذا سقو قبل الخروج فتفصيل مذهب الحنابلة:
[ ٢ / ٢٦٧ ]
- أنهم إذا سقو قبل الخروج ولم يتهيأوا للخروج فإنهم لا يخرجون.
- وإن سقوا قبل الخروج بعد أن تهيأوا فإنهم يخرجون.
أما أنهم لا يخرجون فلأن المقصود من صلاة الاستسقاء حصل وإذا حصل المقصود فلا يوجد داعي لصلاة الاستسقاء.
هذا التفصيل الذي ذكرت الآن هو:
= المذهب واختيار ابن عقيل والقاضي من الحنابلة.
= والقول الثاني: أنهم إذا سقوا لا يخرجون مطلقًا.
للتعليل ذاته سواء كانوا استعدوا أو لم يستعدوا لا يخرجون.
* * مسألة: فإن سقوا بعد الخروج: صلوا بلى خلاف عند الحنابلة.
يعني: إذا استعدوا وخرجوا وأوشكوا على الصلاة ثم سقوا فإنهم يصلون بلا خلاف. ولكنهم يصلون صلاة شكر لا طلب. فيشكرون الله على ما رزقهم من هذه النعمة.
• ثم قال ﵀:
وينادى: «الصَّلاَةُ جَامِعَةً».
يعني: أنه يستحب إذا خرج الناس وقبل مجيء الإمام أن ينادى الصلاة جامعة.
- قياسًا على الكسوف. بجامع: أن كلًا منهما صلاة يجتمع لها الناس.
= والقول الثاني: أنه لا يشرع أن ينادي الصلاة جامعة.
- لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولم يفعله أحد من الخلفاء الراشدين.
وعلم من قول المؤلف: (ينادى الصلاة جامعة). أنه لا يشضرع لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة. وهو كذلك. فإن صلاة الاستسقاء تصلى كما صلاها النبي ﷺ بلا أذان ولا إقامة.
• ثم قال ﵀:
وليس من شرطها إذن الإمام.
يعني ليس من شرط صلاة الاستسقاء أن يأذن بها الإمام بل إذا وجد السبب وهو القحط وقلة المطر صلى الناس ولو بلا إذن من الإمام.
واستدلوا: بدليلين:
- الأول: القياس على صلاة العيدين.
- والثاني: أن صلاة الاستسقاء صلاة نفل وصلاة النوافل لا يشترط لها إذن الإمام.
• ثم قال ﵀:
ويسن: أن يقف في أول المطر.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
يسن أن يقف الإنسان في أول المطر. يعني: ويحسر عن جسده: هذا مقصود المؤلف ﵀ فيقف ويحسر عن جسده لحديث أنس الصحيح أن النبي ﷺ لما أصابهم مطر وقف وحسر عن ثيابه قال فقلنا: لم يارسول الله قال إنه حديث عهد بربه.
ويفهم من الحديث أن الحسر لا يكون فقط عن الرأس كما يصنع كثير من الناس اليوم بل يكون عن الرأس وعن بعض أجزاء الجسد لأن الظاهر من حديث أنس أن النبي ﷺ حسر عن بعض أجزاء الجسد كاليد أو الظهر لمن كان عليه رداء بالإمكان خلعه.
المهم أن يحرص الإنسان أن يصيب المطر بعض أجزاء الجسد مع الرأس.
•
ثم قال ﵀:
وإخراج رَحله وثيابه ليصيبها.
أي ويسن إذا نزل المطر أن يخرج الإنسان رحله.
والمقصود بالرحل هنا: الأثاث.
ويخرج ثيابه.
والمقصود بالثياب هنا: أي التي لم يلبسها مما في البيت.
فيخرج الجميع ليصيبه المطر.
واستدلوا على هذا:
- بأن ابن عباس ﵁ لما نزل المطر عليهم أمر غلامه أن يصنع ذلك.
= والقول الثاني: أن هذا لا يشرع.
- أولًا: لأ النبي ﷺ لم يصنع لك. بل اقتصر على مسألة حصر الثياب عن الجسد.
- ثانيًا: أن هذا الأثر أخرجه الإمام الشافعي معلقًا فلم يثبت عن ابن عباس ﵄.
إذًا الأقرب والله أعلم الاكتفاء بحسر الثياب عن الجسد أو الرأس.
• ثم قال ﵀:
وإذا زادت المياة وخيف منها، سن أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ».
يبدو أن المحقق حصل له سبق قلم وفتح الخاء والصواب: الكسر.
إذا زادت المياه أو لم تز المياه ولكن مع ذلك خيف منها لسبب أو لآخر فإنه يشرع للإمام أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ».
هذا الحديث من قوله: الهم حوالينا إلى قوله: ومنابت الشجر حديث صحيح متفق عليه عن أنس أن النبي ﷺ لما شكي إليه زيادة المطر دعا بهذا الدعاء.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
قوله: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا»: يعني: حوالي المدينة. والسبب: أن نزول المطر في المناطق المجاورة للمدينة لا ينتج عنه ضرر ولا خطر على الناس مع ما فيه من مصلحة الدواب وخروج النبات. فحصلت المصلحة واندفعت المفسدة.
وقوله «اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ إلى آخره. هنا تفصيل لمسألة الأشياء التي حول المدينة فهو كالتأكيد في الدعاء.
- الظراب: هي: الروابي الصغير.
- والآكام: إما أن تكون التلال. أو تكون الجبال الصغيرة.
وبهذا علمنا أن الظراب والآكام معناها متقارب لأن الروابي معناها يقارب التلال. نعم. الجبال الصغيرة تختلف في الشكل لكن بالنسبة للتلال والروابي أشكالها متقاربة.
- وبطون الأودية: أي الأماكن المنخفضة من الأرض. وتفسير الفقهاء لقول النبي ﷺ: «وبطون الأودية» بأنه الأماكن المنخفضة يدل على أن النبي ﷺ لا يريد فقط بطون الأودية. يعني: لا يريد فقط المكان الذي يعتبر واديًا بل يريد أي مكان منخفض ولو لم يكن في بطون الأودية.
- ومنابت الشجر: أي أصول الشجر لتنتفع الأشجار بهذا الماء وتنتفع تبعًا لذلك بهيمة الأنعام.
• ثم قال ﵀:
﴾ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴿الآية.
يعني: ويقول هذا الدعاء.
الدليل على أنه يشرع للإمام أن يقول هذا الدعاء:
- أنه مناسب للحال.
وعلم من ذلك أنه ليس في السنة أن النبي ﷺ قال هذا الدعاء فالصواب أن الإنسان إن قاله أحيانًا لا بنية أنه سنة ولكن لمناسبة المقام فهو أمر حسن وهو من جملة الخطبة.
وإن قالها دائمًا أو بنية أنها سنة فهو دعاء لا يشرع لعدم ثبوته عن النبي ﷺ.
وبهذا انتهى الكلام عن كتاب الصلاة ولولا تيسير الله ورحمته وإعانته لم ينتهي هذا الكتاب ولكن نحمد الله ﷾ أن أعان عليه ونسأله أن يعين على ما بعده من الكتب وأن يجعل ذلك كله خالصًا لوجهه الكريم.
«نهاية كتاب الصلاة - - والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»
يتبع الدرس = كتاب الجنائز.
[ ٢ / ٢٧٠ ]