قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• قال ﵀:
باب صلاة الجماعة
عقد المؤلف هذا الباب للكلام عن أحكام صلاة الجماعة وللشارع الحكيم ﷾ عناية فائقة جدًا بصلاة الجماعة.
وأجمع العلماء من عصر سادات الناس وهم الصحابة إلى يومنا هذا على مشروعية صلاة الجماعة وأنها محبوبة إلى الشارع.
كما أجمعوا على أن صلاة الجماعة إذا تركها أهل بلد بكاملهم قوتلوا.
وممن حكى الإجماع على المسألتين: ابن هبيرة ﵀.
وصلاة الجماعة شرعت لفوائد عظيمة لا تخفى على الإنسان:
- فمنها: التآلف والأخوة والإنسجام.
- ومنها: إعانة الإنسان على الصلاة لأنه إذا التزم بصلاة الجماعة صار يؤدي الصلاة بوقتها وبشروطها.
- ومنها: نصح المتخلف فإذا تخلف الإنسان عرفنا أنه لم يصل فنصحناه ولا يمكن أن نعرف هذا إلا إذا كان الناس يصلون جماعة.
والله ﷾ شرع على عدة أنواع:
- فهي مشروعة تارة في اليوم والليلة: كالصلوات الخمس.
- وتارة في السنة: كصلاة العيد.
- وتارة إذا وجد السبب: كصلاة الكسوف.
فشرعها على أنواع كثيرة وهذا يدل على زيادة العناية والاهتمام من الشارع.
وقد شرع المؤلف ﵀ ببيان الحكم كما هي عادة الفقهاء.
•
فقال ﵀:
تلزم الرجال: للصلوات الخمس لا شرط.
يريد المؤلف أن يبين أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان.
= وهذا مذهب الحنابلة وأكثر الحنفية والأوزاعي وأبي ثور وابن خزيمة وغيرهم من أئمة فقهاء الحديث.
(وسنذكر في هذه المسألة الأقوال ثم الأدلة)
= والقول الثاني: أنها شرط لصحة الصلاة وإلى هذا ذهب داود وابن حزم وشيخ الاسلام بن تيمية وابن عقيل وابن أبي موسى وغيرهم من الفقهاء.
= القول الثالث: أنها فرض كفاية. وإلى هذا ذهب الشافعية.
= والقول الرابع: أنها سنة وإلى هذا ذهب المالكية.
تنبيه: (ذكر شيخ الاسلام أن المالكية لا يريدون بقولهم سنة أنها سنة مطلقًا بحيث لا يؤاخذ الإنسان على تركها بل يرون أنها سنة متأكدة يصلون بها إلى ما يقارب الوجوب) هكذا قال ﵀ وعلى كل حال أنتم الآن عرفتم رؤوس الأقوال وهي أربعة.
نرجع إلى الأدلة.
== استدل الحنابلة وفقهاء الحديث بأدلة كثيرة:
- الدليل الأول: قوله ﷾: ﴿وإذا كنت فيهم وأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾.
[ ٢ / ٣١ ]
وجه الاستدلال: أن الله ﷾ أمر بصلاة الجماعة في حال الخوف والحرب فدل على أنها واجبة فمن باب أولى أنها تجب في حال الأمن.
- والدليل الثاني: الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فيقام لها ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس ثم آمر رجالًا فيحتطبوا فأخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم).
وهذا الحديث يسمى عند الفقهاء بحديث التحريق.
- الدليل الثالث: أن رجلًا أعمى استأذن النبي ﷺ في أن لا يأتي إلى صلاة الجماعة لعذره فأذن له فلما ولى قال له النبي ﷺ أتسمع النداء قال نعم. قال: فأجب. وهذا في صحيح مسلم.
- الدليل الرابع: الأثر الصحيح الثابت عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (لقدر رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق بين النفاق) نسأل الله العافية والسلامة. فجعل التخلف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق وهذا دليل على الوجوب وأن التارك آثم.
== واستدل القائلون: بأنها شرط لصحة الصلاة بـ:
- قول النبي ﷺ: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر).
- وبقول النبي ﷺ: (لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد).
والصواب أن هذه الأحاديث موقوفة: - الأول: موقوف على ابن عباس.
- والثاني: .
وإذا كانت هذه الآثار موقوفة فلا دليل فيها على بطلان صلاة من صلى في بيته كما ذهب إليه الظاهرية وشيخ الاسلام.
ويجاب عن الحديث فيما لو صح بأنه محمول على من لا عذر له.
== بقينا في دليل الشافعية: - الذين يرون أنها فرض كفاية: استدلوا بـ:
- حديث ابن عمر ﵁ - المشهور - أن النبي ﷺ قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ أو الفرد بسبع وعشرين درجة). () الصحيحين.
قالوا: والتفضيل يدل على الجواز يعني على جواز صلاة الرجل في بيته.
والجواب: أن الحديث غاية ما يدل عليه أنه يدل على صحة صلاة المنفرد ولا يدل على شيء أكثر من ذلك. والقاعدة تقول: «أن المفاضلة لا تعني جواز الأمرين المفاضل بينهما».
== واستدل المالكية: بـ:
- بالحديث نفسه - حديث ابن عمر السابق -.
[ ٢ / ٣٢ ]
- وبالحديث الذي تقدم معنا أن النبي ﷺ صلى الفجر ثم أوتي برجلين فقال ما منعكما أن تصليا قالا صلينا في رحالنا.
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم ينكر عليهما أنهما صليا في رحالهما.
والجواب:
الأول: أن هذا الحديث لا يدل على عدم وجوب صلاة الجماعة لأن الرجلين صليا في رحالهما جماعة. وأما مسألة المسجد فسينص عليها المؤلف وسنتحدث عنها. يعني: كون الجماعة تكون في المسجد فهذه مسألة أخرى. فالحديث لا يدل على أنهما لم يصليا بل صليا جماعة.
والثاني: أن هذه قضية عين تحتمل أن لهما عذرًا. والقاعدة المهمة التي يجب أن يفهمها طالب العلم ويطبقها في النصوص: «أن الأحاديث المحكمة التي تنص على الأحكام نصًا لا تدرك للأحاديث المحتملة». فالأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة جماعة صحيحة وصريحة وقوية.
وهذا النص نص محتمل وفي بعض الروايات أن القصة وقعت في منى أي في الحج فيحتمل أن هذين الرجلين جاهلان وإذا تطرق الاحتمال للدليل بطل الاستدلال به.
== الراجح:
- الراجح بلا إشكال ولله الحمد: وجوب صلاة الجماعة في المساجد حيث ينادى بهن.
ونقول كما قال الحافظ الفقيه الكبير - ابن رجب ﵀: جميع الأجوبة التي أجيب بها على حديث التحريق أجوبة ضعيفة لا تقوى على مصادمة النص. - هذا معنى كلامه ﵀.
وقد ذكر الحافظ بن رجب ﵀ كلامًا نفيسًا جدًا عن هذه المسألة والاستدلال بحديث التحريق وتقرير أن صلاة الجماعة واجبة.
وينبغي على طالب العلم أن يفهم هذه المسألة ويدرك الأدلة والاستدلال والجواب على أدلة الأقوال الأخرى لينشر هذا الحق وهو وجوب صلاة الجماعة.
فإنا نلحظ على كثير من الناس التهاون فيها فتجد المسجد الذي بجواره عشرات بل أحيانًا أكثر من الناس لا يصلي فيه إلا صف واحد.
ثم نجد أن بعض الناس قد يذهب إلى ترجيح السنية أو فرض كفاية. وهي أقوال بعيدة عن نصوص الشرع وأصوله.
وهذه الأمور مجتمعة تحتم على طالب العلم أن يدرك هذه المسألة أدراكًا جيدًا ويفهم الأدلة ومن قال بالوجوب ومن قال بالسنية.
• ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى:
تلزم الرجال: للصلوات الخمس لا شرط.
[ ٢ / ٣٣ ]
يعني أنها واجبة على الأعيان إلا أنها ليست بشرط لصحة الصلاة وتقدم معنا الكلام عن هذه المسألة وأن أحد الأقوال أنها شرط وقد قدمت القول بأن الجماعة شرط لصحة الصلاة حتى تجتمع الأقوال والأدلة في موضع واحد.
إذًا قول المؤلف ﵀: لا شرط أي: أنها ليست بشرط لصحة الصلاة خلافًاَ لمن ذهب إلى ذلك وتقدم معنا من هم؟ وما أدلتهم؟ وما الجواب عليها؟
• ثم قال ﵀:
وله فعلها في بيته.
أي أن صلاة الجماعة هي في حد ذاتها واجبة فإن شاء فعلها في بيته وإن شاء فعلها في المسجد.
= وهذا هو المذهب وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀.
واستدلوا:
- بالحديث السابق: أن الرجلين قالا صلينا في رحالنا ولم ينكر عليهما النبي ﷺ.
وتقدم معنا الجواب على هذا: وهو أنه حديث يحتمل أشياء كثيرة.
= الرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀ وجوب أداء الجماعة في المسجد.
واستدل الذين نصروا هذه الرواية بأدلة منها:
- الدليل الأول: أثر ابن مسعود ﵁ - المشهور - (أن الله شرع لكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى - أي الصلوات الخمس - فصلوهن حيث ينادى بهن).
فقوله: (حيث ينادى بهن): دليل على وجوب الصلاة حيث المناداة والأذان إنما ينطلق من المسجد.
- والدليل الثاني: قوله ﵁ - الذي تقدم معنا -: (لقد رأيتنا وما يتخلف عنها - أي في المسجد - إلا منافق).
- الدليل الثالث: حديث التحريق هذه الحديث العظيم المفيد.
ووجه الاستدلال به: أن النبي ﷺ لم يسأل الذين تخلفوا هل كانوا يصلون جماعة في بيوتهم أو لا؟ وإنما هم بالتحريق مباشرة ﷺ.
- الدليل الرابع: أنه لو قيل بأن صلاة الجماعة في المساجد سنة وأنها () تكون في البيوت لأدى هذا إلى تعطيل بيوت الله وهجرها.
إذ أنا نرى الناس مع معرفتهم بالوجوب يتركون الصلاة فكيف لو قيل بالسنية فستترك تمامًا وتهجر بيوت الله.
== الراجح:
[ ٢ / ٣٤ ]
الراجح هو القول الثاني. وكما تلاحظون قوة أدلة القول الثاني بل إن الشيخ الفقيه المجد كأنه ينكر الرواية الأولى يقول: لا يثبت عن الإمام أحمد رواية أنه قال بأنها سنة. هذا قول المجد وقال به غيره من الحنابلة ولكن مثل الشيخ المجد له ثقله ﵀. ويقول ابن رجب ﵀: وأنكر هذه الرواية بعض الحنابلة.
وفي الحقيقة: استنكار الشيخ المجد في محله لأن الإمام أحمد يبعد أن يذهب إلى هذا المذهب مع وضوح الأدلة في وجوب أن تكون الجماعة في المساجد.
فتضعيف المجد لهذه الرواية قوي ووجيه.
وعلى كل: سواء ثبتت هذه الرواية أو لم تثبت فالراجح هو القول الثاني.
• ثم قال ﵀:
وتستحب صلاة أهل الثغر: في مسجد واحد.
لما قرر المؤلف ﵀ وجوب صلاة الجماعة وقرر أن فعلها في المساجد سنة وإن كان لا يجب فلما قررهذه الأمور انتقل للحديث عن التفضيل بين المساجد كأنه يقول: إذا ثبت وجوب الجماعة وسنية أن تكون في المساجد فالأفضل في ترتيب المساجد ما سيذكره المؤلف ﵀.
يقول: وتستحب صلاة أهل الثغر: في مسجد واحد.
تنقسم الصلاة في المساجد إلى قسمين:
- القسم الأول: أن تكون في الثغور.
- والقسم الثاني: أن تكون في الأمصار البلدان وليست في الثغور.
القسم الأول: إذا كانت في الثغور: فحكمها: أنه يستحب أن يصلوا في مسجد واحد. ويقصد بالثغر: أطراف البلدان التي يرابط بها المجاهدون للدفاع عن المسلمين إذا كانت في ناحية يتخوف منها هجوم العدو.
فهولاء السنة في حقهم أن يصلوا في مسجد واحد.
التعليل: قالوا: أن صلاة المجاهدين المرابطين على الثغور في مسجد واحد أدعا لا تحاد الكلمة وهيبة العدو.
القسم الثاني: الصلاة في الأمصار والبلدان وليست في الثغور وهذه التي بدأ المؤلف ببيانها:
بقوله: والأفضل لغيرهم: في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره، ثم ما كان أكثر جماعة، ثم المسجد العتيق، وأبعد أولى من أقرب.
إذًا الترتيب عند الحنابلة:
- المسجد الذي لا تقام الحماعة إلا فيه.
- ثم ما كان أكثر جماعة.
- ثم المسجد العتيق.
- ثم الأبعد.
فهذه الأربعة مساجد ترتيبها عند الحنابلة في الأفضلية.
[ ٢ / ٣٥ ]
فإذا سألك سائل أيهما أفضل لي: أن أصلي في مسجد عتيق أو في مسجد بعيد؟
الجواب: في مسجد عتيق.
أيهما أفضل أن أصلي في مسجد بعيد أو في مسجد كثير جماعة؟
الجواب: في المسجد كثير الجماعة.
إذًا إذا عرفت الترتيب تستطيع أن تجيب في ترتيب المساجد.
- الأول: المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره:
هذا هو المسجد الأول في الأفضلية. وهذا صحيح أن هذا أفضل المساجد بالنسبة للإنسان.
الدليل: - الدليل على أن هذا أفضل المساجد بالنسبة للمسلم: أن تركه الصلاة فيه يؤدي إلى تعطيل المسجد وحرمان المصلين من الصلاة فيه.
ولا شك تعليل قوي جدًا وواضح فبناء عليه نقول أن هذا هو أفضل المساجد.
- الثاني: ثم ما كان أكثر جماعة:
ما كان أكثر جماعة أولى مما هو أقل أو عتيق أو بعيد.
الدليل: - قول النبي ﷺ: (صلاة الرجل مع الرجل أفضل ومع الرجلين أفضل وكل ما كان أكثر فهو حب إلى الله).
فهذا نص صريح صحيح في تقديم كثرة الجماعة على غيرها.
- الثالث: قال: ثم المسجد العتيق:
= الحنابلة - المذهب الاصطلاحي يجعل المسجد العتيق أفضل من الأكثر جماعة. فالمؤلف في هذا الموضع خالف المذهب الاصطلاحي.
لكن الصواب مع المؤلف في تقديم الأكثر جماعة على المسجد العتيق.
لماذا يفضل؟ من حيث الأصل المسجد العتيق يفضل لقدم العبادة والطاعة فيه.
وهذا التعليل كما ترون لا يقوم على نص معين وإنما هو تعليل يعتمد على النصوص العامة.
وتقدم معنا مرارًا أنه إذا كان في المسألة نص فهو يقدم على التعليلات العامة المأخوذة من قواعد الشرع.
- الرابع: قال: وأبعد أولى من أقرب.
يعني أن المسجد البعيد أفضل من المسجد القريب.
والدليل: - الدليل أن النبي ﷺ قال: (دياركم تكتب آثاركم).
- وقال ﷺ في الحديث الصحيح: (أن من خرج إلى الصلاة لا يخطو خطوة إلا كتبت له بها حسنة ومحيت عنه بها سيئة).
وكلما كان المسجد أبعد كانت الخطوات أكثر. فهو أحب إلى الله.
= القول الثاني: أن الأبعد مقدم على العتيق أو الأقدم.
وأظن أن التعليل واضح. فما هو التعليل؟ أن في تفضيل الأبعد نص بينما العتيق في تفضيله تعليل.
[ ٢ / ٣٦ ]
فعلى هذا القول: - المسجد الذي لا تقام الجماعة إلا بحضوره - الأكثر جماعة - الأبعد - العتيق.
= القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد أن الأقرب - عكس كلام المؤلف - مقدم على الأكثر جماعة.
الأقرب: هل ذكره المؤلف؟
الجواب: لم يذكره أفضل لأنه ذكر أن أبعد أولى من أقرب.
إذًا القول الثالث: أن الأقرب لبيتك مقدم على الأكثر جماعة.
فكيف سيكون الترتيب؟
- ما لاتقوم الجماعة إلا به.
- ثم الأقرب.
- ثم الأكثر جماعة.
- ثم البعيد.
- ثم العتيق.
إذًا هذه خمسة على القول الراجح.
الدليل: - على تقديم المسجد القريب:
ذكروا دليلًا وتعليلًا:
- أما الدليل فقول النبي ﷺ: (ليصلي أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتتبع المساجد).
- والتعليل: أن خروج الرجل من حيه ومسجده القريب إلى مسجد آخر قد يوقع بينه وبين جماعة المسجد نوه بغضاء وتشاحن لأنهم يرون أنه يزهد بهم.
في الحقيقة القول بأن الأقرب يقدم على الأكثر جماعة هو رواية عن الإمام أحمد ﵀ وفيه وجاهة لأن عليه عمل السلف إذ كانوا يصلون في مساجد الأحياء ولأنه قد يؤدي اتخاذ هذه الطريقة أحيانًا إلى ترك الصلاة لأنه يزعم أنه يصلي في مسجد بعيد وهو لا يصلي فيه.
بالإضافة إلى القضية التي ذكروها وهي: إيغار صدور جماعة المسجد القريب.
إذًا الراجح: هو هذا الأخير.
من لا تقام الجماعة إلا به.
ثم المسجد القريب.
ثم الأكثر جماعة.
ثم الأبعد.
ثم العتيق.
خمسة.
ويقدم على المساجد جميعًا فيما عدا الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره يقدم عليها جميعًا المسجد الذي يشعر الإنسان بخشوع وحضور قلب في الصلاة فيه.
إما لقيام الإمام بالسنة أو الطمأنينة الواجبة ولأي سبب من الأسباب.
فما دام الإنسان يشعر أنه إذا صلى في هذا المسجد فهو أخشع وأقرب إلى الله وأكثر طمأنينة فهو الأولى.
إذًا الترتيب الخماسي السابق عند تساوي قضية الخشوع أما إذا كان يخشع في مسجد غير هذه الخمسة فهو مقدم ولو كان خارج الحي ولو كان أقل جماعة.
إذًا إذا أردنا أن نرتب فماذا نقول: - بدون اعتبار قضية الخشوع:
- من لا تقام إلا به.
- الأقرب.
- الأكثر جماعة.
- الأبعد.
- العتيق.
[ ٢ / ٣٧ ]
خمسة. وهذه الأمور يجب أن نراعيها فالإنسان يتعبد الله ﷾ فإذا رأى أن هذا هو القول الصواب فيتبعد الله بأن يصلي في المسجد الأفضل. وهذا يتصور كثيرًا لا سيما إذا لم يكن بجوار الإنسان مسجد فيصلي في المساجد المتاحة حسب هذه الأفضلية.
• ثم قال ﵀:
ويحرم أن يؤم في مسجد: قبل إمامه الراتب.
الإمام الراتب هو: الإمام الذي وضع ليصلي جميع الصلوات.
- إما أن يضعه جماعة المسجد. كما في القديم.
- أو أن يكون معينًا رسميًا من قبل الجهات المختصة كما في عصرنا الحاضر.
فهذا هو الإمام الراتب.
يحرم أن يؤم الإنسان في المسجد قبل مجيء الإمام الراتب.
التعليل: قالوا: أن الإمام الراتب في مسجده كالرجل في بيته والنبي ﷺ يقول: (لا يؤمن الرجل الرجل في بيته).
إذًا حكم الافتيات على إمام المسجد والصلاة حكمه: محرم. فإن صلى فاختلف الفقهاء:
- منهم من قال: صلاته باطلة لأنه أقدم على المحرم عالمًا.
- ومنهم من قال: صلاته صحيحة لأن التحريم يعود لأمر خارج عن الصلاة. والرواية الثانية - هذه - أصح فهو آثم ولكن الصلاة صحيحة.
•
ثم قال ﵀:
إلاّ بإذنه.
فإذا أذن الإمام الراتب لشخص أن يصلي مكانه صحت صلاة النائب ولا إثم عليه.
والدليل: أن النبي ﷺ في مرض موته أذن لأبي بكر بالصلاة فصلى أبو بكر بعد إذن النبي ﷺ فصار هذا دليلًا على جواز ن يصلي الإنسان مكان الإمام الراتب بإذنه.
• ثم قال ﵀:
أو عذره.
أي إذا تغيب الإمام بسبب عذر كأن يكون مريضًا أو بعيدًا أو مسافرًا ففي هذه الحالة يجوز أن يصلي البديل أو النائب في مكان هذا الإمام ولو لم يأخذ الإذن.
بدليل: أن النبي ﷺ خرج يومًا ليصلح بين بني عمرو بن عوف لشحناء كانت بينهم فتأخر فقال بلال ﵁ لأبي بكر أتصلي بالناس؟ قال: نعم إن أردت فقام بلال وصلى أبو بكر.
ففي هذا الحديث أن أبا أبكر الصديق ﵁ صلى بدل الإمام وهو النبي ﷺ بلا إذنه والسبب أنه غاب بعذر والعذر في هذا الحديث هو أنه خرج بعيدًا فانشغل.
• ثم قال ﵀:
ومن صلى ثم أُقيم فرض: سن أن يعيدها إلاّ المغرب.
[ ٢ / ٣٨ ]
= هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل عند الحنابلة فنريد أن نفهم مذهب الحنابلة:
إذا صلى الإنسان الفريضة ثم أقيمت الجماعة في المسجد فهذا ينقسم إلى قسمين: - نحن نتحدث عن تفصيل مذهب الحنابلة في هذه المسألة.
- القسم الأول: أن يشرع المؤذن في الإقامة وهذا الرجل - الذي سبق وصلى - داخل المسجد. ففي هذه الصورة يجب أن يعيد الصلاة ولو كان في وقت نهي وهذه الصورة هي الصورة التي تقدمت معنا عندما قال المؤلف ﵀: وإعادة جماعة.
- القسم الثاني: أن يشرع المؤذن في الإقامة وهذا الرجل خارج المسجد فحينئذ يشرع له أن يعيد بشرطين:
- الشرط الأول: أن لا يأتي بقصد الإعادة.
- الشرط الثاني: أن لا يكون في وقت نهي.
استدلوا على القسم الأول: بقول النبي ﷺ: (إذا أقيمت وأنت في المسجد فصل معهم)
واستدلوا على القسم الثاني: بالحديث الذي سبق معنا: (إذا أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم تكن لكما نافلة).
كم قسم لهذه المسألة؟
قسمان.
أيهما الذي سبق معنا؟
القسم الأول.
هل يصلح أن نقول أن الذي سبق معنا هو الثاني؟
لا. لأن الجنابلة يشترطون أن لا يكون في وقت نهي مع العلم أنه في الباب السابق لما انتهى من أوقات النهي قال: له إعادة الجماعة.
إذًا هو يقصد القسم الأول ولا يقصد القسم الثاني.
= القول الثاني: أن من حضر مسجد الجماعة فإنه يعيد مطلقًا بلا تفصيل لأن النصوص التي فيها الأمر بإعادة الصلاة عند حضور مسجد الجماعة عامة لم تفصل - لكنني أحببت أن تفهموا مذهب الحنابلة.
• ثم قال ﵀:
إلاّ المغرب.
أي أنه إذا صلى المغرب ثم حضر مسجد جماعة فإنه لا يصلي معهم المغرب.
التعليل: قالوا: أن المعادة - يعني مع الجماعة - نفل ولا يشرع للإنسان أن يتنفل بوتر.
= والقول الثاني: أن صلاة المغرب كغيرها من الصلوات إذا حضر الإنسان مسجد جماعة وقد صلى الفريضة فإنه يصلي معهم لأنه لا دليل على التخصيص وألفاظ النبي ﷺ عامة.
• ثم قال ﵀:
ولا تكره إعادة جماعة: في غير مسجدي مكة والمدينة.
نحتاج إلى تفصيل في هذه المسألة:
- المسألة الأولى: ما معنى إعادة الجماعة؟
[ ٢ / ٣٩ ]
إعادة الجماعة هي الصلاة جماعة في المسجد بعد انتهاء الإمام الراتب. هذه فقط هي مسألة إعادة الجماعة. ولننتبه فإن الفقهاء يطلقون أشياء تعتبر مصطلحات.
إذًا إعادة الجماعة في البراري وفي أشياء أخرى ستأتي معنا عند تحرير محل النزاع لا تدخل معنا إنما المقصود الآن إعادة الجماعة بعد صلاة الإمام الراتب.
- المسألة الثانية: تحرير محل النزاع:
تحرير محل النزاع فيه ثلاث نقاط:
- النقطة الأولى: اتفق الفقهاء كلهم على أنه يحرم إقامة جماعتين في مسجد واحد في وقت واحد. فهذا محرم بالإجماع.
- النقطة الثانية: اتفق الفقهاء على أنه لا تحرم إعادة الجماعة في المسجد الذي ليس له إمام راتب أو في مساجد الطرقات ونحوها - الآن - مساجد المطارات والمواقف العامة.
- النقطة الثالثة: اختلفوا في إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب بعد انتهاء الصلاة.
= مسألة: ما معنى تحرير محل النزاع؟
الجواب: معناه: إخراج المسائل المتفق عليها وتحديد المسألة محل البحث.
ـ اختلف الفقهاء في النوع الثالث على قولين:
= القول الأول: جواز إعادة الجماعة. وإلى هذا ذهب الحنابلة كما ترون: (ولاتكره إعاددة الجماعة).
= وفي رواية استحباب إعادتها.
لكن الأدلة واحدة.
واستدلوا على هذا الحكم بعدة أدلة.
انتهى الدرس،،،
[ ٢ / ٤٠ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بالأمس تحدثنا عن هذه المسألة وذكرنا تحرير محل النزاع والأقوال فيما يبدو.
= فالقول الأول: - وهو مذهب الحنابلة نه لا تكره إعادة الجماعة.
- وفي رواية أنها تستحب.
واستدلوا بأدلة: منها:
الدليل الأول: - أن رجلًا دخل مسجد النبي ﷺ وقد فاتته الجماعة فلما رآه النبي ﷺ يهم بأن يصلي منفردًا قال ألا رجلًا يتصدق على هذا.
هذا الحديث لا بأس به واحتج به الإمام أحمد ﵀.
الدليل الثاني: - أن أنس ﵁ دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فأذن وأقام وصلى جماعة.
الدليل الثالث: - العمومات الدالة على فضل الجماعة فإنها لم تفرق بين أن يأتي بعد صلاة الإمام الراتب أو قبله.
= القول الثاني: أنه يمنع من الصلاة مرة أخرى في المسجد. وأكثر الفقهاء عبر بالكراهة.
واستدلوا بأدلة كثيرة نأخذ منها اثنين: تعتبر أقوى الأدلة.
الدليل الأول: - أن الحسن البصري ﵀ قال كان أصحاب النبي ﷺ إذا فاتتهم الصلاة صلوا في المسجد فرادى. فهذا نص في المسألة.
[ ٢ / ٤١ ]
الدليل الثاني: - أن إقامة أكثر من جماعة قد توجب النزاع والشقاق إذ قد يظن الإمام أن الجماعة الثانية تقصدت عدم الصلاة خلفه.
ومن المفيد أن تعلم قبل الترجيح أن الصحابة أنفسهم اختلفوا في هذه المسألة فقد روي عنهم أقوال فيها اختلاف. فمنهم من يرى المشروعية ومنهم من لا يراه كما سمعتم في الأدلة.
والراجح المذهب الأول: مذهب الحنابلة والجمهور لأنهم استدلوا بالأحاديث المرفوعة ومعهم من الآثار نظير ما مع أصحاب القول الثاني.
فالصواب أننا نقواه أنه يسن أن تعاد وليس فقط أنه يجوز لأنه إذا كان مشروعًا فالصلاة جماعة مندوب إليها.
وبهذا يتبين أنه لايجب أن يصلوا جماعة مرة أخرى وعلى حد اطلاعي إلى الآن لم أر من قال: بوجوب إعادة الجماعة إنما الخلاف في إما في الجواز أو الاستحباب أو الكراهة.
لكن نقول مع ذلك هو مستحب ومندوب إليه ولا ينبغي أبدًا لمن فاتته الصلاة إذا كانوا أكثر من رجل أن يصلوا فرادى بل يجتمعوا تحقيقًا للسنة.
• ثم قال ﵀:
في غير مسجدي مكة والمدينة.
= استثنى الحنابلة الحرم المكي والحرم المدني فقالوا: لا يشرع إعادة الحماعة.
تعليلهم: أن تجويز إعادة الجماعة يؤدي إلى التهاون في حضور الجماعة الأولى في المسجدين.
= والقول الثاني: أن المسجد الحرام والنبوي كغيرهما من المساجد تشرع إعادة الجماعة فيهما.
استدلوا: بقول النبي ﷺ: ألا رجل يتصدق على هذا وهذه القصة وقعت في المسجد النبوي وهو محل النزاع.
• ثم قال ﵀:
وإذا أُقيمت الصلاة: فلا صلاة إلاّ المكتوبة.
هذه الجملة هي نص حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٤٢ ]
= قوله: وإذا أقيمت: ظاهر العبارة أنه إذا شرع في الإقامة فلا صلاة أي: فلا يجوز أن يشرع في صلاة النافلة.
= والقول الثاني: أن معنى إذا أقيمت يعني إذا انتهى من الإقامة.
والصواب المعنى الأول: لأن لحديث أبي هريرة ﵁ رواية في صحيح ابن حبان وفيها: إذا أخذ المؤذن بالإقامة) فهذه الرواية تحدد أن المشروع بمجرد أن يبدأ المؤذن بالإقامة أن لا يشرع في النافلة.
(إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة)
ظاهر هذه العبارة أنه يحرم أن يشرع الإنسان في نافلة إذا أقيمت الفريضة.
= وهذا هو مذهب الحنابلة.
وإذا شرع فإنها لا تنعقد
= وهذا أيضًا مذهب الحنابلة ونصره ابن حزم رحم الله الجميع.
واستدلالهم واضح لأنه يقول: (فلا صلاة) والأصل في النفي نفي العبادة. يعني: لا صلاة شرعية.
= والقول الثاني: أنه يحرم أن يشرع ولكن إن شرع انعقدت مع الإثم.
والصواب مع مذهب الحنابلة لأن دليلهم واضح وهو حديث أبي هريرة ﵁.
إذًا هذا معنى قول المؤلف: فلا صلاة إلا المكتوبة.
ولما بين ﵀ حكم الشروع في النافلة بعد الإقامة انتقل إلى المسألة الثانية.
• فقال ﵀:
فإن كان في نافلة أتمها.
أي يريد أن يبين الحكم إذا شرع في النافلة قبل الإقامة ثم أقام وهو في النافلة.
= فالحنابلة يرون أنه يتم هذه النافلة خفيفة.
استدلوا: بدليلين:
- الأول: قوله تعالى ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾.
- الثاني: أن الفقهاء قرروا قاعدة وأخذوا بها في مواضع كثيرة وهي: (أن الاستدامة أقوى من الابتداء). والآن هو يستديم أو يبتديء؟ يستديم.
وهذه المسألةمهمة تتكرر بتكرر الفروض الخمسة إذ غالبًا ما يكون الإنسان في نافلة ويقيم المؤذن فهذا يكثر جدًا. وفي المسألة أقوال ونحن سنذكر قولين فقط. المذهب والقول الثاني.
= القول الثاني: رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي وهو قول الفقيه الجليل سعيد بن جبير: أنه يجب أن يقطع الإنسان النافلة إذا أقيمت الصلاة وهو فيها إذا كان استمراره يؤدي إلى الإخلال بالتحريمة أو بالتهيؤ للصلاة إلا إذا لم يبق من هذه النافلة إلا ما لا يخل بذلك كأن يبقى التسليم أو نهاية التشهد.
[ ٢ / ٤٣ ]
فهؤلاء استدلوا بالحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة) سواء كان شرع في هذه الصلاة قبل أو بعد الإقامة فإن الحديث لم يفصل هذا التفصيل وإنما قال فلا صلاة.
وهذا القول هو الصواب إن شاء الله وما عداه من الأقوال ضعيفة وهي تفصيل لا دليل عليه. وثبت بالتجربة أن الإنسان إذا أتم النافلة ولو خفيفة ولو كان صلى منها ركعة فإنه يخل بذلك بالفريضة فيدخل فيها مستعجلًا يريد أن يدرك ويفوته دعاء الاستفتاح ولا يأت بالفريضة على الوجه المطلوب.
ولذلك نقول إن هذا القول هو الراجح فينبغي على الإنسان إذا أقيمت الصلاة أن يقطع النافلة فورًا ولا ينتظر شيئًا إلا إذا كان في نهاية النافلة كما قلت فيتم النافلة ويدخل مع الإمام.
ومن جرب الشيء وجد أن هذا القول الذي ذهب إليه الإمام أحمد وسعيد بن جبير والشافعي أنه قول وجيه جدًا.
• ثم قال ﵀:
إلاّ أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها.
معنى قوله: (إلا أن يخشى فوات الجماعة). أي: إلا أن يخشى فوات ما تدرك به الجماعة. وسيأتينا الخلاف في ما تدرك به الجماعة.
= والقول الثاني: أنه يقطعها إذا خشي فوات الركعة الأولى.
هذا الخلاف يتصور عند الحنابلة وإلا على القول الراجح فإنه يقطع لكن إذا قلنا أنه يتمها خفيفة فيشترط لهذا الإتمام عند الحنابلة أن لا يخشى فوات الجماعة وعلى القول الثاني أن لايخشى الركعة الأولى وهذا هو الصواب.
فهذا التفصيل والترجيح كله داخل مذهب الحنابلة وإلا عرفنا الصواب في هذه المسألة.
• ثم قال ﵀:
ومن كبر قبل سلام إمامه: لحق الجماعة.
يريد المؤلف أن يبين في هذه المسألة
= يذهب الحنابلة إلى أن الإنسان يدرك فضل الجماعة إذا كبر ودخل في الصلاة قبل أن يسلم الإمام ولو لم يدرك من صلاة الإمام إلا التشهد الأخير.
واستدلوا على ذلك: - بأنه أدرك جزءًا من الصلاة أشبه ما لو أدرك ركعة.
= القول الثاني: أن فضل الجماعة لا يدرك إلا بإدراك ركعة مع الإمام.
- لقول النبي ﷺ: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة).
[ ٢ / ٤٤ ]
- ولأن الشارع الحكيم رتب على إدارك الركعة إدارك الصلاة ولم يرتب على إدارك جزء من الصلاة أي أحكام فقال: (من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر) وكذلك في الفجر.
فعلمنا أن الشارع يرتب الإدراكات على إدارك ركعة لا على سوى الركعة من جزاء الصلاة فنعمل بما رتبه الشارع وما أراده ونجعله مناط ونهمل مالم يجعله الشارع علة وسببًا للإدراك.
وهذا القول الثاني: هو الصواب.
ويترتب على هذا أن الإنسان إذا دخل المسجد ووجد الإمام في الركعة الأخيرة وفاته الركوع الأخير فإنه على القول الراجح لم يدرك صلاة الجماعة فإن ظن قدوم أحد معه أو علم بقدوم أحد معه فالسنة أن ينتظر ولا يدخل مع الإمام ويصلي مع من حضر جماعة لأنه إذا صلى مع الثاني يكون قد أدرك الجماعة وإذا دخل مع الإمام لم يدرك الجماعة.
وإذا علم أنه لن يأتي أحد سواه فإنه يدخل مع الإمام.
وممن ذهب إلى هذا التفصيل شيخ الاسلام ﵀ في مسألة إدراك الإمام.
والتفصيل الذي ذكره يترتب على الترجيح الذي ذكرناه وكلامه وتفصيله قوي وهو صحيح.
•
ثم قال ﵀:
وإن لحقه راكعًا: دخل معه في الركعة.
أي وأدرك الركعة.
ولو كان المؤلف ﵀ أضاف هذه العبارة لتقرير الحكم تقريرًا واضحًا لكان أنسب.
إذًا وإن لحقه راكعًا: دخل معه في الركعة وأدرك الركعة أي: ويعتبر أدرك الركعة.
نحن نتحدث الآن لا عن إدراك الجماعة وإنما عن إدراك الركعة يعني: متى يعتبر الإنسان مدركًا للركعة؟
= إذًا الحنابلة يرون أنه إذا لحقه راكعًا فقد أدرك الركعة ويعتد بهذه الركعة.
والضابط في إدراك الركعة مع الإمام: أن يصل المأموم إلى المجزئ من الركوع قبل أن يرفع الإمام عن المجزئ من الركوع.
أي بعبارة أوضح: يجب أن يضع يديه على ركبتيه قبل أن يرفع الإمام يديه عن ركبتيه. فإن أخل بذلك بأن وضع يديه بعد أن رفع الإمام يديه عن ركبتيه فإنه لا يعتبر أدرك الركوع.
إذًا من حين أن يبدأ الإمام بالرفع يفوت المأموم إدارك الركوع.
وهذا هو مذهب الجماهير.
واستدلوا: بأدلة:
- منها: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
[ ٢ / ٤٥ ]
- ومنها: أن الصحابي الجليل أبا بكرة ﵁ دخل المسجد والنبي ﷺ راكع فلما رآه راكعًا خشي أن تفوته الركعة فركع فلما انتهى النبي ﷺ قال له زادك الله حرصًا ولا تعد أو ولا تُعِد والصواب ولا تَعُد). يعني لا تعد لهذا العمل.
والنبي ﷺ لم يأمره في هذا الحديث بإعادة هذه الركعة ولأنه إذا أدرك الركوع فقد أدرك غالب الركعة لأن الركوع هو غالب الركعة.
وفي هذا الاستدلال - الأخير - نظر في الحقيقة لماذا؟ لأن الركعة تتكون من قيام وركوع وسجدتين وجلسة بين السجدتين فكيف يكون بإدراك الركوع يكون مدركًا لأكثر الركعة لأنه أدرك الركوع وما بعد الركوع إذًا لم يفته إلا القيام والقراءة.
إذًا هذا الاستدلال قوي وليس بضعيف.
= القول الثاني: أن الإنسان لا يدرك الركعة إلا إذا أدرك القراءة والقيام لأنهما من أركان الصلاة فلا تصح الركعة إلا بهما.
وإلى هذا ذهب عدد من الفقهاء منهم: الإمام البخاري ﵀ ومنهم من المتأخرين العلامة المعلمي ﵀. وعدد من أهل العلم.
واستدلوا بما ذكرت: أنهم لم يدركوا الفاتحة ولا القيام وهما من أركان الصلاة.
والصواب مع الجماهير لأن أدلتهم واضحة وصريحة بأن من أدرك الركوع يعتبر أدرك الركعة.
والجواب عن دليل البخاري ﵀: أن أحاديث وجوب القيام ووجوب قراءة الفاتحة مخصوصة بأحاديث الجمهور.
عرفنا الآن الخلاف والراجح وأن ما ذكره المؤلف هنا صحيح.
• ثم قال ﵀:
وأجزأته التحريمة.
يعني أن من أدرك الإمام راكعًا ودخل معه واكتفى بتكبيرة التحريم دون تكبيرة الركوع فإن تكبيرة التحريمة تجزئه عن تكبيرة الركوع.
= وإلى هذا ذهب الحنابلة كما ترون بل هذا مذهب الأئمة الأربعة والجماهير من أهل العلم.
واستدلوا على هذا الحكم: - بأن هذا القول مروي عن زيد بن ثابت وعن ابن عمر ولا يعلم لهما مخالف من أصحاب النبي ﷺ.
ـ مسألة: فإن نوى بالتكبيرة تكبيرة التحريمة والركوع في آن واحد. نواهما جميعًا.
= فإن الحنابلة يرون أن صلاته لم تنعقد. لأنه شرك بين الواجب وغيره.
[ ٢ / ٤٦ ]
= والقول الثاني: أنه إذا نوى بالتكبيرة تكبيرة التحريم والركوع في آن واحد فإن صلاته صحيحة لأن تكبيرة الركوع لا تنافي تكبيرة الإحرام. فلا موجب لبطلان الصلاة لأنه أتى بتكبيرة الإحرام وزيادة.
وهذا القول - الثاني - هو الصحيح.
ـ مسألة: وهي الصورة الثالثة: في القسمة العقلية:
- إذا نوى تكبيرة الركوع فقط فلا إشكال في أن صلاته لم تنعقد لأن تكبيرة الإحرام ركن ولم يأت به ولم يدخل في صلاته أصلًا.
إذًا إما أن ينوي التحريمة فقط أو ينوي التحريمة مع الركوع أو ينوي الركوع وعرفنا حكم كل صورة من هذه الصور.
•
ثم قال ﵀:
ولا قراءَة: على مأموم.
يريد المؤلف أن يبين أنه لا يجب على المأموم ى في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية أن يقرأ. وإنما يكتفي في الجهرية والسرية بقراءة الإمام وتقدم معنا الخلاف في هذه المسألة مطولًا: حكم قراءة المأموم في الجهرية وفي السرية والأدلة فيها والراجح.
ويستحسن أن ينقل الخلاف الذي ذكرناه هناك إلى هنا عند هذه العبارة.
ولا أريد أن أعيد ما قلته في تلك المسألة لكن أنبه إلى تنبيه:
ـ الأول: وهو أن من الفقهاء من رأى أن قراءة المأموم تبطل الصلاة وهو مروي عن الأحناف بل مروي عن الإمام أحمد ﵀ وهذا يجعل الإحتياط في المسألة متعذر.
فإذا أراد الإنسان أن يحتاط ويقرأ فمن الفقهاء من قال ببطلان صلاته.
وإن أراد أن يحتاط ولا يقرأ فمن الفهاء من رأي أيضًا بطلان صلاته.
إذًا السبيل بالنسبة لطالب العلم ولأهل العلم أن يبحثوا في الراجح وبالنسبة للعامي أن يسأل من يثق بدينه وعلمه ويعمل بقوله.
فالاحتياط متعذر لهذا الأمر.
ـ التنبيه الثاني: أن أقوال الفقهاء في هذه المسألة فيها اضطراب وتعارض كما قال شيخ الاسلام بن تيمية أي أن الخلاف في هذه المسألة شديد وتشعب ومتشابك.
إذًا عرفنا أن قوله: ولا قراءة على مأموم أن مذهب الحنابلة أنه لا يجب على المأموم أن يقرأ لا في السرية ولا في الجهرية وعرفنا الخلاف والرجح في هذه المسألة.
• ثم قال ﵀:
ويستحب: في إسرار إمامه.
[ ٢ / ٤٧ ]
أي أنه يستحب للمأموم أن يقرأ في الصلاة السرية، فيستحب ولا يجب. لقول النبي ﷺ: (من كان له إمام فقرائته له قراءة).
فقوله: (من كان له إمام) عام يشمل الجهرية والسرية.
وأيضًا تقدم معنا الخلاف: وأن الراجح وجوب القراءة في السرية وعدم القراءة في الجهرية.
• قال ﵀:
وسكوته.
يعني: يستحب للمأموم أن يقرأ في الصلاة إذا أسر الإمام أو سكت في الجهرية.
وهذا ينقلنا إلى مسألة سكوت الإمام:
= فالحنابلة يرون أنه يستحب للإمام أن يسكت في ثلاث مواضع.
١ - إذا كبر قبل أن يقرأ الفاتحة.
٢ - وبعد قراءة الفاتحة بقدرها (يعني بقدر الفاتحة).
٣ - وقبل الركوع بعد الانتهاء من القراءة.
- دليل المذهب: أنهم أخذوا بحديث سمرة وبالنسبة للسكتة الثالثة قالوا: ليتسنى للمأموم أن يقرأ الفاتحة. فذكروا تعليل وحديث. أما التعليل فضعيف والحديث صحيح.
(نحن نتكلم عن متى تشرع سكتات الإمام؟ بعد أن بينا أنه يشرع عند الحنابلة في سكتات الإمام أن يقرأ الإنسان بالفاتحة.
= القول الثاني: أنه يشرع السكوت في موضعين فقط:
١ - إذا كبر قبل أن يقرأ الفاتحة.
٢ - إذا أراد أن يركع بعد الانتهاء من القراءة.
والدليل على هذا: حديث سمرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يسكت سكتتين: الأولى: إذا كبر. والثانية: قبل أن يركع.
= القول الثالث: أنه لا يشرع للإمام أن يسكت مطلقًا. وهو مذهب مالك. ولعله ﵀: إما لم تبلغه الأحاديث أو بلغته ولمنها لم تبلغه بإسناد صحيح وإلا فالآثار واضحة أن النبي ﷺ كان يسكت لا سيما السكوت الذي يعقب تكبيرة الإحرام فإنه قد جاء في عدد من الأحاديث.
إذًا الراجح هو القول الثاني: ولا يشرع للإمام وليس من السنة أن يسكت بعد قراءة الفاتحة لأن هذا لم يأت في السنة ولو جاء وروي عن النبي ﷺ وكان يفعله في صلواته لنقل إلينا نقلًا تثبت به الحجة.
ثم قال ﵀:
وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش.
= يعني: يشرع ويستحب للمأموم أن يقرأ إذا لم يسمع الإمام بسبب البعد. فإنه يستحب فقط فلو سكت فلا حرج عليه.
[ ٢ / ٤٨ ]
= والقول الثاني: أن من لم يسمع الإمام لبعد أو لصمم أو لأي سبب من الأسباب فإنه يجب عليه وجوبًا ولو في الجهرية أن يقرأ. لأن الذي يعفى من الفاتحة هو القارئ أو المستمع وهذا ليس بقارئ ولا مستمع.
وهذا القول الثاني - هو الصواب.
•
ثم قال ﵀:
ويستفتح ويستعيذ: فيما يجهر به إمامه.
= يعني: أن المستحب للمأموم في الصلاة الجهرية أن يستفتح ويستعيذ.
الأدلة: - أولًا: قياسًا على السرية لأن المأموم في السرية يستحب له أن يستفتح ويستعيذ. ولذلك لم يذكره المؤلف وإنما ذكر الجهرية لأن السرية معلوم أنه يستفتح ويستعيذ.
ثانيًا: أن الغرض والحكمة التي شرع من أجلها الاستفتاح والاستعاذة لا تتحقق بمجرد الاستماع لقراءة الإمام فوجب أن يأتي بهما.
- نحن نتكلم عن الجهرية -.
= القول الثاني: أنه يستحب له أن يستفتح ولا يستعيذ.
الدليل: - قالوا: أن الاستفتاح تابع لتكبيرة الإحرام بينما الاستعاذة تابعة للقراءة وهو سيكبر تكبيرة الإحرام ولن يقرأ فيأتي بالاستفتاح دون الاستعاذة.
وهذا القول - الثاني - هو الصحيح وهو الذي تدل عليه النصوص إذ لا يأمر الإنسان بالاستعاذة وهو لا يريد القراءة إنما يستعيذ من أراد أن يقرأ.
• ثم قال ﵀:
ومن ركع أو سجد قبل إمامه: فعليه أن يرفع ليأتي به بعده.
بدأ المؤلف ﵀ - هنا - الكلام عن مخالفة الإمام. وبدأ بالنوع الأول من المخالفة وهو المسابقة ولعله بدأ به لأنه الأكثر وقوعًا.
فمن ركع أو سجد قبل إمامه فإنه: - إن كان متعمدًا فهو آثم وعمله محرم. ولكن هل تبطل الصلاة بهذا أو لا تبطل؟
توقف الدرس للآذان وبه ينتهي درس اليوم
انتهى الدرس،،،
[ ٢ / ٤٩ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بدء المؤلف ﵀ بالكلام عن المخالفات التي تقع بين الإمام والمأموم.
وبدأ بالنوع الأول من المخالفة وهو: السبق. - أي: أن يسبق المأموم الإمام - ولعله بدأ بالسبق لأن غالب المخالفة من المأموم تكون بالسبق.
• فيقول ﵀:
ومن ركع أو سجد قبل إمامه: فعليه أن يرفع ليأتي به بعده.
نبدأ بتقرير المذهب في هذه المسألة:
= الحنابلة يرون - وهذا هو معنى هذه العبارة - أن المأموم إذا سبق الإمام إلى الركوع أو إلى السجود فإن عمله هذا محرم وهو به آثم لقول النبي - ﷺ - (أما يخشى الذي يسبق الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار - أو يجعل صورته صورة حمار).
فإذا فعل هذا الفعل - وهو: سبق الإمام إلى الركن - فإن صلاته صحيحة مع التحريم بشرط أن يرجع ويأتي به بعده. وهذا معنى قوله: (فعليه أن يرفع ليأتي به بعده).
التعليل:
أما دليل التحريم فعرفناه.
وأما تعليل صحة الصلاة مع كونه تعمد مخالفة الإمام فقالوا: أن هذه المخالفة مخالفة يسيرة وقد وافق الإمام في الركن فبقيت صلاته صحيحة.
= القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ وهو أيضًا مذهب الظاهرية أنه إذا فعل ذلك - أي إذا سبق الإمام - فعمله محرم والصلاة باطلة.
الدليل: استدلوا بذات الدليل فقالوا النبي - ﷺ - قال أما يخشى الذي يسبق الإمام أن يحول الله صورته الحديث.
فهذا نص في التحريم.
ثم إن هذا النهي يعود إلى فعل في ذات الصلاة وإذا عاد النهي إلى فعل في الصلاة أدى إلى بطلانها.
وهذا القول: قوي وممن رجحه ونصره الشيخ العلامة السعدي ﵀. وهو الأقرب.
وإن كان يترتب على هذا أمر فيه عسر وهو: كثرة الذين يسبقون الإمام.
فلو نظرت الناس لوجدت عددًا كبيرًا منهم يسبق الإمام - كأن يسجد قبل الإمام فإذا قال الإمام: الله أكبر وكان الإمام ثقيلًا - مثلًا - فإن بعض المأمومين يسبقون الإمام إليه.
فهذا الذي سبق الإمام صلاته على القول الراجح تكون باطلة. أما عند الحنابلة فتكون صحيحة بشرط أن يرجع ليأتي به.
فالمسألة ليست يسيرة لكن باعتبار أن النص صريح بالتحريم والنهي ثم هو نهي يعود إلى ذات الصلاة وقلنا أن الأقرب ما رجحه الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ وهو بطلان الصلاة.
وهذا يوجب على طالب العلم تحذير الناس تحذيرًا شديدًا من مخالفة الإمام بالسبق.
هذا حكم سبق الإمام ونأتي إلى مسألة أخرى من مسائل مخالفة المأموم للإمام.
[ ٢ / ٥٠ ]
وهي التأخر - عكس السبق: فإذا تأخر المأموم عن الإمام عمدًا فصلاته صحيحة. وحكمه أنه بعمله هذا خالف السنة.
هكذا عبر الفقهاء ولم يقولوا: أنه عمله مكروه.
ولو قيل بالكراهة لكان متوجهًا.
الدليل: قول النبي - ﷺ -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كير فكبروا وإذا ركع الحديث.
والفاء هذا الحديث تدل على التعقيب المباشر أي أن المأموم يأتي بالفعل بعد الإمام مباشرة بلا تأخير.
ولذلك لم يستعمل النبي - ﷺ - ثم وإنما استعمل الفاء.
وهذا الحكم عام يشمل الأقوال والأعمال.
إذًا أخذنا السبق وعكسه التأخر فبقي الموافقة.
نقول: أن الموافقة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون الموافقة بالأقوال: فإذا كانت موافقة بين المأموم والإمام بالأقوال فإنه ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن تكون الموافقة بتكبيرة الإحرام. فحينئذ فإن صلاة المأموم لا تنعقد وهي باطلة.
الثاني: أن تكون الموافقة بالسلام. بأن يسلم مع الإمام فحكمه: أن نقول أنه قد خالف السنة فقط مع صحة الصلاة. لأن يجب أن يأتي بالسلام بعد الإمام.
الثالث: الموافق في غير التكبيرة والسلام. وحكمها: أنها جائزة بلا كراهة ولا إشكال فيها. كأن يوافقه بالتسبيح أو بالقراءة في السرية فعمله صحيح بلا كراهة.
القسم الثاني: الموافقة بالأعمال. وحكمها أنها: خلاف السنة لأن الواجب على المأموم أن يأتي بالعمل بعد الإمام مباشرة لا مع الإمام.
وبهذا عرفنا حكم المسابقة والموافقة والتأخر.
• قال ﵀:
ومن ركع أو سجد قبل إمامه: فعليه أن يرفع ليأتي به بعده.
فعرفنا الآن تحرير مذهب الحنابلة والخلاف في هذه المسألة: وهي: مسألة من سبق الإمام بركن كالركوع أو السجود.
• ثم قال ﵀:
فإن لم يفعل عمدًا: بطلت.
إذا سبق المأموم الإمام إلى الركن ثم لم يرفع ليأتي به بعده عمدًا فصلاته باطلة.
التعليل: لأنه ترك الواجب عمدًا ومَرَّ معنا مرارًا أن من ترك الواجب عمدًا فصلاته باطلة.
أما إذا لم يفعل نسيانًا أو جهلًا: فإن الصلاة صحيحة ويعتد بتلك الركعة التي سبق فيها الإمام ولا يلزم أن يأتي بركعة بدل تلك الركعة.
وهذا مهم أن يفقهم الإنسان.
• ثم قال ﵀:
[ ٢ / ٥١ ]
وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالمًا عمدًا: بطلت.
المسألة السابقة: بين فيها المؤلف حكمن السبق إلى الركن.
وفي هذه المسألة: يريد أن يبين حكم السبق بالركن.
والفرق بينهما: أنه في المسألة الأولى يتوافق الإمام والمأموم في الركن إلا أن المأموم سبق الإمام.
وفي هذه المسألة: يأتي المأموم بجميع الركن قبل أن يأتي به الإمام. فهذا معنى قوله: وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه.
إذا ركع ورفع قبل ركوع إمامه يقول ﵀: إذا عالمًا عمدًا بطلت صلاته.
فإذا فعل هذا الفعل عمدًا بطلت صلاته حتى عند الحنابلة. لأنه سبق الإمام بأكثر الركعة.
واستدلوا: بقول النبي - ﷺ -: (أما يخشى الذي يسبق الإمام أن يجعل الله صورته صورة حمار).
فاستدلوا بهذا الحديث على بطلان الصلاة في الصورة الثانية ولم يستدلوا به على بطلان الصلاة في الصورة الأولى.
وهذا من أوجه ضعف مذهب الحنابلة في المسألة الأولى.
الخلاصة: إذا سبق المأموم الإمام بالركوع كاملًا فإن الصلاة باطلة إذا كان عمل هذا العمل عمدًا وذكر الحنابلة دليلين لبطلان الصلاة بهذا العمل.
•
ثم قال ﵀:
وإن كان جاهلًا أو ناسيًا: بطلت الركعة فقط.
إذا كان قد فعل هذا الفعل جهلًا ونسيانًا فإن الصلاة صحيحة لكن الذي يبطل هو الركعة التي سبق بها الإمام.
ويترتب على هذا أنه يجب على المأموم إذا سلم الإمام أن يقوم ويأتي بهذه الركعة لأنا حكمنا على ركعته بأنها باطلة.
إذًا: نقول: إذا سبق المأموم الإمام بركعة كاملة بأن ركع ورفع قبل أن يركع الإمام فصلاته باطلة إذا كان عمدًا وإن كان جهلًا فركعته باطلة وصلاته صحيح ويلزم على هذا أن يأتي بركعة إذا سلم الإمام كأنه مسبوق.
• ثم قال ﵀:
وإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه: بطلت.
أي إذا سبق المأموم الإمام بركنين - المسألة الأولى سبقه بركن واحد - فالحكم كما لو سبقه بركن واحد لأنه أولى بالبطلان لأنه سبق بركنين وفي المسألة الأولى سبق بركن واحد.
إذًا كأن المؤلف ﵀ أراد أن يؤكد هذا الحكم وأنه إن سبقه بركن أو ركنين فإنه يأخذ الحكم نفسه.
• ثم قال ﵀:
إلاّ الجاهل والناسي.
[ ٢ / ٥٢ ]
هنا صرح المؤلف ﵀ بحكم الركعة إذا كان السابق فعل ذلك جهلًا ونسيانًا ولم يصرح بالحكم في المسألة الأولى والحكم يشمل الجميع: أنه تصح الصلاة وتبطل الركعة وعليه قضاء تلك الركعة.
انتهى المؤلف من الكلام عن المخالفة التي تقع بين المأموم والإمام في السبق أو في الموافقة أو بالتأخر.
ثم انتقل في ختام هذا الفصل إلى الكلام عن أمور يسن للإمام أن يفعلها.
•
فقال ﵀:
ويصلي تلك الركعة قضاءً ويسن للإمام: التخفيف مع الإتمام.
السنة الأولى للإمام أن يخفف في صلاته.
والدليل على أن هذا يسن حديثان:
الأول: قوله - ﷺ -: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف). وهذا أمر صريح بالتخفيف.
الثاني: قول أنس - ﵁ - لم أر أحدًا أخف صلاة من النبي - ﷺ - في تمام. أي: أنه يخفف مع إتمام الصلاة.
وهناك أدلة كثيرة تدل على أن الإمام يسن له أن يخفف إذا صلى بالناس.
وكون الإمام من السنة له أن يخفف إذا صلى بالناس هذا المقدار لا أظن أن فيه خلافًا لصراحة النصوص لكن الخلاف في:
ما هو التخفيف المندوب إليه شرعًا؟
نأخذ قولين فقط في هذه المسألة:
= القول الأول: وهو مذهب الحنابلة. أن التخفيف المأمور به الإمام أن يأتي بأدنى الكمال في التسبيح وسائر أجزاء الصلاة.
وأدنى الكمال - سبق معنا -: أن يسبح ثلاث تسبيحات وفي الركوع والسجود أن يأتي بالاطمئنان الذي يتمكن معه بالإتيان بالذكر الواجب.
= القول الثاني: أنه يرجع في التخفيف إلى ما جاء في سنة النبي - ﷺ - ولا يرجع فيه إلى أهواء الناس وشهوات المأمومين.
فما أمر به - ﷺ - من التخفيف فإنه هو الذي قد فعله - ﷺ -.
والدليل على هذا القول: أن النبي - ﷺ - لا يمكن أن يأمر بالتخفيف ثم لا يأتي به والذين كانوا يصلون مع النبي - ﷺ - أيضًا فيهم الكبير والضعيف والمرأة والطفل.
فإنه يجب في ضبط التخفيف إلى سنة النبي - ﷺ -. وظاهر السنة أن النبي - ﷺ - كان يسبح عشرًا في الركوع والسجود.
[ ٢ / ٥٣ ]
وأما سنته في القراءة فقد تقدم الكلام عليها: ماذا كان يقرأ في المغرب والعشاء والفجر والظهرين - ﷺ -.
فأي القولين أرجح؟
المسألة فيها نوع إشكال -.
لكن الأقرب والله أعلم: أنه يرجع في ذلك إلى السنة لا إلى ما ذكره الحنابلة فإن التخفيف المراد بالأحاديث هو الذي فعله النبي - ﷺ -.
وجه الترجيح: أن النبي - ﷺ - قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهذا الحديث عام يشمل المأموم والإمام وقد ذكر العلماء أن النبي - ﷺ - إنما تولى الإمامة ليبين للناس الأحكام.
ومن جملة الأحكام مقدار التخفيف والتطويل والتقصير في الصلاة.
ففي ضوء هذا كله يظهر لي والله أعلم أن السنة في التخفيف يرجع فيها إلى ما كان يعمله النبي - ﷺ - لا إلى أهواء الناس.
بناء على هذا يسن للإنسان أن يقرأ في فجر الجمعة ما ورد في السنة ولو غضب الناس.
ويسن أن يقرأ أحيانًا بالطوال في المغرب ولو غضب الناس. لأنه بذلك يطبق السنة ولأنه لو تركت السنن لغضب الناس وتثاقلهم عن الطاعات لاندثرت السنة.
فلكل هذا ولغيره من الأدلة الظاهر أن القول الثاني هو الراجح وممن نصره وبين قوته الحافظ بن القيم رحمه الله تعالى.
• ثم قال ﵀:
وتطويل الركعة الأُولى أكثر من الثانية.
أي أنه يسن للإمام أن يطول الركعة الأولى أكثر من الثانية:
لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي قتادة أن النبي - ﷺ - كان يطول الأولى. وهذا نص صريح.
ليتمكن الناس من إدراك الركعة الأولى.
فإن لم يفعل فقد خالف السنة فقد خالف السنة لأن المعهود عنه - ﷺ - تطويل الأولى بالنسبة للثانية.
• ثم قال ﵀:
يستحب: انتظار داخل إن لم يشق على مأموم.
السنة الثالثة للإمام أن ينتظر الداخل بأن لا يسبقه بالرفع من الركوع فإذا دخل الداخل والإمام راكع وعلم بدخوله من صوته فإنه يستحب له استحبابًا أن ينتظر إلى أن يدرك المأموم الركعة.
وذكروا لهذا دليلين:
[ ٢ / ٥٤ ]
الأول: أن النبي - ﷺ - في صلاة الخوف كان ينتظر الجماعة الثانية ليدركوا الصلاة ويعتبر هذا الحديث كالأصل لهذه المسألة لأنه ليس نصًا صريحًا مباشرًا لها.
الثاني: أن في هذا إرفاقًا بالمأموم وتمكينًا له لإدارك الركعة بلا ضرر. وقاعدة الشرع أنه إذا أمكن تحصيل المصلحة بلا ضرر تعينت.
وهذا القول صحيح تدل عليه السنة وينبغي للإمام أن لا يستعجل بالرفع لا كما يصنع بعض الناس إذا سمع صوتًا ودخول الناس بادر بالرفع كأنه يعاقب على ذلك بل السنة أن ينتظر والنصوص العامة تدل على أن هذا مندوب إليه.
•
ثم قال ﵀:
إن لم يشق على مأموم.
هذا شرط السنية فإن كان هذا الانتظار يشق على المأمومين فإنه لا يسن له أن ينتظر فإن فعل فقد خالف الأولى.
التعليل:
الأول: لأن حرمة من معه في الصلاة أكبر من حرمة من يريد أن يدخل الآن في الصلاة
النصوص العامة الدالة على النهي عن الإشقاق على المأمومين كحديث معاذ - ﵁ - المشهور (أفتان أنت يا معاذ). فإن هذا الحديث كالأصل أنه لا ينبغي أن يشق الإمام على المأمومين الصلاة.
إذًا إذا شعر الإمام أن انتظاره شق على المأمومين فإنه يرفع.
• ثم قال ﵀:
وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد: كره منعها.
هذا المستحب الرابع. إذا استأذنت المرأة وليها سواء كان الزوج أو الأب أو أحد الأولياء إذا لم كان هناك أب ولا زوج فإنه يستحب له أن لا يمنعها فإن منعها فقد فعل مكروهًا لقول النبي - ﷺ - (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن وليخرجن تفلات). ومعنى تفلات: أي من غير طيب ولعل المقصود أي من غير زينة كأنه أشار إلى ترك الزينة بالأمر بترك الطيب لأن هذا الحديث يدل على أنه يكره للولي أن يمنع المرأة موليته عن الذهاب إلى المسجد.
= والقول الثاني: أنه يحرم أن يمنعها. واختاره ابن قدامة ﵀ فقد مال إلى أن النهي للتحريم.
والذي يظهر لي والله أعلم أن النهي للكراهة وليس للتحريم وأنه يجوز للولي أن يمنع موليته وإن منعها فقد أتى بمكروه.
[ ٢ / ٥٥ ]
وجه الترجيح: أن قواعد الشرع العامة تدل على أن بيت المرأة خير لها من المسجد ومما يدل على هذا القواعد العامة نفس الحديث الذي معنا فإنه يقول: (لا تمنعوا إمام الله مساجد الله ثم قال في نفس الحديث: وبيوتهن خير لهن).
وهذا يدل على أن الأمر للكراهة وليس للتحريم.
والمقصود: بأن المنع للكراهة في حال أمنت الفتنة وانتفت المفاسد أما مع وجودها فإنه يجب على الولي أن يمنع المرأة من الخروج ولو إلى المسجد.
•
ثم قال ﵀:
وبيتها خير لها.
يعني أن المستحب والأولى والأحب إلى الله بالنسبة للمرأة أن تصلي في بيتها ولو كانت بجوار الحرمين.
لأن النبي - ﷺ - يخاطب بهذا الحديث جميع النساء ومن أوائل من يدخل في خطابه - ﷺ - نساء المدينة اللاتي سمعن هذا الحديث أول مرة.
فهو يشمل لعمومه ولأنه خاطب به نساء المدينة فإذا يشمل الحرمين لا كما يظن بعض النساء أن هذا الأصل العام يستثنى منه إذا كانت المرأة بجوار أحد الحرمين لمضاعفة الأجر في الصلاة في الحرمين بل البيت خير لها ولو كانت بجوار الحرمين.
وانتهى بهذا من الفصل الذي عقده رحمه في الأحكام في صدر باب صلاة الجماعة ثم ننتقل إلى الفصل الآخر.
فصل
[في أحكام الإمامة]
• قال ﵀:
فصل.
أراد المؤلف ﵀ أن يبين بهذا الفصل أحكام الإمامة بعد أن بين الأحكام العامة لصلاة الجماعة بدأ بالأحكام التفصيلية للإمامة.
وبدأ بترتيب منطقي فبدأ بالحكم الأول وهو من هو الأولى بالإمامة؟
وهذا من أنسب ما يكون بداية.
• قال ﵀:
الأولى بالإمامة.
يريد المؤلف أن يبين من هو الأولى بالإمامة؟ وينبغي أن تعلم أن العلماء أجمعوا أن هذه الأولوية والاستحباب إنما هو على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الاشتراط والوجوب.
فلو فرضنا أنه صلى من لا يعتبر الأولى مع وجود الأولى فالصلاة صحيحة وعمله جائز.
• قال ﵀:
الأقرأ العالم فقه صلاته.
سيذكر المؤلف خمس مراتب للأولى بالإمامة.
فالأولى: الأقرأ: نحتاج في مسألة الأقرأ إلى بيان مسألتين:
المسألة ألأولى: من هو الأقرأ؟
المسألة الثانية: ما هو الدليل؟
[ ٢ / ٥٦ ]
أما من هو الأقرأ: = عند الحنابلة هو الأجود قراءة لا الأكثر حفظًا ويقصد بالأجود من يحسن أداء القراءة من حيث التجويد ومخارج الحروف وما شابه ذلك.
واستدلوا على ذلك: أن قوله الأقرأ اسم تفضيل والمفاضلة تقع بجودة القراءة.
= القول الثاني: أن المراد بالأقرأ: الأكثر حفظًا.
واستدلوا على هذا بدليلين:
الأول: حديث عمرو بن سلمة - ﵁ - يؤمكم أكثركم قرآنًا. فعبر بكلمة أكثر الدالة على كثرة الحفظ لا على جودة القراءة.
الثاني: أن المهاجرين لما أتوا إلى المدينة صلى بهم سالم مولى أبي حذيفة - ﷺ - وصلى خلفه عمر بن الخطاب وأبو سلمة وغيرهما من كبار الصحابة لأنه كان أكثرهم حفظًا - ﵁ -.
والأقرب والله أعلم: القول الثاني: أولًا: لأن فيه أدلة صريحة. وثانيًا: أن الأغلب الأعم أن من كان أكثر حفظًا كان أجود قراءة.
هذا في بيان من هو الأقرأ؟
وأما الدلايل على تقديم الأقرأ قوله - ﷺ - (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقمهم سنًا وفي لفظ سلمًا). فهذا نص صريح في تقديم الأقرأ.
عرفنا الآن من هو الأقرأ؟ وما دليل الحنابلة على تقديمه.
= القول الثاني: أن الأفقه مقدم على الأقرأ.
واستدلوا بعدة أدلة:
الأول: أن الصحابة كان أقرأهم أفقههم لأنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات تعلموا ما فيها من العلم والعمل.
الثاني: أنه قد ينوبه في الصلاة ما لا يحسن العمل فيه إلا الفقيه.
الثالث: أن النبي - ﷺ - قدم أبا بكر الصديق للإمامه مع وجود من هو أقرأ منه في الصحابة كأُبّيٍّ - ﵁ - لقول النبي - ﷺ -: (أقرأكم أبي).
الراجح والله أعلم: مذهب الحنابلة أن الأقرأ مقدم على الأفقه.
أولًا: لقاعدة مشهورة تقدمت معنا مرارًا: أن النص الخاص مقدم على النص العام.
الإجابة على أدلتهم:
[ ٢ / ٥٧ ]
أما الإجابة على الدليل الأول والثاني: فهو أن النبي - ﷺ - في حديث أبي مسعودالبدري - ﵁ - نص على التفريق بين القراءة والعلم لأن المقصود (فإن كانوا في القرءاة سواء فأعلمهم بالسنة).المقصود بالسنة يعني الفقه في الدين فغاير النبي - ﷺ - بين القراءة والفقه وقدم مع ذلك القراءة.
وأما تقديم أبي بكر - ﵁ - فقد أجاب عنه الإمام أحمد. قيل له: يا أبا عبد الله هل بين حديث أبي مسعود - ﵁ - وحديث تقديم أبي بكر - ﵁ - تعارض فقال أبو عبد الله: لا إنما قدمه لشأن الخلافة.
يعني: أن النبي - ﷺ - أراد أن يشير إلى الخلافة فكأنه يشير بالإمامة الصغرى إلى الإمامة الكبرى لأن الذي يخلف النبي - ﷺ - في ذلك الوقت بأمره ففيه إشارة إلى الخلافة الكبرى.
وصدق الإمام ﵀ فيما أرى وأن جوابه قوي وسديد.
بناء على هذا إذا اجتمع فقيه يقرأ قراءة حسنة لا لحن فيها وهو حافظ وقاريء يجيد القراءة ومخارج الحروف فهو أجود قراءة فعند الحنابلة وهو الصحيح نقدم الأقرأ ويتأخر الفقيه.
وعلى القول الثاني نقدم الفقيه.
• ثم قال ﵀:
العلم فقه صلاته.
أي أنه يشترط لتقديم الأقرأ أن يكون عالمًا بالقدر الواجب من أحكام الصلاة.
بناء على هذا إذا جاءنا بعض القراء الذين لم يدرسوا من الفقه شيئًا لا أحكام الصلاة ولا أحكام السهو ولا أي قدر من ذلك - ولا شأن لنا بباقي الأحكام كالزكاة والصيام وغيرها - فالكلام عن أحكام الصلاة - فإنه لا يقدم ولا عند الحنابلة.
وهل يتصور هذا أن يكون قارئًا مجودًا حافظًا لم يلم بالقدر الواجب أو المجزيء من أحكام الصلاة؟
نعم يتصور وقد وجد من لا يفقه في دينه شيء مع حفظه للقرآن وقراءةٍ مجودة.
• ثم قال ﵀:
ثم الأفقه.
الأفقه هو العالم بأحكام الصلاة علمًا محررًا ويشترط في تقديم الأفقه نظير ما يشترط في تقديم الأقرأ وهو أن يكون عالمًا بجزءٍ لا ينقص عنه الإنسان في الصلاة يعني حافظًا ومتقنًا للقراءة بالقدر الواجب الذي لا ينقص عنه من يريد أن يصلي.
وهل يتصور أن يأتي فقيه عالم لا يحسن القراءة؟
[ ٢ / ٥٨ ]
لا. لا يوجد فلا يمكن أن تجد طالب علم اجتهد في الفقه والتفسير ومعرفة الأحكام لا يحسن أن يقرأ. ولا أعرف مثالًا له.
وهذه المسألة يوجد أو لا يوجد ليس لها علاقة بالأحكام ونذكرها من باب الاستطراد.
• ثم قال ﵀:
ثم الأسن.
يأتي الأسن بالمرتبة الثالثة. لقول النبي - ﷺ - لمالك بن الحويرث (ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم).
= والقول الثاني: أن المرتبة الثالثة للمهاجر في سبيل الله وهو مقدم على الأسن لأن الحديث نص صريح في أن المهاجر يأتي في المرتبة الثالثة ونحن نقدم من قدمه الله ورسوله ونؤخر من أخره الله ورسوله.
وهذا القول هو الصواب.
والمقصود بالمهاجر هنا: من يهاجر من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام وهو باق إلى يوم القيامة.
وأما قول النبي - ﷺ -: (لا هجرة بعد) الفتح فالمقصود به أن مكة بعد الفتح أصبحت دار إسلام فالذي يخرج منها إلى المدينة ما يعتبر مهاجرًا لأنه لم ينتقل من دار الشرك إلى دار الإسلام.
• ثم قال ﵀:
ثم الأشرف.
يقدم في المرتبة الرابعة عند الحنابلة الأشرف.
من المقصود بالأشرف؟
المقصود به: الأعلى نسبًا وقدرًا.
ويقصد به هنا الأقرب فالأقرب من النبي - ﷺ -. فالعربي مقدم على العجمي والقرشي مقدم على غيره من قبائل العرب ومن كان من بني هاشم مقدم على غيره من القرشيين.
إذًا الشرف هنا مرتبط بالنسب النبوي فإذا جاءنا رجلان أحدهما أشرف من الآخر عند الناس وبعدهما من النبي - ﷺ - واحد فهل نقدم أحدهما على الآخر؟
لا لأنه الآن ليس أشرف للضابط الشرعي.
دليل الحنابلة على تقديم الأشرف: استندلوا بقول النبي - ﷺ -: (قدموا قريشًا ولا تقدموها). أي اجعلوًا قريشًا في المقدمة ولا تتقدموا عليها وهذا يشمل الإمامة الصغرى والكبرى.
والحديث فيه كلام والصواب أنه مرسل لكن في الحقيقة مع كونه مرسلًا إلا أن له شواهد كثيرة تقويه وتوصله إلى مرتبة الحسن.
= القول الثاني في هذه المسألة: أن النسب لا يقدم به في باب الإمامة أصلًا وليس له أي علاقة في أولوية الإمامة وإنما يقدم بالتقى والورع.
[ ٢ / ٥٩ ]
لقول الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فجعل مناط الكرم والتفضل والتقدم التقوى لا النسب.
وليس في السنة حرف واحد يدل على تقديم من كان أقرب نسبًا إلى النبي - ﷺ - في المناصب الدينية - إن صح التعبير - الإمامة والأذان وما شابه ذلك.
وهذا القول اختاره شيخ الاسلام وهو قول وجيه وقوي جدًا وليس لتقديم النسب أي معنا في الحقيقة ولو كان من سلالة الحسن أو الحسين.
مع أنا نقول - وهذا مفروغ منه لا يحتاج إلى تنبيه - أنا نحب أهل البيت ونقدمهم ونعرف حقهم ونؤدي إليهم ما يجب علينا لكن هذا شيء والتقديم بالإمامة شيء آخر فنحن نطيع الله ورسوله حيث رتبا الإمامة في حديث أبي مسعود - ﵁ - بترتيب لا نخرج عنه إلى غيره.
إذًا الأتقى يقدم على الأشرف بل أكثر من ذلك الشرف ليس له علاقو بتقديم ولا تأخير الإمامة.
والإجابة على الحديث: يمكن أن نجيب أن الحديث ضعيف عند بعض أهل العلم وممن أشار إلى ضعفه البيهقي لكن في الحقيقة شواهده كثيرة وإسناد الحديث المرسل صحيح إلى مرسله وفيه قوة.
والثاني: أن هذا في الإمامة الكبرى لا في الإمامة الصغرى لأن النبي - ﷺ - جعل ترتيبًا خاصًا في الإمامة الصغرى وهو: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله الخ.
• ثم قال ﵀:
ثم الأتقى.
أي إذا استووا في جميع ما تقدم فإننا نقدم الأتقى.
والدليل ما سبق ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. تقدم معنا أن الراجح تقديم الأورع على الأشرف.
• ثم قال ﵀:
ثم من قرع.
أي إذا استووا في جميع الصفات السابقة فإن الإمام أو أهل الحي يقرعون بين المتساويين.
الدليل على ذلك:
قول النبي - ﷺ - لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا.
وسعد ﵁ في القادسية تنازع الناس الأذان فأقرع بينهم.
ولقاعدة مشهورة أنه إذا تساوى الإثنان في الاستحقاق فالترجيح بينهما يكون بالقرعة.
= والقول الثاني: أنه في حال التساوي يرجح من يرغب به جماعة المسجد فإذا رغبوا بأحدهما مع التساوي في جميع الصفات قدما لرغبة الجماعة به.
[ ٢ / ٦٠ ]
الدليل: قالوا: أن في تقديم من رغب به جماعة المسجد تأليفًا للقلوب واجتماعًا للكلمة.
وهذا القول فيه قوة وفيه فقه لكن يحول بيننا وبين ترجيحه مسألة أن سعدًا - ﵁ - لم يستشر الصحابة في أي الصحابة يؤذن وربما كان بعضهم أندى صوتًا فلم ينظر إلى هذه الأمور إنما أقرع بينهم.
ثم إذا قدمنا رغبة الجماعة ربما يؤدي هذا إلى شحناء وتباغض بين الجماعة والمؤخر.
انتهى الدرس،،،
[ ٢ / ٦١ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس الكلام عن من هو الأولى بالإمامة وأخذنا الخلاف في ذلك ونريد أن نذكر الآن الراجح من حيث الترتيب فقط.
فأولى الناس حقًا بالإمامة الأقرأ ثم الأفقه ثم الأقدم هجرة ويساويه القدم إسلامًا ثم الأتقى ثم الأسن وليس معهم الأشرف.
وفي الحقيقة التقديم بالأتقى أمر نسبي قد لا يتحقق في كثير من الأحوال ففي المرتبة الأخيرة غالبًا سيكون الأسن لأن الحكم لفلان أنه أتقى من فلان أمر فيه عسر وقد لا يتضح في كثير من الصور.
وعمومًا هذا هو الراجح من حيث الأدلة أما من حيث التطبيق فالأقرأ - الأفقه - الأقدم هجرة - الأسن.
فهذا هو الذي يكون العمل به متيسرًا وسهلًا.
لما انتهى المؤلف من بيان القاعدة العامة في ترتيب الأئمة انتقل إلى أشياء خاصة:
• فقال ﵀:
وساكن البيت وإمام المسجد: أحق.
ساكن البيت وإمام المسجد أحق بالإمامة ولو حضر من هو أولى منهما في الصفات السابقة.
لما أخرجه مسلمك في صحيحه: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه).
فأما صاحب البيت فمعلوم أنه سلطان بيته وأيضًا تقدم معنا أن الإمام الراتب في المسجد كالسلطان في بيته أي: له الحق والأولوية أن يصلي.
إذًا عرفنا أنهما يقدمان ولو حضر من هو أولى منهما.
• ثم قال ﵀:
إلاّ من ذي سلطان.
أي: إلا إذا حضر السلطان في البيت أو في المسجد فإنه يقدم على صاحب البيت وعلى الإمام الراتب.
والمقصود بالسلطان هنا: السلطان الأعظم.
[ ٢ / ٦٢ ]
واستدلوا على تقديم السلطان الأعظم - أي خليفة المسلمين أو من له السلطة العليا في الدولة - بنفس الحديث السابق: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه). قالوا: أن سلطان ولي الأمر أكبر من سلطان صاحب البيت حتى في بيته وحتى من إمام المسجد في مسجده.
فلما كان سلطانه أكبر صار وصف الحديث ينطبق عليه أكثر فقدم للصلاة.
إذًا إذا حضر السلطان فهو أحق بالإمامة من صاحب البيت أو إمام المسجد ولو كان راتبًا.
• ثم قال ﵀:
وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختوم ومن له ثياب: أولى من ضدهم.
قوله: (وحر). أي أن الحر مقدم على العبد. فإذا اجتمعا قدم الحر على العبد. واستدلوا على تقديم الحر على العبد بأنه: أشرف وأعلى مكانة.
= والقول الثاني: أن العبد إذا كان أفقه فإنه يقدم. واستدلوا بأدلة قوية جدًا: الأول: عام. والثاني: حاص.
أما الأول: فعموم قوله - ﷺ -: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله). فنحن نقدم من قدم الله ورسوله ونؤخر من أخر الله ورسوله.
الثاني: أن سالم مولى أبي حذيفة - ﵁ - صلى بعمر بن الخطاب - ﵁ - لأنه أقرأ منه.
ولا شك أن الراجح هو أن العبد الأفقه أو الأقرأ ولو كان مملوكًا فإنه مقدم على الحر في الصلاة والإمامة إذا كان أفقه.
ولاشك في رجحان هذا القول وأظن أن هذا كلام لبعض الحنابلة ولا أظنه يثبت عن الإمام أحمد بن حنبل.
قوله: (وحاضر). يقصد بالحاضر هنا: الحضري وهو: من سكن المدن والأمصار فإنه مقدم على أهل البوادي: أي: على البادية. فإذا حضر رجل من الحضر ورجل من البادية فنقدم الحاضر على البادي.
واستدلوا على هذا بأن: البادية يغلب عليهم الجهل بالأحكام وعدم معرفة القرآن.
= والقول الثاني: أنه يقدم الأفقه سواء كان من الحاضرة أو من البادية.
فإذا كان الرجل الذي من البادية أقرأ أو أفقه فإنه يقدم على من ليس كذلك ولو كان من الحضر.
واستدلوا: بعموم قول النبي - ﷺ -: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله). سواء كان هؤلاء القوم من البادية أو من الحاضرة.
[ ٢ / ٦٣ ]
ولا يخفى أن القول الثاني هو القول الراجح وتعليق الأحكام بوصف الحضر والبدو لا أصل له في الشرع إنما نعلق الأحكام على الضوابط التي جاءت عن الشارع. ومنها في هذا الباب: مسألة أن يكون الأقرأ.
قوله: (ومقيم). أي أن المقيم مقدم في الإمامة على المسافر. فإذا حضرا قدم المقيم وتأخر المسافر.
واستدلوا على ذلك: بأنه يلزم من تقديم المسافر أحد أمرين: الأول: أن يقصر فيفوت بذلك على المقيم الصلاة كاملة جماعة لأنه سيقوم يقضي ركعتين بلا جماعة منفردًا. الثاني: أن يتم المسافر فيعتبر فعل مكروهًا.
لذلك قالوا: نقدم المقيم على المسافر.
= والقول الثاني: أنه يقدم من قدم الله ورسوله سواء كان مسافرًا أو مقيمًا لعموم قوله - ﷺ -: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله).
وفي المسألة: دليل خاص وهو أن النبي - ﷺ - لما نزل مكة صلى بالناس وقصر الصلاة وقال لأهل مكة: (إنا قوم سفر فأتموا صلاتكم).
فهو - ﷺ - صلى بهم إمامًا وهو مسافر وهم مقيمون والأصل العام أن النبي - ﷺ - يقتدى به في كل أفعال الصلاة لقوله - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
والراجح القول الثاني.
قوله: (وبصير). يعني أنه يقدم البصير على الأعمى. فهو أولى منه بالإمامة.
التعليل: قالوا: أن البصير أقدر على استكمال شرائط الصلاة من الأعمى سو اء كان من حيث استقبال القبلة أو الطهارة من النجاسة أو الوضوء وغير ذلك من شروط الصلاة.
= والقول الثاني: أن الأعمى أولى لأنه أقرب للخشوع.
= والقول الثالث: أنه يقدم من قدم الله ورسوله فمن كان أقرأ قدم سواء كال أعمى أو مبصر وقد صح أن ابن عباس - ﵁ - لما فقد بصره صلى بالناس إمامًا وهو أعمى.
وفي رواية أنه امتنع أن يؤم الناس لما صار أعمى. لكن الأقرب للصحة أنه صلى - ﵁ - ولم يمتنع من الصلاة.
والراجح هو القول الثالث.
وأجيب عن قضية الخشوع أنه يكره عند العلماء إغماض العينين ولو كان هذا مندوبًا إليه وفضيلة لكان إغماض العينين مندوبًا إليه.
وعلى كل حال فإن فيه شيء من الصواب فلا شك أن الكفيف لا يشتغل بما أمامه من الملهيات.
[ ٢ / ٦٤ ]
أما الراجح فهو أن من قدم الله ورسوله فهو المقدم.
قوله: (ومختون). المختون مقدم على الأقلف فهو أولى منه بالإمامة. والختن هو: قطع القلفة وهي: الجلدة التي تغطي الحشفة. فإذا قطعت هذه الجلدة صار الإنسان مختونًا وإذا لم تقطع فإنه أقلف.
والتعليل: أنه أكمل منه طهارة وأكمل منه اتباعًا للسنة ولا يؤم المفضول الفاضل.
الراجح: أن في المسألة تفصيل على النحو التالي:
ـ نقول إذا كان الأقلف يستطيع أن يغسل النجاسة المتبقية تحت هذه الجلدة ولم يفعل فإن صلاته باطلة فضلًا عن إمامته لأنه صلى مستصحبًا للنجاسة عمدًا. وقد تقدم معنا أن الطهارة من النجاسة من شروط صحة الصلاة.
ـ أن لا يستطيع أن يزيل هذه النجاسة فهو معذور أو يستطيع وأزالها فعلًا فحينئذٍ تساوى هو والمختون فنقدم من قدم الله ورسوله فالأقرأ منهما يصلي.
وهذا القول كما قلت هو الراجح وهو المتوافق مع الأدلة الشرعية.
قوله: (ومن له ثياب). أي ومن له ثياب مقدم على من ليس له ثياب.
لكن الحنابلة يقصدون بمن له ثياب وبمن ليس له ثياب شيئًا خاصًا. فيقصدون بمن له ثياب: أي من يملك ثوبين وما يغطي به رأسه أولى ممن ليس له ثياب والمقصود به: من ستر العورتين مع أحد العاتقين لأن هذا هو القدر الواجب عند الحنابلة كما تقدم.
وفيما أرى أن هذا التقديم صحيح فإن من أخذ زينته فهو مقدم في الصلاة عند التساوي على من لم يأخذ زينته لعموم قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾.
فأمر الله بأخذ الزينة عند كل مسجد. لكن يستثنى من هذا إن كان من لا يجد الثياب أنه لا يجدها بسبب الفقر فحينئذٍ يصبح معذورًا وسقط اعتبار هذا الوصف فنقدم من قدم الله ورسوله.
قال: (أولى من ضدهم). هذه العبارة هي حكم لجميع الأجناس السابقة في قوله: (وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختوم ومن له ثياب). فهذه ستة الحكم فيهم أنهم مقدمون على ضدهم وقد ذكرنا الخلاف في كل مسألة منها.
وبهذا انتهى المؤلف ﵀ من الكلام على مسألة من الأحق بالتقديم أو الأحق بالتأخير في الإمامة.
وانتقل إلى مسألة أخرى وهي الأشخاص الذين لا تصح الصلاة خلفهم.
•
فقال ﵀:
ولا تصح خلف: فاسق.
[ ٢ / ٦٥ ]
قبل أن نأخذ حكم الصلاة خلف الفاسق وتعريف الفاسق من المناسب أن نذكر تحرير محل البحث.
والفرق بين تحرير محل النزاع وتحرير محل البحث:
تحرير محل النزاع هو: إخراج المسائل المجمع عليها وبحث المسألة المتنازع عليها.
تحرير محل البحث هو: تحديد المسألة التي ستبحث سواء كانت المسائل الأخرى محل إجماع أو خلاف فلا يعنينا لكن نحن نريد أن نحدد المسألة التي نريد أن نبحثها.
ودائمًا يستخدمون تحرير محل البحث حينما تكون المسائل التي تخرج أيضًا فيها خلاف لكن الباحث لا يريدأن يبحث هذه المسائل وإنما يتركز بحثه على مسألة معينة.
فنذكر الآن تحرير محل البحث:
أولًا: تجوز الصلاة خلف الفاسق في الجمع والأعياد بلا إشكال.
ثانيًا: تجوز الصلاة خلف الفاسق الذي لا يعلم فسقه.
ثالثًا: تكره الصلاة خلف الفاسق بالإجماع.
إذًا الكراهة ليست محل بحث إنما محل البحث التحريم.
نرجع إلى المسألة:
• يقول ﵀:
ولا تصح خلف: فاسق.
الفسق في اللغة: هو الخروج.
وفي الاصطلاح: التلبس بكبيرة أو المداومة على صغيرة.
والفسق ينقسم إلى قسمين:
فسق اعتقادي: كالمعتزلة والأشاعرة والجهمية عند من يحكم بإسلامهم والشيعة عند من يحكم بإسلام بعضهم وبعبارة أوضح نقول: هي البدع غير المكفرة.
فسق عملي: وهو ما تقدم: فعل كبيرة أو الإصرار على صغيرة.
اختلف الفقهاء ﵏ في حكم الصلاة خلف الفاسق:
= ذهب الحنابلة – وهو المذهب – أن الصلاة خلف الفاسق لا تصح.
واستدلوا بأدلة نأخذ منها دليلين فقط:
الأول: حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا يؤمن فاجر مؤمنًا).وهذا الحديث ضعيف جدًا ومنكر ومنن حكم بنكارته الحافظ الكبير أبو حاتم والدارقطني وغيرهما.
الثاني: تعليل: أنه لا يؤمن في الفاسق أن يترك بعض شرائط الصلاة لفسقه وضعف دينه.
= القول الثاني: أنه تصح الصلاة خلف الفاسق.
واستدلوا أيضًا بنص وأثر:
أما النص: فهو أن النبي - ﷺ - أخبر عن أئمة الجور وأنهم يضيعون الصلاة وهذا دليل على فسقهم ومع ذلك قال - ﷺ -: (صل الصلاة لوقتها فإن وافقتهم فصل معهم تكن لك نافلة).
[ ٢ / ٦٦ ]
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - صحح الصلاة خلفهم نافلة ولو كانت الصلاة باطلة فإنها لا تصح لا نفلًا ولا فرضًا.
أما الأثر: أن ابن عمر - ﵁ - صلى خلف الخوارج وهم فساق فسقًا اعتقاديًا. وصلى خلف الحجاج وهو فاسق فسقًا عمليًا.
وصلى الحسن والحسين وغيرهما من الصحابة خلف مروان بن الحكم وهم يعتبرونه من الفساق لأخطائه العظيمة.
وإذا كان مع أصحاب القول الثاني نص عن النبي - ﷺ - وآثار صحيحة بل حكي إجماع الصحابة على صحة الصلاة خلف الفاسق فلا شك في رجحان هذا القول.
وطالب العلم يرجح هذا القول مستصحبًا الإجماع على كراهة الصلاة خلف الفاسق.
• ثم قال ﵀:
ككافر.
الصلاة خلف الكافر لا تصح.
إن كان يعلم كفره فبالإجماع.
وإن كان لا يعلم كفره فكذلك لا تصح عند الحنابلة.
وذهب بعض الفقهاء كالفقيه أبي ثور إلى صحة الصلاة خلف الكافر إذا جهل المأموم كفره.
وعلل ذلك بأن هذا المأموم معذور.
والأحوط مذهب الحنابلة أن الإنسان إذا صلى خلف شخص ثم تبين له بعد الصلاة أنه كافر فإنه يعيد.
وتتصور هذه المسألة: في أن يكون الكفر من باب كفر الردة فيكون ظاهره الإسلام لكنه ارتد في قول أو عمل ولم يعلم المأموم أن أتى بمكفر فحينئذ قد لا يعلم بكفره.
•
ثم قال ﵀:
ولا امرأة.
أي ولا تصح الصلاة خلف المرأة.
= وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجماهير العلماء من الخلف والسلف.
واستدل الجماهير بأدلة:
الدليل الأول: بقول النبي - ﷺ - (لا تأمن امرأة رجلًا) وهذا الحديث تكملة لحديث: (لا يؤمن فاجر مؤمنًا) وقد تقدم معنا أن درجته أنته ضعيف جدًا أومنكر.
الدليل الثاني: ما جاء في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - قال: (لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) ومن أعظم وأشرف وأهم الولايات ولاية إمامة الناس فإنه يقال الإمامة الصغرى والإمامة الكبرى فتقارن بالإمامة الكبرى لشرفها وأهميتها في الإسلام فكيف نوليها امرأة.
الدليل الثالث: أن النبي - ﷺ - قال: (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) فكيف مع ذلك تكون هي الإمام.
[ ٢ / ٦٧ ]
= والقول الثاني: صحة صلاة النافلة وفي التراويح بالذات لأن أم ورقة ﵂ لما طلبت من النبي - ﷺ - أن تخرج معهم في الغزو أمرها أن تمكث وأن تصلي بأهل بيتها وأن تتخذ مؤذنًا شيخًا كبيرًا.
قالوا: فدل هذا الحديث على أن إمامة المرأة في التراويح صحيحة.
وصحة إمامة المرأة في التروايح رواية عن الإمام أحمد.
= القول الثالث: الصحة مطلقًا وهو منسوب للطبري والمزني ولأبي ثور.
لكن في الحقيقة بالنسبة لهؤلاء العلماء إشكال فبعض الكتب نسبت إليهم هذا القول وبعضها نسبت إليهم القول بأن إمامة المرأة تجوز في التراويح مطلقًا.
فهناك اختلاف في التحقق من نسبة القول بجواز الصلاة مطلقًا إلى هؤلاء الأئمة الثلاثة.
وفي الحقيقة لم يتسن لي البحث للتحقق من نسبة هذا القول فإنهم في الكتب ينسبون هذا القول تارة الجواز مطلقًا وتارة في التراويح.
فالإشكال الأول في هذا القول الأخير هو التحقق من نسبة هذا القول.
واستدل أصحاب هذا القول – الأخير – بحديث أم ورقة ﵂ حيث قالوا أنه عام ولم يخصص بالتراويح.
والجواب عن حديث أم ورقة ﵂: أن في إسناده مجهولين.
ومع وجود الجهالة المتن فيه نكارة فيما يظهر والله أعلم لأن بعضهم يحسنه.
وجه النكارة أنه لا يوجد في النصوص ولا في الآثار أبدًا الإشارة إلى إمامة المرأة للرجال. مع وجود الفقيهات من الصحابيات والتابعيات. ووجود طلبة العلم من أرحامهن أي ممن يتمكن من الدخول بلا ستر مع ذلك لم ينقل أن منهن من أمتهم أو أن امرأة أمت الرجال.
فالراجح والله أعلم مذهب علماء المسلمين سلفًا وخلفًا إلا من ذكرت. أنه لا يشرع.
مما يدل على قوة هذا القول قرب وقوع الفتنة بصلاة المرأة بالرجال فإن الفتنة تكاد تكون متحققة لا سيما مع ما في الصلاة من القراءة والتغني بالقرآن ومع مافيها من الركوع والسجود.
فلا شك أن مذهب الجماهير إن شاء الله هو الراجح الذي تدل عليه النصوص الخاصة والأصول العامة على أن الحنابلة وغيرهم قالوا لو فرض صحة صلاة المرأة فإنه يجب أن تكون خلف الصف.
فإذا جوزنا أن تكون إمامة فيجب أن تقف خلف الرجال هذا إذا جوزنا ذلك.
• ثم قال ﵀:
وخنثى للرجال.
[ ٢ / ٦٨ ]
أي: أنها لا تصح خلف المرأة بالنسبة للرجال أما بالنسبة فلا بأس أن يصلين خلفها وسيأتي معنا ذكر هذه المسألة.
ولا تصح صلاة الرجال خلف الخنثى:
التعليل: أنه قد يكون امرأة والخنثى هو الذي أشكل أمره فلا يعرف هل هو رجل أو امرأة؟ وهو موجود في الزمن الماضي والحاضر والمعاصر فإنه يوجد من يولد ويشكل أمره هل هو رجل أو امرأة إما لعدم وجود مخرج للمرأة والرجل أصلًا أو لوجود مخرج للمرأة والرجل في ذات الوقت في هذا الخنثى.
الخلاصة: أنه لا يجوز للرجال أن يصلوا خلف الخنثى.
•
ثم قال ﵀:
ولا صبي لبالغ.
أي ولا تصح صلاة البالغ خلف الصبي.
= فالحنابلة يرون أنه لا تصح صلاة البالغ خلف الصبي.
وكان ينبغي على المؤلف ﵀ أن يقول: في الفريضة لأن هذا هو مذهب الحنابلة: أن نفي الصحة خاص بالفريضة وهذا أمر لا يترك أساسي فإنه ليس مما يقال أنه من التكميل والشرح.
فكان ينبغي أن يقول ولا صبي لبالغ في الفريضة.
ففي الفريضة لا يكون الصبي إمامًا للبالغ لأن البالغ أكمل منه وصلاة البالغ فريضة وصلاة الصبي نافلة.
فهو أكمل من حيث هو فإنه مكلف.
وأكمل من حيث صفة الصلاة: فصلاته فريضة وصلاة الصبي نافلة.
هذا الدليل الأول.
والدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - قال: (رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم الصبي حتى يبلغ) فهو مرفوع عنه القلم.
= والقول الثاني: أن إمامة الصبي صحيحة.
واستدلوا بدليلين: عام وخاص.
العام: قالوا: عموم قوله - ﷺ -: (يؤم القوم أقرأهم) سواء كان بالغًا أو لم لم يبلغ لأن الحديث لم يفصل.
الخاص: أن والد عمرو بن سلمة قدم على النبي - ﷺ - وسأله عن أحكام الدين ليبلغها لقومه فكان مما بلغه النبي - ﷺ - أن قال له: (ليؤمكم أكثركم قرآنًا) فما رجع إلى قومه قال عمرو بن سلمة بحثوا فلم يجدوا إلا أنا فقد كنت أكثرهم قرآنًا وهو ابن ست أو سبع سنين. فصار هو الإمام لقومه.
ففي هذا الحديث إمامة الصبي للبالغين.
وهذا القول الثاني أصح وأقرب.
[ ٢ / ٦٩ ]
لكن إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن الإمام أحمد إذا وجد نصًا لا يتركه إلى غيره فكيف وقد ثبت عن الإمام أحمد بروايات أنه لا يرى صحة إمامة الصبي. فكيف وقد ترك هذا النص؟ فما هو الجواب؟
الجواب: أن الإمام أحمد سأل – الأثرم أو غيره – سأله فقال له: ما تقول في حديث عمرو بن سلمة فرده الإمام أحمد وقال: أي شيء يكون؟ أو أي شيء هو؟ ولم يرده من حيث الصحة لكن الحنابلة فسروا هذا القول من الإمام أحمد بأنه يرى أن هذا العمل لم يبلغ النبي - ﷺ - ولذلك لم يأخذ بالحديث. وحاشاه ﵀ أن يكون في المسألة نص صريح عن النبي - ﷺ - ثم يتركه. لكنه ﵀ ترك هذا النص لهذا المعنى كأنه رأى أن هذا الحديث لم يبلغ النبي - ﷺ - لأن والد عمرو رجع إلى قومه في البادية وهم يسكنون بعيدًا عن النبي - ﷺ - وصار هو الإمام فربما حصل هذا منهم من غير علم النبي - ﷺ -.
ونحن نريد أن نبين وجهة نظر الإمام أحمد ﵀ فقط وأما الراجح فهو القول الثاني لأن الأصل إن شاء الله كما سيأتيكم في أصول الفقه أن إقرار الله حجة فإن كان النبي - ﷺ - علم فليس في المسألة إشكال وإن كان لم يعلم فإن الله تعالى يعلم وهي واقعة وقعت في زمن التشريع ولو كانت هذه الواقعة مخالفة للشرع لبينها الله لرسوله - ﷺ -.
إذًا الراجح إن شاء الله صحة صلاة الصبي لبالغ.
وقوله: ولا صبي لبالغ: يفهم منه صحة الصبي لمثله وهذا صحيح لتساويهما.
ويفهم من مذهب الحنابلة – لا أقول من عبارة المؤلف – أن إمامة الصبي البالغ لا تجوز في الفريضة يفهم منه جواز إمامة الصبي في النافلة وهو مذهب الجماهير وهو الصواب إن شاء الله.
فإمامة الصبي في النافلة جائزة حتى عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور حتى لو رجحنا عدم صحة إمامته في الفريضة ففي النافلة صلاته إن شاء الله صحيحة عند الجماهير بلا إشكال.
• ثم قال ﵀:
ولا أخرس.
= أي أنه لا تصح إمامة الأخرس وهو من لا يستطيع النطق لا بالناطق ولا بمثله - أي أخرس آخر – عند الحنابلة.
الدليل: استدلوا على هذا الحكم:
[ ٢ / ٧٠ ]
بأن القراءة ركن مقصود معتبر في الشرع وهو لم يأت به ولا ببدله.
= والقول الثاني: صحة إمامة الأخرس بمثله فقط.
لأن المنع من ذلك يؤدي إلى أن يصلوا فرادى وتضيع الجماعة.
= والقول الثالث: صحة إمامة الأخرس مطلقًا.
لأنه وإن كان أخرسًا إلا أنه معذور فليس بيده النطق وإلا لفعل.
وإذا كان معذورًا سقط اعتبار هذه الصفة وإذا لم تعتبر رجعنا إلى الأصل وهو من كان أقرأ يعني أكثر حفظًا فإنه يصلي بالناس.
والترجيح في هذه المسألة فيه إشكال
من حيث العموم والأدلة العامة تدل على أنه وإن كان أخرسًا إلا أنه معذور.
وإذا نظر الإنسان إلى النصوص الخاصة وجد أن الشارع له نظر عميق جدًا في القراءة بل إنه قدم القارئ على الفقيه. وقدم القارئ على كل الناس. فقال: (يؤم القوم أقرؤهم). وهذا لا يصدر منه قراءة مطلقًا.
فالحقيقة فيه تعارض فما يظهر لي أي الأقوال أرجح إذا تصورنا وقوع مثل هذا الأمر.
• ثم قال ﵀:
ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام.
قبل شرح هذه العبارة أريد أن أنبه إلى تصحيح من حيث تفقير الكتاب (نسخة الهبدان - طبع دار ابن الجوزي) فإن الصواب في كتابة العبارة أن يقول: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ثم يضع نقطة ويبدأ مع أول السطر:
أو قيام. إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته.
لماذا؟ لأن الحكم وهو قوله: (إلا إمام الحي المرجو زوال علته) يتعلق فقط بالقيام فليس له علاقة بالعاجز عن الركوع أو السجود أو القعود.
وصنيع المحقق وفقه الله وجزاه الله خيرًا يفهم منه خلاف ذلك.
إذا تكون الجملة: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود ثم نقطة ومع أول السطر أو قيام. إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته.
نرجع إلى معنى العبارة: يقول: ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود: يعني ولا تصح الصلاة خلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود.
والمقصود بقوله: (عاجز عن ركوع أو سجود أو ركوع) أي لا تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الواجبات أو الشروط ففي الحقيقة هم يريدون هذا المعنى ولا يريدون التخصيص بمسألة العاجز عن الركوع أو السجود أو القعود.
إذًا لا تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط أو الواجبات.
[ ٢ / ٧١ ]
الدليل عند الحنابلة: أن العاجز عن هذه الأشياء أخل بركن مقصود من أركان الصلاة سواء كان الركوع أو السجود أو القعود ولا يكون المفضول إمامًا للفاضل. فمن كان قادرًا قدم بالإمامة.
= القول الثاني: مذهب الشافعية واختاره شيخ الاسلام بن تيمية ﵀ أنه تصح الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط.
لأن هذا العاجز معذور وإذا كان معذورًا لم يؤاخذ بما ترك وصلاته كاملة شرعًا.
وإذا ثبت ذلك - أي أنه معذور - فإنا نقدم من قدم الله ورسوله. فنقول الأقرأ يتقدم فيصلي سواء كان هو العاجز أو القادر.
•
ثم قال ﵀:
أو قيام. إلاّ إمام الحي المرجو زوال علته.
أي لا تجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام إلا بشرطين:
أن يكون إمام الحي.
أن يرجى زوال علته.
واستدلوا على هذا الحكم بأدلة:
الدليل الأول: أن القيام أسهل من باقي الأركان بدليل سقوطه فقي النافلة.
الدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه جالسًا لما صرع عن فرسه - ﷺ - فاشتكى. وهذا الحديث في الصحيحين.
والنبي - ﷺ - هو الإمام الراتب وأيضًا يرجى زوال علته لن العلة كانت بسبب السقوط عن الفرس وهذا عادة يزوال.
= القول الثاني: أنه تجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام ولو لم يكن هو إمام الحي ولو لم يرجى زوال علته.
أولًا: لأن النصوص التي فيها أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه ليس فيها تقييد بهذه القيود.
ثانيًا: أنه ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه في مرض موته حين صلى جالسًا وصلى خلفه أبو بكر ﵁ والناس قيام.
فدل هذا على أنه لا يشترط أن يرجى زوال علته (الآذان ..)
والراجح في هذه المسألة أنه يجوز الصلاة خلف العاجز عن القيام بلا شروط زائدة والدليل هو عموم الأحاديث التي فيها أن النبي - ﷺ - صلى بالناس قاعدًا بلا شروط زائدة بالنصوص. ولعموم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
والباقي إن شاء الله يأتي غدًا.
انتهى الدرس،،،
[ ٢ / ٧٢ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم معنا بالأمس الكلام عن حكم الصلاة خلف العاجز عن الأركان أو الشروط عند الحنابلة ثم حكم الصلاة خلف العاجز عن القيام فقط عند الحنابلة وذكرنا أدلة الحنابلة والشرطين اللذين ذكرهما المؤلف.
• ثم توقفنا عند قول المؤلف ﵀:
ويصلون وراءَه جلوسًا ندبًا.
يريد المؤلف ﵀ أن يبين حكم المأمومين في الصلاة التي جلس فيها الإمام من أول الصلاة.
إذًا المقصود بقوله: ويصلون وراءَه جلوسًا ندبًا. في مسألة إذا صلى جالسًا من أول افتتاح الصلاة.
فإذا كان الإمام مريضًا وجلس من أول الصلاة فإنه يندب للمأمومين أن يصلوا جلوسًا ولا يجب عليهم أن يصلوا جالسين وجوبًا.
= استدل الحنابلة على أنه يندب فقط ولا يجب بحديث عائشة رصي الله عنها أن النبي - ﷺ - في المرض الذي مات فيه خرج ليصلي بالناس فصلى بهم جالسًا وأبو بكر - ﵁ - والناس خلفه يصلون قيامًا.
فدل هذا الحديث على أن الصلاة خلف الإمام الجالس جلوسًا مستحب ويجوز لهم أن يصلوا قيامًا.
= والقول الثاني: أنه يجب إذا شرع الإمام في الصلاة جالسًا أن يصلي المأمومون وهم جلوس وجوبًا أي على سبيل الوجوب لا على سبيل الندب.
واستدلوا على هذا بدليلين:
الأول: حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به أن قال ..: فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون).
فقوله: (فصلوا جلوسًا) ثم التأكيد بكلمة أجمعين فهذا دليل على أن هذا الأمر خرج مخرج الوجوب.
الثاني: ما في حديث عائشة أن النبي - ﷺ - صلى شاكيًا وصلى بعض القوم خلفه قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا.
ولم يأمرهم بالجلوس في أثناء الصلاة إلا لأنه واجب.
وهذا القول - الثاني - هو الصحيح. ونحتاج إلى الجواب عن حديث عائشة ﵂ لأن الصحابة صلوا خلف النبي - ﷺ - وهم قيام وهو جالس - ﷺ - فنقول الجواب:
ـ هو بالجمع بين الحديثين كما جمع الإمام أحمد فنقول:
[ ٢ / ٧٣ ]
- يحمل حديث عائشة ﵂ على من ابتدأ الصلاة قائمًا ثم اعتل وجلس.
- ويحمل حديث أنس - ﵁ - وحديث عائشة الآخر على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة جالسًا.
وهذا الجمع مقدم على النسخ الذي ذهب إليه أصحاب القول الأول - أي نسخ الوجوب - وستأخذون في أصول الفقه في مبحث مهم جدًا لطالب العلم وهو تعارض الأدلة: أن مرحلة الجمع تسبق مرحلة النسخ.
إذًا قوله: (ندبًا) الصواب أنه وجوبًا.
• ثم قال ﵀:
فإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتل فجلس: أتموا خلفه قيامًا وجوبًا.
إذا بدأ الإمام الصلاة قائمًا ثم جلس في أثناء الصلاة فإن المأمومين يصلون خلفه قيامًا وكما قال المؤلف ﵀: (وجوبًا).
ولا أظن أن في هذه المسألة خلاف.
والدليل: حديث عائشة ﵂ فإنهم ﵃ صلوا خلف النبي - ﷺ - قيامًا.
وقد تقرر أن مخالفة الإمام الفعلية محرمة لقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). ولقوله - في بعض الألفاظ - (فلا تختلفوا عليه).
فهذا دليل على أن مخالفة الإمام محرمة ومع ذلك خالفوا الإمام مما يدل على أن القيام واجب أي أنهم تركوا المحرم للإتيان بما هو أجوب منه وهو القيام.
على كل حال لا إشكال أنه إذا ابتدأ بهم قائمًا ثم جلس أنهم يصلون قيامًا.
عرفنا الآن أن قوله: (ويصلون وراءه جلوسًا ندبًا) لا يمكن أن يعم الصورتين فيما إذا ابتدأ الصلاة قائمًا ثم جلس وفيما إذا ابتدأ الصلاة جالسًا وإنما تحمل العبارة الأولى على ما إذا ابتدأ الصلاة جالسًا.
•
ثم قال ﵀:
وتصح خلف: من به سلس البول بمثله.،
المقصود بمن به سلس البول: من يستمر خروج البول ولا يستمسك بالإرادة.
ومقصود الحنابلة بقولهم من به سلس البول: كل من حدثه دائم. أي: أن هذا الحكم لا يختص بمن به سلس البول بل يعم كل من حدثه دائم.
حكم من حدثه دائم: أنه يجوز أن يصلي بمثله ولا يجوز أن يصلي بغيره - أي بغير من به سلس البول.
- أما لماذا يجوز أن يصلي بمثله؟ فسبق معنا التعليل وهو: لتساويهما في الحال.
- وأما لماذا لا يصلي بغيره؟ لأن هذا الشخص يخرج منه الحدث المبطل للطهارة وعفي عنه للعذر فلا يصلي بمن استكمل الشروط.
[ ٢ / ٧٤ ]
= والقول الثاني: أن من به سلس البول إذا غلبه هذا الأمر فإنه يصلي بمثله وبغيره إذا كان هو الأقرأ ولا ينظر لهذا الوصف أصلًا لأنه خارج عن إرادة الإنسان.
وهذا القول هو الصواب وهذا القول عليه العمل فإن كثيرًا من الأئمة يصلون بالناس ومعهم سلس فمن الناس من يسأل عن هذه المسألة ويذكر في سؤاله أنه إمام مسجد وعليه فإنه عمله صحيح ومذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف.
ومما يدل على قوة هذا القول - الثاني - عموم قوله - ﷺ -: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
• ثم قال ﵀:
ولا تصح خلف: محدث ولا متنجس يعلم ذلك.
أي ولا تصح الصلاة خلف إمام محدث ومتنجس يعلم أنه أحدث أو أنه تنجس.
ويجب أن تلاحظ أن مذهب الحنابلة ولو جهله المأموم فهذه مهمة ونقول: لو أن المؤلف أضافها لكان أولى.
التعليل: قالوا: أن من صلى محدثًا أو متلبسًا بالنجاسة عالمًا فهو متلاعب آثم وصلاته باطلة فمن اقتدى به فقد اقتدى بمن بطلت صلاته فلا تصح صلاة المقتدي.
وفي الحقيقة هذا مركب من أن الإمام متلاعب أكثر من أنه صلى صلاة غير صحيحة أيضًا. والشيء الثاني أن المأموم اقتدى بمن لاتصح صلاته لتلاعبه.
= والقول الثاني: أنه إذا كان المأموم يجهل حال الإمام ولا يعلم بذلك فإن صلاة الإمام تبطل وصلاة المأموم صحيحة.
وهذا القول وجيه جدًا. والمسألة يتصور أن تقع فإنه قد يقدم من عليه جنابة فيستحيي أن يذكر أنه على غير طهارة للجنابة ويصلي بأصحابه لا سيما عند بعض السفهاء فهو يعلم أن صلاته باطلة والمأمومون لا يعلمون ذلك فعلى المذهب يجب أن يعيد هو وهم وعلى القول الثاني يجب أن يعيد هو أما هم فصلاتهم صحيحة.
• ثم قال ﵀:
فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت: صحت لمأموم وحده.
إذا صلى الإمام وهو محدث أو متلبس بالنجاسة وهو يجهل ذلك والمأموم يجهل ذلك فالحكم عند الحنابلة أن صلاة المأموم صحيحة والإمام يعيد.
ومتى يعيد - لأنه يجهل ذلك؟ نقول: إذا تذكر ذلك وعلم.
= دليل الحنابلة: فالوا: أن عمر بن الخطاب ﵁ وابن عمر وغيرهما من الصحابة صلوا بالناس وهم على جنابة جهلًا ونسيانًا - يعني جهلًا بواقع الحال ونسيانًا.
[ ٢ / ٧٥ ]
فأما عمر - ﵁ - فإنه لما خرج لبعض شغله وحمل متاعًا رأى في ثوبه أثر الاحتلام فأعاد الصلاة ولم يأمر الناس بالإعادة.
فهذا دليل قوي على أنه إذا صلى الإمام والمأموم وكلاهما يجهل أن الإمام صلى على غير طهارة فإن صلاة المأموم صحيحة وأما صلاة الإمام فإنه يعيدها.
= والقول الصواب: أن في المسألة تفصيل:
فإن صلى الإمام جاهلًا للحدث فإنه يعيد هو دون المأمومين.
وإن صلى الإمام جاهلًا للنجاسة فإنه لا يعيد لا هو ولا المأمومون فصلاة الجميع صحيحة لأن صلاة الإمام الذي يجهل تلبسه بالنجاسة صلاةٌ صحيحة.
لما ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - صلى يومًا بأصحابه وعليه النعل ثم خلعها لأن فيها أذىً أو قذر.
وجه الاستدلال: أن النبي - ﷺ - لم يستأنف الصلاة وإنما أتم بأصحابه بعد خلع الحذاء فدل ذلك على أن من صلى متلبسًا بالنجاسة جاهلًا فإن صلاته صحيحة.
وهذا التفصيل كما قلت هو الأقرب الذي تجتمع به الأدلة إن شاء الله.
• ثم قال ﵀:
ولا إمامه الأُمي: وهو من لا يحسن الفاتحة.
الأمي في اللغة: هو من لا يحسن الكتابة والقراءة.
والأمي في الاصطلاح الخاص بهذا الباب هو: من لا يحسن قراءة الفاتحة.
بناء على هذا مهما حمل الإنسان من شهادات عليا في أي تخصص من التخصصات إذا كان لا يحسن قراءة الفاتحة فإنه يعتبر أميًا في هذا الباب – في باب الإمامة.
إذًا إذا قيل لك ما تعريف الأمي في باب الإمامة الخاصة فتقول: من لا يحسن قراءة الفاتحة.
ثم أراد المؤلف أن يبين بعض صور عدم الإحسان في قراءة الفاتحة:
• فقال ﵀:
أو يدغم فيها ما لا يدغم.
قوله: (أو) كأن إدغام ما لا يدغم وتبديل الحروف واللحن الذي يحيل المعنى كأنه يختلف عن أن لا يحسن قراءة الفاتحة.
وفي الحقيقة هذه الأشياء هي: أمثلة أن لا يحسن قراءة الفاتحة.
ولذلك لو أنه قال ﵀: (كأن يدغم) لكان أولى.
نعم. عدم الإحسان في قراءة الفاتحة لا ينحصر على الثلاث أمثلة التي ذكرها المؤلف لكن هي أمثلة فإنه لا يخرج الإحسان عن أن يكون من جنس هذه الأشياء وأشياء أخرى.
[ ٢ / ٧٦ ]
قوله: (أن يدغم فيها ما لا يدغم). أي أن يدغم حرفًا فيما لا يماثله ولا يقاربه. وبعبارة أخرى (أسهل): أن يدغم في موضع لا يصح الإدغام فيه.
فهذا لا يحسن القراءة ولا يصح أن يكون إمامًا.
التعليل: أنه بهذا الإدغام أسقط حرفًا من الفاتحة وهو الحرف المدغم في غيره سقط في موضع لا يجوز أن يسقط.
• قال ﵀:
أو يبدل حرفًا.
أي أن يبدل حرفًا أثناء النطق بحرف آخر ومثاله المشهور: الألثغ وهو من يبدل الراء غينًا فهذا أشهر مثال ويكثر وقوعه.
فهذا الألثغ عند الحنابلة لا يجوز أن يكون إمامًا مع وجود غيره. لأنه: أيضًا لم يأت بالفاتحة فقد نطق حرفًا آخر.
واستثنى الحنابلة –بل الجمهور – الضاد فلو أبدلها بالظاء فإن صلاته صحيحة ويجوز أن يكون إمامًا.
واستدلوا على هذا بدليلين:
الأول: أنهما في السمع واحد. فإذا سمع الإنسان الضاد والظاء فإنه لا يفرق بينهما في السمع.
الثاني: أن مخرج الحرفين متقارب جدًا مما يشق معه التحرز من الخلط.
وهذا صحيح وهو اختيار شيخ الاسلام ﵀.
•
ثم قال ﵀:
أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى إلاّ بمثله.
إذا لحن في الفاتحة لحنًا يحيل المعنى فإنه لا يجوز أن يكون إمامًا إلا بشخص آخر يلحن كلحنه.
من أمثلة اللحن الذي يحيل المعنى: أن يقول: «أنْعَمْتُ» بدل «أنْعَمْتَ». لأنه صار المنعم المتكلم أو القارئ.
وهذا لحن ينقل المعنى إلى أمر آخر بعيد.
أو أن يفتح همزة «اهدنا» وهذا يقفع عند بعض الأعراب لأن المعنى انتقل من طلب الهداية والتوفيق والصلاح إلى طلب الهدية.
فهذا اختلاف كبير في المعنى بسبب اللحن.
إذًا إذا لحن الإنسان فإنه لا يصح أن يكون إمامًا وسيأتينا حكم صلاته.
= القول الثاني في هذه المسألة: أنه يجوز أن يكون إمامًا في النوافل فقط.
= القول الثالث: الجواز مطلقًا.
دليل الحنابلة أن الزهري ﵀ يقول: (مضت السنة بذلك) أي بعدم صحة إمامة اللحَّان.
وتقدم معنا مرارًا أن الإمام الحافظ الكبير الزهري إذا قال مثل هذه العبارة فإن لها ثقلًا عند أهل العلم.
لماذا؟
[ ٢ / ٧٧ ]
لأنه ﵀ واسع الاطلاع جدًا وغالبًا ما يقصد بمثل هذه العبارات ما كان عليه إما العهد النبوي أو على أضعف الإيمان عهد الصحابة. وذلك لسعة اطلاعه ووقوفه على أقوال كبار الصحابة فمثله ﵀ إذا قال: (مضت السنة بذلك) يكون له شأن كبير في الحقيقة.
الدليل الثاني: أن القراءة ركن مقصود معتبر عند الشارع فلم يجز الاقتداء بمن يقصر فيه.
بناء على هذا: إذا كان بعض الناس يقرأ ويلحن في الفاتحة فإنه يجب وجوبًا أن يتخلف عن الإمامة ولا تصح الصلاة خلفه.
فإذا كنا نعلم أن الإمام الفلاني يصلي بالمسجد الفلاني ويلحن في الفاتحة لحنًا يحيل المعنى ويغيره كالأمثلة التي ذكرت وغيرها فإنه لا يجوز أن نصلي خلفه لأنه لا يصح الاقتداء به.
ولا يخفى أن هذا فيه مشقة لا سيما في البوادي إذا يكثر فيهم من يكون إمامًا وهو يلحن في الفاتحة وقد أخذنا أن القول الثاني أنه يجوز أن يكون إمامًا وتصح الصلاة خلفه.
أي الأقوال أرجح؟
الذي يظهر لي وأعتمد في هذا على كلمة الزهري أن نقول أنه لا يصح الإئتمام به فإذا صلى الإنسان خلف من يلحن ناسيًا أو جاهلًا فيعيد أي عند الحنابلة.
أو نقول: إذا صلى جاهلًا أو ناسيًا – المأموم - فإنه يعذر.
لكن إن صلى عالمًا متساهلًا أعاد.
وهناك خطورة أخرى بالنسبة لمن يصلي ويلحن: أن يعتاد الناس على سماع الفاتحة وفيها لحن فيحفظوا الفاتحة ملحونة.
ففي الحقيقة تقديم من كان بهذه المثابة فيما يبدو لي أنه لا يجوز أي: أن الإئتمام به لا يصح.
• ثم قال ﵀
وإن قدر على إصلاحه: لم تصح صلاته.
أي: إن قدر على إصلاح هذا اللحن لم تصح صلاته أصلًا لا منفردًا ولا إمامًا.
إذًاَ كأن العبارة الأولى يقصد بها المؤلف: من لا يستطيع إصلاح الشأن.
أما من يستطيع ولم يفعل فصلاته من حيث هي باطلة.
الدليل: - تقدم معنا تعليل هذا مرارًا وهو: أن من ترك واجبًا عمدًا في الصلاة بطلت صلاته.
فهذا ترك أمرًا واجبًا بل ترك أمرًا يتعلق بركن كبير من أركان الصلاة وهو قراءة الفاتحة.
لما انتهى المؤلف من الذين لا يجوز أن نصلي خلفهم ولا تصح إمامتهم انتقل إلى القسم الثاني وهم الذين يصح أن يكونوا أئمة ولكن مع الكراهة.
• فقال ﵀:
[ ٢ / ٧٨ ]
وتكره إمامة: اللّحّان.
اللحان المقصود به هنا: كثير اللحن.
واللحن هو: نطق أواخر الكلمات على غير صوابها من جهة الإعراب.
ومراد الفقهاء – وهذا مهم: في كل باب ينبغي أن يعتني الإنسان بمراد المؤلف من كلامه – فمراد المؤلف من قوله: (اللحان): أي: الذي يلحن في الفاتحة لحنًا لا يحيل المعنى أو في غيرها يحيل أو لا يحيل المعنى.
وبعبارة أوضح: المقصود به هنا الذي يلحن لحنًا يحيل المعنى في غير الفاتحة أو فيها لحنًا لا يحيل المعنى.
لأن اللحن الذي في المعنى يحيل المعنى في الفاتحة تقدم معنا وانتهى المؤلف من بيان حكمه فإذًا هنا يقصد ﵀ اللحن اللذي يكون في الفاتحة ولا يحيل المعنى أو في غيرها سواءً كان يحيل أو لا يحيل المعنى.
صلاة اللحان مكروهة عند الفقهاء والتعليل عندهم: أن هذا نقص يؤثر على إمامته بالكراهة.
أما أن الصلاة تصح قالوا: لأنه أتى بفرض القراءة وإن لحن. وهذا التعليل يرجح أي القولين في المسألة السابقة؟ () (ماوضح لي الجواب ..)
ذو القعدة فإن لحن لحنًا لا يحيل المعنى لكنه فعله متعمدًا فإن صلاته باطلة.
• ثم قال ﵀:
والفأْفاء، والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف.
هؤلاء ثلاثة وحكمهم واحد.
فالفأفاء: هو الذي يكرر الفاء.
والتأتاء هو الذي يكرر التاء.
ومن لا يفصح هو: الذي لا يظهر الحروف عند النطق بشكل واضح.
وإنما ذكر المؤلف ﵀ الفأفاء والتمتام لأنهما الأكثر وقوعًا وإلا لو فرضنا أن شخصًا يكرر حرفًا غير الفاء أو التاء لأخذ نفس الحكم.
علة الكراهة في هؤلاء: أنهم زادوا في الصلاة زيادة لا تشرع.
فالفأفاء زاد: فاء.
والتأتاء زاد: تاء.
أما بالنسبة للذي لا يفصح ببعض الحروف فعلة الكراهة النقص الحاصل بعدم الإفصاح فإن هذا نقص في المعنى وإن لم يكن نقصًا في الحروف.
فهؤلاء حكم إمامتهم: مكروهة.
وأما لماذا تصح الصلاة: فلما تقدم لأنهم أتوا بفرض القراءة كاملًاَ فإنهم قرأوا قراءة كاملة لكن الفأفاء زاد ومن لا يفصح نقص في المعنى بدون نقص في الحروف.
وهؤلاء الثلاثة غيرهم أولى منهم وصلاتهم صحيحة وإمامتهم صحيحة.
•
ثم قال ﵀:
وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن.
[ ٢ / ٧٩ ]
يكره أن يؤم الرجل أجنبية فأكثر إذا كان لا رجل معهن والصواب أن في هذه المسألة تفصيلًا فهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يؤم الرجل امرأة واحدة فهذا محرم وليس مكروهًا فقط. والتعليل: أن النبي - ﷺ - نهى أن يخلو الرجل بالمرأة. والأصل في النهي هو التحريم.
القسم الثاني: أن لا يخلو بامرأة واحدة وإنما بامرأتين فأكثر فحكمه الكراهة لأمرين: الأول: خشية الفتنة. والأمر الثاني: تلبسه غالبًا بالوساوس. لأنه ليس معه أحد إلا النساء فربما اشتغل بالتفكير بهن أو بغيرهن.
= والقول الثاني: أنه لا يكره. فلو فرضنا أن إمامًا دخل وصلى وليس وراءه إلا خمس نسوة – مثلًا – فالصلاة صحيحة بلا كراهة إلا إذا خشيت الفتنة.
• قال ﵀:
أو قومًا أكثرهم يكرهه بحق.
يكره أن يكون الإنسان إمامًا لجماعة بشرطين:
أن يكون الأكثر يكرهه فإن كرهه الأقل لم يؤثر.
أن يكرهوه بحق.
بناء على هذا إذا كرهه الأقل فصحت إمامته بلا كراهة.
وإذا كرهه الأكثر صحت إمامته مع الكراهة.
وإذا تساوى الفريقان ففيه وجهان: والأقرب الكراهة.
هذا ما يتعلق بالشرط الأول.
أما الشرط الثاني وهو: أن يكرهوه بحق.
أما إن كرهوه لأنه يأتي بالسنة أو كرهوه لدينه وتمسكه بالحق. فإن كراهتهم لا ينظر إليها ولا عبرة بها.
إذًا إذا كرهوه بحق فإنه يتركهم أما إذا كرهوه بغير حق كأن يكرهوه بسبب تطبيقه للسنة فإنه لا ينظر لهذه الكراهة.
فإن كرهوه لأمر دنيوي: فهي كراهة بحق.
إنما الكراهة التي ليست بحق هي التي بسبب تدينه والتزامه بالسنة ما عدا ذلك فهي كراهة بحق.
فإذا كرهوه وانطبقت الشروط فإن إمامته والحال هذه تصح مع الكراهة.
ودليل الكراهة قول النبي - ﷺ -: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم: العبد الآبق حتى يرجع ومن باتت وزوجها غضبان عليها ومن أم قومًا وهم له كار هون).
وهذا الحديث كثير من أهل العلم يضعفه وهو ضعيف لكن في الحقيقة ضعفه ليس شديدًا فهو مقبول ويسير جدًا وأنا لا أقول أنه حسن لكن لا شك أن هناك فرق بين الحديث الذي ضعفه ضعفًا شديدًا والحديث الذي ضعفه ضعفًا يسيرًا.
[ ٢ / ٨٠ ]
والدليل الثاني: التعليل: أن المقصود من الجماعة الائتلاف والاجتماع وصلاته بهم وهم يكرهونه يناقض هذا المعنى.
• ثم قال ﵀:
وتصح إمامة: ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما.
ولد الزنا هو الولد المولود لغير أبوين شرعيين.
فإمامة ولد الزنا صحيحة.
وعليه: لماذا ذكرها المؤلف ﵀؟
لأن بعض الفقهاء كرهها.
ودليل عدم الكراهة: قول عائشة ﵂ ليس عليه من وزر أبويه شيء.
وعموم قول النبي - ﷺ -: (يؤم القوم أقرؤهم) ولم يخص هل هو ولد زنا أو ولد شرعي.
قال: (والجندي).
الجندي أيضًا تصح إمامته بلا كراهة لعموم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
وإنما ذكر الجندي بالذات لأنه عند الفقهاء وأهل التواريخ يغلب على الجندي وقوع الظلم والاعتداء فيصير بذلك فاسقًا فتكره الصلاة خلفه.
فهذا السبب الذي جعلهم يذكرون الجندي.
لكن في الحقيقة تعليق هذا الوصف بكلمة الجندي غير دقيق مطلقًا بل قد أقول أنه فيه ظلم لجنس الجنود.
لماذا؟
لأنه ليس من المناسب أن تعلق وصف باسم ينضوي تحته أنواع كثيرة.
فمن الجنود من هو على خير واستقامة وتدين وعدم ظلم والقيام بحقوق الله وحقوق الخلق.
ومنهم من هو ظالم لنفسه.
كما أن الأطباء فيهم من هو كذلك والمهندسون فيهم من هو كذلك.
فإذًا يجب أن نعلق الوصف بالوصف الشرعي فنقول الفاسق والمعتدي تكره الصلاة خلفه.
وعلى كل حال الحنابلة لا يرون أن الصلاة خلف الجندي مكروهة لكن نقول من رأى أنها مكروهة وهو الذي احتاط عنه المؤلف فتعليقه بهذا الوصف فيه بعد.
المهم أن الصلاة خلف الجندي لا تكره.
• ثم قال ﵀:
ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها.
تصح صلاة من يؤدي الصلاة خلف من يقضيها وهنا نأتي إلى مسألة تحديد مراد الفقهاء.
فمراد المؤلف هنا: إذا اتحدت الصلاة بأن تكون الصلاتين كلاهما ظهرًا أو عصرًا المؤداة والمقضية.
فإذا جاء رجل وأراد أن يصلي ظهر أمس لأنه تركها نسيانًا فسيؤديها قضاء ثم جاء آخر ويريد أن يصلي صلاة ظهر اليوم فاقتدائه بمن يصلي صلاة الظهر أمس قضاء صحيح بلا كراهة.
وهذا معنى قوله وتصح إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها.
[ ٢ / ٨١ ]
هذا هو المذهب بل إن الخلال وهو من كبار الحنابلة - ممن ينبغي أن يطالع طالب العلم ترجمته - يقول الخلال: هذا الحكم هو عن أبي عبد الله رواية واحدة وقد غلط من روى عنه خلاف ذلك.
يعني أنه ينكر الرواية الثانية «(الآذان»)
انتهى الدرس،،،
[ ٢ / ٨٢ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• يقول المؤلف ﵀:
(تصح إمامة) من يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه.
هاتان مسألتان لهما الحكم نفسه. فيجوز أن يكون من يؤدي الصلاة إمامًا لمن يقضي الصلاة ويجوز أن يكون من يقضي الصلاة إمامًا لمن يؤدي الصلاة.
وهذا - أي صحة الإمامة في هذه المسائل - هو مذهب الحنابلة.
وذكرت لكم بالأمس أن الشيخ الخلال يقول: أن الإمام أحمد لم يرو عنه في هذه المسألة إلا رواية واحدة ومن روى عنه خلاف هذه الرواية فقط غلط على الإمام أحمد.
= إذن هذا القول الأول بتفصيله.
الدليل:
الأول: استدلوا على ذلك بأنه تصح صلاة من صلى بنية الأداء فبان قضاء.
مثاله: رجل كَبَّر لصلاة العصر يظن أن وقت صلاة العصر باقٍ ثم بان بعد انتهاء الصلاة أن وقت العصر قد خرج.
فالآن هو صلى بنية الأداء والواقع أن صلاته قضاء ومع ذلك صحت.
فقالوا: إذا صحت في مثل هذه الصورة فمن باب أولى أن يصح أن يقتدي المؤدي بمن يقضي أو بالعكس.
الثاني: أنه - كما سأتينا - لا أثر لاختلاف النية بين الإمام والمأموم.
= والقول الثاني: أنه لا تصح صلاة من يؤدي بمن يقضي أوبالعكس.
والصواب مع الأول - مذهب الحنابلة لقوة ووجاهة ما اسدتلوا به ولما سيأتينا حول مسألة اختلاف نية الإمام مع المأموم وأنه لا أثر له شرعًا.
•
ثم قال ﵀:
لا مفترض بمتنفل.
= ذهب الجمهور بمن فيهم الحنابلة أن صلاة المفترض خلف المتنفل لا تصح.
واستدلوا على ذلك: بقول النبي - ﷺ -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).
قالوا: أن هذا من الاختلاف فإن كل واحد منهما يصلي جنسًا آخر فهذا مفترض وهذا متنفل.
[ ٢ / ٨٣ ]
= والقول الثاني: وهو مذهب الشافعية واختاره عدد من المحققين منهم ابن قدامة وابن المنذر وشيخ الاسلام وابن القيم وغيرهم من المحققين. أن صلاة المفترض خلف المتنفل صحيحة.
واستدلوا على هذا بما ثبت في الصحيح أن معاذًا - ﵁ - يصلي مع النبي - ﷺ - العشاء وهي فريضته ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم العشاء وهي له نافلة ولهم فريضة ومع ذلك صحت صلاتهم.
فهذا الحديث نص على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل.
والراجح هو: القول الثاني لأن معهم نصًا واضحًا.
والجواب على دليل الجماهير أن الاختلاف المنهي عنه في الحديث هو الاختلاف في الأعمال بدليل أنه قال - ﷺ -: (فلا تختلفوا عليه فإذا سجد فاسجدوا وإذا ركع فاركعوا). وهذا دليل على أن الاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف الذي يكون في الأعمال.
مسألة: أما صلاة المتنفل خلف المفترض – عكس مسألتنا هذه – فهي جائزة بالإجماع بلا إشكال. فقد أجمع الفقهاء على جوازها وأنها صحيحة.
واستدلوا بقول النبي - ﷺ -: (هل من رجل يتصدق على هذا؟). وذلك في الرجل الذي فاتته صلاة الجماعة وأراد أن يصلي منفردًا فأمر النبي - ﷺ - بعضهم أن يقوم ويصلي معه فالذي فاتته الصلاة فإنه سيصلي الفريضة ومن قام يصلي معه فسيصلي نافلة ومع ذلك صحت وبحضرة النبي - ﷺ - وقلت لكم أن هذا الحديث مقبول.
•
ثم قال ﵀:
ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها.
إذا اختلفت الصلاة ولو كان كل منهما يؤدي الفريضة فإنه لا يصح أن يأتم أحدهما بالآخر.
ولهذا قلت لكم أن قول المؤلف: ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها. خاص بما إذا كانت الصلاة واحدة وذكرت لكم المثال بالأمس: رجل فاتته صلاة الظهر للأمس وأراد أن يصليها اليوم فإنه يصليها خلف من يصلي الظهر اليوم.
نرجع إلى مسألتنا:
إذا اختلفت الصلاة كمن يصلي الظهر بمن يصلي العصر فعند الحنابلة أنه لا يجوز الاقتداء.
[ ٢ / ٨٤ ]
والخلاف في هذه المسألة: كالخلاف تمامًا في المسألة السابقة ولا نحتاج إلى إعادة الكلام عليها من حيث الأدلة والترجيح والقائلين: فالجمهور يرون أنه لا يجوز والشافعي وهو اختيار شيخ الإسلام يرى أنه يجوز.
تنبيه: يستثنى من الصحة - صحة اقتداء أحدهما بالآخر - إذا اختلفت الأعمال فلا يجوز أن يصلي الكسوف خلف من يصلي الظهر لأن صلاة الظهر تختلف عن صلاة الكسوف بالأعمال.
فذكر الفقهاء أنهإذا اختلفت الأعمال فلا يصح الاقتداء.
وبهذا انتهى هذا الفصل وانتقل المؤلف إلى فصل آخر يتعلق أيضًا بصلاة الجماعة.
فصل
[في موقف الإمام والمأمومين]
• قال ﵀:
فصل
يريد المؤلف ﵀ بهذا الفصل أن يبين أين يقف المأموم؟ وما هي السنة في ذلك؟ وإذا خالف السنة فما حكم صلاته؟
• فقال ﵀:
يقف المأمومون خلف الإمام.
إذا كان المأمومون جماعة فإنهم يقفون خلف الإمام.
والدليل على ذلك: ما استفاضت به السنة ونقله الخلف عن السلف أن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا يقفون خلفه ولا إشكال في هذا الحكم إذا كان المأمومون جماعة.
القسم الثاني: إذا كانوا اثنين فقط:
= فذهب الجماهير والجم الغفير من أهل العلم إلى أنهم يقفون خلف الإمام أيضًا ولو كانوا فقط اثنين.
واستدلوا على هذا: بما ثبت في الحديث الصحيح أن جابر - ﵁ - قدم إلى النبي - ﷺ - وهو يصلي فصف عن يساره فأخذه النبي - ﷺ - وجعله عن يمينه فجاء جبَّار - ﵁ - وصف عن يسار النبي - ﷺ - فأخذهما النبي - ﵁ - وأرجعهما إلى الخلف.
فدل هذا الحديث على أن الجماعة إذا كانوا اثنين فيقفون خلف الإمام وهو نص في المسألة.
= القول الثاني: وإليه ذهب ابن مسعود - ﵁ - وتبعه تلاميذه: علقمة والأسود ﵃ وهو أن الجماعة إذا كانوا اثنين فإنهم يقفون عن جانبي الإمام عن يمينه ويساره.
[ ٢ / ٨٥ ]
والدليل على ذلك: أن ابن مسعود - ﵁ - وعلقمة والأسود أقبلوا إلى المسجد فرأوا الناس يخرجون وقد انتهت الجماعة فرجعوا إلى منزل ابن مسعود - ﵁ - وصلى بهم وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فلما انتهى قال: (هكذا رأيت رسول الله - ﷺ -).
قال أصحاب هذا القول أن ابن مسعود - ﵁ - وهو من كبار فقهاء الصحابة ينسب هذا الحكم إلى النبي - ﷺ -.
والراجح قول الجماهير بلا إشكال لأن النص الذي معهم وهو حديث جابر وجَبَّار واضح جدًا وهو نص بأن الجماعة إذا كانوا اثنين فيصلون خلف الإمام.
أما الجواب عن أثر ابن مسعود - ﵁ - فمن ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن نقول أن هذا الحديث منسوح ولم يعلم الصحابي الجليل ابن مسعود - ﵁ - بأن السنة استقرت على أن الجماعة إذا كانوا اثنين يقفون خلف الإمام. وإلى هذا الجواب ذهب البيهقي.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يصح رفعه. فإن قوله: (هكذا رأيت رسول الله - ﷺ -) لا يثبت وأن هذا إنما هو من فقه ابن مسعود - ﵁ -. فهذا الوجه في حقيقته جواب بتضعيف الحديث المرفوع وإلى هذا ذهب ابن عبد البر ﵀.
الوجه الثالث: أنه - ﵁ - إنما فعل ذ١لك لضيق المكان أي أنه لا يتسع لصفين.
والأجوبة كلها قوية وتصلح جوابًا عن أثر ابن مسعود - ﵁ - ويبقى أن الراجح هو أن الجماعة إذا كانوا اثنين فيقفون خلف الإمام.
• ثم قال ﵀:
ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه.
لما قرَّرَ المؤلف ﵀ أن السنةأن يقف الاثنان خلف الإمام أراد أن يبين أنه يجوز أن يقفوا عن يمين الإمام أو عن يمينه وشماله.
واستدلوا على الجواز:
بحديث ابن مسعود - ﵁ -.
وبأن النبي - ﷺ - لم يبطل تحريمة جابر وجبار لما وقفا عن يمينه وشماله.
ويصح أن يكونوا عن يمينه وعن شماله سواء كانوا اثنين أو جماعة.
لكن قال الجماهير: يصح مع الكراهة لمخالفة ظاهر السنة.
• ثم قال ﵀:
لا قدّامه.
أي: لا تصح قدام الإمام.
والصلاة قدام الإمام تنقسم إلى قسمين:
[ ٢ / ٨٦ ]
القسم الأول: أن يكون ذلك حول الكعبة في غير جهة الإمام بأن يكون المتقدم في غير جهة الإمام.
فإذا افترضنا أن الإمام يقف عند مقام إبراهيم والمأموم يقف في الجهة المقابلة له وبين الإمام والكعبة ذراعين وبين المأموم والكعبة من الجهة المقابلة ذراع واحد فهنا: هل تقدم المأموم على الإمام؟
الجواب: نعم.
وحكمه: أنه يجوز وحكي الإجماع على ذلك لأنهما ليسا في جهة واحدة.
«ولكن ذكروا مع ذلك أن الصف الأول هو الصف الذي يكون امتداد الصف الذي خلف الإمام والصف الثاني هو صف هؤلاء الذين تقدموا على الإمام من الجهة المقابلة.
هكذا ذكروه وحسب المطلاعة – وليست بالطويلة - فإني لم أجد خلافًا. فقد ذكره الفقهاء ولم يذكرو خلافًا.
فإن كان في هذه المسألة خلافًا فالصواب أن الصف الأول في كل جهة يعتبر هو الصف الأول.
فالصف الأول في جهة الإمام هو الذي يكون خلفه.
والصف الأول في الجهة المقابلة هو الصف الأول. لأن هذا الصف الأول الذي في غير جهة الإمام تقدم واتخذ المكان الأول فكيف نجعله هو الصف الثاني ومن خلفه ممن يوازي الصف الأول الذي خلف الإمام هو الصف الأول.
فمن وجهة نظري أن هذا فيه بعد لا سيما وأن الشارع الحكيم حث الناس على التقدم إلى الصلوات والجلوس في الصف الأول فهذا الشخص تقدم وصلى في الصف الأول لمن الصف الأول صار متقدمًا على الإمام وقد عذره الشارع بالإجماع بأنه متقدم على الإمام فما الذي يمنع أن يكون هو الصف الأول.
المهم: أنه إذا كان في هذه المسألة خلاف فأرى أن الصف الأول في كل جهة هو الصف الأول ولو كان متقدمًا على الإمام.
القسم الثاني: أن يكون تقدم المأموم على الإمام في غير المسجد الحرام.
فإذا تقدم فصلاته باطله لأنه خالف السنة المشهورة في موقف الإمام. ولقول النبي - ﷺ -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). والإئتمام الكامل يكون بحيث يراه المأموم.
= القول الثاني: أن صلاة من تقدم على الإمام صحيحة مطلقًاَ لأن التقدم على الإمام لا يمنع الاقتداء.
[ ٢ / ٨٧ ]
= والقول الثالث: أنه تصح صلاة المتقدم على الإمام إذا كان لعذر فقط لأن الواجبات تسقط مع العجز وهذا واجب لصلاة الجماعة. فهو أضعف حتى من الواجب للصلاة مطلقًا إنما هو فقط واجب لصلاة الجماعة أي أن لا يتقدم مأموم على الإمام.
واختار هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀.
ومن الظاهر أن القول الثالث فيه قوة ووجاهة.
وبناء على هذا ما يحصل اليوم في صلاة الجمعة مثلًا في غير الحرمين - ففي بعض الأماكن يكثر هذا ويقع – فيزدحم الناس وقد يصلي بعضهم في قبلة المسجد فؤلاء صلوا أمام الإمام.
فإذا كانوا صلوا أمام الإمام لعذر للإزدحام وعدم وجود أماكن في الخلف ولا في الجانبين فإن صلاتهم صحيحة.
وإذا كان لغير عذر فإنه يجب عليهم أن يعيدوها ظهرًا إذا كان هذا التقدم في صلاة الجمعة لأن الغالب في الإزدحام يكون فيها لا في الفرائض.
•
ثم قال ﵀:
ولا عن يساره فقط
المؤلف ﵀ لم يبين حكم وقوف المأموم عن يمين الإمام إلا إذا أردنا أن نقول هي داخلة في عموم قوله: (ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه). فهذا ممكن وإن كان الغالب أنه يريد ﵀ بهذه العبارة إذا كانوا اثنين فأكثر.
على كل حال يصح بلا خلاف أن يكون المأموم وهو السنة الواحد عن يمين الإمام لما جاء في الصحيح أن ابن عباس - ﵁ - صف عن يسار النبي - ﷺ - فأخذه وأداره من خلف ظهره وجعله عن يمينه.
ولذلك قال المرداوي ﵀ في هذه المسألة: يصح بلا نزاع لأن السنة فيها واضحة.
وتقدم معنا أن المرداوي ﵀ إذا قال في الإنصاف بلا نزاع أنه لا يريد بذلك الإجماع من الأئمة الأربعة وإنما يريد الإجماع داخل المذهب.
ولكن مع ذلك إذا قال المردواي ﵀: بلا نزاع فإن له دلالة في أن المسألة ليس فيها كبير خلاف لأن الغالب إذا كان في المسائل الأخرى خلاف فستكون أوجه أو روايات داخل المذهب.
• قال ﵀:
ولا عن يساره فقط:
يعني أن:
= الحنابلة يرون أن المأموم إذا صف عن يسار الإمام فإن صلاة المأموم باطلة بشرطين:
الشرط الأول: أن يخلو يمينه: أي أن يكون المأموم عن يساره ويمينه فارغ.
الشرط الثاني: أن يصلي ركعة كاملة.
[ ٢ / ٨٨ ]
دليل الحنابلة: استدلوا على هذا بأن النبي - ﷺ - لما صف ابن عباس عن يساره أخذه من وراء ظهره وجعله عن يمينه.
قالوا: فدل الحديث على أن اليسار ليس موضعًا للإقتداء مع خلو اليمين.
= القول الثاني: أن من صلى عن يسار الإمام وحده فهو مكروه لكن الصلاة صحيحة.
واستدلوا على هذا بأقيسة منها:
= الأول: قالوا: قياسًا على صلاة المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه آخر.
= الثاني: قالوا: قياسًا على صحة صلاة المأموم الذي يقف عن يمين الإمام.
وأجابوا عن حديث ابن عباس - ﵁ - بأن النبي - ﷺ - إنما فعل ذلك لبيان السنة والأفضلية وليس لبيان بطلان الصلاة.
بدليل: أن النبي - ﷺ - أخذ جابرًا وجبارًا ﵄ وجعلهما خلفه ومع ذلك نحن نقول لو يصلي شخص عن يمينه وشخص عن يساره لصحت الصلاة مع أن النبي - ﷺ - أرجعهما إلى الخلف فكذلك نقول: أن ابن عباس - ﵁ - نقله النبي - ﷺ - من اليسار إلى اليمين مع صحة صلاة من يصلي عن اليسار.
والأقرب هو القول بعدم البطلان استئناسًا بحديث جابر فإن دلالته واضحة ولأن النبي - ﷺ - لم يبطل تحريمة جابر لما صف عن يساره ولا تحريمة ابن عباس لما صف عن يساره.
• ثم قال ﵀:
ولا الفذ خلفه أو خلف الصف.
أيضًا هاتان مسألتان لهما حكم واحد.
إذا صلى المنفرد خلف الإمام وحده.
أو صلى خلف الصف وحده منفردًا.
= فعند الحنابلة وهو القول الأول أن صلاته باطلة.
واستدلوا بعدة أدلة:
الدليل الأول: قول النبي - ﷺ -: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف). وسأل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: (هو حديث حسن) فكفانا مؤونته.
الدليل الثاني: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي خلف الصف منفردًا فأمره أن يعيد الصلاة. وهذا الحديث صححه ابن المنذر وهو قابل للاحتجاج.
وبطلان صلاة المنفرد خلف الصف من المفردات.
= القول الثاني: للجماهير: أن صلاة المنفرد خلف الصف مكروهة ولا تبطل.
[ ٢ / ٨٩ ]
واستدلوا على هذا: بأن أبا بكرة - ﵁ - دخل والنبي - ﷺ - راكع فركع عند الباب ودب على قدميه إلى أن دخل في الصف.
وجه الاستدلال أنه - ﵁ - صلى منفردا ً خلف الصف ولما انتهى النبي - ﷺ - قال له: (زادك الله حرصًا ولا تعد).
وذكرنا أن الروايات فيها اختلاف هل قال: (لا تُعِدْ أو لا تَعُدْ). وأن الأقرب رواية ودراية أنه قال: (لا تَعُدْ). حتى من حيث الرواية فإن أكثر الرواة قالوا: (لا تَعُدْ). فنهاه ولم يأمره بإعادة الصلاة مع أنه صلى منفردًا خلف الصف.
الجواب على هذا الدليل: أن هذا الصحابي وإن كان دخل في الصلاة منفردًا إلا أنه حقق المصاففة قبل أن يرفع النبي - ﷺ -.فلم يتحقق فيه وصف الانفراد.
وبهذا أجاب شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀.
= والقول الثالث: وهو منسوب للعالم الكبير الحسن البصري ﵀ واختاره ابن القيم وشيخ الاسلام أن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح إلا إذا لم يجد مكانًا.
فقولهم مركب من شقين:
- الأول: أنه تبطل صلاة المنفرد خلف الصف. وأدلتهم هي أدلة الحنابلة.
- الثاني: أنها تصح إذا لم يجد مكانًا. واستدلوا بالقاعدة المشهورة التي يقررها شيخ الاسلام مرارًا وتكرارًا:
«أن الواجب يسقط بالعذر لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولقول النبي - ﷺ -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
وهذا القول - الأخير - قوي ووجيه جدًا ومع ذلك يتحتم على الإنسان أن يحرص حرصًا شديدًا أن لا يصلي منفردًا خلف الصف ولو كان في الحقيقة لا يوجد مكان احتياطًا.
وسبب الاحتياط: أن الأحاديث التي ذكرها الإمام أحمد ليس فيها تفصيل ولم يسأل النبي - ﷺ - ذلك الرجل هل كنت تجد مكانًا؟ أو لم تجد مكانًا؟ وإنما حكم على صلاته بالبطلان.
[ ٢ / ٩٠ ]
ويشكل مع ذلك أيضًا يؤيد الاحتياط أنه من المعلوم أن مسجد النبي - ﷺ - كان صغيرًا كما ترون الآن المحدد بالفرش التي تتخذ لونًا مميزًا وفي الغالب أن الصفوف تكتمل ولذلك كان عمر يوكل بكل صف شخص ممات يدل على أن الصفوف كانت تكتمل ويتراص أصحاب النبي - ﷺ - ففي الغالب أن هذا الصحابي لن يصلي منفردًا مع وجود فراغ في الصف والناس يعلمون شدة النبي - ﷺ - في تسوية الصفوف.
ففي الحقيقة مجموع هذه الأمور تجعل الإنسان يحتاط لمسألة الصلاة خلف منفردًا ولو لم يجد مكانًا لكن لو صلى إنسان خلف الصف منفردًا لأنه لم يجد مكانًا فلا نقول له أعد الصلاة بل صلاته إن شاء الله صحيحة.
• قال ﵀:
إلاّ أن يكون امرأة.
فإن كانت امرأة فإنها يجوز أن تنفرد خلف الصف بل السنة في حقها أن تصلي منفردة خلف الصف.
والدليل على ذلك: أن النبي - ﷺ - صلى بأنس وأمه قال: فقمت عن يمينه وقامت أمي خلفنا.
وأيضًا أن النبي - ﷺ - دخل بيت أم سليم هو وأنس ويتيم معهما فقام النبي - ﷺ - يصلي بهم فقام أنس واليتيم خلف النبي - ﷺ - وقامت أم سليم خلفهم في الصف الثاني.
فهذان دليلان صريحان على أن المرأة إذا صلت مع الرجال منفردة فإنها تصلي خلف الصف ولا تعتبر منفردة ولا يؤثر هذا على صلاتها بل السنة أن تفعل ذلك.
• ثم قال ﵀:
وإمامة النساء تقف في صفهن.
لو أن المؤلف ﵀ قال كما في الشرح: ندبًا. لكانت إضافة متميزة وهذا مهم لأنه في صميم الحكم.
إذًا وقوف المرأة في وسط صف النساء إذا كانت تأمهن هو على سبيل الندب لا على سبيل الوجوب.
دليل ذلك: أن عائشة وأم سلمه ﵄ إذا صليتا بالنساء فكن يقفن بوسط الصف.
والدليل الثاني: أن هذا أستر للمرأة.
فإن وقفت أمامهن صحت الصلاة وخالفت المشروع.
وصحت الصلاة لعموم قوله - ﷺ -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ولا شك أن ائتمام المأمومين بالإمام إذا تقدم أكمل وأوضح.
إذًا بهذا عرفنا أين تقف إمامة النساء؟ وما حكم هذا الوقوف؟ وما الحكم إذا خالفته؟
• ثم قال ﵀:
[ ٢ / ٩١ ]
ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
لما بين المؤلف ﵀ الحالات الخاصة كأن لا يوجد إلا مأموم واحد أو أن لا توجد إلا امرأة واحدة أو أن لا يوجد إلا اثنان أراد الآن أن يبين الحكم العالم وهو إذا وجد مجموعة من الناس منهم رجال وصبيان ونساء.
فقال: الترتيب أنه:
يلي الإمام الرجال أولًا.
ثم الصبيان ثانيًا.
ثم النساء ثالثًا.
وهذا الحكم يحتاج إلى تفصيل:
أما بالنسبة للنساء فنؤخر الكلام عليه لوضوحه.
نأتي إلى مسألة الصبيان والرجال:
وينقسم حكمهم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يحضر الرجال والصبيان في وقت واحد. فإذا حضروا في وقت واحد فإن الرجال هم الذين يلون الإمام ثم يليهم الصبيان لعموم قول النبي - ﷺ -: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى).
ولأن النبي - ﷺ - كان يحب أن يصلي وراءه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه. وهذا أمره واضح وهو بالإجماع فلا إشكال فيه وهو المذهب والإجماع.
القسم الثاني: أن يحضر الصبيان أولًا ثم يحضر بعد ذلك الرجال. والمقصود بالرجال: هو كل ذكر بالغ. والصبيان: كل ذكر لم يبلغ.
فإذا حضر الصبيان أولًا ثم حضر بعد ذلك الرجال:
= فعند الحنابلة أيضًا يؤخر الصبيان ويتقدم الرجال. أي: يعمد الرجال إلى تأخير وإرجاع الصبيان ويتقدم الرجال.
واستدلوا على هذا: بدليلين:
الأول: عموم حديث: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى).
الثاني: أن أبي بن كعب - ﷺ - تأخر وجاء إلى الصف ووجد صبيًا فجذبه وجلس مكانه فلما انتهت الصلاة قال: أي بني لم أرد نقصك وإنما عهد إلينا النبي - ﷺ - أن نكون خلفه. فهذا الحديث نص أن هذا الصحابي الجليل أخر الصبي ووقف في مكانه.
وهذا الأثر إسناده صحيح.
= والقول الثاني:
«الآذان»
انتهى الدرس،،،
[ ٢ / ٩٢ ]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هذه المسألة وهي: ترتيب الأجناس الثلاثة الرجال والنساء والصبيان إذا اجتمعوا تقدم أني ذكرت (فيها) القول الأول وبينت تقسيم الحنابلة وغير الحنابلة لهم.
وهو على وجه الإجمال والإيجاز وتقدم:
أنه: إما أن يحضروا جميعًا - أي الرجال والنساء والصبيان -.
أو يحضروا متفاوتين.
فإن حضروا جميعًا في وقت واحد فالترتيب كما قال المؤلف: يكون الرجال في المقدمة ويليهم الصبيان ثم يليهم النساء.
واستدلوا على هذا:
- بقول النبي - ﷺ -: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى).
- ولأنه لو عرض للإمام عارض فإن وجود الرجال العارفين بالأحكام خلفه أدعى لتكميل النقص.
والقسم الثاني: إذا حضر الصبيان قبل الرجال:
= فعند الحنابلة أيضًا يقدم الرجال ويؤخر الصبيان - أي: يرجعون من مكانهم في الصف الأول إلى الصف الثاني - وهذا هو مذهب الحنابلة.
وتقدم معنا أنهم استدلوا بدليلين:
الدليل السابق: وهو عموم (ليليني منكم) وهذا يشمل ما إذا حضر الرجال أولًا أو حضر الصبيان أولًا.
واستدلوا أيضًا بأن أبي بن كعب - ﵁ - حضر متأخرًا ونظر في وجوه الصف الأول فرأى صبيًا فأخره وقال: عهد النبي - ﷺ - إلينا أن يليه الكبار أو أولي الأحلام.
فاستدل هؤلاء بهذين الدليلين. وهذا كله تقدم.
ثم نقول:
= والقول الثاني: في هذه المسألة - في القسم الثاني -:
أنه إذا حضر الصبي قبل الرجل فإنه يبقى في مكانه وهو أحق به من الرجل.
وإلى هذا مال الشيخ الفقيه ابن مفلح ﵀ وغيره من المحققين.
واستدلوا: بأدلة:
الأول: أن الصحابي الجليل عمرو بن سلمة - ﵁ - جعله قومه إمامًا ولأن يكون في الصف الأول أولى من أن يكون إمامًا.
الثاني: استدلوا بقول النبي - ﷺ -: (لا يقيم الرجل الرجل من مكانه ليجلس).
والثالث: أن في إبعاد الصبي تنفيرًا له عن الصلاة.
وهذا القول هو الصواب بشرط أن لا يغلب على الصف الأول الصبيان - بأن لا يكونوا أغلبية.
فإن كان في الصف الأول صبي أو اثنان أو أكثر فإنه لا يجوز لأحد أن يقوم بتأخيرهم عن مكانهم في الصف الأول إلى الصف الثاني.
[ ٢ / ٩٣ ]
تنبيه: قول الفقهاء: الرجال ثم الصبيان ثم النساء. لا يعني هذا أن نجعل جميع الصبيان في الصف الذي يلي الرجال لأنه سيترتب على هذا بلا شك أن يعبث الصبيان وأن يفسدوا الصلاة على المصلين لكن لعل مقصود الفقهاء أن الصف الأول يكون فيه الرجال ثم يتخلل الصبيان الصفوف بعد ذلك وإلا بلا شك لو جعلنا جميع الصبيان في الصف الأخير بعد الرجال لصار في المسجد من اللغط والتشويش شيءٌ لا يعلمه إلا الله كيف وهم الآن يشوشون على الناس وهم متفرقون فكيف إذا اجتمعوا وخلا لهم لجو.
إذًا يجب أن لا نأخذ كلام الفقهاء أخذًا جامدًا وإنما يُعْلَم أنهم ﵏ يدورون مع المصالح وليس من المصلحة أن يبقى الصبيان مجتمعين في الصف الأخير.
• قال ﵀:
ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
تكلمنا عن الرجال والصبيان.
أما النساء فلا إشكال ولا نزاع أنهن يكن بعد الرجال والصبيان.
لقول النبي - ﷺ -: (خير صفوف النساء آخرها).
ولما تقدم معنا من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صف إمامًا وجعل خلفه أنس واليتيم وفي الصف الثالث أم سليم. فجعلها النبي - ﷺ - بعد الصبيان.
وهذا المقدار لا شك فيه ولا نزاع فيه بين الفقهاء ولله الحمد.
•
ثم قال ﵀:
كجنائزهم.
يعني أن هذا الترتيب يكون في صفوف الصلاة في الفرائض وأيضًا في الجنائز في موضعين:
في صلاة الجنازة: فيكون المقدم مما يلي الإمام الرجال ثم يليه الصبيان ثم يليه النساء.
وأيضًا هذا الترتيب يكون في القبور ففي القبور يكون التقديم مما يلي القبلة عكس الإمام فيكون أو ميت يلي القبلة رجل ثم يليه الصبي ثم تليه المرأة وسيأتينا تفصيل ذلك وهل يجوز أن يقبر في القبر أكثر من ميت أو لا؟ لكن في الحال التي يجوز فيها أن يقبر في القبر أكثر من ميت فيرتبون كترتيبهم في صلاة الجماعة وكترتيبهم في صلاة الجنازة.
ثم بدأ المؤلف بمجموعة مسائل يعتبر من صلى فيها فذًَّا:
• فقال ﵀:
ومن لم يقف معه - إلاّ كافر ففذ.
أي إذا لم يقف مع الرجل إلا رجل آخر كافر فهو فَذٌّ.
[ ٢ / ٩٤ ]
ومعلوم أن الحنابلة يرون أن صلاة الفذ باطلة والسبب في ذلك أن وجود الكافر كعدمه إذ أن مصافة الكافر لا تصح بالإجماع.
وهذا الحكم وهو: أنه إذا صف مع رجل كافر فهو يعتبر فذًا أجمع عليه أهل العلم إذا كان مع العلم. يعني إذا كان من صف مع الكافر يعلم أنه صف مع كافر فهذا محل إجماع ولا يفعل مثل ذلك إلا متلاعب.
القسم الثاني: أن لا يعلم المأموم أن مصافه كافر لأي سبب من الأسباب.
= فالجماهير أيضًا يرون أن صلاته كصلاة الفذ. أي أنها لا تصح.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه معذور بعدم العلك بكون من صافه كافر.
وهذا القول الثاني: أقرب لأن من صاف الكافر وهو لا يعلم معذور والله ﷾ وضع الإثم والجناح عن المعذور. وهو من جنس الخطأ المعفو عنه شرعًا.
وقل ما يقع مثل هذا إلا في أحوال المرتد ففي حالات المرتد قد يقع أن يصاف الإنسان مرتدًا وهو لا يعلم أنه من المرتدين فحينئذ حكمه عند الجمهور أنه كالفذ والقول الثاني أن صلاته صحيحة.
• قال ﵀:
أو امرأة.
أي إذا لم يقف مع الرجل إلا امرأة واحدة فحكمه حكم صلاة المنفرد.
والتعليل:
أن المرأة ليست من أهل المصافة.
لأنها لا تصح إمامتها فلا تصح مصافتها.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة ولا يعتبر منفردًا لأنه صلى مع من يصلي الفريضة صحيحة فالمرأة تصلي الفريضة صحيحة.
ونحن نتكلم الآن عن مسألة: هل تصح الصلاة؟ وهل يعتبر منفردًا أو لا؟ فلسنا نتكلم عن حكم أن تصف المرأة بجوار الرجل فهذه مسألة أخرى.
لكن الكلام الآن عن إذا صفت المرأة وقلنا أن مصافة المرأة مع الرجل مكروهة أو محرمة فيبقى النظر هل الصلاة صحيحة؟ أو لا؟.
= فعند الحنابلة يعتبر منفردًا وصلاته باطلة. لأن مصافة المرأة لا تصح لا لأنها وقفت بجانبه امرأة.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة لأنه وقف بجانب من صحت صلاته.
وفي الحقيقة أنا أميل إلى مذهب الحنابلة لأن النبي - ﷺ - في حديثين جعل المرأة خلف الصف فكأنه لا يصح للمرأة وقوف بجانب الرجل أي أنها لا تنفي عنه الانفراد.
[ ٢ / ٩٥ ]
بناءً على هذا ما نراه أحيانًا في المسجد الحرام من أن بعض الناس يتأخر عن الصفوف ويصلي بجوار زوجته فهذا عند الحنابلة صلاته لا تصح لأنه بغض النظر هل المرأة من محارمه أو لا؟ وهل يجوز أن تقف بجانبه أو لا؟ فإن مصافة المرأة غير معتبرة عند الحنابلة فيعتبر كأنه صلى منفردًا ومن صلى منفردًا فصلاته باطلة.
وعرفنا القول الثاني.
المسألة الأخرى: إذا وقفت المرأة بجوار عدد من الرجال فالآن زالت مسألة الانفراد فنبقى في: هل تصح صلاتها وصلاتهم أولا؟
= عند الحنابلة تصح صلاتها وصلاتهم بهذه الصورة الثانية وهي ما إذا وقفت امرأة بجانب عدد من الرجال فهنا زال الانفراد وعليه رأى الحنابلة أن صلاتهم صحيحة.
واستدلوا على هذا بأن النبي - ﷺ - كان يصلي وبجواره عائشة ﵂ في غرفته وكانت تقف بجواره وهي ليست في عباده فلأن نصحح صلاة الرجل إذا وقفت بجواره امرأة للعبادة من باب أولى.
هكذا استدلوا وما ذكروه يعتبر صحيحًا فإذا صلت المرأة بجوار عدد من الرجال فصلاتها وصلاتهم صحيحة أن الانفراد زال وكون المرأة تقف بجوار الرجل فهذا لا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
• ثم قال ﵀:
ومن لم يقف معه إلا .. من علم حدثه أحدهما .. ففذ.
إذا وقف رجلان أحدهما محدث فعبارة المؤلف دلت على أنه يندرج تحت هذه المسألة عدة صور:
الصورة الأولى: أن يعلم كل منهما حدث أحدهما: فحينئذ تبطل صلاة الإثنين:
- أما المحدث فلأنه محدث.
- وأما الآخر فلأنه صلى منفردًا عالمًا.
الصورة الثانية: أن يجهل كل منهما حدث المحدث: فالحكم أن صلاة المحدث باطلة - بلا إشكال - وصلاة من معه: = عند الحنابلة أيضًا باطلة لأنه: صلى بجوار من لم تصح صلاته.
= والقول الثاني: أنه في هذه الصورة صلاته صحيحة. والسبب أنه معذور إذ لا يعلم أن من بجواره محدث.
الصورة الثالثة: أن يعلم المحدث بحدثه دون من بجواره فحكمها: نفس حكم الصورة السابقة تمامًا.
= فعند الحنابلة يرون أن صلاته ليست بصحيحة.
= والقول الثاني: أن صلاته صحيحة للعذر إذ الإنسان يعذر بكونه لا يعلم أن من بجواره محدث.
الصورة الرابعة: إذا علم غير المحدث دون المحدث ففي هذه الصورة تبطل صلاة الإثنين:
[ ٢ / ٩٦ ]
- أما المحدث فلأنه محدث.
- وأما من علم فلأنه صلى منفردًا عمدًا.
ويتصور ذلك:
أن يعلم أن من بجواره أحدث ثم ينسى المحدث ويبقى الآخر متذكرًا فحينئذ صار أحدهما يعلم والمحدث لا يعلم.
وهناك صورة أخرى: أن يأتي المحدث بناقض للوضوء يجهل أنه من نواقض الوضوء ويعلم الآخر أنه من نواقض الوضوء: يعني: المتفق عليها فحينئذ تصح هذه الصورة الرابعة وعلمنا أن حكمها بطلان صلاة الاثنين.
•
ثم قال ﵀:
أو صبي - في فرض: ففذ.
يعني أن من صلى بجوار صبي في فرض فإنه يعتبر منفردًا وصلاته باطلة لقول النبي - ﷺ -: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف).
= وهذه المسألة من مفردات مذهب الحنابلة.
ودليلهم: قالوا: أن الصبي لا تصح إمامته في الفريضة فلا تصح مصافته. فكأن القاعدة عندهم أن من لا تصح إمامته لا تصح مصافته.
والرد على هذا الدليل: من وجهين:
الوجه الأول: ما تقدم معنا أن الصواب أن الصبي تصح إمامته.
الوجه الثاني: أن هذه القاعدة منقوضة بصور كثيرة حتى عند الحنابلة: منها: الأخرس فإن إمامته لا تصح لكن هل تصح مصافته؟ نعم بالإجماع حتى عند الحنابلة فهذه الصورة تخرق عليهم هذه القاعدة ففي الحقيقة مذهب الحنابلة في هذه المسألة ضعيف.
= القول الثاني: أنه تصح مصافة الصبي في الفريضة والنافلة.
والدليل ما تقدم معنا من حديث أنس - ﵁ - أنه صاف النبي - ﷺ - في الحديث الآخر لما صلى هو بجوار النبي - ﷺ - وصلت أمه خلفهما.
ففي هذا الحديث أن أنسًا - ﵁ - صف مع النبي - ﷺ - واعتد النبي - ﷺ - بمصافته.
فإن قيل: أن هذا في النفل.
فالجواب: أن القاعدة الصحيحة تقول: أن ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل خاص يستثني الفريضة أو يستثني النافلة وإلا فالأصل تساوي الفريضة والنافلة في جميع الأحكام.
وبهذا نعلم أن مصافة الصبي على الصواب صحيحة ولا يعتبر من صاف الصبي منفردًا.
نأتي إلى مسألة أخرى وهي: إذا أردنا أن نقرر مذهب الحنابلة ونقول: أن مصافة الصبي لا تصح: ماذا يصنع من لم يجد إلا صبيًا؟
قالوا: عليه:
[ ٢ / ٩٧ ]
أن يصف هو والصبي عن يمين الإمام فإن صف هو والصبي خلف الإمام بطلت صلاته.
أو يصف هو والصبي أحدهما عن يمين الإمام والآخر عن يساره.
وبهذا تخلصوا من قضية أن يصلي منفردًا وكذلك تخلصوا من قضية أن يصلي - مثلًا - الصبي بغير جماعة فالآن هم صلوا جماعة وانتفت الفردية وأنه صلى منفردًا خلف الصف.
•
ثم قال ﵀:
ومن وجد فرجة: دخلها.
لما قرر المؤلف ﵀ أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة أراد أن يبين ماذا يصنع من جاء فوجد الصف قد امتلأ. لأنه إن صلى خلف الصف منفردًا بطلت صلاته فاحتاج إلى تصرف شرعي يقضي على هذه المشكلة.
فرتب المؤلف ﵀ الحل على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يجد فرجة في أثناء الصف (واعلم أن هذا الترتيب مقصود بمعنى أنه لا يوجد انتقال إلى مرتبة قبل التأكد من عدم وجود المرتبة التي قبلها فمن وجد فرجه فإنه لا يذهب ليصلي عن يمين الإمام ومن وجد مكانًا عن يمين الإمام فإنه لا يجوز له أن يجذب أحدًا من الصف).
إذًا قال:
ومن وجد فرجة دخلها:
الفرجة هي المكان الفارغ في الصف والمكان الفارغ في الصف يعتبر خللًا فإذا جاء الإنسان ووجد فرجة فإنه يدخل في هذا الصف لأمرين:
الأمر الأول: أن لا يصلي منفردًا.
والأمر الثاني أن يسد هذا الخلل.
والدليل على هذا أن النبي - ﷺ - أمر بتسوية الصفوف وسد الخلل وقال - ﷺ -: (ألا تصفون كما تصف الملائكة قالوا يارسول الله كيف تصف الملائكة؟ قال: يعبون الصف الأول فالأول).
فلأجل هذا الحديث ولغيره من الأحاديث الكثيرة التي بلغت حد الشهرة والتي فيها الأمر بتسوية الصفوف وسد الخلل قلنا لمن جاء والصف فيه خلل أنه يدخ ويسد هذا الخلل.
وهذه المرحلة لا إشكال فيها أنه: إذا جاء ووجد فتحة أو فرجة أو خللًا في الصف فإنه يدخل في هذا الصف.
•
ثم قال ﵀:
وإلاّ عن يمين الإمام.
يعني: وإلا يجد فرجة فإنه يصف عن يمين الإمام.
فإذا لم يجد مكانًا في الصف فإنه يتخطى الرقاب إلى أن يصل إلى الإمام ويقف عن يمين الإمام.
[ ٢ / ٩٨ ]
الدليل: قالوا: الدليل على هذا العمل أن يمين الإمام موقف إذا لم يكن إلا مأموم واحد فيكون موقفًا إذا لم يجد المأموم الواحد مكانًا في الصفوف.
ولأنه إن لم يفعل هذا صلى منفردًا وأدى هذا إلى بطلان صلاته.
= والقول الثاني: أنه لا يتقدم ليصلي عن يمين الإمام. وسيأتينا ماذا يصنع؟
لكن نحب الآن أن نقرر فقط أنه ليس من الحلول أن يتقدم ويصلي بجوار الإمام.
والسبب من عدة أوجه:
أولًا: أن هذا لا يعلم أنه حدث في العهد النبوي إلا مرة واحدة لها حكم خاص وهو حينما أوتي بالنبي - ﷺ - في صلاة الظهر أو صلاة العصر وكان يؤم الناس أبو بكر - ﵁ - فتخطي الرقاب ووضعوه بجوار أبي بكر - ﵁ - وهنا لا يقاس عليها لأنهم لما وضعوه بجوار أبي بكر الصديق - ﵁ - صار هو الإمام - ﷺ -.
إذا هذه الحال الفريدة في العصر النبوي لا يقاس عليها لأن من تخطى الصفوف صار هو الإمام - ﷺ -.
فيما عدا هذا لا يحفظ أن حدًا تقدم وصلى بجوار النبي - ﷺ - أو بجوار أبي بكر أو عمر أو عثمان ﵃ مع العلم أن المسجد النبوي صغير ويمتلئ.
الثاني: أن الشارع الحكيم نهى في النصوص الصريحة عن تخطي الرقاب ولم يستثن ما إذا كانت الصفوف ممتلئة ولا يجد من دخل المسجد مكانًا فيها بل النصوص جاءت عامة في النهي عن تخطي الرقاب لما فيه من الأذى والتشويش وذهاب الخشوع بالنسبة للمأمومين.
الثالث: أن بقاء الإمام منفردًا بالإمام يقوي ويهيئ مسألة المتابعة والنبي - ﷺ - يقول: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
إذًا هذا العمل فيه نظر ولا يندب لمن دخل المسجد أن يفعل هذا الفعل وهو تخطي الناس ليقف عن يمين الإمام ولو لم يجد مكانًا في الصفوف.
•
ثم قال ﵀:
فإن لم يمكنه: فله أن ينبه من يقوم معه.
إذا لم يمكن أن يتخطى ويقف بجوار الإمام ولم يجد فرجة فالحل عند الحنابلة أن ينبه بعض المأمومين ويكون تنبيههم له بأحد طريقتين:
إما بالإشارة بأن يؤشر له بأن يرجع معه.
أو بالكلام بأن يقول تأخر يا فلان.
[ ٢ / ٩٩ ]
وعلم من كلام المؤلف أنه لا يستحب أن يجذبه جذبًا وإنما ينبهه فإن رجع وإلا تركه.
وأما الجذب فهو محرم عند الحنابلة. وقيل هو مكروه. وقيل هو مباح.
وهذا العمل أيضًا فيه نظر كالعمل السابق.
ووجه هذا النظر - وجه تضعيف هذا العمل:
أن يجذب أو أن ينبه من يرجع معه: أن في هذا اعتداء على موقف المأموم.
والأمر الثاني: القاعدة المشهورة المتقررة: أنه لا يستحب للإنسان أن يتبرع بالقرب فإذا كانت المسألة منافسة على قرب وطاعة لله فإنه لا يندب للإنسان أن يتنازل أو يتبرع لغيره.
فهذه القاعدة الشرعية تتناقض مع أن نقرر أنه يندب للإنسان أو عليه أن ينبه من يرجع إلى الخلف.
إذًا إذا كان تخطي الرقاب إلى الإمام لا يشرع وأيضًا تنبيه بعض المأمومين ليرجع لا يشرع فالحل هو ما تقدم معنا وهو أن يصلي منفردًا وتصح صلاته حينئذ للعذر وتقدم معنا تقرير هذا القول وأن صلاة المنفرد خلف الصف إذا كان لعذر والعذر هو أن لا يوجد مكانًا مطلقًا في الصف أن صلاته والحالة هذه صحيحة لوجود العذر ولأن النبي - ﷺ - يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
• ثم قال ﵀:
فإن صلى فذًا ركعة: لم تصح.
ذكر الشارح أن في هذا تكرار لأنه تقدم معنا أن من صلى فذًَّا ركعة فإن صلاته لا تصح عند قول المؤلف ﵀: ولا الفذ خلف الصف.
وفيما أرى أن هذا ليس بتكرار وإنما ذكره المؤلف ﵀ ليبين الحد الذي تبطل فيه الصلاة ويؤخذ من قوله: ركعة.
أي: أن من صلى منفردًا خلف الصف فإن صلاته تبطل بشرط: أن لا يجد فرجة ولا يأتي أحد ليصف معه قبل ن تفوته الركعة.
إذًا إذا ركع الإمام ورفع قبل أن يجد فرجة في الصف وقبل أن يأتي أحد آخر ليصف معه فحينئذ بطلت الصلاة.
فإن جاء أحد قبل ذلك فصلاته صحيحة معنى قول المؤلف: فإن صلى فذًا ركعة.
أي إن أدرك الركعة مع غيره صحت صلاته وإن أدرك الركعة منفردًا بطلت صلاته فلعل المؤلف ﵀ أراد أن يبين هذا القيد وهذا الشرط لبطلان الصلاة.
إذًاَ ليست المسألة كما يفهم بعض الناس أنه بمجرد التكبير وبقائه وقتًا معينًا منفردًا خلف الصف أنه بهذا المقدار تبطل الصلاة وإنما لا تبطل الصلاة حتى تفوته الركعة.
[ ٢ / ١٠٠ ]
• ثم قال ﵀:
وإن ركع فذًا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام: صحت.
يعني: وإلا فلا.
إذًا: إذا ركع قبل أن يدخل في الصف ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل أن يسجد الإمام صحت صلاته وإلا فصلاته باطلة لكن يجب أن نقيد كلام المؤلف حتى عند الحنابلة بقيد وهو: أن يفعل هذا الفعل لعذر.
يعني لو أن المؤلف قال: وإن ركع فذًا لعذر ثم دخل الخ لصحت العبارة.
إذًا يجب أن نقيد هذه العبارة بأن هذا يصح إذا كان بسبب عذر عرض لهذا الذي ركع قبل أن يدخل في الصف.
والعذر كأن لا يجد مكانًا أو يخشى فوات الركعة.
فإن فعل هذا الفعل لغير عذر فإنه إن دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع صحت وإلا فلا.
إذًا خلاصة المذهب: إذا أردنا أن نبين المذهب فيمن ركع قبل أن يدخل في الصف نقول:
إن ركع قبل أن يدخل في الصف:
ـ فإن كان لعذر فإنه ينتظر إلى أن يسجد الإمام فإن دخل معه آخر أو وجد مكانًا في الصف قبل أن يسجد الإمام صحت صلاته وإلا بطلت.
ـ وإن كان فعل هذا الفعل لغير عذر فإن أدرك الإمام مع آخر ووجد فرجة في الصف قبل أن يرفع رأسه من الركوع صحت وإلا فلا.
يعني أن الحنابلة يقولون أنه إذا كان فعل هذا الفعل لعذر يعطونه مساحة أكبر ينتظرون إلى أن يسجد الإمام وإن كان فعل هذا لغير عذر فلا يعطونه وقتًا طويلًا وإنما يقولون: إن رفع الإمام قبل أن يدخل معه أحد أو أن يدخل في الصف فصلاته باطلة.
= والقول الثاني: أنه إذا فعل هذا الفعل أي:
- إن ركع قبل أن يصل للصف لعذر والعذر هنا - في القول الثاني - هو: اكتمال الصف فقط. فإن صلاته صحيحة ولو لم يدخل في الصف ولو لم يأت أحد معه ولو استمر إلى آخر الصلاة لأنه بعذر.
- وإن فعل هذا الفعل لغير عذر فإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل المأموم في الصف أو أن يأتي معه آخر بطلت صلاته. وإن أدركه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع بأن دخل معه أحد أو دخل هو في الصف فصحت صلاته.
[ ٢ / ١٠١ ]
«الدرس الثاني: بعد العشاء»
فصل
[في أحكام الاقتداء]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
تقدم معنا الكلام عهن آخر مسألة في الفصل الذي عقده المؤلف للوقوف ونبدأ بالفصل الذي يليه وهو تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام من جهة المكان.
• قال ﵀:
(فصل)
المؤلف ﵀ عقد هذا الفصل كما قلت للكلام عن تأثير المكان الذي يجتمع فيه الإمام والمأموم والبعد والقرب بين الإمام والمأموم تأثير ذلك على صلاة الجماعة أي على صحة الاقتداء أو عدم صحة الاقتداء.
واقتداء المأموم بالإمام ينقسم إلى قسمين:
إما أن يكون في المسجد.
أو خارج المسجد.
بدأ المؤلف بالقسم الأول:
• فقال ﵀:
يصح اقتداء المأموم بالإمام: في المسجد وإن لم يره. ولا من وراءَه إذا سمع التكبير.
إذا اجتمع المأموم والإمام في مسجد واحد صح الإقتداء ولو لم يره ولو كان بينهما حائل ولو لم تتصل الصفوف.
وقوله ﵀: (في المسجد) يشمل أن يكون المأموم في ساحة المسجد أو في سطح المسجد أو في بدرون المسجد أو في أي مكان داخل حدود المسجد. فما دام موجود في المسجد فإنه يصح الاقتداء ولو كان بعيدًا ولم تتصل الصفوف ولمخ يره.
وإنما اشترط المؤلف شرطًا واحدًا وهو أن يسمع الصوت والأحسن أن نقول: يشترط إمكان الاقتداء. أن يمكنه أن يقتدي به لأن هذا العبارة أشمل وأوضح.
إذًا يشترط للمأموم الذي يقتدي بالإمام داخل المسجد شرط واحد وهو إمكانية الاقتداء فقط.
بناء على هذا
- لو صلى الإمام مع خمسة صفوف في صدر المسجد في المحراب وصلى خمسة رجال في آخر المسجد منفردين فصلاتهم صحيحة.
- ولو صلى رجلان في ساحة المسجد أو في سطح المسجد وبقيت الجماعة كلهم بجوار الإمام صحت صلاة الرجلين.
الدليل: أن المسجد وضع شرعًا للجماعة فمن كان فيه صح اقتدائه.
ونحن كما قلت مرارًا نتكلم عن مسائل معينة فنحن نتكلم الآن عن صحة الاقتداء وصحة الجماعة ولسنا نتكلم عن حكم أن يتأخر خمسة منفردين في آخر المسجد فإنه هذا مكروه بالاتفاق وهو خلاف السنة التي جاءت عن النبي - ﷺ - المتوترة - وهي اجتماع المأمومين في صفوف متتالية متراصة مع قربهم للإمام.
فمن يصلي خلف المسجد منفردًا فلا شك أنه خالف السنة ووقع في المكروه.
لكن نحن نتكلم عن مسألة صحت الصلاة.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وهذا الحكم بالإجماع أي أن صلاته صحيحة بالإجماع لكونه في داخل المسجد.
ثم لما انتهى المؤلف من تقرير حكم الاقتداء داخل المسجد انتقل إلى حكم الاقتداء خارج المسجد:
• فقال ﵀:
وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين.
إذا كان المأموم خارج المسجد أو كان الإمام والمأموم كلاهما خارج المسجد هاتان مسألتان لهما نفس الحكم فإنه يصح اقتداء المأموم بالإمام ما دام يراه ويمكن له أن يقتدي به.
إذًا عند الحنابلة أن شرط صحة الاقتداء لمن كان خارج المسجد بمن كان داخل المسجد هو فقط شرط واحد أن يراه مع إمكانية الإقتداء فقط.
ولم يشترطوا في الرؤية أن يراه في جميع الصلاة بل لو رآه في بعض الصلاة دون بعض كأن يراه قائمًا ولا يراه راكعًا أو يراه راكعًا وقائمًا ولا يراه ساجدًا صحت الصلاة أيضًا.
فالشرط عند الحنابلة الرؤية فقط مع إمكانية الاقتداء وهذا الشرط موجود حتى لمن كان داخل المسجد فهو شرط لا يتعلق بمسألة من اقتدى وهو خارج المسجد.
الدليل: استدلوا بأن النبي - ﷺ - صلى في حجرته وكان الجدار قصيرًا فرآه أناس فقاموا يصلون بصلاته.
وظاهر الحال أنهم يرونه - ﷺ - قائمًا ولا يرونه راكعًا ولا ساجدًا.
ففي هذا الحديث صح الاقتداء مع كون الإمام في مكان والمأموم بمكان آخر.
= والقول الثاني: وهو اختيار ابن قدامة ﵀ أنه يشترط اتصال الصفوف فإن اتصلت الصفوف صح الاقتداء وإلا فلا.
واستدلوا على هذا:
- بأن تجويز صلاة المأموم خارج المسجد مع عدم اتصال الصفوف قد يؤدي إلى تعطيل المساجد إذ يصلي كل إنسان في حانوته أو في مكانه وهو يرى الإمام ولا يذهب إلى المسجد.
ثانيًا: أن خارج المسجد لم يعد لصلاة الجماعة التي ترتبط صلاة بعضهم ببعض وإنما الذي أعد لذلك المسجد فقط ولا نقول لم أن خارج المسجد لم يعد للصلاة لأن النبي - ﷺ - يقول: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) فكل الأراضي مكان للصلاة لكن نقول ليس مكانًا لصلاة الجماعة التي ترتبط صلاة بعضهم ببعض مع الإمام.
[ ٢ / ١٠٣ ]
والجواب عن - (حديث عائشة) - أن الصواب أن هذه الحجرة كانت داخل المسجد وليس مراد عائشة ﵂ بهذا الحديث غرفة عائشة أو بيت عائشة ﵂ وهذا ما تدل عليه روايات صحيح البخاري الأخرى.
وهذا ما رجحه أيضًا الحافظ بن رجب.
ومن الفقهاء من قال بل هي حجرة عائشة - والذي أراد أنه قول ضعيف وبعيد من حيث المعنى والروايات.
أما من حيث الروايات فروايات البخاري تبين أنه مكان في المسجد سبق أن اتخذه النبي - ﷺ - وحجره.
وأما من حيث المعنى فإنه يبعد أن ينظر الناس إلى النبي - ﷺ - من خلال حجرة عائشة يصلي فإن هذا يؤدي إلى أن الحجرة مكشوفة بحيث يرى الناس صلاة النبي - ﷺ - ويرون ما يفعل في البيت وهذا لا يتأتى.
وهذا القول الثاني هو الصواب - الذي رجحه ابن قدامة ﵀ - وأنه يشترط لصحة المأموم خارج المسجد اتصال الصفوف.
== مسألة: هل يقتضي مذهب الحنابلة صحت صلاة من يرى الإمام في التلفاز أو من يرى الإمام من مكان بعيد في مسكنه؟ أو لا يقتضي؟.
الجواب: من الفقهاء من رأى أن قول الحنابلة بصحة صلاة المأموم مع الإمام بمجرد الرؤية يقتضي صحت الصلاة خلف التلفاز في الصلاة المباشرة ومن كان بعيدًا عن المسجد ويراه وهو في بيته.
= والذي أراه أن هذا القول لا يقتضي ذلك.
السبب: أنهم نصوا أن من الشروط بالإضافة إلى الرؤية أن لا يكون بين المأموم والمسجد نهر جارٍ تجري فيه السفن ولا طريق يستطرق.
وبين من يرى الإمام في التلفاز والمسجد الذي تقام فيه الصلاة أنهر وأودية وطرق وكل ما تشاء من الفواصل والحجوزات. (أليس كذلك؟!.
وكذلك من يصلي قريب من أيضا المسجد في بيته فإن الغالب عليه أن يكون بينه وبين المسجد أقل ما يقال طريق مسلوك.
فالذي أراه أن هذا القول لا يقتضي صحت الصلاة خلف هذه الأشياء مع البعد إنما يرى الحنابلة أو يريدون إذا كان الإنسان في مكانه في حانوته والمسجد أمامه وليس بينهما طريق وهو يرى الإمام سواء من خلال الباب أو النافذة أو من أي منفذ فإنه والحالة هذه يصح أن يقتدي بالإمام ولو لم تتصل الصفوف ويصلي في مكانه والإمام في مكانه.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وبهذا يمكن أنه نرفع ما يترتب على هذا القول من مؤاخذات كبيرة أو ضعف شديد بالنسبة لمذهب الحنابلة.
على أنا نقول أن الراجح والأظهر ظهورًا قويًا أنه لا بد من اتصال الصفوف إذا أراد الإنسان أن يصلي خارج المسجد.
(فائدة: قال شيخ الاسلام: إن صلى مع اتصال الصفوف صحت صلاته باتفاق الأئمة).
وهذا مفيد بحيث لا يعرض الإنسان صلاته للبطلان.
• ثم قال ﵀:
وتصح خلف إمام عالٍ عنهم. ويكره: إذا كان العلو ذراعًا فأكثر.
أفادنا المؤلف أن الصلاة خلف الإمام العالي صحيحة وهي تكره بشرط واحد وهو أن يكون علوه ذراه فأكثر فإن كان علوه أقل من ذراع صحت بلا كراهة.
نحتاج أدلة لكل هذا التفصيل:
أما دليل الصحة والكراهة فواحد وهو أن عمارًا - ﵁ - صلى بقومه على دكَّه فأخذ بيده حذيفة - ﵁ - وأنزله ثم بعد الصلاة قال: (ألم تعلم أن النبي - ﷺ - نهى أن يؤم الرجل القوم وهو أعلى منهم).
وهذا الحديث دليل على أمرين:
الأول: الكراهة.
والثاني: الصحة.
ووجه دليله على الصحة أنه لم يستأنف وإنما استمر في صلاته - ﵁ -.
وهذا الحديث الذي يظهر لي أنه ضعيف ومن المعاصرين من يحسنه لكن الأقرب أنه ضعيف لا تقوم به حجة.
الدليل الثاني: أن ابن مسعود - ﵁ - قال: كانوا يكرهون ذلك أي أن يصلي الإمام وهو مرتفع عن المأمومين.
فهذان أثران عن أصحاب النبي - ﷺ - ولا يعلم لهم مخالف أن ارتفاع الإمام مكروه مع صحت الصلاة.
وأما الدليل على أنه إن صلى لأقل من ذراع انتفت الكراهة فهو أن النبي - ﷺ - صح عنه أنه صلى على المنبر ليعلم الناس الصلاة. ومعلوم أنه لا يمكن أن نتصف صلاة النبي - ﷺ - بالكراهة.
فدل هذا الحديث أنه إن كان ارتفاعه أقل من ذراع صحت بلا كراهة.
وأما الدليل على أنه - ﷺ - في تلك الصلاة صلى في الدرجة الأولى وهذا هو الذي يدل على أنه أقل من ذراع الدليل على ذلك هو أنه إنما صلى ليعلم الناس وهو سيحتاج إلى الركوع والسجود على الأرض ومن المعلوم أن الأنسب لذلك أن يقف على الدرجة الأولى ليتمكن من ذلك بسهولة.
[ ٢ / ١٠٥ ]
إذًا الحديث ليس فيه نص أنه صلى على الدرجة الأولى لكن يغلب على الظن أنه صلى الدرجة الأولى.
= والقول الثاني: أن من صلى مرتفعًا بقصد تعليم الناس صحت صلاته بلا كراهة بغير قيد من جهة الارتفاع.
وهذا مذهب الشافعية واستدلوا بالحديث السابق وهو أن النبي - ﷺ - صلى مرتفعًا.
=والقول الثالث: وهو رواية أنها تصح مطلقًا بلا كراهة.
والراجح: مذهب الشافعية. أنه إن كان للتعليم صحت بلا كراهة وإلا صحت مع الكراهة لأن أثر ابن مسعود صحيح وكذلك أثر عمار وحذيفة يظهر من حيث الأسانيد أنه ضعيف لكنه يتقوى بأثر ابن مسعود أو على أقل التقدير يمكن الاستئناس به وإلا فهو ضعيف لا يثبت عن الصحابيين ﵄.
إذًا بهذا عرفنا حكم ارتفاع الإمام وعرفنا أن الفقهاء ينظرون لمدى الارتفاع إذا كان الارتفاع كثيرًا صار مكروهًا وإلا صار جائزًا.
•
ثم قال ﵀:
كإمامته في الطاق.
إمامة الإمام في الطاق مكروهة.
والمقصود بالطاق: المحراب.
ودليل الكراهة:
أن ابن مسعود - ﵁ - وروي عن غيره من الصحابة كرهوا ذلك.
الدليل الثاني: أن صلاة الإمام في المحراب تمنع من كمال الاقتداء لأن المأمومين لن يروه ومعلوم أن الرؤية تكمل الاقتداء.
ويشترط لتحقق الكراهة عند الحنابلة أن لا تكون صلاته لحاجة فإن كان صلى في المحراب لحاجة كضيق المكان صحت بلا كراهة.
ويشترط أيضًا أن لا يروه فإن صلى في المحراب مع رؤية المأمومين له أيضًا تصح بلا كراهة.
إذًا يشترط للكراهة شرطان.
هذا حكم الصلاة في المحراب.
وأنا أرى أن كلامهم وجيه وأن دخول الإمام في المحراب من غير حاجة يؤدي إلى عدم اقتداء المأمومين بالشكل المطلوب.
نأتي إلى مسألة أخرى: وهي حكم اتخاذ المحراب. وكثير من الإخوان يخلط بين المسألتين فيخلط بين اتخاذ المحراب والصلاة. لأن عبارات العلماء في اتخاذ المحراب قد تكون شديدة أحيانًا لكن عباراتهم في الصلاة بالمحراب أهون لأنه وجد محرابًا فصلى فيه.
وحكم اتخاذ المحراب اختلفوا فيه وتشعبت الأقوال - ونحن لا نريد الدخول في هذه المسألة لأنه ليست من هذا الباب ولذلك لا حظ أن المؤلف تكلم عن حكم الصلاة فقط ولم يتحدث عن اتخاذ المحراب.
[ ٢ / ١٠٦ ]
= القول الأول: أن اتخاذ المحراب بدعة محدثة وهو محرم لأنه لم يكن على عهد النبي - ﷺ -.
= القول الثاني: أن اتخاذ المحراب مستحب. ولا حظ أن هذا رواية عن الإمام أحمد. واستدل بأن في اتخاذ المحراب تتحقق مصالح عديدة منها: معرفة القبلة.
= والقول الثالث: أن اتخاذ المحراب مباح ولا يعبد به وإنما هو وسيلة لتسهيل الإمامة ومعرفة القبلة.
في الحقيقة من جهة الترجيح المسألة فيها إشكال. ووجه الإشكال: أنه من حيث التأصيل قد يقول الإنسان أن النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ لم يتخذوا المحاريب وهم أعلم الناس بما ينفع الناس والمحراب المسجد والمسجد بيت العبادة في الإسلام فإحداث شيء في مثل هذا البيت هو من أحداث مالم يأذن به الله وهذا يقوى وتدل عليه الأصول العامة.
من جهة أخرى ما زال المسلمون يضعون المحاريب وممن كره المحاريب ابن مسعود - ﵁ - ونفهم من كراهيته - ﵁ - لها أنها موجودة عهده وإن كنت لم أنظر في إسناد أثر ابن مسعود لكن على فرض صحته فإنه يدل على أن المحاريب وجدت من عهد الصحابة وأنها لم تنكر بينهم على وجه الجملة وإنما أنكرها ابن مسعود وابن مسعود - ﵁ - له نظرة عميقة في البدع ولذلك نكر من البدع أكثر مما أنكره غيره - ﵁ - ولكن لم ينقل عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وأبي هريرة وغيرهم من فقهاء الصحابة ما نقل عن ابن مسعود - ﵁ -.
ثم أيضًا تتابعت الأمة الإسلامية من القرن الثاني إلى يومنا هذا على وضع المحاريب فتأثيم الناس والحكم على عملهم بأنه بدعة طوال هذه القرون قد ما يقوى عليه الإنسان.
ولذلك ربما نقول أن مذهب الحنابلة وهو أنه مباح قد يكون فيه توسط ونظر بين من يشدد في المحاريب ومن يترخص فيها ويجعلها مستحبة.
لا سيما وأن رجلًا مثل الإمام أحمد روي عنه استحبابها فهذا يجعل الإنسان يتوقف في الحكم ببدعيتها والنهي عنها وتحريم بنائها.
هذا ما ظهر في مسألة اتخاذ المحاريب.
• ثم قال ﵀:
وتطوعه موضع المكتوبة.
الآن الحديث عن الإمام من قوله وتصح خلف إمام عال صار الكلام عن الإمام.
[ ٢ / ١٠٧ ]
فتطوع الإمام في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة مكروه لأمرين:
الأمر الأول: أنه يؤدي إلى الالتباس والتشابه بين الفريضة والنافلة.
والثاني: أنه قد يظن بعض المأمومين أنه قام لأنه نسي ركعة.
الثالث: أنه روي عن المغيرة وعن غيره عن النبي - ﷺ - أنه نهى أن يصلي الإمام حيث أم الناس.
= والقول الثاني: أن صلاة الإمام في مكانه الذي صلى به بالناس تطوعه جائز بلا كراهة.
وأجابوا عن الأدلة: أنها جميعًا ضعيفة وممن أشار إلى ضعف جمع الأحاديث الإمام أحمد لأنه قال: لم يثبت فيه إلا عن علي - يعني هذا معنى كلامه ليست هذه عبارته.
فإذا كان الإمام أحمد يقول أنه ليس في الباب إلا أثر عن علي - ﵁ - دل على أنه يرى أن حديث المغيرة - ﵁ - وغيره حديث ضعيف.
وحكم بعض الحفاظ على أفراد هذه الأحاديث بالضعف إما للانقطاع أو للجهالة.
الخلاصة: أن أحاديث نهي الإمام أن يتطوع في مكانه الذي صلى فيه بالناس ضعيفة كلها فإذًا الصلاة صحيحة بلا كراهة.
ولا يستهين الإنسان بهذا البحث لأن أهل العلم يعتنون بقضية الكراهة فإن بعض الناس لا يرى وزنًا لأن الأمر مكروه أو الفعل مكروه أو غير مكروه لكن الأئمة يعتنون بهذا لأنهم لا يقدمون على المكروه لا سيما إذا تعلق بركن الدين وهو الصلاة.
• قوله ﵀:
إلاّ من حاجة.
هذ الاستثناء يرجع إلى مسألتين:
المسألة الأولى: تطوع الإمام في مكان المكتوبة.
المسألة الثانية: صلاته في الطاق أو في المحراب.
فلاستثناء يرجع إلى المسألتين جميعًا وهو أن الكراهة تزول إذا كان هناك حاجة والحاجة في الغالب وأثر ما يمثل الفقهاء به هو ضيق المكان.
فإذا صلى الإمام بالناس ثم أراد أن يتطوع ولم يجد مكانًا لضيق المكان فإنه والحالة هذه يصلي في مكانه بلا كراهة لوجود الحاجة.
• ثم قال ﵀:
وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة.
يعني: ويكره للإمام أن يطيل الجلوس بعد السلام مستقبل القبلة.
[ ٢ / ١٠٨ ]
وجهه: أن هذا خلاف السنة. فإنه ثبتت الأحاديث صحيحة أن النبي - ﷺ - كان إذا سلم من الصلاة لم يزد على الاستغفار ثلاثًا وقوله تباركت ياذا الجلال والإكرام. ثم ينصرف تارة عن اليمين وتارة عن الشمال.
إذًا بقائه أكثر من هذا المقدار ومن الذكر الوارد وهو الاستغفار وقوله: اللهم أنت السلام الخ. مكروه لأنه مخالف للسنة الصريحة.
وهو مكروه لسبب آخر وهو أن في هذا مشقة على المأمومين لأنه جاء في الحديث نهي المأموم أن يقوم قبل أن ينصرف الإمام. ومعنى انصراف الإمام: أن يلتفت إلى المأمومين.
إذًا هو مكروه لأمرين:
- مخالفة السنة.
- والإشفاق على المأمومين.
• ثم قال ﵀:
فإن كان ثمّ نساء: لبث قليلًا لينصرفن.
إذا كان معه نساء فالسنة في حقه أن يلبث قليلًا قبل أن يقوم والغرض من ذلك أن ينصرف النساء.
والدليل: ما صح عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا صلى مكث قليلًا - أي قبل أن يقوم. وقال الزهري ﵀: ولا نعلم ذلك إلا لأجل النساء.
وسبق أن علقنا على كلمات الزهري التي يعلق بها على السنة وأن لها ثقلًا عند أهل العلم وسبب ذلك.
• ثم قال ﵀:
ويكره: وقوفهم بين السواري إذا قطعن.
الصلاة بين السواري تحتاج إلى إيضاح بعض المقدمات قبل أن ندخل في نفس المسألة:
الأمر الأول - في هذه المسألة: أنه لا يكره بالإجماع أن يصلي بين السواري عند وجود الحاجة.
الأمر الثاني: أنه لا يكره للإمام ولا للمنفرد أن يصلي بين السواري لأن النبي - ﷺ - لما دخل الكعبة صلى بين ساريتين فلا تتعلق الكراهة أصلًا بالإمام والمنفرد.
نأتي إلى المأموم:
= الحنابلة يرون أن المأموم يكره له أن يصلي بين السواري.
واستدلوا على هذا:
بأن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بين السواري.
والدليل الثاني: أن الصلاة بين السواري تؤدي إلى انقطاع الصفوف.
[ ٢ / ١٠٩ ]
وقبل أن نذكر القول الثاني يضاف إلى ما يشبه تحرير النزاع نقول: الأمر الثالث: أنه لا يوجد قائل بالتحريم بين أهل العلم فكلهم على الكراهة خلافًا لما يشعر به بعض الباحثين كأنه يميل إلى التحريم فإن العلماء لم يذكروا التحريم فيما وقفت عليه مطلقًا وإنما كلهم على أنه يكره.
= القول الثاني: أن الصلاة بين السواري جائزة بلا كراهة مطلقًا.
وممن رجح هذا القول ابن المنذر ﵀.
واستدل على هذا بأمرين:
الأول: أن النبي - ﷺ - صلى بين ساريتين والأصل أنه لافرق بين المنفرد والإمام والمأموم.
الثاني: أنه لا يثبت في هذا الباب خبر صحيح عن النبي - ﷺ -. وممن أشار إلى هذا ابن المنذر نفسه فإنه أشار إلى عدم ثبوت شيء في هذا الباب.
وإذا لم يأت عن النبي المعصوم - ﷺ - حديث فيه النهي عن الصلاة بين السواري فبأي شيء نحكم على صلاة من صلى بين السواري بلا حاجة بأنه فعل مكروهًا.
وهذا القول الثاني قوي جدًا في الحقيقة ووجيه ولكن يشكل عليه أنه روي عن بعض الصحابة أنه كره الصلاة بين السواري لكن مع ذلك لا يظهر لي أنه يكره الصلاة بين السواري.
فمثل هذا الأمر الذي يحتاج إليه الناس كثيرًا لا سيما في السابق فإنه في السابق الأبنية تحتاج إلى عدد من الأعمدة والبناء الذي لايعتمد على وجود عدد كبير من الأعمدة إنما حصل أخيرًا مع التقدم أما في السابق فكانت الأعمدة كثيرة ولذلك إذا دخلت مسجدًا مبنيًا من الطين فستجد أن عدد الأعمدة كثير جدًا.
فالحكم على صلاة الناس بالكراهة إذا صلوا بين الأعمدة بلا حاجة يحتاج إلى دليل.
فالأقرب والله أعلم أنه لا يكره وإن احتاط الإنسان لنفسه بأن لا يصلي إلا لحاجة صار هذا جيد بسبب أنه احتاط لصلاته أن لا يصلي مع الكراهة التي توجد عند الحنابلة وغيرهم ويعتمدون فيها على أحاديث صححت من قبل بعض المعاصرين وفيه آثار فمجموع هذه الأمور تؤدي إلى الاحتياط.
أما من حيث البحث العلمي فالأقرب عدم الكراهة.
والله أعلى وصلى الله وسلم على نبينا محمد
انتهى الدرس،،،
[ ٢ / ١١٠ ]
فصل
[في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة]
قال شيخنا حفظه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله.
لما أنهى المؤلف الكلام عن ما يتعلق بصلاة الجماعة من حيث حكمها بحد ذاتها وما يتعلق بالمأمومين والإمام والأماكن التي ترتبط بها صلاة المأمومين بالإمام انتقل بعد ذلك انتقالًا منطقيًا إلى ما يعذر فيه الإنسان لترك صلاة الجماعة أو الجمعة وذكر عددًا كبيرًا من الأعذار إذا فهمها الإنسان استطاع بإذن الله أن يعرف حكم غيرها لأنه إذا فهم هذه الأعذار استطاع أن يعرف قاعدة الشارع في وزن الأمور التي أباح الشارع الحكيم فيها للمسلم في أن لا يحضر الجماعة. والتي لا يعذر فيها المسلم.
وبدأ بالعذر المتفق عليه الذي لا يختلف فيه المسلمون:
• فقال ﵀:
ويعذر بترك جمعة وجماعة: مريض.
المريض يعذر بترك الجمعة والجماعة لعدة أدلة:
- الدليل الأول: أن النبي - ﷺ - - كما تقدم معنا - لما سقط عن فرسه صلى في بيته وترك الجمعة والجماعة. وهذا دليل على أن الإنسان إذا مرض جاز له ترك الجمعة والجماعة.
- الدليل الثاني: الإجماع. فقد أجمع العلماء على أن من كان مريضًا فإنه يجوز له أن يترك الجمعة والجماعة.
وقول المؤلف ﵀: (المرض) يشمل:
- أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع أن يحضر الصلاة.
- ويشمل أن يخشى زيادة المرض.
- ويشمل أن يخشى بطء البرء.
- ويشمل على الصحيح - إن شاء الله - خشية حدوث المرض يعني: لو كان الإنسان سليمًا أو معافى ولكنه يخشى إن خرج أن يصاب بمرض فإنه حينئذ أيضًا يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
ومن المعلوم أن مقصود الفقهاء بخشية حدوث المرض أو خشية زيادة المرض أو تأخر الشفاء أن تكون خشيةً حقيقيةً متوقعةً متصورة.
أما إن كانت مظنونة لا أصل لها فإنه لا يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
والعذر بالمرض لا إشكال فيه.
• ثم قال ﵀:
ومدافع أحد الأخبثين.
[ ٢ / ١١١ ]
إذا كان الإنسان يدافع الأخبثين ودار الأمر بين أن يدرك الجماعة أو يدفع الأخبثين بأن يقضي الحاجة فإنه يجوز إذا كانت هذه حالته أن يترك صلاة الجماعة ويقضي حاجته ثم يصلي بعد ذلك ولو منفردًا أو أو مع الجماعة الثانية التي أقيمت بعد الإمام الراتب.
والدليل على هذا:
- ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين).
وهذا الدليل نص في مسألة أنه يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة إذا حصل عنده مدافعة للأخبثين وهما: البول والغائط.
ومن هنا نعلم أن ما يفعله كثير من الناس إذا حضر للمسجد متأخرًا ودار الأمر بين أن يدرك الركعة الأخيرة وبين أن يذهب إلى دورات المياه لقضاء حاجته فإنك تجد بعض الناس يذهب للصلاة وإن كان يدافع أحد الأخبثين وهذا الذهاب خطأ شرعًا وهو مخالف للنصوص.
وأما هل تصح صلاته أو لا تصح صلاته؟ فهذا تقدم معنا في مباحث شروط الصلاة وذكرنا التفصيل فيمن صلى وهو يدافع الأخبثين والأقوال في حكم صلاته وأنها ثلاثة طرفان ووسط .. إلخ هذا تقدم معنا.
إنما الكلام الآن أنه يعذر بترك الجماعة.
وأيضًا مدافعة أحد الأخبثين أمرها واضح وظاهر.
•
ثم قال - ﵀ -:
ومن بحضرة طعام محتاج إليه.
اشترط المؤلف - ﵀ - لجواز ترك الجماعة شرطين:
_________________
(١) الأول: أن يحضر الطعام. والثاني: أن يكون محتاجًا إليه. والدليل على أنه إذا تحققت هذه الشروط جاز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة: - حديث عائشة المتقدم. - وأيضًا قول النبي - ﷺ -: (إذا حضر العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا يعجل أحدكم عن عشائه). فهذا نص في تقديم تناول العشاء على صلاة المغرب وغير صلاة المغرب كصلاة المغرب. وأيضًا دليل على أنه لا بد من حضور الطعام لأنه يقول: إذا حضر العشاء. أما إذا كان يعد ولا ينتفع الإنسان من انتظاره فإنه يجب عليه أن يصلي الجماعة. وفي هذه المسألة بعض المسائل الأخرى - يعني: وفي مسألة العذر بحضور الطعام مسائل أخرى نذكر أهم هذه المسائل:
[ ٢ / ١١٢ ]
_________________
(١) المسألة الأولى: نص الإمام أحمد على أنه إذا حضر الطعام فإنه يأكل منه حتى يشبع ولا يجب عليه أن يأكل فقط ما يسد به رمقه بل يأكل حتى يشبع. واستدل الحنابلة على هذا بدليلين: - الأول: ما تقدم معنا: وهو قول النبي - ﷺ -: (ولا يعجل عن عشائه). - والثاني: أن الإنسان إذا أكل ما يسد الرمق وبقيت نفسه متعلقه بالطعام ثم خرج إلى الصلاة فإن هذا من أكبر أسباب قلة الخشوع وذهاب الحضور أثناء أداء الصلاة. والشارع الحكيم إنما أجاز التخلف عن صلاة الجماعة عند حضور الطعام لمقاصد من أهمها: تكميل الخشوع. فلذلك نقول: يأكل حتى ينتهي من الطعام. المسألة الثانية: هذا العذر يكون عذرًا شرعًا إذا حصل اتفاقًا أما إن حصل على سبيل الترتيب والدوام فإنه لا يصبح من الأعذار ويأثم من جلس لتناول الطعام وترك صلاة الجماعة إذا كان يرتب لهذا الأمر يوميًا أو اعتاد عليه. وإنما يكون عذرًا شرعيًا إذا حصل اتفاقًا. المسألة الثالثة والأخيرة: إذا حضر الطعام وليس للإنسان به حاجة فإنه يجب أن يقوم للصلاة ولو كان يأكل ما دام أنه لا يشعر في نفسه حاجة وانجذاب إلى هذا الطعام. والدليل على ذلك: - ما صح أن النبي - ﷺ - جلس يأكل من كتف شاة ثم دعي إلى الصلاة فوضع الطعان وقام إلى الصلاة. فحمل العلماء - ﵏ - هذا الحديث على أن النبي - ﷺ - لم يكن به حاجة إلى الطعام. جمعًا بين النصوص لأنه هو - ﷺ - قال إذا حضر العشاء فابدأوا به قبل الصلاة ثم نراه هنا يقدم الصلاة على الطعام فإذا أردنا أن نجمع بين النصين نقول: لم بالنبي - ﷺ - حاجة إلى الطعام في هذا الحديث. إذًا هذه بعض المسائل التي تتعلق بمسألة حضور الطعام قبل الصلاة.
[ ٢ / ١١٣ ]
بناء على هذه الضوابط والمسائل ما يفعله بعض الناس برمضان من وضع جميع الطعام قبل الصلاة فكل ما لديهم من طعام يضعه قبل الصلاة فحكم هذا إن كان يستطيع يتناول هذا الطعام ويدرك الصلاة فهو جائز وإن كان يترتب على هذا فوات صلاة المغرب يوميًا فإنه آثم بترك صلاة المغرب ولو حضر الطعام ولو كان يشتهيه لأنه صار يرتب يوميًا لمدة ثلاثين يومًا أنه سيترك صلاة المغرب بل نقول تأكل ما يكفي للنشاط وسد الرمق ثم تصلي مع الجماعة وإنما يكون تناول الطعام عذر إذا وقع اتفاقًا كما ذكرت.
• ثم قال - ﵀ - في العذر الرابع:
وخائف: من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه.
إذا خاف الإنسان من ضياع المال أو فواته أو أن يتضرر هذا المال أي ماله جاز له حينئذ أن يترك صلاة الجماعة.
والدليل على ذلك:
- ما رواه ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قيل ما العذر يا رسول الله قال: الخوف أو المرض.
وهذا الحديث تقدم معنا أن الصواب فيه أنه موقوف على ابن عباس.
وإذا كان موقزفًا على ابن عباس فهو كذلك عذر لأنه فتوى عن صحابي ليس لها معارض تتوافق مع أصول الشرع.
وهناك دليل آخر على أن للإنسان أن يترك صلاة الجماعة إذا خشي على ماله:
- وهو أن الشارع الحكيم أجاز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة كما سيأتينا غذا خشي من الطين أو المطر والتضرر بفقد المال أكبر من التضرر بالطين والمرض وهذا بإجماع الناس.
فكون الإنسان يتضرر بنوع مطر كما سيأتينا حده أو بتلوث بالطين هذا أسهل من أن يفقد ماله أو أن يفقد شيئًا له قيمة واعتبار من ماله.
وإذا كان الشارع عذر بما هو أخف فلا شك أنه سيعذر بما هو أعلى.
إذًا: إذا خشي الإنسان على ماله فإن له أن يترك صلاة الجماعة.
وذكر العلماء أمثلة لهذا الخوف:
- منها: الخباز إذا وضع الخبز في الفرن وخشي أن يحترق لو ذهب.
- والطباخ: إذا أقام القدر على النار وخشي أن يحترق إذا ذهب.
- والحطاب إذا خشي أن يسرق الحطب.
وما شابه هذه الأمثلة.
ويمكن أن يقاس عليها بالنسبة لواقعنا المعاصر أشياء حديثة من ذلك مثلًا:
[ ٢ / ١١٤ ]
- لو كانوا يشتغلون بالبناء والصبة (ما يسمونه الصبة) وترتب على الذهاب للمسجد فساد للصبة أو تحجر الصبة أو فساد ترتيبها على الأرض.
فإنه لا شك أن هذا من ضياع المال الذي أجاز الفقهاء لصاحبه ترك صلاة الجماعة.
ولذلك ينبغي على المنكر أن ينكر على من ترك الصلاة جماعة أن يعرف هل هو معذور أولا؟
نعم. الغالب على الناس اليوم التهاون في صلاة الجماعة وتركها لسبب غير وجيه أو لا لسبب أصلًا لكن مع ذلك يجب على الإنسان قبل أن ينكر أن يعرف هل هذا الذي ينكر عليه تجب عليه أصلًا صلاة الجماعة أو هو ممن عذر الله ﷾ بأحد الأعذار التي سنذكر أو بنظيرها.
إذًا: الخلاصة أن الخائف على ماله عموما يعذر.
•
ثم قال - ﵀ -:
أو موت قريبه.
يعني: إذا خشي الإنسان أنه إن ذهب لصلاة الجماعة مات قريبه. فإنه يجوز له والحالة هذه أن يبقى عند هذا المريض ولا يذهب لصلاة الجماعة.
واستدلوا على هذا الحكم بدليلين:
- الأول: أن الصحابي الجليل ابن عمر - ﵁ - استصرخ سعيد بن زيد وهو خارج المدينة فجائه وترك الجمعة. استصرخ يعني: طلب النجدة من سعيد بن زيد فجائه وترك الجمعة وكان عند ابن عمر رجل مريض أو امرأة مريضة.
- الثاني: أن هذا محل إجماع. فقد أجمع العلماء على أن من خشي موت قريبه فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
وهذا أمر بدهي أنه إذا ترتب على ذهاب الإنسان موت المريض القريب له فإنه يجوز له أن يترك الصلاة ويصلي في البيت.
قال الفقهاء: وكذلك لو خشي موت رفيقه لا قريبه. يعني: حتى لو لم يكن القريب وإنما الصديق والرفيق الذي يجلس بجواره فالحكم كذلك.
قال الفقهاء: كذلك التمريض ولو لم يخش من الموت وإنما خشي من الضرر إن ذهب وترك المريض وكان هو الذي يمرض هذا المريض فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة وأن يجلس عند هذا المريض.
وبالنسبة للتمريض يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة ليمرض قريبه بشرط أن لا يجد وسيلة لتفادي هذا الأمر.
فإذا أمكن - مثلًا - أن يجلس عند هذا المريض أحد أهل الدار أو أحد من خارج الدار ليذهب هذا الإنسان ليصلي الجماعة ويرجع فإنه يجب عليه أن يؤمن من يقوم مقامه أثناء أداء صلاة الجماعة.
[ ٢ / ١١٥ ]
أما إذا لم يوجد إلا هذا الشخص وهذا يكثر قديمًا أن لا يوجد من يمرض الإنسان إلا قريبه أو ابنه أو أخوه فإنه يجوز له أن يجلس عند هذا المريض.
ومن غير المقبول ما يفعله بعض الناس يجلس يمرض المريض ويخرج للدوام ثم يرجع وباقي الصلوات يكون يمرض فالذي مكنك من الخروج لأداء الدوام الرسمي الصباحي يمكنك أيضًا من وجود من يقوم مقامك في الصلوات الخمس ما عدا الظهر يعني لو قلنا الأربع ما عدا الظهر لأنه سيكون في الدوام فأيضًا يمكنه أن يوجد من يقوم مقامه ليذهب يصلي هو مع الجماعة.
لكن على كل حال الضابط أنه إذا لم يستطع أن يوجد أحدًا يقوم مقامه ليذهب هو للصلاة ممن لا تجب عليهم الصلوات فإنه يجوز له أن يجلس عند هذا المريض وهو معذور ولا إثم عليه وصلاته إن شاء الله في البيت صحيحة.
• ثم قال - ﵀ -:
أو على نفسه من ضرر.
يعني خشي على إن خرج أن يتضرر. كأن يتربص به أحد ليؤذيه. أو أن يوجد في الطرقات حيوانات مفترسة كما قد يوجد في بعض الذئاب أو الأسود قديمًا في بعض القرى النائية.
المهم: هذه أمثلة إذا ترتب على خروج الإنسان ضرر فإنه يجوز أن يجلس في بيته ويصلي ولا يخرج لصلاة الجماعة.
ومن أشهر أمثلة الضرر: أن يكون في البلد حرب. فإذا كان في البلد حرب لا سيما إذا كانت داخلية أي في داخل المدينة فإنه لا شك أن خروج الإنسان لا سيما في الليل يترتب عليه ضرر فقد يقتل أو يجرح أو يؤسر إلخ.
فإذا كان الوضع كذلك فإنه يجوز له أن يبقى في البيت ويصلي ولا حرج عليه.
والدليل على هذا:
- جميع ما تقدم. كقول النبي - ﷺ -: (لا ضرر ولا ضرار) يشمل العذر في صلاة الجماعة وكون الشارع الحكيم يعذر بالمطر والبرد فهذا الضرر من باب أولى.
فقياس أولوي بالنسبة إذا خشي على نفسه الضرر.
وكما قلت فيما سبق أقول الآن: مقصود الفقهاء بالضرر الضرر الذي يقدره المكلف ويستحق البقاء في البيت أما الضرر اليسير فإنه لا يوجب الجلوس في البيت.
[ ٢ / ١١٦ ]
فمثلًا: لو كان إذا خرج إلى الصلاة قد يؤذيه بعض الصبيان فإن الصبيا أحيانًا يؤذون المارة إلى المساجد. هذا ضرر لكنه ضرر لا يستوجب ترك صلاة الجماعة إنما الضرر الذي يستوجب ترك صلاة الجماعة هو المؤذي الملحق بالأذى الظاهر في البدن أو في المال فهذا هو الذي يعذر الإنسان إذا ترك صلاة الجماعة من أجله.
•
ثم قال - ﵀ -:
أو سلطان.
يعني: إذا خشي إذا خرج لصلاة الجماعة أن يؤذيه السلطان إما بحبس أو بضرب أو بأخذ للمال وهذه أشهر ثلاث أمثلة. إما بالضرب أو بالحبس أو بأخذ المال فإنه يجوز له أن يبقى في بيته تفاديًا لهذا الضرر.
لكن اشترط الفقهاء في هذا العذر شرط وهو: أن يكون إيذاء السلطان بظلم فإن كان بحق حرم عليه أن يترك صلاة الجماعة.
فمثلًا: لو كان هذا الإنسان يسرق أموال الناس وإن خرج مسكه السلطان فإنه يجب عليه وجوبًا أن يخرج وأن يصلي ولو ترتب على ذلك أن يقع في أيدي السلطات لأن مسكه حينئذ بحق وهو الذي اعتدى على أموال أو أعراض الناس.
المهم أنه يشترط لهذا العذر أن يكون إيذاء السلطان بظلم فإن كان بظلم جاز له أن يبقى في بيته.
• ثم قال - ﵀ -:
أو ملازمة غريم ولا شيء معه.
يعني: إذا خشي أنه إذا خرج لصلاة الجماعة لزمه الغريم يعني الدائن.
لزمه وصار يتنقل معه حيث تنقل ويطالبه بالدين.
إذا خشي من هذا الأمر فإنه يجوز له أن يصلي في البيت.
لكن بشرط: أن لا يكون مع هذا المدين شيء يؤدي به الدين.
وبعبارة أخرى: أن يكون معسرًا أو مفلسًا.
فإذا كان معسرًا أو مفلسًا ولا شيء معه جاز له أن يبقى في البيت ويترك صلاة الجماعة.
- لأنه إذا خرج ولزمه هذا الدائن صار في هذه الملازمة ضررًا ظاهرًا وإحراجًا بين الناس وقد تؤدي هذه الملازمة إلى الحبس لأنه قد يلزمه بالذهاب إلى القاضي أو إلى الشرطة ويترتب على ذلك الحبس.
إذًا: إذا لم يكن مع المدين شيء بأن كان مفلسًا معسرًا جاز له أن يصلي في البيت.
الدليل على هذا:
- أن ملازمة الفقير المعسر حرام لا تجوز حتى من قبل الدائن. لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة/٢٨٠] فأوجب الله ﷾ أن يُنْظَر وأن يمهل.
[ ٢ / ١١٧ ]
إذًا ملازمة الفقير أصلًا محرمة. كذلك حبس الفقير محرم.
فإذا كان خروجه سيترتب عليه وقوع المحرم جاز له دفعًا للضرر أن يبقى في بيته ويصلي الفرائض فيه.
إذًا: الدليل أن ملازمة وحبس الفقير محرم.
وإذا ترتب على خروجه هذا المحرم جاز له أن يصلي في بيته.
• ثم قال - ﵀ -:
أو من فوات رفقته.
أي: أنه لو خشي إذا صلى الجماعة أن تفوته الرفقة.
يعني: أن يسافروا ويتركوه. هذا معنى فوات الرفقة. فهو خاص بالسفر. فإنه حينئذ يجوز له أن يصلي في غير الجماعة.
واشترطوا لهذا شرطًا: وهو أن يكون السفر مباحًا فإن كان محرمًا حرم عليه أن يترك صلاة الجماعة.
والدليل على هذا:
- أن في ذهاب الرفقة وتركه ضررًا ظاهرًا لا سيما في القديم فإنه في القديم يكون السفر جماعيًا ولا يكون السفر أفرادًا وإنما يكون جماعيًا لرد الضرر الحاصل في الطريق إما من اعتداء اللصوص أو السباع أو من العطش أو من الجوع فإذا كانوا جماعة أمكن أن يتعاونوا في دفع هذا الضرر فإذا تخلف عنهم وقع عليه الضرر وهو احتمال كبير أي وقوع الضرر عليه.
وفي عصرنا اليوم كذلك ك يعني لو كان هناك رفقة يستعدون للسفر في سيارة واحدة وترتب على بقائه وصلاته مع الجماعة أن يذهبوا ويتركوه فإن في هذا ضرر لا شك لأنه قد لا يستطيع السفر بمفردة أو قد يتضرر ثم مع ذلك إذا صلى مع الجماعة وهو يعلم أن له رفقة ينتظرونه وربما ذهبوا وتركوه صلى وهو مشوش الذهن بعيد كل البعد عن الخشوع وحضور القلب.
فهذا إن شاء الله من الأعذار.
ونحن نتكلم الآن عن أن هذا الشخص الذي أراد أن يصلي مع الجماعة وله رفقة ينتظرونه وسيذهبون إن صلى فهو معذور ولا نتكلم عن الرفقة - لسنا نتكلم عن الرفقة لأن هؤلاء المجموعة عملهم محرم لأنه يجب عليهم أن يصلوا صلاة الجماعة إذا سمعوا النداء ولو كانوا على وشك السفر.
فكل إنسان سمع النداء يجب أن يؤدي هذه الصلاة التي نودي لها في جماعة سواء كان في هذا المسجد أو في غيره.
المهم ما دام سمع النداء فيجب أن يصلي مع جماعة المسلمين في أي مسجد.
[ ٢ / ١١٨ ]
لكن: وإن كان عمل هؤلاء المجموعة محرم وهو أنهم سيذهبون ويتركون صلاة الجماعة ويصلون فرادى أو في مسجد خارج البلد بلا جماعة لكن باتلنسبة لهذا الشخص الذي سيذهبون ويتركونه هو معذور بهذا العمل وله أن يسافر معهم.
•
ثم قال - ﵀ -:
أو غلبة نعاس.
يعني: إذا غلب الإنسان النعاس وسيطر على ذهنه النوم فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
وذكر الفقهاء - ﵏ - شرط لهذا وهو: أن يخشى فوات الصلاة والجماعة.
يعني: يخشى لو انتظر ليصلي مع الجماعة أن ينام بسبب النعاس ثم يؤدي هذا إلى ترك الصلاة والجماعة.
أي: إخراج الصلاة عن وقتها وبطبيعة الحال فوات صلاة الجماعة.
إذا خشي من هذا جاز له ترك صلاة الجماعة.
ظاهر عبارة الحنابلة: أنه في هذه الصورة يعذر. أما إذا صار معه نعاس شديد لا يخشى معه فوات الجماعة ولكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة - يشق عليه مشقة ظاهرة أن ينتظر ويصلي مع الجماعة أنه في هذه الصورة يجب أن يصلي مع الجماعة. هذا ظاهر عبارة الحنابلة لأنهم خصوه بمن خشي فوات الصلاة والجماعة فقط. هذا الشخض الذي إن انتظر ربما فاتته الصلاة والجماعة لأنه سينام مع غلبة النعاس هذا فقط الذي يعذر بترك صلاة الجماعة.
هذا ظاهر عبارتهم.
والصواب: أن عذر غلبة النعاس يشمل الصورتين: - أن يخشى فوات الصلاة والجماعة. وهو مراد الحنابلة.
- وأن يشق عليه مشقة ظاهرة زائدة أن ينتظر صلاة الجماعة. لأنه إن انتظر ولو ضمن إدراك الجماعة فإنه سيصلي مع غلبة النعاس والتعب والبعد كل البعد عن الخشوع واستحضار مقاصد الصلاة ومعاني الأذكار أثناء أداء الصلاة وهذا كله بعيد عن إرادة الشارع أي أن الشارع الحكيم من مقاصده أن يؤدي المكلف الصلاة كاملة بحضور وخشوع واستحضار لمعاني الأذكار التي تكون في السجود والركوع والقيام.
فإن شاء الله هذا العذر يشمل الصورتين.
ونقول كذلك: على أن يحصل هذا اتفاقًا.
أما أن يرتب الإنسان وقته على أن يكون صلاة العصر دائما متعبًا يغلب عليه النعاس لا يدري ما يقول إن صلى هذا لا يجوز يجب أن يرتب أموره بحيث يستطيع أن يؤدي الصلاة على الوجه الأكمل.
•
ثم قال - ﵀ -:
أو أذى بمطر ووحل.
يعني: أو حصل له أذى بمطر أو وحل.
[ ٢ / ١١٩ ]
إذا تأذى الإنسان بالمطر أو بالوحل جاز له أن يترك صلاة الجماعة.
- لحديث ابن عمر في الصحيح أن النبي - ﷺ - كان يقول في الليلة الباردة أو المطيرة: صلوا في رحالكم.
أو: كلمة أو هذا لفظ البخاري.
وأما في الليلة الباردة والمطيرة هذا لفظ خارج البخاري.
المهم أنه في صحيح البخاري: في الليلة الباردة أو المطيرة.
واستدلوا أيضًا:
- بحديث ابن عباس - ﵁ - أنه أمر المؤذن أن يقول صلوا في رحالكم في ليلة موحلة ممطرة فلما سئل قال خشيت أن تخرجوا فتتأذوا من الطين والوحل. وهذا حديث صحيح أيضًاَ ثابت.
واستدلوا أيضًا:
- بأن النبي - ﷺ - في عام الفتح أمطرت على أصحابه - ﷺ - مطرًا لم يبل أسفل نعالهم فقال لهم صلوا في رحالكم وهذا أيضًا إسناده حسن إن شاء الله.
فدلت هذه الأحاديث على أن نزول المطر أو وجود الطين في الأرض سبب من أسباب العذر في الخروج لصلاة الجماعة.
وضبط الفقهاء الوحل أو الطين: بما يتأذى به الإنسان في بدنه أو ثوبه.
أما إن كان طين يسير لا يضر وبإمكان الإنسان أن يتفاداه فإن هذا لايعتبر من الأعذار التي توجب ترك الجماعة.
وضبطوا المطر كما سيأتينا أيضًا: بما يبل الثياب.
فإذا نزل مطر يبل الثياب فإنه يجوز ترك صلاة الجماعة.
بناء على هذا: إذا نزل مطر يبل الثياب لكن لا يؤذي أذية ظاهره فأحينًا ينزل مطر يبل الثياب لكن لا يؤذي أذية ظاهرة.
فعند الفقهاء يجوز والحالة هذه أن يترك صلاة الجماعة.
ومن العلماء من قال: بل يجب مع كونه يبل الثياب أن يؤذي بحيث إذا خرج الإنسان تضرر وتأذى.
ويظهر لي: والله أعلم: أن مذهب الحنابلة: أنه يشترط أن يبل الثياب فقط صحيح لأنه يظهر من النصوص أن الشارع الحكيم يعذر بجنس المطر ولا أقصد بأي مطر لكن أقصد أنه يعذر بجنس المطر الذي يبل الثياب.
بدليل هذا الحديث الذي تقدم معنا في قصة الفتح وهو أنهم مطروا مطرًا لا يبل أسفل النعال وأنتم تعلمون أن الطرق في القديم كانت كلها من تراب وأن المطر إذا نزل مباشرة تصبح الأرض قريبة من الطين إذا كان المطر يسيرًا.
يعني: لا بد أن تتأثر الأرض ولو بالمطر اليسير.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وإذا تأثرت الأرض ولو بالمطر اليسير فلا بد أن تتأثر النعال.
وهذا المطر الذي نزل عليهم - ﵃ - هم يقولون أنه لم يبل أسفل النعال فيظهر والله أعلم مع جمع القرائن وما كانت عليه أراضيهم أنه كان مطرًا قليلًا.
فمن مجموع هذه الأمور يظهر والله أعلم أن الشارع يعذر بالمطر ما دام أنه يبل الثياب ويحصل به أذى ولو لم يكن أذىً كبيرًا.
أما إذا نزل مطر لا يبل الثياب ولا يؤذي وإنما يشجع على الخروج من البيت فإنه إن ترك صلاة الجماعة في هذه الصورة فقد ارتكب محرمًا.
صلاته صحيحة لكنه آثم بتركه الصلاة بما لا يسوغ شرعًا ترك الصلاة.
• ثم قال - ﵀ -:
وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.
العذر الأخير: الريح.
لكن يشترط في الريح هذه الشروط الثلاثة:
- أن تكون باردة.
- وأن تكون شديدة.
- وأن تكون في ليلة مظلمة.
إذًا لابد من ثلاثة شروط. باردة وشديدة وفي ليلة مظلمة.
فإن كانت الريح ساخنة دافئة: فإنها ليست عذرًا في ترك صلاة الجماعة.
وإن كانت ريحًا باردة لكنها تهب بهدوء وليست شديدة: فكذلك ليست بعذر.
وإن كانت ريحًا باردة شديدة في النهار فليست بعذر.
إذًا: لابد من تحقق هذه الشروط الثلاثة.
نبدأ بالشرط الأول: أن تكون الريح باردة. هذا لا شك أنه شرط صحيح.
أما الريح الساخنة فإنها لا تؤذي فبإمكان الإنسان أن يخرج ولا يتأذى بها.
إذًا عذا الشرط الأول: بادرة. وهو صحيح ولذلك يقول ابن عمر - ﵁ -: في الليلة الباردة أو المطيرة.
الشرط الثاني: أن تكون هذه الرياح شديدة.
وقوله: (شديدة) على خلاف مذهب الحنابلة يعني أن المؤلف - ﵀ - خالف المذهب في هذه المسألة وهي اشتراط أن تكون شديدة.
= فالمذهب: لا يشترطون أن تكون شديدة بل يكفي أن تكون باردة.
والمذهب الذي هو خلاف ما ذكره المؤلف - ﵀ - هو الصواب إذا لا لا يشترط في الريح أن تكون شديدة لأنه لم يشترط في الحديث أن تكون شديدة أو أن تكون قوية. هذا شيء.
[ ٢ / ١٢١ ]
الشيء الآخر: أن الريح الباردة ولو هبت بهدوء فإنها مؤذية ولو لم تكن شديدة. نعم الشديدة أكثر أذىً ويتضرر بها الإنسان تضررًا شديدًا لكن كذلك الريح الباردة ولو هبت بهدوؤ فإنها تسبب ضررًا واضحًا وتأذيًا للإنسان.
فإذا: لا يشترط أن تكون شديدة وإنما فقط أن تكون باردة.
نأتي إلى الشرط الثالث وهو: في ليلة مظلمة.
يشترط أن تكون ليلة ويشترط في هذه الليلة أن تكون مظلمة.
استدلوا على هذا الشرط:
- بقول ابن عمر - ﵁ -: في الليلة الباردة. فنص على أن الريح تكون عذرًا في الليل فقط.
واستدلوا على ذلك أيضًا:
- بأن الريح إذا كانت في النهار فإنها لا تؤذي كما إذا كانت في الليل.
= والقول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون في الليل بل يجوز أن يترك صلاة الجماعة ولو كانت في النهار.
- لأن الريح الباردة ولو هبت في النهار فإنها مؤذية وتضر بدن الإنسان والشارع الحكيم يقول: (لاضرر ولا ضرار). وقد عذر بالطين وعذر بالمطر اليسير فما بالك بالريح الباردة ولو كانت في النهار.
فالأقرب إن شاء الله أن الليل لا يشترط وأنه لو هبت في النهار فإنه عذر لترك صلاة الجماعة.
مسألة / لم يذكر المؤلف - ﵀ - البرد. يعني: لو أنه أصبح الجو باردًا من غير ريح فما الحكم؟
الأقرب والله أعلم أنه إذا كان الجو باردًا فإنه يجوز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة بشرط أن تكون هذه البرودة خارجة عن البرودة المعتادة وإلا فإنه من المعلوم أن الشتاء كله يكون الجو فيه بارد.
فهل يقول قائل بأنه من حين أن يدخل الشتاء إلى أن يخرج يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة؟ هذا لا يقول به قائل.
لكن نحن نقول إذا كان البرد خارج عن العادة. وهذا يقع وربما تذكر أنه في شتاءنا هذا يمر اليوم أو اليومان يكون البرد فيهما خارج عن العادة ومؤذي وهو أشد إيذاء من الطين بلا إشكال.
ثم ابن عمر - ﵁ - يقول: كان النبي - ﷺ - في الليلة الباردة. هل ذكر الريح؟ لا لم يذكر الريح. إنما قال: في الليلة الباردة.
إذًا وجود البرد بحد ذاته الذي يعتبر غير معتاد هو في الحقيقة عذر.
[ ٢ / ١٢٢ ]
لكن العلماء - ﵏ - لم يذكروا البرد. لماذا؟ لأنه في الغالب الأعم أنه لا يوجد برد شديد إلا مع ريح فيندر تمامًا أن تجد الجو بارد جدًا ومؤذي وخارج عن العادة بدون ريح لأن الريح التي تهب مثلًا عندنا في نجد من جهة الشمال هي التي أصلًا تسبب البرودة. ولذلك لم يذكروها ففي الحقيقة الخلاف قد يكون لا طائل تحته لكن أحيانًا يوجد برد بلا ريح فإذا وجد هذا البرد الشديد بلا لاريح جاز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة.
وبهذا العذر أنهى المؤلف - ﵀ - الكلام عن الأعذار التي إذا وقعت جاز للمكلف أن يترك صلاة الجماعة.